[FONT=font-family: Times New Roman, Times, serif;]نجيب الكيلاني.. فارس الأدب الإسلامي[/FONT]

بقلم / أحمد زكريا
يُعدُّ نجيب الكيلاني الروائي الإسلامي الأوَّل في اللغة العربية.. حيثقدَّم للمكتبة العربية عدداً كبيراً من الروايات والقصص القصيرة.. وهي غالباً محمومةبالتصوُّر الإسلامي وصادرة عنه.
ومن خلال هذا الإنتاج القصصي الغزير استطاع أنيقدِّم النموذج الإسلامي في الرواية والقصة.
المولد والنشأة
ولد عام 1931م في قرية شرشابة بمحافظة الغربية.
حفظ معظم أجزاء القرآن .. وبعدأن أنهى دراسته الثانوية التحق بكلية طب القصر العيني وتخرج فيها 1960.
عمل مديراً للتثقيف الصحي بوزارة الصحة- دولة الإمارات العربية المتحدة.
نشر أولمجموعة شعرية وهو في السنة الرابعة الثانوية، تحت عنوان: "نحو العلا" ووالى النشربعد ذلك.
يكتب إلى جانب الشعر القصة والرواية.
دواوينه الشعرية
أغانيالغرباء 1963م.
عصر الشهداء- كيف ألقاك 1978م.
مهاجر 1986م.
مدينة الكبائر 1988م.
أغنيات الليل الطويل 1990م.
أعماله الإبداعية الأخرى
قصص:
عند الرحيل.. موعدناغداً.. العالم الضيق.. رجال الله.. فارس هوازن.. حكايات طبيب.. الكابوس
روايات:
الطريق الطويل.. اليوم الموعود.. قاتل حمزة.. ليل وقضبان.. رجال وذئاب.. حكاية جاد الله.. نور الله.. مواكب الأحرار.
مؤلفاته:
إقبال الشاعر الثائر.. شوقي في ركبالخالدين.. مدخل إلى الأدب الإسلامي.. الإسلامية والمذاهب الأدبية.
الحياة الأسرية
تزوج الراحل الكبير د/ نجيب الكيلاني عام 1960م من الأديبة الإسلامية "كريمة شاهين" شقيقة الأديبة الإذاعية المصرية "نفيسة شاهين".. ورزق بثلاثة ذكور هم الدكتور جلال.. والمهندس حسام.. ومحمود المحامي.
كما رزق بأنثى واحدة هي الدكتورة عزة.
الكيلاني والإعلام
آخر إبداعاته الروائية "ملكة العنب".. "واعترافات عبد المتجلي".. "وحكاية جاد الله".. وقبل رحيله ترك ثلاثين فكرة لثلاثين رواية إسلامية، ودونها في مفكرة صغيرة عن مشكلات المجتمع المسلم.
في أيام الرحيل أبدع مسرحية "حبيبتي سراييفوا" التي لم ينتبه إليها القرّاء والنقّاد بالشكل اللائق.. وهي تعالج الأوضاع المأساوية في البوسنة والهرسك، وتقدم الأمل من خلال رسالة التبشير والتطهير التي يحملها الفن الإسلامي.
تحول الكثير من أعماله الروائية إلى أعمال فنية.. حيث فاز فيلم "ليل وقضبان" عن روايته "ليل العبيد" بالجائزة الأولى لمهرجان طشقند السينمائي عام 1964م.
كما تحولت رواية "الليل الموعود" إلى مسلسل إذاعي وتليفزيوني إنتاج مصري ليبي مشترك قدّم في شهر رمضان باسم " ياقوتة ملحمة الحب والسلام" عام 1973.
ترجم الكثير من أعماله إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والأردية والفارسية والصينية والإندونيسية والإيطالية والسويدية.
حصل علىجائزة الرواية 1958م.. والقصة القصيرة وميدالية طه حسين الذهبية من نادي القصة 1959م..والمجلس الأعلى للفنون والآداب 1960م.. وجائزة مجمع اللغة العربية 1972م.. والميداليةالذهبية من الرئيس الباكستاني 1978.
