*تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...
النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    169

    Arrow *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    ألــــــــــف وسبعمائــــــــ ــة مســــــــــلم ـ ـ يرتدّون عن دينهم الحنيف ويعتنقون النصرانية الكاثوليكية


    بقلم الأستاذ الزّاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

    كان يوم 23 ماي الأخير يوم حزن وحداد على المسلمين في عاصمة الجزائر , وكان يوما من أشد أيام هذا الوطن شؤما وسوادا , فقد رأينا فيه ما يذوب له القلب كمدا وغما إن كان يحمل مثقال ذرة من الإيمان , ورأينا فيه ما يبعث في النفس الكريمة كل معاني الألم والحسرة والأسى , رأينا الآباء البيض ورجال الكاثوليكية يقيمون في هذا اليوم في عاصمة الجزائر الولائم والاحتفالات احتفاء بسبعمائة وألف من المسلمين الجزائريين قد وقعوا فيما نصبوه لهم من الأشراك والأحابيل , فارتدوا عن دينهم القيم الحنيف , واعتنقوا النصرانية على المذهب الكاثوليكي طوعا أو كرها.
    لقد بذل القائمون على هذه الاحتفالات أقصى ما يمكنهم أن يبذلوه من الجهود والنفقات ليجعلوها شائقة فخمة تجمع كل أسباب البهرجة والأبهة والجلال , ليعظموا في أعين الناس , وليغمرهم الناس بالمدح والثناء على ما عملوا من تبشير وتنصير وليقدر المسيحيون الكاثوليك أعمالهم هذه , فيمدونهم بالمال من جديد , ويجزلون لهم الأجر والثواب .
    * * *

    ووقع استعراض هؤلاء المتنصرين في ذلك اليوم (23ماي الأخير ) في ملابسهم الجزائرية كدعوة للمسلمين بأن يتركوا الإسلام وليلتحقوا بهؤلاء المتنصرين وكان الأجانب الأروبيون يضحكون من هذه الملابس ويتغامزون عليها , كأنهم لم يصدقوا بعد أن هؤلاء نصارى , ولم يعودوا مسلمين وكانت كل طائفة من الطوائف المسيحية تودّ لو أنها استأثرت هي وحدها بهذه الغنيمة الباردة , وكانت خالصة لها من دون الطوائف الأخرى .
    وكان منظر هؤلاء المتنصرين الذين ارتدوا عن دينهم الحنيف منظرا مؤثرا جدا يثير الهموم والأحزان , ويهيّج البلابل والأشجان , فقد كانت تعلوا وجوههم سحب سوداء من الغمّ والاكتئاب تدل على أن لهم نفوسا يأكلها العذاب , ويلح عليها , وعلى أن بين جوانحهم قلوبا مضطربة لا يخالطها شيء من الاطمئنان أو الرضى, وليس على وجوههم ولا علامة واحدة تدل على أنهم قد رضوا لأنفسهم هذا الدين الجديد أو ارتاحوا إليه , وكان أكثرهم أطفالا صغارا قد عجز آباؤهم و أولياؤهم أن يقوتوهم أو أن يقوموا لهم على ضرورياتهم , فالتقطهم المبشرون المسيحيون , واستغلوا جوعهم وضعفهم فاستولوا عليهم واحتلوا منهم العقائد والقلوب . وكنت أنا أراهم يمرون , فقلت في نفسي : إن أولياء هؤلاء الأطفال لم يتركوا أولادهم هؤلاء إلا بعد أن بلغوا هم من الفقر والشقاء حالة ليس وراءها حالة أسوأ منها , وأن هؤلاء المبشرين المسيحيين لو راعوا الهمّة والرجولة لما رضوا لأنفسهم أن يستفيدوا ممّا يصيب الناس من المصائب والنّكبات , وأفضيت بهذا القول إلى مسلم كان واقفا إلى جانبي فسمعني أحد المسيحيين فقال لي : يظهر أن هؤلاء الآباء قد أحسنوا إلى هؤلاء الأطفال وأحسنوا إليكم أنتم أيضا بذلك , فقلت له : كلا لم يفعلوا مع هؤلاء الأطفال خيرا يريدون به وجه الله , ولكنهم أطعموهم من جوع لحاجة في نفس يعقوب على أنهم قد سلبوهم إيمانهم وإسلامهم في مقابلة ذلك , ولما تنصر هؤلاء وتركوا الإسلام فالإحسان إليهم ليس بإحسان إلى الإسلام ولكنه إحسان إلى المسيحية نفسها . ودار بيني وبينه كلام كثير في هذا الموضوع أرجئه إلى فرصة أخرى .
    تُرى لماذا اعتنق هؤلاء النصرانية الكاثوليكية ولماذا تركوا الإسلام وارتدوا عن دينهم الحنيف ؟
    فهل وجدوا فيه ما كرّه إليهم الإيمان وكرّه إليهم الخير والتقوى ؟ وماذا أعجبهم من الكاثوليكية حتى سارعوا إلى اعتناقها ؟
    والجواب على هذا هو سهل يسير , لا عسر فيه ولا عناء , فالواقع الذي لا شك فيه هو أنه ليس في هؤلاء المتنصرين ولا واحد قد ترك الإسلام بملء إرادته طائعا مختارا ولكن حملتهم على التنصر عوامل أخرى غير الطواعية والاختيار وهي ثلاثة أسباب لا رابع لها , أما السبب الأول فهو الفقر وأما الثاني فهو الجهل وأما الثالث فهو العجز أو الضعف أو القصور ( سمّه بما شئت ) ومن هذه الأسباب مجتمعة جاءتنا كل المصائب والويلات .
    هؤلاء المرتدون لم يتركوا دينهم القيّم حبا بالـنصرانية ولكنّهم تنصّروا ضعفا وجهلا وحبا في الخبز !...وليس في هؤلاء المتنصرين ولا واحد تنصر حينما بلغ رشده وملك أمر نفسه مهما كان جاهلا مطبقا , ومهما كان فقيرا معدما . وإنما تركوا الإسلام إلى النصرانية حينما كانوا ــ كما لا يزال أكثرهم ــ ذرية ضعافا , مالهم من أولياء يواسونهم عند الحاجة الشديدة والضرورة القصوى , أو حينما كانوا يتامى قاصرين لا يجدون لأنفسهم على نوائب الدهر مواسيا ولا معينا , ولا وجدوا لهم بين هؤلاء المسلمين وليا ولا نصيرا , وما أنت بواجد بين الضعاف القاصرين أو اليتامى ولا واحدا يتنصر وله ولي يحبه من هؤلاء المبشرين مهما كانت منزلته في اليتم والضعف والقصور .
    إن الأغنياء من أشياخ الطرق الصوفية الذين جمعوا من فقراء المسلمين باسم ( الصدقات) و (النذور ) و ( الزيارات ) أمولا طائلة بدعوى أنهم سيصرفونها في أوجه البر , وفي خير الإسلام والمسلمين , ثم أسرفوا على أنفسهم , وأنفقوها في الأهواء والشهوات , وبذروها هبات وهدايا إلى من لا يستحقونها , ولم ينفقوا منها في سبيل الله , هم المسئولون على الخصوص أما الله عن هذا المصاب الذي حل بالإسلام في هذه البلاد لأنهم ــ من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون ــ يعاونون المبشرين على تنصير فقرائنا وضعفائنا , فلو أنهم آمنوا واتقوا , وأنفقوا هذه الصدقات والنذور والأموال في أوجه الخير التي جمعت لها , من إنشاء الملاجئ للضعفاء والمعوزين , ومن فتح المدارس والكتاتيب يتعلم فيها الأطفال المسلمون أمور دينهم , ولم يأكلوا هذه الأموال بغير حقها . لما أمكن للمبشرين بحال من الأحوال أن يظفروا بتنصير هذا العدد الكثير من المسلمين .
    ثم المسلمون جميعا في هذا الوطن هم أيضا مسئولون أمام الله وأمام الشعوب الأخرى عن هذه الويلات التي تحل بالإسلام , فلو أنهم قاموا بواجبهم في هذا السبيل , وأنفقوا من أموالهم وجهودهم فبما يرضي الله والرسول صلى الله عليه وسلم لما كان للمبشرين طمع في أن ينالوا من الإسلام شيئا مما يريدون ...
    والحكومة أيضا ( وهي حكومة لائكيه ) تحمل هي الأخرى على عاتقها من مسئولية هذا الأمر نصيبا موفورا , فهي لم تقم بواجبها من كفالة الأطفال المسلمين ورعايتهم فكانوا ضحايا البؤس والحاجة , وأصبحوا فريسة للمبشرين .
    يوجد من أطفالنا اليوم زهاء ثمانمائة ألف هم في سن القراءة والتعلم , يهيمون على وجوههم في الشوارع والطرقات , لا يدخلون مدرسة ابتدائية يتلقون فيها أبسط المبادئ التي تؤهلهم للعراك في هذه الحياة , أو يتعلمون فيها أمرا من أمور الدين , ثم لا تبيح لنا نحن المسلمين أن نفتح لأبنائنا المدارس والكتاتيب إلا بعد الجهد والمشقة , ولا تدعنا نتولّى بأنفسنا تربية هؤلاء الأطفال , بل هي قد منعت العلماء المسلمين من أن يقوموا في المساجد بواجب الوعظ والإرشاد , وهي بموقفها هذا قد مهدت السبيل ــ من حيث تدري أو من حيث لا تدري ــ للمبشرين لكي يكتسحوا الإسلام من هذه الديار .
    إن فرنسا العلمانية لم تعترض على دعاة النصرانية إذ قاموا يشنون الغارة على ديننا , ويختطفون أطفالنا ويختلسون منهم ما في قلوبهم من عقيدة وإيمان , أفليس من العدالة والإنصاف أن تتركنا أحرارا في الدفاع عن ديننا , وفي حماية عقائدنا وعقائد أطفالنا من عادية المعتدين ؟ .
    يقول خصوم الإسلام : إنّ أهالي الجزائر ــ ولا سيما أهالي زواوة ــ كانوا نصارى قبل أن يكونوا مسلمين , ويزعمون أنهم لا يخلصون الود لفرنسا إلا إذا عادوا نصارى كما كانوا . ولهذا يطلبون من الحكومة أن تساعد الآباء البيض على تنصير من في هذه الأرض من المسلمين جميعا .
    ونحن نقول : أن هذه الدعوى باطلة يردها الواقع الذي أثبت أن هؤلاء المسلمين قد قاتلوا مع فرنسا , وأظهروا لها الإخلاص في كل المواقف ولم يمنعهم إسلامهم أن يخلصوا لها المودة , على حين أن الألمان المسيحيين قد قاتلوا فرنسا , ولم تمنعهم مسيحيتهم من أن يناصبوها العداوة والبغضاء , ومع ذلك فإن هؤلاء المسلمين ما زالوا يعيشون مع فرنسا في أحوال استثنائية تحكمهم بالقرارات والمناشير , وليس بالشرائع والقوانين , ثم هم لا يطلبون من الحكومة إلا أن تكفل لهم حرياتهم وتساويهم بالفرنسيين في الحقوق كما تساووا معهم في الواجبات , أما لو فاز دعاة النصرانية ونالوا بغيتهم من تنصير جميع هؤلاء المسلمين ( لا قدر الله ) فإن الوضعية تتبدل , وتدخل المسألة دورا هو غاية في الخطورة , فالمتنصرون يومئذ لا يرضون من فرنسا بهذه الحقوق التي نطلبها نحن , بل هم لا محالة سيطالـبونها بالجلاء عن البلاد , ولا يرضون منها بغير الاستقلال الناجز التام , وهم بلا شك سيجدون يومئذ من أمم أروبا المسيحية وشعوبها كثيرا من الأنصار والأعوان , وأمم أروبا وإن كانت تبيح الاستعمار فهي لا ترضى بأي وجه لأية أمة مسيحية مهما كانت جاهلة منحطة أن تستعمرها أمة أخرى أقوى منها , فشعب البرتقال مثلا ليس يضاهي سوريا أو لبنان أو مصر في التقدم والرقي , ومع ذلك فليس هناك في أروبا كلها من تحدثه نفسه باستعمار هذا الشعب المسيحي , والأحباش هم أمة شرقية , ولأروبا فيها مصالح وأطماع , ولكن الأمة الحبشية هي أمة مسيحية لا تطمع أية دولة أوروبية أن تمسها بسوء أو أن تعتدي على استقلالها , وهكذا ينتصر العالم المسيحي للمظلومين من المسيحيين ويبادر إلى نصرتهم وإنقاذهم لأول ما يسمع صرختهم الأولى .
    إنه من الخير لفرنسا أن يبقى هذا الشعب عربيا مسلما يقاسمها السّراء والضّراء , وليس من الخير لها أن يترك الإسلام ويصير مسيحيا لا يرضيه منها شيء , على أن هذه الغاية المسيحية التي يسعى إليها المبشرون هي غاية بعيدة جدا لا يمكن أن تنالها أيديهم, فهذه الأمة العربية المسلمة إن لم تستيقظ اليوم , فلا بدّ أن تستيقظ غدا , ويومئذ تعرف ما هي الوسائل والتدابير التي تتخذها لدرء أخطار التبشير والمبشرين الذين لا يعملون إلا للاستيلاء على الضعفاء ولإغواء القاصرين .
    أيها المسلمون الجزائريون إنها لكبيرة من الكبائر , وعظيمة من العظائم أن يتنصر ألف وسبعمائة مسلم هم من صميم الإسلام في وطن كالجزائر كل أهاليه مسلمون لا يوجد بينهم ولا واحد غير مسلم , ونحن بعد ذلك ندّعي أننا من أشد الناس تمسكا بالإسلام , يجب أن نعالج هذا الداء بالوسائل العادلة المشروعة قبل أن يستفحل ويعظم أمره علينا , فلا نستطيع أن نداويه أو أن نتلاقاه .
    إن هذا العدد من أطفالنا المتنصرين هو عدد كبير جدا ولا يزال يتزايد كل يوم , وإن استمر هكذا فإننا نخشى على مصير الإسلام في هذه الديار .
    أيها المسلمون الجزائريون ؛ كيف نرى أطفالنا وأفلاذ أكبادنا يفـتنونهم عن دينهم , ويصدونهم عن سبيل الله ثم لا نتحرك إلى إنقاذهم , ولا تذهب أنفسنا عليهم حسرات !!
    لمثل هذا يذوب القلب من كمد * * * إن كان في القلب إسلام وإيمان

    محمد السعيد الزاهري (الشريعة العدد الثاني )
    http://www.nouralhuda.com/%D9%83%D8%...%B1%D9%8A.html
    ***لا يصلح آخر هذه الأمة ،إلا بما صلح به أولها***.
    www.nouralhuda.com
    مختص بالتعريف بأهل العلم الأوائل الجزائريين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,093

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    محمد السعيد الزاهري


    كتبهاحرفوش مدني ، في 28 يناير 2009 الساعة: 08:07 ص



    ولد محمد السعيد الزاهري، عام 1317 /1899، في ليانة قرب بسكرة في الجزائر([1])، وفيها حفظ القرآن، واستكمل دراسته الابتدائية على مشايخ الأسرة الزاهرية([2]).
    ثم قصد الشيخ عبد الحميد بن باديس([3])، لينهل العلم على يديه، فأقام في مدرسته أربعة عشر شهراً، يصفها بقوله: «أقمت عنده بمدرسته زهاء أربعة عشر شهراً، رأيت فيها من العلم العريض والإطلاع المحيط، واللسان العربي المبين، فما شعرت إلا وقد دخلت في دور من القراءة جديد، لا عهد لي به من قبل»([4]).
    ثم انتقل للدراسة في جامع الزيتونة بتونس([5])، ذلك الجامع الجامعة، الذي كانت تشد إليه الرحال من الأقاصي البعيدة، ابتغاء العلم والمعرفة، ففيه كان يتجمع خيرة العلماء، وكان بالإضافة إلى ذلك منبع النهضة الأدبية والعلمية.
    وكان الزاهري يلازم الشيخ معاوية التميمي([6])، الذي كان أحد علماء جامع الزيتونة، وكان يقول عنه: «ما وجدت أوسع خبرة منه بكلام العرب، ولا أبصر منه بمواقع النقد، ولا أصح منه ذوقاً، ولا أحزم منه في تمحيص الحق في الباطل في كلّ مشكلة تنزل…… وكثيراً ما أعرض عليه القصيد فيعيب عليّ منه أشياء، فما زلت كذلك حتى أصبحت إذا قلت قصيداً أعرف ما سيعيبه عليّ من الأشياء من قبل أن أعرضه، لأنه إذا عاب شيئاً بين وجه العيب فأتنحى عنه»([7]).
    يعدّ الزاهري من شعراء الجزائر المميزين، فهذا أمير البيان شكيب أرسلان([8]) قال إنه يرى أن أركان الأدب في الجزائر في ذلك الوقت هم أربعة: محمد السعيد الزاهري، وعبد الحميد باديس، والطيب العقبي([9])، ومبارك الميلي([10]). وشهادة الأمير هي أميرة الشهادات، فأمير البيان لا يشهد مجاملة أو رياء، إنما عن اعتقاد صادق، ورأي واضح صريح.
    إلا أن محمد السعيد الزاهري كتب إلى شكيب أرسلان رداً، بين فيه أن في الجزائر مجموعة أخرى من نوابغ الأدب والشعر، وقد ذكرهم له بأسمائهم([11]). فانظروا إلى أمانة هذا الشاعر وتواضعه!.
    قد يجد غيره في هذه الشهادة دليلاً على تميزه ومكانته الرفيعة في عالم الأدب، ولكنّ الزاهري آثر أن لا يغمط حق زملائه من الشعراء والأدباء الجزائريين، وأراد أن يعرف أمير البيان عليهم، اعتقاداً منه أن شكيب أرسلان لم يسمع بهم قبل إصدار حكمه، وهذا إن عبر عن شيء، فهو برأيي يعبر عن أمانته، وثقته بنفسه، وإحساسه بالمسؤولية التي تلزمه التعريف بشعراء وأدباء يستحقون الاهتمام والشهرة التي نالها.
    كان شعر الزاهري موظفاً لغاية أساسية، هي خدمة غاياته الإصلاحية، فقد كان يؤمن بأولوية الإصلاح، وتهيئة العقول، قبل رفع الشعارات. وإذا رحنا نقرأ بعض شعره نجده مليئاً بحب الوطن، ومحاربة البدع والخرافات التي انتشرت في البلاد، ومحاربة المستعمر الذي يسعى لسلخ هذا البلد عن عروبته وإسلامه. يقول في قصيدة عنوانها أنين الجزائر كان قد نشرها سنة 1923م([12]):


    يا للجزائر ممن هاضها وسطا




    حكماً عليها وكانت أمّة وسطا



    لملكها كانت الأيام صاغرة




    أكان أقسط ذاك الملك أم قسطا



    فكم ممالك كانت تحت عزّتها




    كالباز ملّئ رعباً منه سرب قطا



    كنّا إذا أمنيت بالروع مملكة




    نمدّها فيبيت الروح منكشطا



    لم تعتلق بعظيم قطّ همّتنا




    إلا انثنينا ولسنا نعرف القنطا


    ********

    وكثيراً ما هاجم الانحراف الديني، الذي أبعد الناس عن الدين الصحيح، وأغرقهم في غياهب الجهل والظلام، على يد رجال احترفوا الدجل، ولعبوا بعقول الناس، مستغلّين انجذاب الناس إلى الدين، ورغبتهم بالتقرّب إلى الله، حتى حرفوهم عن دينهم الحقّ. يقول:

    سلّ اليراع على الذين تصيدوا




    هذي العباد بصالح الدعوات



    نصبوا الديانة شركة للكسب فاصـ




    طادوا بها من كان ذا غفلات



    وكسى خدائعهم بثوب كرامة




    ما مرّ من حقب ومن سنوات



    حتى لقد صار التصوف عادة




    والناس أسرى في يد العادات



    أودى التصوّف بالعقول فلا ترى




    في القوم عقلاً وهو غير موات





    وفي قصيدة من قصائده أسماها (ليتني ما قرأت حرفاً) نشعر بالمرارة الكبيرة التي كانت تعتصر قلبه بسبب حالة الجهل التي كانت تعصف بالجزائر، فيقول:

    من يعش بالعلوم عمراً سعيدا




    أو يذق بالعلوم طعم النعيم



    فأنا لم أزل أكابد في العلـ




    ـم صنوفاً من الشقاء الأليم



    قد تغرّبت أطلب العلم من




    قبل ولاقيت فيه أقسى الهموم



    وتغربت أنشر العلم في قو




    مي فلم يأبهوا بنشر العلوم



    جهلت أمة الجزائر حتّى




    عميت عن صراطها المستقيم



    فهي رمداء لا ترى العلم لكن




    تبصر الجهل ذا الظلام البهيم
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة

    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,093

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    كان الزّاهري بالإضافة إلى كتابة الشعر يكتب القصة والمقال الإصلاحي، وبعض المواضيع القوميّة. وقد اشتغل بالصحافة، فأصدر جريدة الجزائر في إبريل نيسان من عام 1925م وجعل شعارها «الجزائر للجزائريين» وصدر منها ثلاثة أعداد فقط، ثم عطلتها السلطات الاستعمارية([13]). ثمّ أصدر البرق سنة 1927م، والوفاق سنة 1938م، والمغرب العربي سنة 1947م، وترّأس تحرير جريدة الصراط الّتي صدرت عام 1933م، والسنّة التي صدرت عام 1932م. وكانت هاتان الجريدتان تصدران عن جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين([14]). وكلّ هذه الصحف كانت تصدر في جوّ من الرّقابة شديد، فقد كانت الرّقابة الاستعماريّة بالمرصاد للصّحافة الوطنيّة تعدّ عليها أنفاسها، وتتحين الفرص لتوقيفها([15]).
    وقد كتب الزّاهري مقالات كثيرة في صحف الشرّق، لا سيّما الرسالة([16])، والمقتطف([17])، والفتح. بالإضافة إلى كتاباته الكثيرة في صحف بلده الجزائر، ومن أهمها مجلة الشهاب الشهيرة([18])، ومجلة الأمة([19])، والنور([20])، وغيرها، وفي صحف المغرب عامة.
    وقد كانت كتاباته في هذه الصحف تظهر لنا جوانب عظيمة من شخصية هذا الرجل الذي قضى حياته داعياً للإصلاح. وقد ترك لنا مجموعة كبيرة من المقالات الإصلاحية في هذه الصحف والمجلات، وترك بالإضافة على ذلك عدداً من الكتب، مثل: كتاب الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير موضوع دراستنا، وحاضر تلمسان، وهو وصف دقيق مستوعب لمدينة تلمسان([21]) العاصمة التاريخية للجزائر، وكتاب بين النخيل والرمال، وهي فصول في وصف الواحات الجميلة بالجنوب الجزائري، وكتاب حديث خرافة، وهو نظرات وأفكار في الأدب والحياة، وكتاب شؤون وشجون، وهو فصول مختلفة في موضوعات متنوّعة([22]).
    استمر الزّاهري في دعوته الإصلاحيّة حتى توفي عام 1376 /1956، وكان من أبرز الكتاب الجزائريين في تلك الفترة.
    الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير:
    الكتاب وما جاء فيه من فصول صاغها محمد السعيد الزاهري بأسلوب قصصي جميل، أبان عن موهبته الفذة في الكتابة، إلى جانب شاعريته الراقية.
    وقد حاز الكتاب على إعجاب كبير، وترجم إلى اللغة الفرنسية، وترجم فصل واحد منه إلى لغة الملايو. وصدرت الطبعة الأولى منه سنة 1348هـ([23]).
    وكتب شكيب أرسلان رسالة إلى محمد السعيد يقول فيها إنه أعجب بهذه الفصول كلّ الإعجاب، ويدعوه إلى المثابرة والمزيد([24]).
    وكتب الشيخ عبد الحميد بن باديس عن الكتابفي شهابه قائلاً: «عرفنا شاعر الجزائر الشيخ السعيد الزاهري شاعراً خنذيذاً، وعرفناه كاتباً رحب البيان بليغاً، وعرفناه في هذا الكتاب داعية إسلامياً كبيراً. وقد خاض مسألة الحجاب والمرأة الجزائرية، ومسألة الإسلام والتغريب والشبيبة المتعلمة، فأبان من الحقائق وأقام من الحجج ما لا يلقاه أشد الخصوم إذا أنصف إلا بالإكبار والتسليم. وساق ذلك كله في أسلوب من البلاغة الشبيه بالروائي، سهل جذاب، لا تستطيع إذا تناولت أوله أن تتركه، قبل أن تأتي على آخره»([25]).
    يتألّف الكتاب من سبعة فصول، تحمل العناوين التالية: عائشة، الكتاب الممزق، صديقي عمار، طلبة إفريقيا الشمالية، في أحد منتزهات وهران، حنين الإسبان إلى العرب، كيف يغوون شبابنا، وفي نهاية الكتاب هناك فصل ختامي.
    1ـ عائشة: يتحدث الزاهري في هذا الفصل عن امرأة فرنسية كانت متزوجة من رجل جزائري مسلم ولكنه كان متفرنساً في كل شيء، في عقليته وأدبه وأخلاقه وعاداته، وحتى في لغته، ولم يكن من المسلمين الذين يدينون دين الحق، ولكنه كان مع ذلك وطنياً حقاً، محباً ومخلصاً لبلده الجزائر. وقد صادقه الزاهري وتعاون معه على البر بالجزائر. وكانت تجري بينهما أحاديث كثيرة عن الإسلام، تحضرها زوجته الفرنسية، وقد نجح الزاهري بإظهار الحق لهذا الرجل حتى تغيرت حياته والتزم بدينه. ثم مضت الأيام وسافر الرجل وزوجته إلى فرنسا، ولكن الزاهري تلقى منه رسالة يعلمه فيها بإسلام زوجته، ويشكره لأنه كان السبب في ذلك.
    وقد قامت الزوجة الفرنسية بمكاتبة الزاهرية وشكرته لأنّه أقنعها بالإسلام عندما كانت تسمع مناقشاته مع زوجها، الذي كانت تعرف أنه لا يذعن إلا للحجة والمنطق.
    وقصت على الزاهري قصة إسلامها، وكيف خافت من إعلانه، حتى قررت الجهر به، وطلبت منه أن يطلق عليها اسماً إسلامياً، فاختار لها اسم عائشة، تيمناً بأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
    دخلت هذه المرأة دين الإسلام على الرغم من أنّ الزاهري لم يكن يقصد هدايتها هي، ولكن الله هداها بما كانت تسمعه من محاورة ومناقشة بين الزاهري وزوجها، فأسلمت وجعلت تدعو للإسلام وتبشر به. وقد نبه الزاهري في هذا الفصل إلى أن الحجة والمنطق هي السبيل للتبشير بالإسلام، وأن من يظن أن الوطنية تغني عن الدين يكون مخطئاً، فقد جاء في الفصل رد الزاهري على الرجل أثناء إحدى مناقشاته معه، عندما قال إن الوطنية تغني عن الدين، فأجابه الزاهري: «إذا كنت لا تدين بدين أبناء وطنك، ولا تلبس لباسهم، ولا تتكلم بلغتهم، وعوائدك غير عوائدهم فبماذا تكون وطنياً؟ ثم إذا كنت تعيش في مجتمعهم بعيداً عنهم وتتأدب بأدب غير أدبهم، وتتخلق بأخلاق غير أخلاقهم فبماذا تميز مصلحتهم من مضرتهم؟»([26]).
    2ـ الكتاب الممزق: أورد الزاهري في هذا الفصل قصة مستشرقة فرنسية ألفت كتاباً عن الحجاب، وطالبت المسلمات بخلعه على أساس أنه رمز القهر والحد من حرية المسلمات، وقد ناقشت هذه المستشرقة مسلمات جزائريات بهذا، فردت عليها مسلمة جزائرية أمية وبينت لها أن الحجاب هو زينة وستر للمرأة المسلمة، وقدمت لهذه السيدة حججاً وبراهين جعلتها تغير رأيها في الحجاب، بل إنها عمدت إلى تمزيق كتابها الذي كانت تنوي نشره ضد الحجاب، وأزمعت أن تكتب كتاباً آخر في مناصرته.
    وكان مما قالته المسلمة الجزائرية الأميّة لهذه الكاتبة المتعلّمة، وأثر بها كثيراً، أنها تحدثت معها وسألتها إن كانت قد تزوجت وأنجبت فأجابتها بالنفي فقالت المسلمة: «لا تتزوجين، ولا تلدين، ولا تعمرين منزلك، فما أنت بزوجة ولا بأم، ولا بربة منزل، فإذاً بماذا تكونين امرأة أنثى كاملة في أنوثتها؟ أبركوب الخيل، والخطب الحماسية، والتصفيق والهتاف؟ كلا يا سيدتي، ليس شيء من لين الأنوثة ولا نعموتها في هذا ولا في مثله»([27]).
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة

    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,093

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    وقد أكّد الزاهري على ناحية هامة في فصله هذا، وهي أن الاعتزاز بالدين، والقناعة به وبتعاليمه، هي أساس الدعوة إليه والتبشير به، فلو أن جميع المسلمين والمسلمات يعتزون بالإسلام، وينفتحون عنه، ويبشرون به، لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، ولكننا نرى من المسلمين من يخجل من كونه مسلماً، ويرى النواقص في دينه، ويدعو للتشبه بالغرب على اعتباره الأفهم والأحسن والأجمل، وهذا بلاء كبير ابتلي به المسلمون بسبب ضعفهم وعدم ثقتهم بأنفسهم؟
    3ـ صديقي عمار: يتحدث الزاهري في فصله هذا عن الشباب الذين تعلموا في مدارس فرنسا، وتربوا تربية غير إسلامية، وتعرفوا على دينهم ورجال من خلال ما كتبه المستشرقون عنه، فنشأوا لا يعرفون دينهم ولا يحترمونه، ولا يعرفون تاريخ بلادهم، ولا تاريخ رجاله، بل ينظرون إليه نظرة غربية، تستخف به وتحتقره، وترى كل مكرمة فيه ناقصة من النواقص.
    وعمار طالب جزائري تربى في أحضان فرنسية، فخرج لا يعرف دينه، ولكنه بعد تعرفه على الزاهري وأمثاله، تغير حاله، وعرف دينه على حقيقته، فصار يكتب باللغة الفرنسية مدافعاً عن الإسلام وأهله، وملئ قلبه يقيناً بعدما ملئه له أعداء الإسلام شكاً وكذباً.
    يقول الزاهري: «لو أننا أسسنا في الجزائر معهداً إسلامياً، يزود هؤلاء الشبان بالمعلومات الكافية، ويعرفهم بكل ما يجب أن يعرفوه عن الإسلام بأسلوب جميل، لكانوا نصروا الإسلام بأقلامهم، ولكتبوا عنه يومئذ ما فيه بلاغ مبين»([28]).
    4ـ طلبة أفريقيا الشمالية: أسس مجموعة من طلبة الجزائر جمعيّة هدفها مساعدة الطلبة المسلمين الدارسين في الجامعات الفرنسية بالجزائر وفرنسا مساعدة مادية وأدبية. وكان تأسيسها رداً على جمعية فرنسية أسسها شبان فرنسيون ولكنها اشترطت في قانونها الأساسي أن لا يدخلها عليهم طالب مسلم إلا أن يتفرنس، فأيقظ هذا التعصب حمية إسلامية في صدور شباب الجزائر المسلمة فجعلوا لأنفسهم جمعيّة كما لزملائهم.
    وساعد الزاهري هذه الجمعية بإلقاء المحاضرات في ناديها، وكان الشيخ عمر راسم([29]) يحاضر فيها بالفرنسية.
    وقد أورد الزاهري في هذا الفصل بعضاً من محادثة جرت في هذه الجمعية دافع فيها عن الإسلام، وبيّن كثيراً من الحجج، وضحد كثيراً من الأكاذيب، مما ترك أثراً طيباً جداً في نفوس هؤلاء الشباب، وعرفهم بدينهم، وأدخل إلى نفوسهم الاعتزاز به.
    ويؤكد الزاهري في هذا الفصل على ضرورة تعليم شباننا الدين بشكله الصحيح، البعيد عن التزييف والكذب، كي يساعدهم على فهم دينهم، ويمكنهم من الدفاع عنه والتبشير به([30]).
    في أحد منتزهات وهران: يتحدث الزاهري في هذا الفصل، واصفاً لقاءه مع صحفي إسباني، في أحد منتزهات وهران([31])، وكيف طلب منه الإسباني أن ينشد له بعض أشعار العرب في وصف البحر، فأنشده بعضاً من شعره قائلاً:

    ما كان أشهاها إليّ عشية




    أمسيتها بجوانب (البلفار)



    والبحر يكتنف الجزائر كالهلا




    ل مقوساً هو مثل عطف سوار



    والريح فوق الماء تكتب أسطراً




    ما كان أجملهن من أسطار



    كتبت سطور الاعتبار لمن تدبْ




    برها وموعظة لذي استبصار
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة

    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,093

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    فأُعجب الإسباني بهذا الشعر، وسأل الزاهري عن الكتاب الذي كان له أثره البليغ في تكوين أدبه وشاعريته، فأجابه الزاهري بأنه القرآن. وهنا استغرب الصحفي ذلك، وقال القرآن كتاب دين. فبين له الزاهري أنه كتاب دين، وهو في لغة العرب معجزة الفصاحة وسحر البيان. ونقل لهذا الصحفي حديثه مع عالم فرنسي عن فصاحة القرآن الكريم، وعن كونه لا يترجم، لأن لغات العالم تبقى قاصرة عن بيان فصاحته وإعجازه اللغوي.
    وذكر الزاهري في هذا الفصل أنه تحدث مع هذا الصحفي عن الأدب العربي المعاصر، وتطرق لموضوع محاربة اللغة العربية، وكيف أن المسلمين يتركون دينهم ولغتهم اعتقاداً منهم بصلاح غيرها، مع أن الصلاح والتقدم هو في تعاليم الإسلام وفضائله، وقد أعجب الصحفي بهذا الكلام، وتحدثا عن التبشير الإسلامي ومعوقاته، وعن التبشير المسيحي الذي يستغل فقر المسلمين وضعفهم ليخرجهم عن دينهم.
    وختم الزاهري فصله بالحديث عن الأندلس، فنقل حديثاً لصديق عاد من سياحة له فيها، ونقل صورة تؤكد تأثر الإسبان بالإسلام، في عاداتهم ولباسهم، وأنهم يحتاجون إلى من يبشرهم بالإسلام، الذي لن يجدوه غريباً عنهم أبداً([32]).
    6ـ حنين الإسبان إلى العرب: أضاف الزاهري في هذا الفصل إلى طبعة كتابه الثانية. وكان قد نشره في جريدة النور، بعنوان (إسبانيا الحديثة، موقفها بإزاء العروبة والإسلام، حقائق ومعلومات لم تنشر قبل اليوم)([33]). وقد أضافه لمناسبته لموضوع الكتاب.
    وفيه حديث عن اهتمام إسبانيا بتراث العروبة والإسلام في أراضيها، من خلال عرض مشروع لإنشاء مدرستين كليتين للأبحاث العربية والإسلامية. ونقل الزاهري فقرات من المشروع الذي قدمه وزير المعارف الإسباني إلى المجلس النيابي. وعلق الزاهري على هذه الفقرات بأن هذا العمل الصالح الذي تعمله الحكومة الإسبانية هو أثر من آثار حنين إسبانيا الحديثة إلى العرب.
    وتحدث عن معاملة الإسبان للعرب، ومحبة مثقفيها لتراث العروبة والإسلام، ونبه إلى العراقيل والمشاكل التي يضعها الاستعمار الفرنسي أمام مثل هذا التقارب العربي الإسباني، وحذر من تفويت هذه الفرصة السانحة للمسلمين من أجل التقارب مع الإسبان، هذا التقارب الذي يصب في مصلحة التبشير الإسلامي([34]).
    7ـ كيف يغوون شبابنا: يتحدث الزاهري في هذا الفصل عن بعض الأساليب التي يستخدمها أعداء الإسلام للطعن فيه ومحاربته، وكيف يلجؤون إلى المكر والخداع لصرف الشباب المسلم عن دينه وقوميته. من ذلك مثلاً، ما كتبه أحد هؤلاء الماكرين الذين طافوا الجزائر وتوس لإلقاء محاضرات كلها طعن وانتقاص من الإسلام وأهله، قائلاً: «كنت أجد من شباب الإسلام مقاومة، وأرى على وجوههم كراهية لما أدعوهم إليه، غير أنهم كانوا أحداثاً أغراراً غير مجربين، فاستطعت أن أتقي غضبهم، وأن أجلب بعضهم بما كنت أستعمله من الدهاء والخداع. فإن كرهوا انتقادي أو طعني على الإسلام حولت الكلام في الحال إلى دين المسيحيين أو إلى دين اليهود. ومع أن شباب الإسلام كانوا أشد غيرة على دينهم ـ أو قال أكثر تصباً لدينهم ـ من اليهود والمسيحيين، إلا أنهم كانوا غير مزودين بالمعلومات الدينية التي تكفيهم للمناضلة والدفاع عن دينهم»([35]).
    والزاهري هنا، ينبه على خطر هذه الأساليب، وإلى الخطر المحدق بشبابنا، بسبب جهلهم بدينهم، ومسؤولية ذلك تقع على علماء الدين، الذين يقصرون في تعليم الناس، ولا يزودنهم بالهداية الإسلامية الحقة.
    8ـ خاتمة: يختم الزاهري كتابه بخلاصة يسطّرها بقوله: «إني أعتقد أن التبشير الإسلامي في هذا اليوم هو أيسر من يكون، لو اجتهد علماء الإسلام، واعتنوا بهذا السفه، وهذه المطاعن التي طعن بها الإسلام فجمعوها وتتبعوها ونقضوها وزيفوها بالحق والآيات البينات، ثم نشروا ذلك كله بين عامة المسلمين… والمسلمون بطبيعتهم الدينية دعاة مبشرون، وإنما تنقصهم المعلومات الضرورية للتبشير بالإسلام»([36]).
    كتاب الزاهري هذا ما زال يصلح لعصرنا الحاضر، على الرغم من مرور سنوات كثيرة عليه، فصوت الزاهري وأمثاله لم يسمع بعد، ولم يَعِهِ الناس بعد، فما زلنا مقصرين تجاه ديننا، ومقصرين في تبليغه والتبشير به، مع أن حاجة البشرية إلى فضائل الإسلام كبيرة، ولست بحاجة لكثير شرح، ولكننا بالتأكيد نحن بحاجة إلى الشعور بالعزة، ذلك الشعور الذي يعيدنا لجذورنا، ويعيدنا لفضائل ديننا. مسألة الدعوة إلى الإسلام هي مسؤولية كلّ مسلم، ولا يشترط لها إلا اقتناع المسلم بدينه واعتزازه به، وتفعيل فضائله في حياتنا وتصرفاته، عندها سيكون داعية له بقوله وفعله.


    المصادر والمراجع:
    1ـ الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، محمد السعيد الزاهري، دمشق، مطبعة الاعتدال، ط2، 1352 /1933.
    2ـ الأعلام، خير الدين الزركلي، بيروت، دار العلم للملايين، ط 10، 1412 /1992.
    3ـ الصحافة العربية نشأتها وتطورها، أديب مروة، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1381 /1961.
    4ـ النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، محمد صالح الجابري، الجزائر، الدار العربية للكتاب، 1983م.
    5ـ المنجد في الأعلام، ومجموعة مؤلفين، بيروت، دار الشرق، ط23، 1421 /2001.
    6ـ أبو اليقظان وجهاد الكلمة، د. محمد ناصر، القرارة، 1979م.
    7ـ سلسلة في الأدب الجزائري الحديث، محمد السعيد الزاهري، صالح الخرفي، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986م.
    8ـ معجم أعلام الجزائر، عادل نويهض، بيروت، مؤسسة نويهض الثقافية، ط2، 1400 /1980.
    9ـ من أعلام الحركة والدعوة الإعلامية المعاصرة، عبد الله العقيل، الكويت، مكتبة المنار الإسلامية، 1422 /2001.
    الدوريات ومواقع الأنترنت:
    1ـ «ذكريات شاهد عيان»، محب الدين الخطيب، في الفتح، 861 (ذو القعدة، 1367)، 2650.
    2ـ الزيات صاحب الرسالة،
    http//www.islamonline.net/Arabic/history/1422/06/article08.shtml
    3ـ http:/ar.wikipedia.org



    ([1]) تقع ولاية بسكرة في الجهة الشرقية من الجزائر حيث يحدها من الشمال ولاية باتنة ومن الشمال الغربي ولاية المسيلة ومن الشمال الشرقي ولاية خنشلة ومن الجنوب ولا يتي الجلفة والوادى. وتتربع ولاية بسكرة على مساحة إجمالية تقدر بنحو 2167.20 كلم2. وتضم 33 بلدية موزعة على 12 دائرة إدارية وتلقب بعروس الزيبان؛ مأخوذ عن موقع http:/ar.wikipedia.org

    ([2]) وخصوصاً جدّه الشيخ علي بن ناجي الزاهري، الذي رعاه وأمر أن يكثر من إحضاره بين يديه، وكان يأمره بكل لين أن يسأله عما يخطر بباله من أسئلة، فيجيبه بما يملأ صدره يقيناً وإيماناً بعيداً عن الخرافة؛ انظر، سلسلة في الأدب الجزائري الحديث، محمد السعيد الزاهري، صالح الخرفي، الجزائر المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986م، 23.

    ([3]) عبد الحميد بن باديس، من كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام، ورئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر منذ قيامها سنة 1931م حتى وفاته. ولد في قسنطينة عام 1308 /1889، وتعلم بمسقط رأسه، ثم في جامع الزيتونة بتونس، عاد إلى بلده ودرس بالجامع الكبير، أصدر جريدة المنتقد، وصدر منها 18 عدداً وعطّلها الاستعمار، ثم أصدر الشهاب وصدر منها في حياته 15 مجلداً، وأصدر صحفاً أخرى منها الشريعة والسنة المحمّدية والصراط، وأنشأت جمعية العلماء في أيام رئاسته كثيراً من المدارس، توفي بقسنطينة عام 1359 /1940م، انظر، معجم أعلام الجزائر، عادل نويهض، بيروت، مؤسسة نويهض الثقافية، ط2، 1400 /1980، 28.

    ([4]) شعراء من الجزائر، صالح الخرفي، القاهرة، د. ن، 1969، 73.

    ([5]) جامع الزيتونة، جامع شهير في تونس، بني نحو 732م، وجدد بناءه بنو الأغلب نحو 840م، وترجع تسميته كما تقول بعض الروايات إلى أن الفاتحين وجدوا فيمكان الجامع شجرة زيتون منفردة فاستأنسوا بها وأطلقوا على الجامع الذي ينوه هناك اسم جامع الزيتونة، وفي رحابه تأسست أول مدرسة فكرية يإفريقية أشاعت روحاً علمية صارمة، ومن أبرز رموز هذه المدرسة علي ابن زياد مؤسسها وأسد بن الفرات والإمام سحنون صاحب المدونة التي رتبت المذهب المالكي وقننته، وكذلك الفقيه المفسر والمحدث محمد بن عرفة التونسي، وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع. وكانت الزيتونة إلى جانب ذلك قاعدة للتحرر والتحرير من خلال إعداد الزعامات الوطنية وترسيخ الوعي بالهوية العربية الإسلامية ففيها تخرج ابن عرفة وإبراهيم الرياحي بوحاجب ومحمد النخلي ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الخضر حسين، ومحمد العزيز جعيط، وعبد العزيز الثعالبي، وأبو القاسم الشابي، والطاهر الحداد، وغيرهم كثير من النخب التونسية والمغاربية والعربية؛ انظر، النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، محمد صالح الجابري، الجزائر، الدار العربية للكتاب، 1883؛ المنجد في الأعلام، ومجموعة مؤلفين، بيروت، دار الشرق، ط23، 1421، 2001، 282؛ وموقع http:/ar.wikipedia.org
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة

    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,093

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    جزاك الله خيرا وبارك فيك ورحم الله مشايخنا .
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة

    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,034

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    رحمه الله ... جزاكم الله خيرا
    ظننته وهرانياً ... إذن فهو وهراني الإقامة
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,093

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    نعم ، هو من أهلنا أصحاب الجود والكرم بالجنوب الحبيب ، بسكري المولد ، وهراني الإقامة في فترة من حياته يرحمه الله.
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة

    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,034

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    جزاكم الله خيرا
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    169

    افتراضي رد: *تسونامي* التنصير في الجزائر زمن الاستعمار...

    بارك الله لنا فيكم و جعلها في ميزان حسناتكم
    ***لا يصلح آخر هذه الأمة ،إلا بما صلح به أولها***.
    www.nouralhuda.com
    مختص بالتعريف بأهل العلم الأوائل الجزائريين

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •