عُرْفُ النصوص
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: عُرْفُ النصوص

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    19

    Arrow عُرْفُ النصوص

    أ. صلاح بن فتحي هَلَل*

    خاص بالمركز العربي للدراسات والأبحاث


    الحمدُ لله رَبِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على المبعوث رحمة للعالمين، ورضي الله عن آله وصَحْبِه أجمعين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.

    أما بعد:

    ـــــــــــــــ ــــ
    يمكننا أن نُقسم العرف الملحق بالنصوص الشرعية إلى نوعين: أحدهما خارجي، والآخر داخلي.

    فأما العرف الخارجي: فهو العرف المحيط بالنصوص، من خلال الملابسات الخاصة بها، أثناء نزولها ومسيرتها حتى استقرار النصوص، فمن ذلك لغة النص وطريقة فهمه، وأعراف الناس وتعاملهم معه أثناء تناوله وتداوله عند نزوله وبعده، فهذا كله من العُرف الخارجي للنصوص، وقد أطال الفقهاء في الكلام عن هذا العُرف، وذكروا أطرافه وفروعه مفصَّلةً.

    وأما العُرف الداخلي: فهو العُرف الخاص بالنصوص نفسها، أو هو بعبارة أخرى: طريقة النصوص في عرض قضايا الشريعة، من حيثُ طريقة طرح هذه القضايا ومدى تركيزها على قضية بعينها دون الأخرى، وترتيب القضايا الشرعية في التداول بين النصوص.

    وهذه القضية شبيهةٌ بالقضية التي يطرحها المحدِّثون عند كلامهم عن الرواة، وتصنيفهم إلى رواة مشاهير عليهم تدور الأسانيد، وآخرين أقل من ذلك حسب درجات الشهرة والرواية الخاصة بكلِّ راوٍ.
    فهؤلاء المشاهير من الرواة الذين تدور عليهم الأسانيد، لهم معاملة خاصة تختلف عن أولئك الشيوخ المقلين مِن الرواية، وهذا معلومٌ مشهورٌ لدى أهل الحديث، مُقَرَّرٌ في مكانه.

    فإذا عُدْنا إلى النصوص الشرعية فسنجد هناك عُرفًا خاصًّا بها، في تناولها للقضايا الشرعية، ويمكننا من خلال هذا العُرْف أن نقف على كثيرٍ من القضايا الجوهرية والأحكام الشرعية المطلوبة شرعًا.

    فهناك قضايا جوهرية تداولتها النصوص فيما بينها، وأكثرتْ من طرحها والتركيز عليها، مثل قضايا الإيمان والتوحيد، وهناك قضايا أخرى تداولتها النصوص الشرعية بدرجةٍ أقل من هذا؛ مثل قضايا الصغائر التي حذَّرَتْ منها النصوص، وبيَّنَتْ أثرها السيئ على الفرد والأمة، لكن يأتي تداول النصوص للتحذير من الصغائر بدرجة أقل من تداولها لقضايا الإيمان والتوحيد التي هي أصل الإسلام وركيزته الأولى.

    فهذا يعني بوضوح أن الشرع يُقَدِّم قضايا الإيمان والتوحيد على غيرها من القضايا، ويطلبها أكثر من طلبه لغيرها، ويجعلها الأصل والركيزة للدين كله، فمن رام موافقة الشريعة فعليه أن يأخذ بهذا العُرف الداخلي الدائر بين النصوص، فيجعل قضايا الإيمان والتوحيد هي ركيزة دينه وحياته ودعوته وسائر أموره، ثم الذي يليها.

    وهكذا يسير المسلم مع الشريعة، ويتوافق مع رغبة النصوص وطريقتها في تداول القضايا الشرعية، ولا يخرج عن المسار الشرعي النصِّيِّ السائد في الشريعة.

    ومن جهةٍ أخرى نجد النصوص الشرعية في طريقة تداولها لقضايا الشرع تستخدم لغة ولهجة معينة، فعلينا أن نقف عندها ونوافقها ونسير في ركابها، فمثلا: في طريقة عرض النصوص لقضية الفاحشة نجد التداول الأكثر والسائد بين النصوص تسميتها بهذا الاسم، لكنها جاءت في مواضع أخرى باسمها الصريح، فلابد لمن رام موافقة لغة النصوص وأعرافها أن يستخدم الاسم الشائع المشهور المتداول بين النصوص، مع جواز استخدامه للاسم الآخر الصريح المذكور في النصوص أحيانًا.

    وهذا يعني أن نُكثر من استخدام الشائع المشهور المتداول بين النصوص، كما نحتفظ بحق استخدام ما استخدمته النصوص أحيانًا، فنستخدمه متى احتجنا إليه في بعض الأحيان، لكننا لا نجعله هو الشائع المشهور في استخدامنا، لمصادمة ذلك لعُرف النصوص وطريقتها في عرض هذه القضية.

    فالأمر لا يتوقف عند حَدِّ الإكثار والتركيز على القضايا المشهورة المتداولة بين النصوص، وإنما يتعدَّى ذلك أيضًا إلى الإكثار من استخدام اللفظ الشائع المشهور بين النصوص في التعبير عن القضايا المعنية، ومن جهة أخرى نستخدم أحيانًا الألفاظ والتعبيرات الواردة في الشريعة بصورة نادرة أو قليلة الاستعمال والتداول بين النصوص الشرعية.

    ولاشك أن الوقوف على هذه القضية، والعناية بها، يُرتِّب لنا الأولويات التي ينبغي البدء بها في طريق الإصلاح والاستقامة، خاصة أن هذا الترتيب النَّصِّيّ يحتوي على أسرارٍ دينية وعلمية لا يمكن تجاوزها أو غض الطرف عنها، لما في تجاوزها مِن خطورةٍ على مسيرة الإصلاح، وتعثُّرٍ لمسالك الدعوة الصحيحة.

    وإذا كنا أشرنا آنفًا لقضية التوحيد؛ فإننا نعلم يقينا بأن العقيدة هي المحرِّك والدافع وراء كل التصرُّفات، وإنما تتخطَّف الانحرافات مَن لا عقيدة لهم راسخة، ولهذا تجد أبعد الناس عن الانحراف هم أصحاب العقيدة الإيمانية الراسخة، كما أنَّ أقربهم للانحراف مَن لا حظ لهم في الاعتقاد الراسخ الثابت. وهذه حقيقة يُثبتُها الواقع، وتُؤكدُها التجارب.

    ولهذا كان أكثر الناس خشية لله عز وجل أهل العلم؛ لما يملكونه مِن عقيدة راسخةٍ قائمة على علمٍ صحيحٍ، وقد قال تبارك وتعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ» [فاطر: 28].

    وهؤلاء تدفعهم عقيدة الراسخة الثابتة إلى الركون لجنب الله عز وجل، والاستقواء به سبحانه وتعالى، والالتجاء إليه وقت الشدة، وتغليب خشية الله وحبه على خشية الناس وحبهم، كما قال سبحانه وتعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ» [البقرة: 165]. وقال سبحانه وتعالى: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» [آل عمران: 173].

    وهذا كله يختلف عن حال أولئك المذبذبين، أصحاب القلوب المريضة، الذين يميلون مع هواهم، فهم يتحرَّكون بناء على مصالحهم وأطماعهم، لا يهمهم أمر العقيدة والإيمان، يوافقون المؤمنين تارة، ويوافقون أعداء الدين تارات، كما قال تبارك وتعالى: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» [النساء: 143]. ويقول سبحانه: «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» [الأحزاب: 60]، ويقول عز وجل: «أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ» [النور: 50].

    والمقصود بيان أثر العقيدة في تثبيت المؤمن على الطريق الصحيح، وحثَّه على لزوم الاستقامة، وهذه الثمرة سنجنيها قطعًا عندما نمشي مع عُرْف النصوص الدينية، التي جعلت العقيدة ركيزة أصلية مِن ركائز الإسلام العظيم، وعظَّمَتْ قدْرَها وفصَّلَتْ في شأنها، بحيثُ تركتها بيضاء صافية.

    ونحن الآن وفي ظل ما تعيشه البلاد العربية والإسلامية؛ بحاجةٍ إلى إعادة دراسة هذه القضية، واستجلاء طريقة النصوص في عرضها، والتركيز عليها، والاهتمام بها، على قَدْرِ اهتمام النصوص الدينية بها، لأنه إذا كان ترك الأمر الديني جُرمًا عظيمًا؛ فإِنَّ تأخير ما قدَّمه الدين أو تقديم ما أخَّرَه لا يقل عن ذلك في الجُرْم.

    وفق الله الجميع لما يُحبّه ويرضاه.

    "حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر


    http://arabicenter.net/ar/news.php?a...9def4cc4ccb22e

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    الجزائر العميقة ولاية الجلفة
    المشاركات
    518

    افتراضي رد: عُرْفُ النصوص

    السلام عليكم : موضوع قيم ومفيد بارك الله فيك عمرو

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: عُرْفُ النصوص

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوأحمد المالكي مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم : موضوع قيم ومفيد بارك الله فيك عمرو
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    وبارك الله فيكم وجزاكم الخير كله

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •