الرؤية الشرعية حول الأحداث الليبية :



الحمد لله الذي خلق فسوّى ، وقدّر فهدى ، وأمات وأحيا ، وأضحك وأبكى ، له وحده الأسماء الحسنى والصفات العلى .
وأشهد بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد :

إنه وبإزاء ما يَحصل في ليبيا مِن حرب ضروس ضارية عاتية مِنْ قِبَل القذافي وكتائبه ضد شعب ليبيا المسلم ، وضدّ قُراه ومُدُنِه ومُقَدّراتِه ، حتى بلغ الأمر فيها إلى صورة من الدموية والتقتيل لم يكن يتصورها عاقل أن تحصل مِن حاكم لشعبه ، وليس لها نظير إلا ما يحصل من اليهود في فلسطين !
ولا أريد أن أستعجل الآن في نقل الصورة فهذا محله فيما يلي .
لكني أُنبه إلى أنَّ هذه الصورة الدموية لا تقبل من الفقيه والمفتي معها الاقتصارَ على إرسال العُمومات ! أو الاكتفاء بإلقاء وجهات النظر التي لا تُحدّد للمكلَّف مالذي يفعله باتجاه ما يحصل !
فضلا عن أن تقبل تلك الصورةُ من الدموية الفتاوى النقديةَ التي لا تحمل أي فائدة علمية تُذكر سوى اللمز والمبالغة في النقد لبعض المفتين ، ودون تَعرُّض لما يحتاجه المكلف ألا وهو حاجته إلى معرفة مالذي ينبغي عليه بإزاء ما يحصل ؟!
وبهذا تكون هذه الفتاوى النقدية مجرد محاولات لإبطال مفعول تلك الفتاوى المنتقدة ليس إلا !!

كما أن الصورة في ليبيا لم يَعُد لها ارتباط يُذكر بمسألة المظاهرات وحكمها شرعا ، وإنما بالقتال المسلح ، فعلى الفقيه أن يسلط الضوء على هذا بعيدا عن الإسهاب في حكم المظاهرات حتى لا يكون كلاما بعيدا عن الواقع .

لأجل كل ما سبق رأيت نفسي محتاجا لكتابة هذه الكلمات التي أريد من ورائها طرحا بنَّاءا يميط شيئا من اللثام عن هذه المسألة الخطيرة .
وهذا الطرح مرادي منه بشكل صريح :

تلخيصُ الواقع الذي يمثل معطيات القضية باعتباري عايشت واقع البلاد في هذه الأحداث ، وكنت مهتما جدا بما يحصل ، فعاينت ما عاينت وتواصلت مع شهود لما حصل بعيدا عني ، وباعتباري ليبيًّا أعرف واقع البلد ، فحرصت لهذا على نقل الواقع للفقيه والمفتي كي يكون على بيِّنة مما يريد أن يحكم عليه .

إذْ حِرْص الفقيه على معرفة الواقع بدقة مرتبط بأظهر آداب المفتي الواجبة والمقرَّرة في كتب أصول الفقه عند باب آداب المفتي والمستفتي ، وهي ضرورة استيفاء واقع المستفتَى عنه قبل إصدار أي حكم .

بل هذا الأدب هو مبدأ عقلي ضروري قائم في كل المجالات الكونية ، ولا يختص بمجال الفقه وحده ، فإنه لا يكتفي مُختص عند حُكمه على قضية واقعية ما ، لا يكتفي بما هو قائم في إدراكه من أصول لاختصاصه ، حتى يَطّلع على واقع القضية ليطبق عليها بالتالي أصوله وقواعده .

وهذه مشكلة حقيقية لدى الكثير ممن يحكم على الوقائع .
وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ضرورة مراعاة المعطيات قبل الكلام عن النوازل عندما سئل عن التتار ، فقيل له :
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ..
في هؤلاء التتار ... ؟
فقال الإمام تقي الدين ابن تيمية :
" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
نَعَمْ يَجِبُ قِتَالُ هَؤُلَاءِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ؛ وَاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا الْمَعْرِفَةُ بِحَالِهِمْ .
وَالثَّانِي مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ فِي مَثَلِهِمْ .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكُلُّ مَنْ بَاشَرَ الْقَوْمَ يَعْلَمُ حَالَهُمْ وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَة ِ وَأَخْبَارِ الصَّادِقِينَ . وَنَحْنُ نَذْكُرُ جُلَّ أُمُورِهِمْ بَعْدَ أَنْ نُبَيِّنَ الْأَصْلَ الْآخَرَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّ ةِ فَنَقُولُ ... " الخ

