مصباح الحنون : أفي القوم محمد ؟ أفي القوم أبو بكر ؟ أفي القوم عمر ؟

الحمد لله الذي أيد رسوله بالهدى والنصرالمبين

والصلاة والسلام على من بُعث بالسيف بين يدي الساعة
وجُعل رزقه تحت ظل رمحه ،

ورضي الله عن الصحابة والتابعين ،

وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين ،
أما بعد :

فهذه بعض الفوائد التربوية والمنهجية
مما حصل بعد غزوة أحد ،
وتركت الكثير منها لمشاركتكم
دعوة مني لتدبر السنة ،

فإن في تدبر السنة حملٌ للعبد على التأسي ،
وهذا يحمل على الإتباع ،

الذي هو الركن الركين لسلوك الصراط المستقيم
إذ أن باب الجنة لايفتح إلا بالإتباع ،

فإذا كان ذلك كذلك فتعالوا إلى واحة التدبر
وأخذ الفوائد والعبر من هذا الواقعة .

روى البخاري في كتاب المغازي :
باب غزوة أحد :

ورواه غير البخاري وأنا جمعت فيه بعض الزيادات وضمنته للحديث حتى نستزيد من الفوائد والعبر :

ولما انقضت الحرب ،


صعد أبو سفيان على مكان مرتفع ،

ونادى في المسلمين

أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟

فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوه.

ثُمَّ قَالَ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟

ثُمَّ قَالَ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا

فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ :

كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ،
إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ ،
وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ .

قَالَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ
إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي.

ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ ويقول أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ ،

فقال رسول الله «أجيبوه»،

فقالوا: ما نقول؟

قال: قولوا: «الله أعلى وأجل»،

أبو سفيان: ألا لنا العزى ولا عزى لكم،

فقال رسول الله: «أجيبوه»،

قالوا: ما نقول؟

قال: قولوا: «الله مولانا ولا مولى لكم».

* الفائدة الأولى : سؤال أبا سفيان عن بقاء محمد ونهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه :

فيه دلالة على أهمية القيادة ،

وحرص الكفار والمنافقين على ضرب القيادات الإسلامية ،
إما بالقتل وإما بالأسر وإما بالتنفير وإما بالتهجير ،

وهذا بأسره تعرض له رسول الله كما في قوله :

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال

فالمكر سمة ظاهرة لرؤوس الكفر مع قادة المسلمين ،

فها هي محاولات القتل لم يسلم منها رسول الله ،

وكذلك التنفير

فقد آذوه صلى الله عليه وسلم في رجاحته وعدالته ،

وهذا ديدن المخالفين لأتباع الرسل حيث لاحجة عندهم يدفعوا بها قذائف الحق ،

فينتقلوا إلى الطعن والقدح والذم ،

كما قال الله فاضحاً ألاعيبهم وخططهم بقوله :

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52 الذاريات ).
ولم تسلم منهم الأعراض ،
كما لم يسلم منه عرض رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام
كما في حادثة الإفك حيث نزلت براءة الطاهرة المبرأة أم المؤمنين عائشة عليها السلام .
أما مسألة الإخراج فقد حصلت للنبي فقد أخرجه قومه ، حيث لم يعودوا يطيقوا حمل دعوته ،
وفي هذا دليل أن حمل الدعوة في حالة الإستضعاف أولى منه في حالة القوة
وأنها من مقدمات النصر على الأعداء لأن الأمر مرتبط بقيام الحجة على العباد ،
فمتى تخلف الدعاة عن واجب حمل الدعوة تخلف عنهم النصر بمقدار تخلفهم جزاءً وفاقاً .
وهذه هي طريقة الرسل أجمعين ،
حيث لم يؤمروا بالقتال ابتداءً ،
كما لم يؤمروا بإقامة الخلافة ابتداءً ،
إنما أُمروا بتحقيق التوحيد والكفر بالتنديد ،
ثم الجهاد يكون بعض استفراغ الوسع في بلوغ الحجة ، هكذا يكون التمكين من رب العالمين وهذا مدلول القرآن في كثير من آياته والشاهد قوله سبحانه :

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

وهذه الآية وردت في سورة الحديد ، وهي مدنية ،
حيث أُذن للمؤمنين بالقتال ،
إلا أن الله بين فيها المنهج الواضح للتغيير ،
فالطريق هو الدعوة إلى التوحيد ثم قتال مانعي الدعوة إلى الله صيانة لتوحيد الله جل جلاله ،
إن قدر المسلمون على ذلك وكانوا كفؤاً ،
فإن لم تتوفر شروط القتال فالصبر الصبر
فانظر كيف خلت الآية من الدعوة إلى الخلافة ابتداءً ، وما الخلافة إلا ثمرة من ثمرات تحقيق التوحيد والكفر بالتنديد ،
فالواجب أخي يرحمك الله الحرص على أغلى المطالب وغاية الغايات ،
ولا تلتفت يمنة ويسرة فتنحرف عن أصل دعوة الرسل فتَضل وتُضل .


* الفائدة الثانية :
من نهي النبي للصحابة أن يجيبوه وسيأتي بعد ذلك علة النهي وفوائده المنهجية .


* الفائدة الثالثة :

من قول أبو سفيان وهو بعد مازال كافراً :
أفي القوم إبن أبي قحافة ؟
قالها ثلاث مرات ،

أفي القوم ابن الخطاب ؟
قالها ثلاث مرات ...

وهذا فيه صفعة نصفع بها وجوه الشيعة ،
حيث كان مقرراً في نفوس الكفار أن أعظم رجالات الإسلام على الإطلاق : الشيخان أبوبكر وعمر رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة ،


فلم ينفرد بالسؤال عن الرسول فحسب لما أودع الله في قلبه من الرعب من رسول الله وممن يليه حيث لا يُخاف على الإسلام مادام فيهم الشيخان ،

فلماذا لم يقل أفيكم علي أو عثمان مع جلالة قدرهم أجمعين ؟

الجواب كما أسلفنا

ووالله لكأن الشيخان هم قطعة من رسول الله ،

فلو تأمل المتأمل شخصية العظيمان وحللها لوجد أن الله وزَّع في كليهما من الصفات مالا تجده لو جمعته إلا في صفات نبي ،

لهذا قال عليه الصلاة والسلام : لو كان نبي من بعدي لكان عمر ،

وقال عن أبي بكر : لو وضع إيمان أبي بكر في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجحت كفة أبي بكر .

ووالله لو لم يكونا ورسول الله من طينة واحدة لما دُفنوا سوية ،

صاحباه في حياته
وصاحباه في قبره
وهم صاحباه في جنة الرضوان ،

وهذا المعنى أشار إليه ابن عباس حيث قال : إن المرأة إن أرادت أن تقرص العجين نثرت عليه من طحينه ،

يريد أن الرجل يوضع في التربة التي خلق منها ، وكأنه أخذ هذا المعنى من قوله سبحانه :

مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً
أُخْرَى (55)طه

فالمعنى أن رسول الله وأبو بكر وعمر من طينة واحدة
فاستحقا رضي الله عنهما أن يُدفنا مع رسول الله ،

وحيث أنه لم يكن بعدهم من يداني من منزلتهما فلم يُفتح قبر رسول الله لأحدٍ بعدهما مع جلالة قدر جميع الصحابة دون استثناء ،

وما نقوله عملاً منا بقول رسول الله :
أنزلوا الناس منازلهم ،
وليس غلواً بهما فنحن قومٌ لا نغلوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فكيف نغلو بمن دونه !!

ولكن كيف بنا بمنزلة أنزلها الله لخليفة رسول الله وأمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنهما ولعن الله مبغضيهما .

* الفائدة الرابعة :
من قول عمر رضي الله عنه :

كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُك

أقول : فهذا فيه دلالة على شكيمة عمر وقوته وحزمه وتوعده لأعداء الله
وهذا حال الواثقين بنصر الله رغم حلاكة الظروف وتسلط الأعداء وظهورهم ،
فالعاقبة للمتقين .

وفيه أن الخطاب القوي ولو في حالة الضعف يحدث أثراً مرعباً في نفوس الأعداء ،
ويبعث الأمل في قلوب الأتباع .


* الفائدة الخامسة :
من أمر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة أن يجيبوه حيث منعهم أول مرة ،

وهذا فيه تربية عملية من رسول الله ليُعلم الخلق أنه صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه إنما يغضب لله ،

فلما قال أبوسفيان : أفيكم محمد ؟

قال رسول الله لا تجيبوه

فلما اعتدي على مقام الألوهية بقوله :
أعل هبل ،
غضب عليه الصلاة والسلام وأمر أصحابه بذلك

فقال : ألا تجيبوه ؟

صيانة لباب الإعتقاد ،

فيا أيها المسلم أنظر لنفسك ولغضبتك

أهي لله ورسوله ودينه ؟

أم هي لشخصك ونفسك ؟

أم لشيخك وحزبك وجماعتك ؟

فاعلم أن التي تأتي في صحائف الحسنات إنما هي الغضبة لله ولرسوله ودينه ،

تلك هي التي ترفع درجاتك في المهديين .

وهذا لا يقدح في إجابة عمر ،
فعمر لم يُجب غضبة لنفسه إنما انتصاراً لرسول الله
ولإحباط بشائر النصر في نفوس الكافرين .


* الفائدة السادسة :
امتناع الصحابة أن يجاوبوا في حضرة الرسول والرجوع إليه
وعدم التقدم بين يديه
وإلا فإن أقلهم علماً يٌحسن الإجابة ،

لكنهم تحسبوا أن تكون إجاباتهم مخالفة للمصلحة العامة للمسلمين ،
فأرجعوا السؤال بقولهم :
ماذا نقول يارسول الله ؟

وهذا يدل على كمال عبوديتهم
مع كمال اتباعهم لرسول الله ،

وعلو ورقي أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم .

هذا بعض ماستخرجتُه من الفوائد

فمن فتح الله له بشيء فلا يحرمنا منه
وأرجو أن تقيد المداخلات بالموضوع
وعدم الخوض في السجالات
فقد صح عن رسول الله أنه قال :
إن الله كره لكم قيل وقال ،
وكثرة السؤال وإضاعة المال

والحمد لله أولاً وآخراً
وكتبه مصباح الحنون


1جمادى الأولى 1432