الرؤية الشرعية حول الأحداث الليبية ( الحلقة الثانية )



الحكم على الوضع في ليبيا بناء على واقعه السابق :

وبناء على كل المعطيات المذكورة وعلى هذا الواقع الشاخص ، وانطلاقا من أن هذه النازلة تستوجب الحكم بناء على معطياتها اليوم في هذا الوقت الذي يُطْلِق فيه الفقيه فتواه ، لا على معطيات ما قبل حلول النازلة !!
كمن يفتي منطلقا من أن القذافي حاكم لليبيا الآن !!
بينما هذا الأمر ـ مع أنه لا تأثير له ـ هو مخالف لحقيقة الواقع الناطق بأن القذافي قد فقَدَ الحكم على ليبيا ، ولم يَعُد يحكم إلا ثلث البلاد بل أقل ، وبصفة جزئية لا كاملة ، وأنه مخلوع من قبل كثير من المسؤولين والضباط والدبلوماسيين والقضاة والعلماء وأكثر الشعب ، وأنه قد خلعه أيضا أكثر المجتمع الدولي كالجامعة العربية ومجلس دول التعاون وغيرهما .
بل القذافي تَحوَّل واقعا من حاكم يحكم بلدا إلى قائد ميليشيات وعصابات ، لا يسيطر إلا على الجزء الأقل من البلد ، وفي المقابل هناك كيان آخر معارض حاكم يحكم على الجزء الآخر !
وإنْ لم يكن قد فقَدَ وَصْف الحاكم مَنْ حالُه كحال القذافي اليوم فمتى نعتبر الحاكم قد فقد هذا الوصف ؟!
وكما هو مقرر عند الفقهاء فالْمَيِّتِ وَالْمَعْزُولِ وَاحِدٌ فِي زَوَالِ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَسُقُوطِ سُلْطَانِهَا .
فعلى الفقيه أن يحكم اليوم بناء على واقع اليوم لا أن يحكم اليوم بناء على واقع ما قبل شهرين .
وعليه :
ـ بسبب الجانب السابق ذِكْره آنفا من عدم إمكانية إيقاف المواجهات بين الطرفين على الصعيد الشرعي والكوني وسبق شرحه .

ـ ولكفر القذافي الذي كان الخروج واجبا عليه منذ سنوات وإنما تأخر بسبب عدم وجود قوة تصلح لمواجهته .

ـ ولحربه للإسلام طوال حُكمه مما يُمَثّل تغييبا لأهم مقصد من مقاصد الإسلام ألا وهو حفظ الدين .

ـ ولأجل ما يقوم به الآن من انتهاك شديد وبالغ لكل ما هو محرم من دماء وأعراض وأموال مما يُمَثّل تغييبا لباقي المقاصد الشرعية .

ـ ولأجل ما وصل إليه القذافي من حالة يُجَسّدها فَقْدُه لمنصبه كحاكم وتَحَوّله لقائد ميليشيات بعد فقده السيطرة على ثلاثة أرباع البلاد تقريبا ، وبعد قيام كيان حاكم بديل ومعترَف به دوليا لدى عدة جهات وبعد رفع الشرعية الدولية عن القذافي من عامة الهيئات الدولية .

ـ ولأجل تمكينه المرتزقة المتعددي الديانات من رقاب المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولإثخانه في قتل المسلمين بأعتى الأسلحة وبأبشع الطرق .

ـ ولتوفر اليوم قوة تصلح لمواجهته متمثلة في جيش مسلح مكون من ضباط كبار ومتطوعين من كافة فئات الشعب ومعهم أسلحة مناسبة وتدعمهم دول .

ـ لهذه الأمور وغيرها مما يطول شرحه وسبق ذكره من معطيات رأى أولئك العلماء الذين سبق ذكرهم أن المناسب هو الإفتاء بقتال هذا الطاغية ، دفعا لشره وجرمه وكفره ، فهو أحفظ للدماء إذ به يقِلّ إيغال القذافي في دماء الليبيين ، وهو أقرب لمقصد الشارع الذي لم يراع حفظ الدماء فقط في مقاصده وإنما حِفظ الدين أيضا والأموال والأعراض .

فالدماء لا تُحفظ ولا يمكن أن تُحفظ بفتاوى تمنع القتال ضد القذافي باعتبار الطرفين مستمرين لتحقيق غرضيهما !

والدّين والأعراض والأموال منتهكة أيام حكم القذافي وغير محفوظة !

فنحفظ ماذا من ماذا ولماذا ؟

ففي آخر خطاب للقذافي قبل هذه الأحداث حشد عامة دعاة الشرك القبوري من بلدان العالم وأبدى دعمه لهم ومناصرتهم ، وهو في السنوات الأخيرة على قدم وساق في محاربة التوحيد ونشر الشرك عن طريق المنارات التي يُشيّدها ، وهناك مخططات قوية نحن على علم بها لإحياء الشرك في ليبيا بعد انحساره إلى شكل كبير ، هذا من غير محاربة الدين على كل المستويات بأساليب جديدة تزيد عن أساليب القمع الجديدة أيضا .


لِكُلِّ هذا ، أليس القتال ضد القذافي وكتائبه الذي أعلن حربا ضروسا ضد المسلمين في ليبيا وبآلة لا تتوقف وعلى أيدي كافرة مرتزقة وبصورة عدائية تلاشت أمامها كل آداب الحروب ، وتجاوزت كل حرمات الأماكن والأشخاص فَدَكَّ البيوت والمساجد وهاجم النساء والأطفال ، أليس قتال مَنْ هذا جُرْمُه هو مِنْ قَبِيل دفع الصائل
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل ، ودفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعاً .
فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يشترط له شرط ، بل يُدفع بحسب الإمكان ، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم ، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده ما هو من الاختيار " ا.هـ

وهذا النوع من الدفع هو بصورة من الوضوح ومن ضرورة القتال التي ترتفع معها كثير من قيود الدراسة كما هو صريح قول شيخ الإسلام :
" فلا يشترط له شرط ، بل يُدفع بحسب الإمكان ، وقد نص على ذلك العلماء " ا.هـ
ومراده لا يشترط له ما يشترط للقتال المختار ، إذ لا اختيار مع مداهمة الفاجر للديار قتلا وفسادا وإفسادا .

بل لا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يكون قِتال القذافي عِند مَنْ لم يَقْنَع بأنه من دفع الصائل باعتباره حاكما حسب رأيه !
فلا أقل من أن يكون قتاله مشروعا من باب إزالة المتسلط الكافر المفسد والتي هي واجبة بالإجماع عند القدرة وهي الآن موجودة لدى الشعب ومتمثلة في جيش مسلح قادر ؟
ويكفي في بيان قدرة هذا الجيش على إزالة القذافي أنه استولى في مدة قصيرة على أكثر البلاد وانتزعها من القذافي ، ناهيك عن حفاظه على تلك المدن التي تحت سيطرته لِأَكثر من خمسين يوما حتى الآن ، بل ودفعه لمحاولات التقدم من قبل كتائب القذافي .

فها هو الإجماع معَنا حتى بهذا الاعتبار فلِمَ الاعتراض ؟
ـ القذافي كافرٌ الكفر البواح وما سبق كاف في بيان هذا .
ـ ولم يعُد حاكما على البلاد ، والواقع ينطق .
ـ وهناك قدرة على إزالته والجيش شاهد .
ـ والناس شرعوا في قتاله والكل يعرف .

وإنْ كان الاعتراض على كون القتال من باب دفع الصائل باعتبار القذافي لا زال حاكما في رأي المعترض هو في غير محله إذ كون الصائل حاكما لا يمنع من اعتباره صائلا .
فلماذا تعطلون حكم الله يا من منعتم القتال ضد القذافي ؟

أليس القتال ضد القذافي وكتائبه هو أيضا من قبيل إخراج الكفار المحاربين من ديار الإسلام ؟ حيث أن كثيرا من مرتزقة القذافي هم كفار محاربون من اليهود قادة الحرب ومن روسيا وصربيا وأوكرانيا وكولومبيا وبالاروسيا وغيرهم وهم في بلاد المسلمين يمارسون القتل ضد المسلمين .

أليس القتال ضده وضد كتائبه هو على الأقل من قبيل قوله تعالى ( فقاتلوا التي تبغي ) لو اعتبرناهم مسلمين جميعا تنزلا .

ومن قبيل قوله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ...أو مظلوما ) والشعب هم إخوتنا في الدين وقد وقع عليه أشد الظلم من كافر وكفرة ومجرمين ؟!!

ومن قبيل قوله : المسلم أخو المسلم ...لا يُسْلِمه ولا يخذله "
وفي ترك القتال ضد القذافي وكتائبه إسلام لإخواننا وخذلان لهم .

أليس القتال ضد القذافي هو من العمل بقوله تعالى : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ )
ومن العمل بقوله تعالى : ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ )
والقذافي من أكبر أئمة الكفر وتيسرت الأسباب الآن لقتاله بتوفر السلاح والجيش

ومن العمل بقوله تعالى : ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً )
فصريح الآية دال على أن الكافر إذا أنزل بأسه بالمسلمين فيجب قتاله لكف هذا البأس ورفعه ، والقذافي كافر وقد أنزل أشد بأسه بالمسلمين فلا بد من كف بأسه ولا يكفه اليوم إلا الحديد لا كَفِّ الأيد .

فمالذي يمنع شرعا من قتال القذافي وكتائبه المتعددي الديانات بعد كل ما سبق بيانه ؟!

إنْ كان حفظا لدماء الكتائب ؟!
فكيف تُحفظ دماء الكفار المحاربين من مرتزقة الكتائب الذين أوغلو في دماء المسلمين في ليبيا ؟!
وكيف تُحفظ دماء البقية من الكتائب من الليبيين المجرمين الذين يسفكون دماء أهلنا المسلمين في ليبيا عندما يهجمون على الأحياء السكنية ويقصفونها ويقتلون الناس عشوائيا وغير عشوائي دون فرق بين مدني وغير مدني ؟
أليست دماء هؤلاء المجرمين مباحة باعتبارهم قَتَلة ، وقد أحل النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح السنة وصريحها دماء القتلة ولو كانوا مسلمين ؟

ناهيك عن كون الليبيين في كتائب القذافي ينصرون الكافر والكفرة من المرتزقة ضد المسلمين بأسلحتهم وهذا مبيح لدمائهم في أدنى الأحوال من باب الحدّ .

ثم أليس قد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء المجرمين :
( إنمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ؟!

أيضا ألم يقل الله تعالى في حق مَن هو دون هؤلاء في البغي : ( فقاتلوا التي تبغي ) أفليسوا أشد من كونهم بغاة ؟!

فمالذي يمنع شرعا من قتال القذافي وكتائبه المتعددي الديانات ؟

وإن كان المنع حفظا لدماء الشعب الليبي المتعرِّض للقتل والذبح والقصف من هذه الكتائب المجرمة !
فأي عقل هذا الذي يمنع من التصدي للقاتل بدعوى الحيلولة دون وقوع القتل ؟!
أيحفظ دم المراد قتله بالدعوى إلى ترك القاتل يستمر في مشوار القتل ؟!

ثم هنا نقطة مهمة جدا أناشد بها علماءنا وفقهاءنا !
وأشكو إليهم تَعَدِّي منتسبين للعلم على قضيتنا بطريقة لا تمت إلى العلم بصلة ، فرقوا فيها الصف وأحدثوا بها الفتنة نظرا للطريقة التي تكلموا بها ، وكأن همهم الوحيد هو الوقوف ضد الشعب الليبي في محنته ، وصد هذا الشعب عن مقاومة المذابح الذي يتعرض لها ، وتفريق كلمته ضد عدوه !
كل هذا بلهجة وكأن الليبيين عندهم مجرد حيوانات غاب طالتها أسلحة صيادين !

أليس ما قررناه هنا من الدعوة إلى مشروعية القتال ضد القذافي اليوم وسبقَنَا إليه جماعات كثيرة من علماء الأمة هو من قبيل الاجتهاد المعتبر علميا من حيث القواعد والأدلة ؟!
أليس قد أفتى عالم ليبيا الفقيه المجتهد الصادق الغرياني بمشروعية التصدي للقذافي والسعي لإزالته بالقتال وغيره ومناصرة المدن المحاصرة ؟!
ووافقه جماعة من أهل العلم في ليبيا ؟
واستجاب لهم الشعب الليبي بالمشاركة في القتال ؟
وقام جيش مسلح بهذه المهمة وهو من فترة يمارس القتال .
إذًا ما مبرر هذا التدخل النقدي والتهجمي على الفتاوى المنادية بمشروعية القتال بعد كل هذا ؟
ومادام أن فتاوى القتال صادرة من علماء البلد الْمَعْنِي بالحدث ، ومؤيَّدة بفتاوى لهيئات ومجامع علمية أخرى ؟
وما دام أن القتال قام وشق مشواره !
أَمِنَ الفقه والدِّين والعقل والصدق أن يأتي أولئك ويُصرّوا على أن يقولوا كلمتَهم المخالفة والمعارضة تهجما وتشويشا وتفريقا للصف دون مراعاة لما صدر من العلماء ولما استقر عليه أمر المقاتلين عملا به ؟!
إذا متى يتفق المسلمون على جهاد ضد كافر أو باغي إذا كان هؤلاء
أليس من العلم والفقه الواجب أنه إذا أفتى علماء بلد في نازلة تمسّهم وهم أدرى بواقعها وكانت فتواهم معتبرة ووافقهم علماء عليها أن يُراعَى هذا وجوبا ولا يجوز لغيرهم أن يتكلم بما يُحدث الفتنة والفُرقة في شأن تلك النازلة إلا في حدود الحكمة والحرص على إغلاق باب التشويش والتفرقة ، هذا إن كان ولابد أن يتكلموا وإلا فمتى أمكن ترك التدخل بالمخالفة فهو الأصل في مثل هذه المواطن الحساسة .
وإلا فمرحبا بالفوضى والفتن بين المسلمين في كل ما يعرض لهم من نوازل .
فكلما داهم بلدا مسلما طارئٌ ما صاح الْمُفتون من كل ناحية ( ولكل وجهة هو موليها ) !
هذا يدري الواقع كاملا وذاك لا يدري إلا طرفا منه ويظن أنه أدرك الواقع !
وهذا يكفر حاكم تلك البلاد وذاك لا يكفره !
وهذا اختصاصه يخول له الكلام ، وذاك يظن أنها لا تصعب عليه !

فيا ترى هل سيوصلنا هؤلاء مثلا إلى ترك الخروج على الحاكم الكافر الذي يُكَفّره كثير من العلماء مادام أن بعض العلماء لا يُكَفّره ! ومتى ما خرج من يكفره فمن كان لا يكفره سيكون خصما له مع ذلك الحاكم ؟!
وطبعا مَنْ كَفّره من علماء سيُقَرَّعون على الإفتاء بالخروج عليه لأن غيرهم يخالفهم ؟

وبالتالي فعلى المسلمين أن لا يجتمعوا لعلاج نازلة أبدا ! بل والأضر ألا يعالجوا نازلة إلا في أجواء خصومات وانشقاقات !
كما حصل من تلك الفتاوى المشار إليها آنفا حيث ذهب فريق ممن تأثر بفتوى منع القتال ضد القذافي والتي صدرت من منتسبين للعلم بلهجة استنكارية فذهب فريق ممن تأثر بهذا الاستنكار إلى الوقوف مع القذافي وكتائبه بالقلم واللسان !
وأخذ هذا الفريق على نفسه العهد لمحاربة المعارضين للقذافي !
حتى أن منهم من خرج في مظاهرات تأييدية للقذافي مع أنه لا يرى جواز المظاهرات !
فهل تصدير الفتن بفتاوى كهذه وفي وقت كهذا من العلم والدين في شيء ؟!
من كان عنده رأي فَلْيَبْنِه أَوَّلا على تصوُّرٍ تام للواقع حتى لا يَخْلِط ، ثم لِيَبْنِه على علم صحيح حتى لا يغلط ، ثم ليطرحه بحكمة ومراعاة لما صدر من غيره حتى لا يُشوّش ويُفَتِّن .
فنتمنى من علمائنا استدراك ما وقع بفتوى جماعية واضحة ، أو حتى فرادى إن لم يتيسر جماعيا .

ما قلتُه سابقا من وجوب اعتبار اجتهاد علمائنا الذين أفتوا بمشروعية القتال ضد القذافي إنما هو لمحاورة المخالف لنا في هذه المسالة وإلا ففتوى أولئك العلماء بمشروعية القتال ضد القذافي هي حق صراح لا معتبرة فحسب .
بل فتوى منع القتال ضد القذافي وكتائبه الموغلة في دماء الليبيين اليوم هي التي ليس لها وجه في شريعة الله فيما أعلم !
تلك الشريعة المنزهة عن التهاون في دماء المسلمين وعن تسليم تلك الدماء للكافر المجرم يعثو فيها فسادا دون إعطاء شرعية الدفع له بل وإزالته لقطع شره عنهم .
والمنزهة عن ترك التجاوب مع ما هو متحقق وقائم وحاصل إلى التجاوب مع الأوهام .
فالمتحقق الحاصل هو أن كتائب القذافي أراقت وتريق دماء الليبيين فكيف لا نتجاوب مع هذا بدفع الكتائب وقتالها .
والأوهام هي الظن بأن الدماء ستحقن والأمن سيستتب والاستقرار سيتم إذا أفتينا بمنع القتال ضد الكتائب وطالبنا الشعب بوقف قتالهم !
فكيف نتجاوب مع هذا الوهم المرجوح الذي لا يشهد له كون ولا شرع ولا يحقق أي مقصد شرعي ؟!
ونترك التجاوب مع ذلك المتحقق الحاصل والذي في التجاوب معه تحقيق لمقاصد عدة من أهمها إزالة الكفر من أي ولاية على المسلمين في ليبيا ؟!

ولو استحضرنا ما سبق ذِكره في المعطيات مِنْ أنَّ إيقاف القتال الآن غير وارد على الإطلاق ولا يمكن أن يَقبل به الطرفان ، وأنَّ الإفتاء بوقفه لا يؤثر شيئا .
واستحضرنا أيضا أن إزالة القذافي هي مطلب شرعي ابتداء .

وبالتالي فتوقف القتال من طرف المعارضين للقذافي حقنا للدماء كما ينادي به المانعون لقتال القذافي والمؤدِّي بطبيعة الحال إلى بقاء القذافي هو توقف غير وارد واقعا وكونا ، وبالتالي فلا حقن للدماء بهذا .
والمطالبة بالتوقف مع عدم قابليتها واقعا فيها إغفال للمطلب الشرعي المنادي بإزالة القذافي .
وعليه فالفتوى بمنع القتال ضد القذافي لا راعت المطلوب ابتداء وهو إزالة القذافي ولا راعت المطلوب حالا لدى المفتي وهو حقن الدماء .
بل الأقرب أنها ستُسهم في إراقة دماء أكثر وإطالة أمد المواجهات أكثر ، وذلك لتأثيرها المعنوي على المعارضين سلبا ، وعلى كتائب القذافي إيجابا ، وعلى المواقف الشعبية المنتظرة سلبا ، والتي يُرجَى أن يكون لها ترجيح الكفة وحسم المواجهات في أقل مدة .

وعند هذا على الفقيه أن يستحضر كل المعطيات وعلى رأسها وجود قوة كافية لإزالة القذافي من جيش وسلاح وإرادة قوية .
وبما أن الخلاصة أنه في الحالتين ـ منعا للقتال أو قولا بمشروعيته ـ فالدماء مراقة مراقة ، والمواجهات مستمرة مستمرة سواء أفتى الفقيه بمنع القتال أم بشرعيته فلماذا لا يختار الفقيه الإفتاء بشرعية القتال المؤدية لحصول المطلب الشرعي وهو إزالة الكافر ما دام أن المنع لا يحقق أي مقصد شرعي ؟!
وما دام أن ثمة قوة كافية لإزاحة الكفر ؟
إضافة إلى أن الفقيه ليس لديه ما يدل على أن إراقة الدماء ستكون أقل مع الإفتاء بالمنع ، فقد تكون إراقة الدماء أكثر وهو الأقرب في وجهة نظرنا ، ولا مقدمات لدى الفقيه من الواقع على ضد هذا إلا الأوهام والأمنيات .
وهذا يوضح أن الافتاء بمنع القتال لم يقم على أساس شرعي من مراعة المصالح والمفاسد سوى مراعاة أمور خارجية لا علاقة للوضع الليبي بها .




ملاحظات وتنبيهات إلى جوانب ينبغي مراعاتها :

يا أيها الْمُفتون بمنع قتال القذافي ! إن كانت المصلحة عندكم متمثلة في أمن واستقرار ليبيا وحفظ دماء الليبيين فعليكم أولا بمراعاة التالي :

ـ أننا في مرحلة لا تقبل التراجع إلى ما كنتم تظنونه أمنا واستقرارا وحفظا للدماء ، فأكثر من ثلثي البلاد قد خرج عن سيطرة القذافي وسُفِكَت دماء الآلاف وقام مجلس حكومي آخر معارض للقذافي واعترفت به عدة جهات دولية ، وفقَدَ القذافي كل المجتمع الدولي وفقد مع هذا شرعيته ، بل هو ملاحق الآن دوليا ولا يمكن أن يحصل لليبيا استقرار مع بقاء نظامه المتهم بجرائم ضد الإنسانية .
بل إن دولة على رأسها القذافي المجرم هي أمام لائحة طويلة من العقوبات التي ستنهك معها الشعب .

ـ وبمراعاةِ أن الأمن والاستقرار غير قاصر على نظام القذافي يبقى ببقائه ويزول بزواله فمن المعقول جدا أن يكون هناك أمن واستقرار مع زواله وأن يكون اضطراب وفتن مع بقائه وهذا هو الواقع الآن .
ـ ومراعاةِ أن زوال القذافي أقرب كونا باتفاق كل من يتابع أحداث ليبيا وهو أوجب شرعا بلا خلاف .
فأما كونا فلأن نظامه بالكامل مرتبط به يسقط بسقوطه وقد يبقى ببقائه ، أما المناوئون له فهم ألوف مؤلفة لا يمكن أن يسقطوا إلا بخطوات كثيرة طويلة .
بل إن نظام القذافي لا يمكن أن يستقر ولو تغلّب على معارضيه فهو ملاحَق دوليا وتنتظره عقوبات ستضع الليبيين في دوامة لا يعلمها إلا الله .
ـ ومراعاة أنَّ على الذي يُفتي في حق الوضع الليبي أن يستحضر كل المعطيات المتعلقة بالموضوع لا أن يكتفي بمعلوماته العامة عن هذا الوضع أو بناء على أنه لا يثق في أخبار تنقل له فيُدَفِّعَ الليبيين ثمن عجزه عن معرفة الحاصل ، فالأمر مرتبط بدماء وبمجتمع بأسره .
ـ إنه ليس من الدين في شيء ولا من العقل في شيء أن يحكم أحد على الوضع الليبي بناء على ما ظهر له دون تحري تام ودون مراعاة ولا مبالات بما أفتى به علماء ليبيا وعلى رأسهم الشيخ الصادق الغرياني فأهل البلد لهم ما ليس لغيرهم فكل ما ينقل من واقع لا يساوي الواقع نفسه .
والشيخ الصادق ومعه فئات من أهل العلم في ليبيا قد أفتوا بفرضية العين للقيام بكل ما من شأنه أن يزيل هذا النظام .

وأي دين هذا الذي يترك أهله في ظرف كهذا دون حل يحفظ دماءهم ما أمكن ويضع حدا لمن يستطيل في انتهاك تلك الدماء ؟
وليخبرنا الذين نصَّبوا أنفسهم منافحين عن فتوى المنع من القتال ليخبرونا مالذي نفعله لحماية المسلمين في المناطق التي يقصفها القذافي ؟
وليستحضروا أننا لا نملك إيقاف الشعب بجيشه عن الاستمرار في مطالبهم كما أننا لا نملك إيقاف القذافي عن مجازره ، فمالذي نفعله ؟
أنقاتل مع القذافي الكافر المجنون الذي فقد كل شرعية وأصبح مجرد عربيد يقود ميليشيات ؟ ونُجْهِز على الثوار ومَن حولهم من مدنيين كما يفعل القذافي ؟!!!!
أم نقاتل مع الثوار المسلمين ونرجح كفتهم ضد ذلك الكافر المجنون الفاقد لكل شرعية الطاغي بكل المعايير ؟
أم نتوقف ونترك هذا الكافر المجنون الفاقد لكل شرعية نتركه يقتل ويذبح ويقصف ونتخلى عن إخواننا المسلمين بما فيهم من مدنيين وأطفال ونساء وشيوخ ونتخلى عن ديارهم وديارنا يعثو فيها هذا الجائر فسادا ؟!

لابد من إجابة عن هذه الأسئلة وعن هذا الوضع لكل من حشر نفسه للكلام عن أحداث ليبيا .
أما أن يتكلم من لايثق بالقنوات ولا يثق أو لايعرف من ينقل له الواقع من أبناء البلد ، أو يتكلم من لا يستشعر ما يعانيه غيره فيكتفي بالكلام الغير واقعي فهذا ما لا نقبله ، فكفوا أيها المتدخلون في الشأن الليبي مادام أنكم لا تدركون واقعنا أو أنكم لا تراعون دماءنا وما نتعرض له .
في الوقت الذي نعرف فيه أن بعض ـ إن لم يكن أكثر ـ من تكلم عن واقعنا وجنح إلى التثبيط من مواجهة القذافي أنه والله وبالله وتالله لو كان الحال في بلده والقتل يستفحل في أهله لقال غير الذي قال ، ولكن ( ستكتب شهادتهم ويسألون ) وعند الله المجتمع .

وأخيرا من شوَّش عليه تدخل قوى الغرب جويا فأنبهه إلى التالي :

ـ أن هذا التدخل الغربي الجوي فقط لم يحصل إلا بعد أكثر من شهر من جهاد الشعب ضد القذافي .
وأكثر مَنْ أظهر هذا التخوف من بعض المفتين وحاول التشويش من خلالها على الوقوف بجانب الشعب الليبي وجهاده كان موقفه واحدا من جهاد الشعب سواء قبل التدخل الجوي أم بعده ، فليس ذلك منه إلا تعلقا بما يظنه يخدم موقفه .
ـ أن هذا التدخل الغربي الجوي سواء كان مشروعا أو ممنوعا في الإسلام ما علاقته بمنع جهاد الشعب الليبي ضد ذلك المتسلط الكافر ؟
فالجهة المتدخلة وهي الغرب هي غير الجهة التي نطلب لها حكما شرعيا بالجهاد معها وهي الثوار !
والمجاهد الليبي على أرض المعركة سواء الذي لا يرضى بهذا التدخل الغربي أم الذي يرضى به مالذي يقوم في حقه ليمنعه من استمرار الجهاد ضد القذافي ؟!!
والذين يرزحون تحت بغي القذافي وصواريخه من المدنيين وغيرهم ما موجب تركهم والتخلي عنهم للقذافي بسبب هذا التدخل ؟!
وما الذي يملكه الممانع لهذا التدخل الجوي من عمل ؟
ثم هو تدخل جوي فقط وضد القذافي وكتائبه فقط ، ولم يُقتل بسببه مدني واحد ، وهذا بشهادات الشعب الليبي بعيدا عن إعلام القذافي الكاذب .
فهل يكون مثل هذا مانعا من الدفاع عن الشعب الليبي ومانعا من السعي لإزالة القذافي الكافر الجائر المتهاوي ؟!
فمن الواضح بناء على ما سبق أن التدخل الجوي لا يُقدِّم ولا يؤخر شيئا مِنْ حُكم الدفاع عن الشعب الليبي ضد القذافي .
ـ طبعا عَلِمْنا أنه تدخل جوي فقط وما نطلب حكمه هو ما على الأرض من قتال بين القذافي وبين شعبه المتمثل في جيش الثوار .
ـ أن الاستعانة بغير المسلمين قد تجوز شرعا وليست أمرا محرما باطراد وفي هذا يقول العلامة ابن باز :
" ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه استعان بدروع أخذها من صفوان بن أمية استعارها منه - وكان صفوان كافرا - في قتال له لثقيف يوم حنين , وكانت خزاعة مسلمها وكافرها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتاله لكفار قريش يوم الفتح , وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « إنكم تصالحون الروم صلحا آمنا ثم تقاتلون أنتم وهم عدوا من ورائكم » (1) فهذا معناه الاستعانة بهم على قتال العدو الذي من ورائنا " ا.هـ كلامه .

ـ أن هذه الاستعانة هي استعانة مقيدة بأمور وليست مطلقة :
أ ـ بالجو فقط .
ب ـ وضد القذافي وكتائبه فقط .
ج ـ ولغرض معين واضح وهو منع قوات القذافي من ضرب المدنيين .
د ـ ولوقت محدد بظرف وهو زوال خطر القذافي على المدنيين .
ثم هي استعانة بطلب من قيادة الشعب الليبي المتمثلة في المجلس الانتقالي ومن الثوار وبطلب من دول مجلس التعاون ومن الجامعة العربية بغض النظر عن تفصيلات التدخل التي يكفينا القول معها بأنها بطلب من قيادتنا وثوارنا وشريحة كبيرة من قادة الخليج والعرب وقادة المسلمين ، وبإقرار من منظمة المؤتمر الإسلامي الذي هو عضو في هيئة الاتصال الخاصة بليبيا المتكونة في هذه الأحداث .
وعليه فما المانع شرعا من هذه الإستعانة التي اضطُر لها الليبيون اضطرارا ، كما اضطر النبيُّ لاستعارة السلاح من صفوان بن أمية لما كان كافرا ، وكما اضطرت الكويت والسعودية للاستعانة بأمريكا ضد صدام ، مع أن الضرر في السعودية كان مظنونا وضررنا اليوم هو متحقق .
إنه لا أقل من أن يكون من باب ارتكاب أدنى المفسدتين ، فتسلُّط القذافي وإيغاله في دماء الليبيين مفسدة ! والاستعانة مفسدة ! وهما مزدحمتان لا خلاص لنا من إحديهما والقاعدة تقول : ( ترتكب أدنى المفسدتين عند تزاحمهما )
وأدناهما هو الاستعانة مادام أنها مقيدة بكل ما سبق .

ـ وأزيد هنا نقطة توضيحية لمن يتوهم الاحتلال من وراء هذا التدخل فأقول :
الغرب وعلى رأسهم دول أوروبا ليس من صالحهم أبدا أن تكون ليبيا دولة مفتوحة للصراعات والقتال لأن ليبيا تحتل من حوض البحر المتوسط المشترك مع أوروبا قرابة 1920 كيلو متر كشريط ساحلي .
وهذا البلد الذي يحتل كل هذا الساحل وهو ليبيا له حدود مع ستة دول أفريقية وهذا يعني سهولة تحوله لمسرح لجماعات مسلحة الأمر الذي يتفاداه الغرب كثيرا وله صحراء كبيرة شاسعة لا يمكن ضبطها عند نشوء أي نزاع .
ودخول أي قوات محتلة فهذا يعني فتح بوابة من النار على هذا الحوض الذي لا يمثل حدودا لأوروبا فقط ، بقدر ما يمثل طريقا لها إلى آسيا والشرق الأوسط ، فهو يمثل معبر القوافل لها والتي لابد أن يكون خطها آمنًا .
ناهيك عن تحول هذا البلد عند ذلك إلى أرضية للجماعات المسلحة الأمر الذي يتحاشاه الغرب ويعتبره أكبر المفاسد بالنسبة له .
ناهيك أيضا عن حاجتهم لاستمرار تدفق النفط واستقرار البلد ، والحد من الهجرات الغير شرعية .
إلى أمور يطول شرحها ومن أهمها عدم قابلية هذه الدول المتدخلة شعوبا وهيئات لبرامج الاحتلال بعد التجربة المرة في العراق وأفغانستان ، ولا أدل على هذا مِن اعتراض جماعات في البنتاغون على المشاركة الأمريكية في ليبيا ، ومِن تَعَرُّض الرئيس الأمريكي للنقد والمساءلة من فئات سياسية هناك .
والمتابِع للأحداث يستبعد ذلك السيناريو الاحتلالي كل البعد ، لملابسات ومقدِّمات يطول شرحها .
ثم ماذا يريد أولئك المفتون ؟
هل يريدون أن يترك الليبيون دفع ضرر القذافي المتحقق والحاصل لأجل الاحتلال المتوهَّم المتخيل أو المظنون ؟
ثم العجيب منهم أنهم لا يدركون أن تَرك دَفْع القذافي لا يعني دفع الاحتلال ! فنترك ماذا لماذا ؟!

وهذا طرف من فتوى للشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حول الاستعانة بالكفار قال فيها رحمه الله :
"
وأما ما وقع .. مِن طلب الاستعانة من دول شتى للدفاع وحماية أقطار المسلمين لأن عدوهم لا يؤمن هجومه عليهم , كما هجم على دولة الكويت - فهذا لا بأس به , وقد صدر من هيئة كبار العلماء- وأنا واحد منهم- بيان بذلك أذيع في الإذاعة ونشر في الصحف , وهذا لا شك في جوازه , إذ لا بأس أن يستعين المسلمون بغيرهم للدفاع عن بلاد المسلمين وحمايتهم وصد العدوان عنهم ,وليس هذا من نصر الكفار على المسلمين الذي ذكره العلماء في باب حكم المرتد , فذاك أن ينصر المسلم الكافر على إخوانه المسلمين , فهذا هو الذي لا يجوز , أما أن يستعين المسلم بكافر ليدفع شر كافر آخر أو مسلم معتد , أو يخشى عدوانه فهذا لا بأس به وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه استعان بدروع أخذها من صفوان بن أمية استعارها منه - وكان صفوان كافرا - في قتال له لثقيف يوم حنين , وكانت خزاعة مسلمها وكافرها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتاله لكفار قريش يوم الفتح , وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « إنكم تصالحون الروم صلحا آمنا ثم تقاتلون أنتم وهم عدوا من ورائكم » (1) فهذا معناه الاستعانة بهم على قتال العدو الذي من ورائنا .
والمقصود أن الدفاع عن المسلمين وعن بلادهم يجوز أن يكون ذلك بقوة مسلمة , وبمساعدة من نصارى أو غيرهم عن طريق السلاح , وعن طريق الجيش الذي يعين المسلمين على صد العدوان عنهم , وعلى حماية بلادهم من شر أعدائهم ومكائدهم .
والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } (2) فأمرنا بأخذ الحذر من أعدائنا وقال عز وجل : { مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } (3) وهكذا من يعتدي علينا ولو كان مسلما أو ينتسب إلى الإسلام , فإذا خشي المسلمون عدوانه جاز لهم أيضا أن يستعينوا بمن يستطيعون الاستعانة به لصد عدوان الكافر ولصد عدوان المعتدي وظلمه عن بلاد المسلمين وعن حرماتهم , والواجب على المسلمين التكاتف والتعاون على البر والتقوى ضد أعدائهم وإذا احتاجوا فيما بينهم لمن يساعدهم على عدوهم أو على من يريد الكيد لهم والعدوان عليهم ممن ينتسب للإسلام , فإن لهم أن يستعينوا بمن يعينهم على صد العدوان وحماية أوطان المسلمين وبلادهم كما تقدم " ا.هـ

وأخيرا أقول ملخصا موقفي مما حصل ويحصل في ليبيا
إنه قبل هذه الأحداث كنت ممن ينهى عن الخروج على القذافي لا لشرعيته في الحكم ولكن لغلبة ظني بعدم وجود قوة كافية لإزالة القذافي وبالتالي سيكون في أي خروج عليه مفسدة أكبر من مصلحة الخروج .
وكان هذا موقفي حتى ليلة الثامن عشر من فبراير ، أي بعد بداية هذه الأحداث بيومين أو ثلاث فما أصبح يوم 18 إلا وقد انتهيت من كتابة رؤية شرعية في تأييد هذا المواجهة ضد القذافي ، بعد ظهور قوة مسلحة ، وبعد سيطرة المعارضين له على رُقعة كبيرة من البلاد ، وأرسلتها لبعض المواقع دون أن أكتب اسمي ، لأني كنت في مدينة طرابلس .
وخلاصة الرؤية أنه بسقوط مناطق الشرق وتخلي كثير من المسؤوليين عن القذافي وبقيام جبهة مسلحة ضد هذا الرجل أصبح من الواجب السعي لإزالته بسبب كفره وعظيم شره ، ولتيقن النتيجة بإزالته ولو كان البديل عنه مجهولا بالجملة كما هو الشأن أيام الجهاد الأفغاني ، حيث لم يكن هناك بديلا معلوما مع تعالي أصواتٍ في صف المقاتلين الأفغان بتحكيم الديمقراطية !
ثم حَكَمهم مباشرة مجددي القبوري حُكما ديمقراطيا وكذا بعده رباني !
وعندما انتصر الأفغان على حكومة نجيب الله كان أول ذبيح هو شيخ السلفيين هناك وهو الشيخ جميل الرحمن .
فَلِلتَّيَقُّن بالنتيجة في إزالة القذافي ، ولشدة كفر هذا الطاغية ولعظيم شره ، فعلى أقل الأحوال سيكون فيما يحصل من مفاسد في الخروج عليه شر أدنى وأخف من شر بقائه ، هذا مع ما في الواقع من مبشرات في أن يكون البديل ممن يرجى فيه الخير .
مع أننا في حالة أقرب لدفع الصائل يكفي معها إزالةُ الصائل وكونُ البديل مُسْلِما ، وكلاهما مُتحقق بإذن الله .
وفي حالة هي أقل وضوحا من حالتنا يقول العلامة الفقيه العز بن عبد السلام:

" يجوز القتال مع الفاسق دفعا لفسق أعظم من فسقه " ا.هـ

فكيف في حالتنا والتي هي دفع لكفر لا لفسق ؟!
ثم إن الناس قد خرجوا على الرجل واجتمعوا ضده وشَقُّوا مشْوارا كبيرا ، وليس بأيدينا أن نعيد الأمور إلى ما كانت عليه ، فليس إلا إكمال المشوار الذي هو ابتداءً مطلوب شرعا .
ووالله إنه منذ الأسبوع الأول كانت إزالة القذافي سهلة جدا لو أن كلمة العلماء كانت واحدة وواضحة في وجوب السعي لإزالة القذافي والخروج عليه ، لأن القذافي كان مشتتا ميدانيا ومرتبكا ارتباكا شديدا ، وما خطابه الأول إلا دليلا قاطعا على ذلك ، وكان هناك فراغ كبير في طرابلس رأيناه رأي العين ، ولكن لانتشار الرأي الداعي للزوم البيوت وعدم الخروج لدى الشباب المتدين في طرابلس الأمر الذي ثبّط الكثير من العامة في طرابلس مما عرقل حركة الخروج فأعطى ذلك الفرصة للقذافي في استجماع قواه ، وكان ترك الخروج في ذلك الوقت الحاسم سببا في تمرد القذافي وإيغاله في دماء الليبيين !
لأنه تمكّن بعد تفلت الأمور من يده بشكل كبير تمكن من ترتيب قواته بالفرصة التي منحه إياها كثير من أهل طرابلس ، أقول هذا وأنا طرابلسي .

أما اليوم فنحن أمام معطيات أخرى سبق ذكرها وهي تؤكد شرعية المواجهة ضد القذافي وكتائبه على ضوء ما سبق شرحه أثناء عرض المعطيات .


إلى هنا آخر الحلقة الثانية ويليها الثالثة وعنوانها :

المصلحة والمفسدة وتقديرهما في قضايا إزالة الحاكم الكافر في ضوء فتاوى بعض الفقهاء وعلاقة هذا بالواقع الليبي :