فتأمل تأصيل شيخ الإسلام واعتبارَه الوقوف على المعطيات الواقعية أصلا هاما لا تُبنى الفتاوى إلا عليه !
وعليه فلا يليق أن يقتصر الفقيه في الحكم على هذه النازلة التي نَوَدّ دِراستها بناءً على ما يعرفه من أصول عامة في شأن الخروج على الحكام !
بل ولا يليق أيضا أن يكتفي الفقيه ببعض ما يبلغه من واقع هذه الأحداث ثم يحكم على ذلك الوضع بناء على ما يبلغه دون تفرُّغٍ منه لاستيفاء الواقع ، ودون إفْراغٍ للوُسع فيه !
لأن القضية عامة وعظيمة ، فهي تمس مباشرة الملايين ، وعليه فالضرر في الزلل بها بالغ ، والشأن فيها شأن مجتمع بأسره ، والأمر أمر دماء وأموال وأعراض ، والمصالح والمفاسد فيها عظيمة وجد عظيمة .
وعدم العناية وبذل الوسع في جمع المعطيات الواقعية لهذه النازلة هو فرع ولا بد مِنْ عدم العناية واللامبالاة بدماء المسلمين في ليبيا .
فلا أقل من أن يتعامل الفقيه معها كما يتعامل القاضي مع مسائل النزاع والحقوق مِنْ عدم التقدم بالقضاء فيها حتى استيفاء الصورة .
بل لو قلتُ إن هذه النازلة يجب أنْ تَصْدُر فيها فتوى جماعية من علمائنا الكبار الذين لهم الأثر الكبير على الساحة الليبية دون أن يتفرَّد بذلك آحادهم لَمَا أبعدتُ !
من أمثال العلامة صالح الفوزان والعلامة عبد المحسن العباد والعلامة صالح اللحيدان والعلامة عبد الرحمن البراك والعلامة عبد الله العقيل والعلامة صالح الأطرم والعلامة عبد الكريم الخضير وغيرهم .
وخاصة أن هناك أمرا خطيرا يحصل في هذا الجانب ، ألا وهو صُدُور مواقف مُشينة من أفراد ينتسبون إلى منهج السلف !
بل واثنان منهم مِن خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة ، لكنهما وللأسف على مستوى علمي وأخلاقي هزيل ، وتاريخُهما معروف منذ زمن بعلاقة تعاونية مع الاستخبارات الليبية !
لكن عامة المشاهدين لا يعرفون منهما إلا ظاهرهما الديني وانتسابهما العلني للجامعة الإسلامية .
فهذان وغيرهما من المنتسبين لمنهج السلف ظهروا على التلفاز الليبي بمظهَرٍ مُشوِّه للدِّين ، حيث أظهروا دفاعهم الشديد عن القذافي وكتائبه باسم الدين وباسم المنهج السلفي !!
على أنه ولي أمر شرعي ! وأنه لا يجوز التصدي لكتائبه التي تقتحم المدن ، وجعلوا من أنفسهم مدافعين عن النظام بل ومُتَبنِّين لرؤية النظام حول ما يجري مُرَدِّدِين كل ما يقوله النظام من مُبَرّرات مكذوبة حول خصومه .
وهم على صلة وطيدة بابن القذافي ( الساعدي ) الذي استغلهم للظهور بهذا الدفاع في هذه الأيام .
الأمر الذي دفع عامة الناس لسب هذا المنهج وأخذ فكرة سيئة عنه حتى شاع على ألسنة الكثير من العامة قولهم عن الشباب السلفي :
( لا لحية لا إزار .. يكفي عملتوا العار )
والأمر أشد من هذا في التشويه غير أن المقام لا يسمح بالتفصيل .
حتى أثَّر هؤلاء وغيرُهم على بعض العامة وعلى كثير من شباب هذه الطائفة ، وإنْ كان أكثر الناس لهم رؤية واضحة لما يجري بفضل الله ثم بمواقف بعض علمائنا وبعض طلبة العلم ، لكن التشويش قائم .
ولا أكون قد أَبعدْتُ إذا قلت إنَّ تشويش أولئك الشباب وأمثالهم على الجهود المبذولة
لإزالة القذافي قد تسبَّبَ في عرقلتها بطرابلس الأيام الأولى ، مما أعطى القذافي فرصة استجماع قواه بعد أن كان مباغَتاً مُشَتَّتًا مضطربا .
ولا أدل على هذا من الفراغ الكبير الذي شاهدناه في طرابلس في الأيام الأولى وكذلك خروجه في أول خطاب له وهو يرتعد ، فهذا التشويش منهم كان له دور كبير في بقاء القذافي ، وله دور اليوم في تأَخُّر رحيله ، وما راء كمن سمع .

وهذا يُحَتِّم على العلماء إصدار بيان لموقفهم حول ما يحصل في ليبيا من قِبَل القذافي وكتائبه ومن قِبَل المعارضين للقذافي حتى يكون الناس على بصيرة ، وحتى ينزهوا السنة والدين مما نسب إليه ، ولا يتم هذا التنزيه إلا بفتاوى صريحة من العلماء السابق ذكرهم ، والأمر جد خطير لا يحتمل الإطالة ولا التأخير .

فالمقصد كما ذكرت من هذه الكتابة :
ـ هو تلخيص الواقع الذي يُمَثّل معطيات القضية .
ـ ثم مِنْ بَعد ذلك التنبيه إلى الجوانب التي ينبغي التركيز عليها في الحكم ، ومن ثَمَّ الإسهام للوصول إلى النتيجة الشرعية الصحيحة ألا وهي ( مالذي يجب على المكلف فعله باتجاه ما يحصل في ليبيا المسلمة ) .

وأتمنى من الفقيه في دراسته لهذه النازلة أن يتجنب الالتفات إلى المؤثرات النفسية التي قد تصاحبه حال نَظَره في هذه النازلة :
ـ كالتخوف الزائد مِن عدوى الثورات القائمة الذي يعيشه الكثير ممن يبالغ في الحرص على أمن واستقرار بلده ، حتى يُدخله ذلك التخوف إلى درجةٍ مِن الأوهام والهواجس تجعل مِنْ كُلِّ حَدَث يَسْمع به مِنْ حَولِه ناقوسَ خطر يدق أبواب بلاده ، فينتفض منكرا لأي مواجهة تحصل عَلَّه يُبعِدُ بذلك عن بلده ذلك الناقوس .
ـ أو كحالة النفور النفسي من كل صور المقارعات مع الحكام والتي هي متولّدة من تجارب سابقة للجماعات الإسلامية القتالية التي أخطأت الطريق وضلته في كل تجاربها ، حتى أصبحت تلك الحالة من النفور مُكَوَّنا نفسيا ثابتا بسبب تَوالِي تلك التجارب الخاطئة على نفس الطريق الخاطئ .
ـ ناهيك عن المؤثر النفسي العام الذي أخبر عنه ربنا في كتابه بقوله :
( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ )
والذي عالجه ربنا والحمد له بقوله متابعا : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .

فأتمنى من الفقيه ألا ينطلق في دراسة هذه النازلة من خلال هذه المؤثرات أو بعضها ، أو غيرها من مؤثرات إن وُجِدت ، وإنما ينطلق من مراعاة الواقع وما يناسبه من حكم حسب ما تنص عليه الأدلة الشرعية وأصول العلم كائنا ما كان هذا الحكم .

ونحن بفضل الله بالرغم من موقفنا منضبطون بمنهج السلف في التعامل مع الحاكم
ولذلك لم نكن نؤيد تلك المظاهرات ولا المصادمات في أول أيام هذه المواجهات ، حتى أسْفَر الأمر عما أسفر عنه من تغيُّر في المعطيات ، فأيدنا المساعي لإزالة القذافي بالضوابط الشرعية المعروفة وسيأتي توضيح الرؤية إن شاء الله .

فَإِلَى ذِكْر جملة من النقاط التي تُقَرِّب الواقع حسب علمي وتُمَثّل المعطيات أومعرفة الحال ـ حسب عبارة شيخ الإسلام ـ وهذه النقاط هي :

1 ـ ليبيا بلد مسلم وعامة أهلها مسلمون .

2 ـ معمر القذافي كان حاكما لليبيا منذ اثنين وأربعين سنة ، وهو رجل ينتسب للإسلام في الظاهر وقد نقض إسلامه بِعِدَّة نواقض ، كَفّره لأجلها أكبر علماء الأمة ولا أعلم حاكما منتسبا للإسلام اجتمعت في حقه فتاوى العلماء بالتكفير كما اجتمعت في القذافي ، فقد كَفَّره جماعةٌ من كبار العلماء :

كالعلامة ابنِ باز والعلامةِ الألباني والعلامة مقبل بن هادي وغيرهم كثير من أعضاء هيئة كبار العلماء ومن غيرهم .

وكُفره ظاهر لأمور ، [ ومن كان أمر كفره ظاهرا له فلينتقل إلى الفقرة (3) من المعطيات ] فمِن كُفْره أنه :

ـ أنكر أن يكون للشريعة دور يُذكر في الحكم بين الناس فقد قال القذافي :
" لا توجد شريعة إسلامية ، هذه اجتهادات ، والشريعة هي الكتب المنزلة فقط " .
وقال :

" نحن نحكم أنفسنا والدين لا علاقة له بالحكم إلا في أشياء قليلة " .

ـ اشتمل كتابه الأخضر على تقرير مبادئ تصادم أحكام الإسلام وتَنْقُضها وهي كثيرة ، ومنها على سبيل المثال قوانين الملكية وهي متعددة ، تُمَلِّك مَنْ لا يَملك وتَنْزِع الملك مِنَ المالك مدعيا صاحبها أنها أرقى ما وصلت إليه النُّظُم من العدل !!

وغيرها كثير من أحكام تصادم الإسلام ويقررها على أنها أرفع صور العدل والخير !

والمصيبة أنه يُدَرِّسُها لصغار المسلمين في المدارس ، ويلقنهم إياها على أنها عقيدة ، ولا أدل على هذا من عبارة : ( الفاتح عقيدة الفاتح إيمان ) التي يرددها الأطفال في مدارسهم .

ـ يُفضّل نظام الحكم المقرر في الكتاب الأخضر على كل حكم سابق في الأرض بصريح كلامه المتكرر ، بما في ذلك الحكم النبوي ! ويُمثّل عنده الحل الأمثل المقدم على النظام النبوي !

فانظر إليه وهو يقول عن كتابه الأخضر :

" هو دليل الانعتاق النهائي من العنف والاستغلال وصولاً إلى الحريةوتحقيقاً للسعادة، وجدت أن غاية الناس السعادة ، وأن الجنة الموعودة أو المفقودة هيالسعادة " ا.هـ

ويكفي في هذا أنه في المقابل ينكر الخلافة الإسلامية ويعتبرها نظاما باطلا في الحكم فانظر إليه وهو يقول عن نظام الخلافة :

" عندما تحول أصحاب رسول الله إلى حكام ؛ ديس عليهم بالأقدام باعتبارهمحكاماً مدنيين ، عثمان قتل باعتباره رئيس جمهورية أو ملكاً، وعمر بعدالتهتحول إلى أمير، وقلد الفرس والروم، وعلي قاتله المسلمون وانشقوا عليه منأقرب الناس إليه ومن اتباعه وأصحابه... لماذا؟

لأنه طمع في السلطة وأراد أنيكون رئيس جمهورية، ولو محمد صلى الله عليه وسلم تحول إلى رئيس جمهوريةلتخلت عنه الناس " ا.هـ

بل صرح بتفضيل نظامه الذي يصفه بالجماهيري على نظام الإسلام المتمثل في الخلافة حيث قال :

" واحد يُنَصّب نفسه أمير أو خليفة؛ هذه سنقاتل دونها، ولا يمكن أن نمد رقابنامرة ثانية لأي خليفة بعدما القوافل منا ذهبت ضحية سيف الخليفة الظالم الليما أنزل الله به من سلطان... الله ما قالش؛ فيه خليفة أبداً...

لا زلنا فيعصر الخليفة بعد عصر الجماهيرية؟! " ا.هـ

تأمل فالقذافي قال مستنكرا :

" لا زلنا فيعصر الخليفة بعد عصر الجماهيرية ؟! "

ويعني بعصر الجماهيرية عصر نظامه المقرر في الكتاب الخضر الذي يسميه النظام الجماهيري .

بل زعم أن كتابه الأخضر بمثابة التوراة أو الإنجيل بصريح كلامه .

وألمح إلى تفضيله على القرآن عندما قال عن كتابه الأخضر :

" لم أقل؛ إنهكتاب ديني حتى نقارن بينه وبين القرآن ، إذ عندما تتم هذه المقارنة فإننا بذلك سنضربالقرآن " ا.هـ

ثم عاد وجعل نظامه الذي ينادي به متمما للدين فقال :

" النظرية العالمية الثالثة": (هذه النظرية سوف تجعل لنا ديناً وتجعل لنا أخلاقاًوتجعل لنا علاقات جديدة نتعامل بها " ا.هـ
وصرح بأن كل ما اشتمل عليه كتابه الأخضر لا يخالف القرآن ولا يشتمل على حرام وهذا استحلال صريح للحكم بمضمونه وعبارات الاستحلال منه لا تحصى .

بل ادعى بصراحة أن الحكم بالشريعة هو حكم وضعي لاديني وشأنه شأن الحكم بالقانون الوضعي فقال :

" لهذا تعتبر الشريعةالإسلامية مذهباً فقهياً وضعياً شأنه شأن القانون الروماني أو قانون نابليون ، وكلالقوانين الأخرى التي وضعها الفقهاء الفرنسيون أو الطليان أو المسلمون... فالذييدرس القوانين الرومانية يعتبر أن علماء الإسلام يحملون قانوناً وضعياً يضاهيالقانون الروماني، لكن لا نقول؛ هذا دين " ا.هـ
وقال بعبارة أوضح :

"إن ما يسمى بالشريعة الإسلاميةعبارة عن كتب وضعية واجتهادات وتأليفات قام بها بعض الناس، أمثال الغزالي وابن سيناوالفارابي وأهل الصفا والمعتزلة، كل واحد منهم ألف، وجميعهم أخذوا من اليونانية "

وهذا منه إنزال للحكم النبوي عن مستواه إلى مستوى تلك القوانين ليخدم بذلك تفضيل حكمه الجماهيري على حكم الله !

بل رأى أنه لا مجال أن يحكمنا وحي ! وسَلَب الوحي صلاحية الحكم وذلك في قوله في خطاب بتاريخ؛ 27/12/1990،

" الشعب هو السيد فوق الأرض يقررفيها ما يشاء، والله في السماء، ما فيش - لا يوجد - وسيط بيننا وبين الله "

ثم وضَّح القذافي [ مِن الآخِر كما يقولون ] مبينا أن تحكيم الشعب إنما هو لاستحقاقه الحاكمية والإلهية في هذا الجانب ، فقرر أن الشعب مثل الله، وأنه لا بد للشعب أن يكون إلهاً على الأرض قائلا :

" الشعب مثلالله... الله في السماء والشعب في الأرض، ليس معه شريك، الله لو معه شريك،قال؛ لاتخذوا إلى ذي العرش سبيلا، لو كان معه آلهة كان واحد منهم يقول؛أنا أريد أكون إلهاً، الذي بقى في العرش الآخرين يحاولوا أن يقوموا بانقلابعليه... الشعب فوق الأرض لازم أن يكون هكذا، متأله فوق أرضه " ا.هـ

من حوار مع بعض حفظة القرآن الكريم، بتاريخ؛ 3/7/1978.

ـ عدم تكفيره لأهل الكتاب؛ من اليهود والنصارى في كلام صادر عنه .

ـ صرح بإنكار السنة القولية ولو كانت متواترة في عدة مواقف كثيرة وبصورة معروفة عنه دون إظهار توبة من ذلك !
بل كان يُشكِّك في السنة عموما فانظر إلى قوله :
" لانستطيع مثلما تأتي لنا بحديث وتقول؛ هذا الحديث رواه النبي، لا نستطيع أننعرف هل هذا الحديث اختلقه معاوية أم قاله النبي فعلا؟ أم اختلقته سجاح أمقاله أبو سفيان أم أبو لهب؟
لا نعلم، لأن هناك الآف الأحاديث عليها علامةاستفهام، يا ترى أياً منها قاله النبي فعلاً " ا.هـ

ـ بل السنة كلها بما فيها الثابتة عنده والتي لا ينكرها فإن القذافي يرى أن العمل بها شرك !! وأنها غير مقدسة فقد قال :
" إذا اتى واحد وقال لنا؛ إن حديث النبي لا بد أنتقدسوه وتعملوا به مثل القرآن، فهذا شرك، وهذا كلام ربما يكون غريباً، والسبب أننافي هذه المرحلة ابتعدنا كثيراً عن الإسلام، ونحن في طريقنا إلى عبادة الأوثانوالابتعاد عن القرآن وعن الله، ولا يوجد طريق يجعلنا نبتعد عن عبادة الأوثان وعنالانحراف الخطير إلا طريق التمسك بالقرآن وعبادة الله فقط " ا.هـ

ـ ظهر منه إنكار لثوابت شرعية كثيرة كإنكار الحجاب وإباحة التبرج حتى بلغ به الأمر أنه ادعى أن الشيطان هو الذي اخترع الحجاب فقال :
" حواء لم يكن عندها ملابس بالمرة...
تفهم خير من ربنا؟!
ربنا خلقنا هِكِّي - هكذا - من الأول، هذه هي الطبيعة، احنا - نحن - لولا الشيطان ما عملنا حتىورقة التوت، الشيطان هو الذي جعلنا نرتدي هذه الملابس، أما قبل فكانتالطبيعة هكذا، الحجاب نفسه من عمل الشيطان، لأن الحجاب تعبير عن ورقةالتوت، وورقة التوت هي من عمل الشيطان، بدل أن نتحرر ونمشي إلى الأمام... لا... المرأة تحتجب وتقعد في البيت... حرام... الحجاب؛ حجاب معنوي "ا.هـ

واعتبر أن الإسلام الذي عليه الصحابة هو الذي اضطهد المرأة فقال :
" خلفاء رسول الله لم يكونوا يعاملونها كإنسانة... المرأة لم تكن مضطهدة قبلالمرحلة الدينية، أدعياء الدين هم الذين اضطهدوها لكي يحققوا رغباتهمويتحكموا في عباد الله باسم الدين " ا.هـ

وأنكر جواز الخلافة من أصلها بما فيها التي حصلت لأبي بكر وعمر وعلي وعثمان
كما أنكر تعدد الزوجات ، بل أنكر الجهاد ضد أهل الكتاب وادعى أنه لا جهاد ضد أهل الكتاب وفي هذا يقول :
" المصدر الصحيح في الجانب الإسلامي هو القرآن، وأؤكد ان علاقات المسلمين لاتنطبق مع القرآن الآن، فهناك عدد كبير جداً من المسلمين يعتقد أن الحرببين المسلمين والمسيحين، أو بين المسلمين واليهود؛ هي جهاد مقدس، وهذا ليسصحيحاً كما يقول القرآن، ذلك أن الجهاد يكون بين المؤمنين وبين الكافرين،أما بين مؤمن ومؤمن؛ فليس هناك شيء اسمه جهاد... وما دام المرجع الصحيح هوالقرآن؛ فإن أول حقيقة نستطيع أن نؤكدها هنا؛ أن الجهاد ضد أهل الكتابمفهوم خاطئ" ا.هـ

وأنكر تحريم الربا ، وفي هذا يقول :
" النظام المصرفي؛ نظام عالمي... العالم الإسلامي كله يتعامل فيه... إذاجربوه احنا معاهم... مين اللي - الذي - قال؛ حرام؟ مش حرام، والنظامالمصرفي لا يصدق انه حرام " ا.هـ
وأنكر صلاة الاستسقاء والاستخارة واستخف بهما كما سمعته بنفسي إلى أمور كثير يتعذر إحصاؤها .

ـ صدر منه تعريض وتنقص لمقام النبوة ولبعض الأنبياء ، كتنقصه بنبينا صلوات الله عليه ووصفه له بأنه مجرد ساعي بريد وله عدة عبارات في ذلك وبنبي الله يعقوب .

ـ وصدر منه استهزاء بتعاليم الإسلام ومنها الحج والوقوف بعرفة كما جاء نقله في فتوى هيئة كبار العلماء التي شارك في إصدارها العلامة ابن باز وباقي كبار العلماء بل نقلوا استهزاءه برب العالمين كما في الفتوى نفسها .

بل قال القذافي عن الكعبة بالحرف :

" إن الكعبة هذه؛ هي آخر صنم ما زال باقياً من الاصنام "
وذلك في افتتاح مجلس اتحاد الجامعات العربية، بمدينة بنغازي؛ 17/2/1990.


ـ وتلاعب بالدين تلاعبا ينقض تعظيمه له :
عندما كفَّر من يشتري البضائع من سويسرا !
وعندما أعلن الجهاد ضد سويسرا لأنها أوقفت ابنه هانيبال !
وعندما كفَّر من يمنع الكفار من الطواف حول الكعبة !
وعندما ادعى أن اليهود لهم حق في الطواف حول الكعبة وقال :
بأن الكعبة مبنى غير مقدس وليست لأتباع محمد كل من الأرض له الحق في الطواف بها وكرره في أكثر من خطاب !
وعندما وصف بالوثنية من يصلي على النبي عند سماع اسمه صلى الله عليه وسلم حيث قال في كلمة له :
" لوقلت لكم؛ رسول الله، لقلتم كلكم؛ صلى الله عليه وسلم، ولو قلت لكم؛ الله،لما تكلم أحدٌ، وهذا نوع من الاستعباد والوثنية التي نسير فيها " ا.هـ
وعندما حرّم الحج عام 1400 هـ وقال بأنه لايشرع الحج هذا العام
وعندما نادى بالحج إلى القدس مطلع التسعينات وأرسل بعثة من ليبيا إلى القدس في أيام الحج !!
ناهيك عن تلاعبه بمواسم العيد وشهر رمضان
سبحان الله ، تلاعب متكرر بثوابت شرعية ظاهرة !!

ـ ادعى بأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم محصورة في العرب فقط وليست هي عامة لعموم الإنس والجن فأنكر عموميتها واعتبر من أسلم من غير العرب فهو متطوع ولا يجب عليه أن يُسلم .

فقال : " العرب جسدهمالقومية العربية وروحهم الإسلام، لأن محمد مرسل للعرب فقط!! والقرآن جاء من أجلالعرب وبلغة عربية، موجه للعرب فقط، وأي واحد غير عربي اعتنق الإسلام هذا متطوع فيالحقيقة، أمره عند الله لكنه غير معني " ا.هـ

وكرر هذا الاعتقاد مرارا في عدة مناسبات .

ـ وادعى النبوة لنفسه في مقامات متنوعة وبعبارات تدل على أنه يريد بها نبوة خاصة وما تلقيبه نفسه بأنه رسول الصحراء إلا صورة عنها !

وزعم أن كتابه الأخضر بمثابة التوراة والإنجيل .

وفي لقائه بالصحفيةالإيطالية "ميريلا بيانكو"، التي سألته:

" يا رسول الله... أكنت راعي غنم ؟

أجابالقذافي : " بلى، فلم يكن هناك نبي لم يفعل ذلك "

وانظر إليه وهو يقول :

" أقدم لكم أنا الإنسان البدوي البسيط الذيركبت الحمار ، ورعيت الغنم ، ومشيت حافياً، وعشت عمري بين الناس العاديين البسطاء،أقدم لكم كتابي الأخضر بفصوله الثلاثة، الذي يشبه بشارة عيسى أو ألواح موسى، أوخطبة راكب الجمل
القصيرة[ يعني النبي فتأمل التجاهل ] ، الذي كتبته من داخل خيمتي التي يعرفها العالم، بعد أنهجمت عليها 170 طائرة وقصفتها بقصد حرق مسودة كتابي الأخضر التي هي بخط يدي، وجمعتالمأثورات والحكم والبدهيات ودرست التاريخ، ووجدت أن البشرية قد ألفت الكتابالأخضر، الذي هو دليل الانعتاق النهائي من العنف والاستغلال وصولاً إلى الحريةوتحقيقاً للسعادة، وجدت أن غاية الناس؛ السعادة، وأن الجنة الموعودة أو المفقودة هيالسعادة " ا.هـ
وزعم أن لجانه الثورية هي نبي هذا العصر.. فقال :

"حركة اللجان الثورية"؛ هي نبي هذا العصر، عصرالجماهير، وهي بالفعل النبي، نبي عصر الجماهير؛ هو "حركة اللجان الثورية" ا.هـ

ـ وكل من يعرفه جيدا يعلم أنه مُؤَلِّه لنفسه ، حتى وصفه بهذا كثير من الإعلاميين وغيرهم ممن تعرضوا لنقده ، وقد كان قد رضي بتنصيبه معبودا مع الله كما جاء في ذلك الموقف المعروف عندنا الذي قيل له فيه :

" أنت من حقك أن تُعبَد " !!

ولم يعترض القذافي على هذا التأليه والغلو الشركي ! مع أنه قيل له صراحة ، ومع تردده في أوساط الليبيين بعد ذلك مستنكرين .

بل هو يرحب بكل موقف يحمل تعظيما له .

وقد حصل من الموالين له مرارا أنهم سجدوا لصورته في هذه الأيام في أكثر من مشهد ! ونقلت ذلك بعض القنوات ولم يعترض القذافي !

لا من قبلُ عندما قيل له : من حقك أن تعبد ، ولا من بعدُ عندما سُجِد له !

وهذا يتفق مع تعظيمه لنفسه وإصداره لعبارات تدل على هذا ولعل مما يحضرني الآن وليس أوضحها قوله :

" ( كن فيكون ) كلمة ، ( فيكون ) قد تحصل بعد مليون سنة ، مثلاً :
أيتها السحابةالكونية كوني كواكب سيارة من الشمس إلى الأرض... بعد 400 مليونسنة...
ما دام الله قرر هكذا فعلاً بعد 400 مليون سنة ستكون بهذا الشكل...
كن فيكون، يعني؛ كوني هكذا، فكانت حسب المدة...
أنا قلت؛ ثورة بعد عشرينسنة، وعملت من أجلها... قامت... نعم فلتكن ثورة، فكانت ثورة " ا.هـ
.

ـ وكان يوالي أهل الإشراك ممن يصرفون العبادة لغير الله ويدعمهم ضد المسلمين ويفتح المجالات لهم لنشر الشرك من جديد بعد انحساره من ليبيا حتى أن آخر خطاب له قبل الأحداث الأخيرة اشتمل على تَبنِّي هذه الموالات بالصريح وفي السنوات الأخيرة ظهر بوضوح سعيه لتشييد القبور وتجديد الزوايا والمنارات القائمة على نشر الشرك وإحيائه .


كل هذا وغيره كثير مما صدر من العقيد القذافي وكفَّره مَن كفّره من العلماء لأجله
أكتفي به في هذه الفرصة لأدع الجواب والحكم للقارئ المؤمن والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل .

3 ـ أن هذا الحاكم الغير شرعي أصلا وذلك لكفره إذ الشرعية في الحكم تزول بالكفر كما ما هو مقتضى إجماع أهل السنة وكما نقله القاضي عياض حيث قال كما في إكمال المعلم :
" لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقد الإمامة للكافر ، ولا تستديم له إذا طرأ عليه [ يعني الكفر ] " ا.هـ

فهو مع كفره لا تتوفر فيه أهلية الولاية فضلا عن أحقيتها ، فهو لم يكن رشيدا بل ولا عاقلا في عامة قراراته والعالم كله يشهد ، ولطالما وصفه بذلك الساسة والعلماء وهو إلى السفه أو الجنون أوضح ، بل سفيها بامتياز والله تعالى يقول :
( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) فكيف نترك له الولاية العامة المتمثلة في عامة أموالنا وديارنا وجميع شؤوننا بعد ما لاحت فرصة قوية لإزالته ؟!
ولقد أثبت الواقع المحسوس على مدار أربعين سنة أن هذا الرجل قد أهلك الحرث والنسل في هذه البلاد وبدد ثرواتها الهائلة في الفساد والإفساد ، وسعى سعيا شديدا في ضرب بنية البلاد الدينية والمالية والفوقية والتحتية ، ولم يُخلِّف وراءه إلا الفساد الإداري والسلوكي ، وضعفا شديدا في كل المجالات والمصالح !
فلا تعليم ولا صحة ولا صناعة ولا شيئا يذكر ، وقد كان يقصد وينفذ كل ما من شأنه تحقيق كل هذا الضعف !
فعلى سبيل المثال في المجال الديني وزير الأوقاف الحالي هو مجرد رجل من أقارب القذافي كان يعمل في تربية الخيول في السابق وهو لا يحسن قراء سورة واحدة من القرآن فقد سمعناه يستشهد بآيات في محافل فكان يلحن لحنا عجيبا !!
وعدة من خطباء المساجد هم من أفسد الناس وبعضهم والله معروفون بالمعاصي الظاهرة وفي المقابل يمنع الأكفاء ، وهذا نموذج عن كافة المجالات الأخرى يحرص فيها النظام على تنصيب الغير كفء وإبعاد من هو كفء .

4 ـ هذا الحاكم الغير شرعي أصلا ( شرعية دينية ) والفاقد للأهلية انضاف إلى انعدام شرعيته الدينية أنه ومنذ هذه الأحداث الأخيرة منذ شهرين تقريبا قام عليه وزراء وضباط ودبلوماسيون وعلماء دين وقضاة وأطباء وأكثر العامة ونادوا بخلعه واعتبروه غير شرعي الشرعية الدولية ( وهي بمعنى الشرعية الكونية إن صح التعبير ) وتبعَتْهم في التصريح بانعدام هذه الشرعية عامة الهيئات الدولية ، بدءا من مجلس دول التعاون الخليجي إلى جامعة الدول العربية إلى منظمة المؤتمر الإسلامي إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة ، وعدة هيئات ومؤسسات عامة وخاصة ودول ورؤساء .

5 ـ هذا الإنسان فقدَ السيطرة على أكثر من نصف البلاد ولم يعُد يسيطر إلا سيطرة جزئية على مناطق معدودة ومحدودة وهذا يؤكد تحوله واقعيا من حاكم يحكم بلدا إلى مجرد قائد ميليشيات .

6 ـ أنه قد تم في الواقع استبدال هذا الحاكم وهو القذافي بإقامة مجلس انتقالي لإدارة البلاد وحظي بقبول في أوساط الشعب الليبي بشتى مستوياتهم حتى اعترفت به جهات دولية عدة عربية وأجنبية وأصبح هو الممثل الوحيد لإدارة ليبيا باعتراف الجامعة العربية وعدة هيئات دولية .

7 ـ الحرب القائمة الآن من طرف كتائب القذافي ضد كافة الشعب المعارض للقذافي هدفها تَمكُّن القذافي من الحكم ثانية ، وليس هدفها الأمن والاستقرار .

ولو كانت هدفها الاستقرار والأمن لما استهدفت هذه الكتائب المدنيين من الأطفال والنساء والأحياء السكنية والمنشئات المدنية ومنها مصنع الحديد والصلب الذي هو من أضخم المشاريع والذي لا أثر لقصفه سلبا ولا إيجابا على المواجهات .

فكل ما يقوم به كتائبه ليس له من هدف إلا تمكنه ثانية من حكم ليبيا .

8 ـ هذا الإنسان وهو القذافي قام أثناء هذه الأحداث التي آلت إلى ما ذكرتُه من فقده لمنصب الحكم قام بقتل الآلاف من الليبيين المسلمين المدنيين وغير المدنيين وعددهم يتراوح ما بين الثمانية آلاف إلى الأحد عشر ألفا ولا زال يقتل .
هذا من غير الآلاف من الجرحى والمصابين الذين قُدروا في إحصائية بالآلاف
وأيضا من غير المفقودين ما بين معتقلين ومجهولي المصير في هذه الأحداث فقط الذين قدروا في آخر إحصائية بأكثر من ستة عشر ألفا .
وكل هذه الإحصائيات لا تشمل الذين قتلهم القذافي مِن كتائبه ممن امتنعوا من مشاركته في قتل الليبيين .
وكل هذا من غير الترويع والتشريد ، وبعض حالات الاغتصاب وانتهاك الحرمات ، حتى أن شهود عيان قد وجدوا لدى مرتزقة القذافي أثناء مداهماتهم البيوت في بنغازي عند بدء الأحداث وجدوا حبوب ( الفياقرة المهيجة للشهوة ) ومعهم الواقي الذكري ، وفي هذه الأيام اعترف وزير خارجية ليبيا المنشق مؤخرا أمام مندوب ليبيا (شلقم ) بأن القذافي كان قد أمر قواته في هجومهم على بنغازي باغتصاب نسائهم .
وهذا من غير الجرائم المالية الشاملة للمال الخاص والعام في هذه الأحداث ، حتى أنه قام بأكبر عملية سرقة علنية حيث أخلى البنوك من جميع الأموال ، وهي أموال مودعة من قبل المواطنين ووضع فيها عملات قديمة ملغاة ، ومنع المواطنين من سَحب أموالهم إلا بقدر قليل محدود ومن العملة القديمة الملغاة التي أرجع التعامل بها مؤقتا !
وقد طالت جرائمه المستشفيات فقصف العديد منها والمصانع العملاقة والمنشئات النفطية والكهربائية وخزانات المياه والطرق والبُنى التحتية حيث استهدفها عمدا في قصفه للمدن ، ولم تسلم حتى المساجد فقام بقصف عشرات المساجد في شتى المدن وسوى بعضها بالأرض ، وكل هذا حصل يقينا وبشكل مقصود .
وهذا منه مصداقا لتهديد سابق عنه فإن القذافي في خطاب له قديم قال :
(من يريد أن يقف ضد الثورة [ يعني ثورته هو ] فهذا أمر مفروغ منه، سنداهم هذا الموقع وندمره وحتى ولو كان مسجداً " ا.هـ

9 ـ ثبت ثبوتا قاطعا أن ما حصل من القذافي من قتل وجرح وخطف وتدمير سبق ذِكره إنما كان على أيدي المرتزقة المتعددي الديانات من ملاحدة ووثنيين ومتعددي الجنسيات ، مِن يهود إسرائيل ويتمثلون في قادة الحرب ، ومن روسيا وأوكرانيا وصربيا ويتمثلون في الطيارين والقناصين وبعضهم قادة أيضا ، ومن شرق آسيا ومن كولومبيا وبالاروسيا ومن غانا وكينيا ومن الجزائر وتونس ومالي وتشاد والنيجر .
وهذا ثابت بكل صور الثبوت مشاهدة وسماعا بل واعترافا من المرتزقة أنفسهم حتى اعترفت به عامة الهيئات الدولية .
وكل ليبي يعرف منذ سنوات أن هناك معسكرات مرتزقة تابعة للكتائب الأمنية ولم تختف يوما عن التراب الليبي منذ إنشائها .
فموقع هذه الكتائب مِن الإعراب في هذه الأحداث لا يحتاج إلى نَحْوي لتحديده ؟!

10 ـ ثبت ثبوتا قطعيا أن القذافي في تحقيق ما سبق من قتل وتدمير استخدم أسلحة كان من أخفها الكلاشن كوف ! بدءا من الرشاشات إلى مضادات الطائرات إلى المدافع اليدوية إلى المدافع المتنقلة إلى الدبابات إلى راجمات الصواريخ إلى طائرات الهوليكابتر إلى الطائرات الحربية إلى الزوارق البحرية إلى البوارج .
وكل هذا والله يقينا استخدمه القذافي ضد معارضيه دون تفريق بين مدنيين عُزَّل وغير مدنيين ، مما سبَّبَ في وقوع القتلى الذين سبق ذكر إحصائيتهم تقريبيا .
هذا من غير صور التفنن في استخدام وسائل أخرى ليصل من خلالها إلى القتل كالدروع البشرية وكحبس شبكات الصرف الصحي وكاستخدامه سيارات الإطفاء مليئة بالبنزين بدل الماء ليضخ بها بعض الأماكن ثم يتبعها بقذيفة لتحرق من فيها .

11 ـ كل ليبي يعرف أن القذافي ومنذ سنوات ألغى الجيش الليبي حقيقة وهمَّشه وجعله مجرد صورة تتمثل في ثكنات خاوية من السلاح ، ومجرد إدارات تقوم على تسجيل الحضور والغياب للمنتسبين .
خلافا لكتائبه التي يرأسها أبناؤه وتعج بالمرتزقة وغيرهم ، وتدرب أفرادها تدريبات خاصة !!
وهذا دال بالصريح على تبييته نية تسليط الكفرة المرتزقة على المسلمين في ليبيا .

12 ـ لكن في هذه الأحداث تكَوَّنَ في صف المعارضين للقذافي جيش مكون من بعض ضباط كبار وجنود نظاميين من بقايا الجيش الأول ، ومعهم فئة كبيرة من الشباب المجاهد المتميز بحماسه ، وقِوام هذا الجيش بلغ عشرات الآلاف وعنده أسلحة متنوعة كافية لإزاحة هذا المجرم وهو الآن يحظى بدعم عسكري أيضا .
بينما في المقابل جيش القذافي محاط بعقوبات دولية شديدة مالية وعسكرية ، وهذا من أهم معطيات الوضع الليبي .
ونستطيع أن نقول لدى الجيش كل ما هو مطلوب شرعا منه كجيش ، ونعتبره قد أمَّنَ بذلك نقاطا هامة في الموازنة الشرعية :
ـ كفة القوة .
ـ تأمين الإمدادات .
ـ إسلامية الجيش .
ـ وحدة الهدف .
ـ وضوح الراية بالقدر الذي لا يمنع من صحة الموازنة .


13 ـ صدرت في حق هذه الأحداث وهذه القضية عدة فتاوى بمشروعية القتال ضد القذافي ، بدءا من علماء في ليبيا وعلى رأسهم الشيخ الصادق الغرياني إلى فتوى العلامة البراك وأخرى للعلامة اللحيدان بضوابطها ، وفتوى هيئة من علماء وقضاة بجامعة أم القرى ، وفتوى رابطة علماء المسلمين ، وفتوى اتحاد علماء المسلمين ، وفتوى جبهة علماء الأزهر ، وفتوى شيخ الأزهر ، وفتوى علماء السودان ، وعدة من علماء وباحثين لا يحصون وكلها موجودة على الإنترنت .

14 ـ القتال دائر الآن بين القذافي وكتائبه في طرف ، وبين الآلاف من الليبيين في طرف آخر ، وكلاهما مسلح ، ولا يملك أحد كائنا من كان وقف القتال الدائر لا عن طريق فتاوى ولا أوامر ولا آراء ، والمساعي التي بذلت وفشلت أكبر دليل .
لأن الطرفين كُلًّا منهما مُصِرّ على إزالة الآخر دون تراجع ، وخاصة بعد سقوط الآلاف من القتلى ، ولا يمكن واقعا أن يقف القتال بالفتاوى أبدا وذلك لأسباب عدة ، منها :
أـ أن الفتاوى التي تقول بمشروعية القتال هي أكثر وهي صادرة من مجامع علمية سبق ذكرها ولا يمكن أن تتفق الفتاوى على منع القتال مع هذه المعطيات .
ب ـ ومنها أن الثوار لِما شاهدوه من إيغال القذافي في الدماء وكثرة القتلى من ذويهم وانتهاكه الأعراض ولما وصلوا إليه من مرحلة في المواجهة لا تقبل التراجع فلا يمكن أن يعملوا بفتاوى منع القتال .
وعليه فنحن أمام واقع يُمَثّل أهم معطيات هذه النازلة :
وهو أن عجلة الدماء تدور من الفريقين ، ولكن :
عجلة الدماء التي يُسَيّرها القذافي إنما يديرها معه مرتزقة من متعددي الديانات والجنسيات ، وهي إنما تستهدف الشعب الليبي المسلم ، ولا تفرق بين مدني ومسلح ولا بين طفل وكبير ولا بين رجل و امرأة وبكل وحشية .
بينما عجلة الدماء التي يُسيرها المعارضون للقذافي وكلهم مسلمون ليبيون هذه العجلة لا تستهدف إلا كتائب القذافي المسلحة المتعددة الديانات ، بل تتحاشى الكتائب عندما يقوم احتمال بسقوط ضحايا من غير الكتائب .
بناء على هذا فمتى ما أفتينا المعارضين للقذافي بوقف القتال ضد القذافي وبمنع قتاله ، فإن هذا الإفتاء مع أنه لن يوقف القتال والمواجهات كما سبق بيانه فإنه سيضعف من معنويات المقاتلين في صف الثوار ، ولن يعنيَ في الواقع إلا تسريعا لعجلة الدماء التي يريقها القذافي ومرتزقته المتعددو الديانات من دماء المدنيين وغيرهم ليس إلا !!
وهو يعني في المقابل تبطئةً لعجلة الدماء التي يريقها المعارضون للقذافي من دماء كتائبه المجرمة .
وبالتالي فأي فتاوى تصدر لمنع القتال ضد القذافي فهي في حقيقة الأمر تقديم للدعم المعنوي للقذافي وكتائبه وإضعاف لمعنويات المعارضين ليس إلا ، بدليل حرص قناة القذافي على حشد ما تحصل عليه من فتاوى !!.
وهذا المذكور من استحالة توقف المواجهات بين الفريقين بناء على الفتاوى ، ومن استمرارية القتال المتحتمة هو واقع شاخص وملموس وناطق ، ويُمَثّل إحدى أهم معطيات القضية وليس تكهنا ولا هو تصورا شرعيا فعلى الفقيه أن يراعيه .




الصورة في ليبيا بشكل مختصر :

رجل كافر أهوج يقود جيشا به كثير من الكفار ومعهم أيضا مسلمون ، وهو بهذا الجيش يذبح شعبا مسلما ويقتلهم وينتهك أعراضهم ويدمر مساجدهم ومستشفياتهم ومنشئاتهم ساعيا للسيطرة على بلادهم ليحكمها من جديد بعد فقده لذلك ولينشر فيها مبادئه الكفرية من ترهات الكتاب الأخضر !
ويقوم ضده فئات كثيرة من المسلمين لصده والحد من وحشيته ولإزالته وهم مسلحون ولهم جيش .
فما هو الحكم في هذا الوضع ؟

هذه هي الصورة مختصرة ولا ينكر واقعيتها بعد معرفته إلا معاند لا يريد إلا ما يريد .

وفي الحلقة الثانية نشرع في الحكم الملائم لهذا الواقع .


كتبه عبد الله الطرابلسي .