الكيلاني رائد الرواية الإسلامية
نجيب الكيلاني أحد الأسماء اللامعة في الأدب المعاصر.. يحتل مكانا ً متميزا ً في بؤرةالتطور الإبداعي الإسلامي.. ومحطة بارزة في الإنتاج الروائي العربي.
فهو بتراكمهالروائي استطاع أن يحدث نقلة نوعية في الأدب الإسلامي.. ويخرجه من دائرة التنظير المجرد إلى ساحة الإبداع المتواصل.. فعرض لقضايا الفرد والمجتمع .. والصراع بين الحقوالباطل من خلال الرؤية الإسلامية، وبالأسلوب الروائي الإسلامي المتميز.
إنالمنظور الروائي هو عبارة عن وجهة النظر التي يعتنقها الكاتب.. ويريدأن يطرحها فيما يكتب .
وكل أديب يهدف ـ واعياً أو غير واع ـ إلى طرح نسق فكري.. يعكس موقفه الأدبي من الكون والطبيعة والإنسان .
وعلى هذا فإن وجهة النظر أو مااصطلح على تسميته بـ (المنظور الروائي) هو (المركز) الذي تدور حوله الأحداث.. حيث أنالكاتب يشكل أحداث روايته ليصل في النهاية إلى وجهة نظر أو رؤية.. تمثل المثيرالأول الذي استشاره لكي يكتب معبراً عما يعتقد.. آملاً أن تصل معتقداته إلى قرائه ،وأن يبقى لديهم بعد أن ينتهوا من قراءة الرواية (المنظور) الذي طرحه ، والقضية التيآمن بها .
في قراءتنا لتجربة نجيب الكيلاني الروائية.. نلاحظ هذا الزخموالاهتمام بالتاريخ.. منذ أن كان الكيلاني في بداية مشواره الأدبي وحتى مرحلة نضجهواستقامته .
لماذا إذن الالتفات إلى التاريخ ؟
هل هي رغبة في الهروب من أسر الواقعوإشكالاته.. أم هو حنين إلى ماض تليد يظل مفارقا ً وغريبا ً عن حاضر يغرق في الجاهليةوالافتتان بثقافة غازية.. أم هي إستراتيجية واعية انطلق منها الكيلاني في سبيل كسرالحواجز بين الماضي عن الحاضر وجعلهما عنصرين يغذي كل منهما الآخر ؟
أسئلةكثيرة تتناسل حين الحديث عن اهتمام الكيلاني بالتاريخ.. وإعادة كتابته روائيا .
نجيب الكيلاني.. كسائر الرواد والمؤسسين , انطلق من خلال إحساسه بوطأة الواقع الذييعيشه .
هذا الواقع الذي تتجاذبه تيارات شتى .. وتنمو فيه تقليعات غريبة.. فمن داعيةإلى القومية الجاهلية أو إلى الفرعونية.. إلى داعية إلى الليبرالية أو الاشتراكيةوغيرها.. وكلها تيارات تحاول أن تقرأ التاريخ وتعمل على بعثه وفق منظورهاالأيديولوجي .
فلا عجب أن رأينا نجيب محفوظ يعيد قراءة تاريخ مصر القديم فيكتبروايات "عبث الأقدار" و" كفاح طيبة " و" رادوبيس ".
ومن قبله كرس جرجي زيدانكل جهوده الأدبية للرواية التاريخية.. فكتب: "فتاة غسان".. "عذراء قريش".. "غادة كربلاء".."العباسة أخت الرشيد".. "صلاح الدين ومكائد الحشاشين".. "شجرة الدر".. "الانقلاب العثماني".. "استبداد المماليك"..الخ .
ولكنه قدم تاريخ الإسلام كتاريخ للهووالتسلية والصراع على السلطة.. لأنه لا يتجه إلى التاريخ بإحساس قومي يدفعه إلىإبراز أمجاده.
وإذا كانت هذه النزعات تستلهم من التاريخ المعاني التي تدفعإلى طريق المستقبل ـ كما يُظنّ ـ فإنها تلتقي كلها في العداء للإسلام وتاريخه معتبرة إياه ماضيا ً انتهى واندثر.. ويجب على أبناء الجيل الجديد أن يمحوه من قلوبهم..إن أرادوا اللحاق بالأمم المتطورة التي نهضت بعد نقدها وتفكيكها لموروثها القديم .
هذا البحر الزاخر بالأيديولوجيات والأفكار التغريبية هي التي حفزت نجيبالكيلاني ـ المنتمي للتيار الإسلامي ـ إلى الاهتمام بالتاريخ.. وبالتاريخ الإسلاميتحديدا ً وإعادة صياغته روائيا ً كشفا ً عن درره.. وبحثا ً عن عناصر القوة فيه.. بعد أنكادت أن تطمسها تأويلات العلمانيين.
وليس غريبا ً أن يبدأ الكيلاني في هذه المرحلةمن إنتاجه الروائي " نور الله " التي تألق فيها على المستوى الفني إلى حد بعيد.. فقد صاغ حبكتها بريشة الفنان المبدع .. وهي تمثل لأعظم لحظة في التاريخ , وهي مرحلةالدعوة الإسلامية بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصراع الإسلام المستضعفمع الكفر في شتى صوره.. ثم الغلبة في النهاية للزمرة المؤمنة واقتلاعها لجذور الكفرمن الأرض .
ولعله نفس التطلع الذي يستشرفه الكيلاني لصحوة الإسلام في العصر الحديثبعد تكالب الأمم عليها.
ولا شك في أن الرواية التاريخية تمثل عنده حلقةأساسية في سلسلة مشواره الطويل .. فقد وقف عند محطات كثيرة في تاريخ الإسلام.. كماتجلى في رواياته "قاتل حمزة" و "اليوم الموعود" و "موكب الأحرار" و "النداءالخالد" وغيرها.
فكيف إذن يتمثل الكيلاني التاريخ ؟.. وكيف يقيمه مادة للتشكيل الأدبي ؟
إن التاريخ من منظور الأدب هو بنية أو بطانة تحتية للأدب.. وموضوع له.. فمن وقائعه يجد الروائي العناصر المؤسسة للنص الأدبي .
فالتاريخ هنا يتحول إلىحكاية أو سرد أدبي يصوره النص الروائي.. ويختلف التاريخ في الأدب عن التاريخ عندالمؤرخين.. فهؤلاء لا يعطون صورة موجهة وغائية للحوادث التي يصفونها.. لكن الأدب لا يقول التاريخ.. بل يقيم معالم له , يظهر وينشئ من الواقع عالما لا تهم فيهكرونولوجيا الحوادث بقدر ما تهم السمات الدالة.
ولهذا "فإن المزيج ـ كما يقولالكيلاني نفسه ـ الناتج من خلط الوقائع التاريخية بالقواعد القصصية.. مزيج يحتاج إلىيقظة وبراعة فنية.
فالنص الروائي هنا يصير بنية رمزية دالة.. تصوغ من التاريخ كوقائع ثابتة.. صورا ورؤى للعالم.
لذا فإن الكيلاني في الكتابة الروائيةيصدر من خلال وعي تاريخي واضح.. إذ يتمثل التاريخ لا في بعده الإخباري كما رواهاأصحاب السير والمصنفات .
بل يتجاوز ذلك إلى استنطاق لحظات التاريخ ـ وهو هناالتاريخ الإسلامي ـ تلك اللحظات التي تظل مضيئة ومحفورة في ذاكرة الأمة.
ومن ثم نجدهيعمل على تحيين وعصرنة ذلك التاريخ, وجعله حاضراً غضاً في الذاكرة والمعاش , وفيأفق تحفيز الأمة والدفع بها إلى ابتكار خطابها المعاصر من خلال استثمار ماضيهاالتليد والنسج على منواله.
وإذ يشكل التاريخ علامة متميزة في التجربةالكيلانية, فإننا نجد الكيلاني, من وجهة أخرى ـ بوصفه أديبا ملتزما له قضية ـيحتضن هموم أمته, ينسرب في واقعه ومعاشه , ليصبح الواقع المعيش سمة وموضوعا فيكتابته الروائية وهذا يحيلنا مباشرة إلى البحث في إشكالية لها أهميتها, هي علاقةالرواية بالواقع .
هذه الثنائية التي تتعدد فيها الأسئلة وتتنوع, كما تتعددالأجوبة وتتنوع تبعا لتعدد المعالجات وتعدد القراءات التي ترصد طرائق اشتغالالرواية في علائقها بالواقع.. وهي ما تحرص عليه نظرية الأدب الإسلامي عندما يلتزمالكاتب بالرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان لحظة الإبداع فتنبثق تجربتهالإبداعية من عمقه الذاتي الإيماني , المتسربل بالرؤية القرآنية المنحازة دوماللقيم الإيجابية في الحياة , والرواية بهذا المعنى تحمل تصورا ما للواقع أو رؤيةللعالم , أي أن الروائي يصير محاورا لثقافته مجتمعه وحراكه الاجتماعي.
والسؤالالمنهجي هنا:
كيف يحدد الكيلاني الواقع في خطابه الروائي ؟ هناك منظور واضح لدىالكيلاني للواقع, فهو يعي جيدا المقومات التاريخية والإيديولوجية والاجتماعيةلواقعه ، ومن ثم يعمل على امتصاصها وإعادة تركيبها دلاليا وسيميائيا في كتابتهالروائية؟
وهذا يشي بأن الكيلاني يتناغم مع واقعه المتوتر والمعقد, ويتحركوفق رؤية منسجمة تمنحه فرصة تفتيت هذا الواقع وكشف خباياه داخل الحقل الروائي.. وجعله المتلقي يميل في النهاية إلى الأصوات والأفكار الإيجابية التي يروم الكيلانيإبلاغها عبر الصنعة الروائية.
إن الكيلاني , في كل نصوصه , تسكنه الأفكار , ويشغله الصراع المحتدم بين الخير والشر ويعمل جاهدا على إسماع صوت الخير وجعله أساسالتعامل الإنساني , وفي المقابل يمعن في كشف وتعرية الشر السياسي والأيديولوجيوإبراز تناقضاته.. فهو بتجربته الغنية التي اجتمع فيها ما هو فني بما هو علمي وفكريوسياسي, استطاع نبش أعماق النفس الإنسانية بكل أصنافها التي خبرها جيدا ً, علاوةعلى هذا استطاع أن يرصد كل تيارات الصراع داخل المجتمع , وتحويلها إلى أصوات لغويةتتدافع في نصوصه الروائية.
إننا أمام شاهد على عصره , يرصد الحراك الاجتماعيفي مجتمعه فتصبح الرواية لديه تبحث عن المعنى والفضيلة في عالم تضطرب فيه القيموتختل موازين الحياة , لنستحضر هنا رواية " ليالي السهاد" ورواية "رحلة إلى الله "و " ليل وقضبان " حيث نجد أنفسنا أمام محاكمة للتعفن المستشري داخل أجهزة الدولةالتي استوحشت وتحولت بأجهزتها الرهيبة إلى آلة قمع وإبادة لكل ما هو جميل في الحياة . ويطول بنا الحديث لو حاولنا تتبع سلبيات العصر الاجتماعية والسياسية التي حاولالكاتب الكشف عنها في رواياته.
إن مسلك الكيلاني في الكتابة الروائية لا يهدففقط إلى خلق عالم تخيلي تتحقق فيه المتعة الجمالية للمتلقي ، بل إضافة إلى هذهالمتعة هناك تطلع إلى هدف بعيد يروم بناء المستقبل على أنقاض الحاضر و الواقعالمتحلل الذي فقد مصداقية استمراره في التاريخ والحضارة والشعور.
هل نجازف فنقول إن الرواية عند الكيلاني مناهضة للسلطة الظالمة ومسائلة لأيديولوجيتها؟
هي بالفعل كذلك , فهو الذي اكتوى بنار هذه السلطة المستحكمة وتغوُّلِها وسحقهاللإنسان , ومن ثم كان مبشرا بالزمن الآخر: "الزمن الإسلامي المجيد الذي تتطلعإليه البشرية إلى الخلاص, دون أن تتحول الرواية لديه إلى حقل للوعظ أو محاكمة تصدرأحكاما أخلاقية , مما أفسح لرواياته الانتشار الواسع , وتبوأ بذلك مكانته المرموقةواللائقة به كأديب عالمي".
وإذا كانت الرواية مندمجة بالواقع , فإن هذايلزمنا بالبحث عن الأشكال الأدبية التي يوظفها الروائي عند تفسيره للواقع بكلأصواته اللغوية وتعددية أيديولوجياته , فالرواية تستعير معمارها الفني من بنيةالمجتمع وتفسح مكانا لتتعايش فيها الأنواع والأساليب المختلفة.
ولعل الوقوفعند بنية الشكل الروائي وجماليته أضحت ضرورية ؛ وذلك أن التراكم النقدي الإسلامي لاتحضر فيه دراسة الشكل الروائي بشكل مقنع ومخصب , بالمقارنة مع الدراسات المضمونيةالتي لا تهتم في النص إلا بالموضوع.
وقد لا أحتاج إلى تأكيد مسلمة , وهي ضرورة الإحاطة بالمناهج المعاصرة التي اهتمت بدراسة فلسفة الشكل وجماليته , لتمنحنا بذلكفرصة الدخول إلى عالم النص لنعرف " ماذا يقول ؟ " وأيضا "كيف يقول؟".
إنبنية العمل الأدبي يرتبط فيها الإطار بالمحتوى , والدال بمدلوله , وإن الفصل بينهماهو تعسف وجناية في حق الأدب.
والرواية بوصفها معمارا فنيا , لها شكلها الخاص.. وإن كانت هي النوع الأدبي الوحيد التي لا تخضع لشكل نهائي بل هي نص مفتوح وغيرمكتمل وفي صيرورة مستمرة, ولقد فهم الشكل الروائي في معظم الأحيان بوصفه تقنيةأسلوبية فقط, يوظفها الروائي للحصول على عمل فني متناسق.
ولكننا نجد عند "ميخائيل باختين" فهما مغايرا للشكل, مفاده أن للشكل بعدا جماليا ودلاليا ً, أي أنالشكل معمار جمالي يوحد القيم الإفهامية والأخلاقية وينظمها في النص، أو بعبارةأخرى ، إن الشكل يجمع بطريقة لا تقبل التفريق بين المدلولات الاجتماعية والدوالالأدبية.
من هذا المنطلق إذن , لا بد أن نبحث بنية الشكل الروائي عند الكيلاني.. وإن كان هذا الموضوع يحتاج وحده إلى دراسة مستقلة معمقة تكشف عن جمالية الشكل لدىهذا الروائي المبدع ؛ لأن تجربة الكتابة لديه عرفت تفاوتا على المستوى الفني , بينالبساطة أحيانا في الأشكال ، على الرغم من الموضوعات الجيدة التي يعالجها في " الطريق الطويل " و " في الظلام " مثلا ً.
ولكن سرعان ما يبهرنا في نصوص أخرى " نورالله " , " حكاية جاد الله " بأشكال فنية متألقة , تكشف عن مراس فني رفيع لدى كاتبمحترف , يعرف كيف ينسج خيوط نسيجه الروائي , ومن ثم فبقدر ما تعرف تجربة الكيلانيالروائية نموا في الكم تعرف كذلك نموا في الكيف , فالرواية الكيلانية يكثر فيهاالسرد وتوجهه يد فنية متمرسة , والسرد " يسهم في دفع الحوادث ويعمل بشتى الوسائلالممكنة على إقناعنا بما يطرحه الروائي من قضايا".
وقد نجح الكيلاني فيكشف سوءات العصر من خلال هذه الأبعاد التي رسمها لشخصية " جاد الله " ، فيصور لناالصراع الداخلي الذي أوشك أن يمزقه في أثناء جلوسه ـ مضطرا ـ مع زميله " حسنين " فيحلقة الشيخ " بحيري".
قال" جاد الله " وقد حاصرته الأفكار:-
"ماذا نفعل؟؟ العالم كله فساد في فساد".
قال الشيخ باطمئنان كبير:
"عد إلى نفسك وافتح كتاب الله .. وأغرق همومك في عمل مفيد".
كما يكثر عند الكيلانيالحوار والمشاهد الممسرحة والوصف والاعتماد على اللغة الشاعرية , كما يمنح شخوصه الحرية في الحركة والتعبير دون تدخل سافر من الكاتب, وإن كان يبقى له الحق فيالتحيز إلى شخوص معينة في النص, فراوي النص لم يعد ذلك الراوي العالم بكل شيء..كما في الرواية الكلاسيكية , حيث كان الراوي يتدخل في كل شيء , ويتنبأ بمصير الشخوصوبمسار الحوادث.
إنما نلمس عند الكيلاني كسائر الكتاب الكبار تلك الرغبة في دفعمسار الحوادث وفق طبيعتها , وترك الشخوص تحدد خطواتها بنفسها , مع اقتصار دورالكاتب فقط على تأثيث فضاء الصراع بين الشخوص , وجعل اللغة مسرحا لتجلي أفكارالشخوص وأحلامها ورغباتها وتطلعاتها.
فيصور لنا الكاتب كل هذه الألوان منالصراع وهي تتفاعل في رأس "جاد الله" ـ على سبيل المثال ـ في أثناء عودته من حلقةالشيخ "بحيري":
"وقد شعر بسخونة في رأسه على الرغم من برودة الجو.. كان طوفانالأفكار يهدر في داخله.. اختلطت الحدود في رأسه، بين كل المتناقضات، لم تزدهالزيارة الأخيرة إلا حيرة على حيرته، ما هذا العالم الغريب الذي من حوله؟ قوميعبدون الله في إيمان عميق ويقين ، وقوم يسرقون وينهبون ويقتلون دون أن تهتز فيهمشعرة من خوف الله ، ومسجونون يغوصون في الإثم دون مبالاة ، وضباط يشمخون بأنوفهم وكأنهم آلهة يأمرون فيطاعون ، وحكام لا شريك لهم في حكمهم لا يسألهم أحد عما يفعلون، ويتحدثون عن الحرية والحب والإخاء والمساواة , وشباب يموتون غيلة , من أجل موقفأو رأى.
لو كنت في موقفهم لضحيت بكل شيء حتى أعيش.. أن تعيش هذا هو المهم ،وبعدها تستطيع أن تتصرف كما يحلو لك، وتحاول أن تتغلب على كل الصعاب , وأن تغير منمبادئك وخططك مثلما تهوى ، المهم ألا تموت ، وأن تنعم بحياتك , لا تستطيع قوة فيالأرض أن تقنعني بأنني جئت إلى هذه الدنيا لكي أضحى أو أتعذب أو أعاني ، من العدلأن أحقق ما أريد أو قدرا لا بأس به مما أريد ، وعلى الأقل أعيش حياة مقبولة.
ليقل الشيخ "بحيري" ما يشاء ، فلو عضه الجوع ، وأرقه الذل مثلى لكان له موقف آخرغير موقفه الحالي.. لقد سرت في طريقي الخاص منذ زمن بعيد.. قتلت.. وفسقت.. وسرقت.. فماذا يعنى؟ ولم يبق إلا خطوة واحدة حتى أحقق آمالي.. ومن يدرى بعدهاماذا يحدث، قد ألبس عمامة ، وأطلق لحيتي ، وانخرط في سلك العابدين الزاهدين ،الزهد له مذاق خاص عندما يملك الإنسان كل شيء , لكن الزهد مهزلة كبرى حينما يكونالزاهد فقيرا عاريا , لا يملك من حطام الدنيا شيئا".
القصص الشعري عند الكيلاني
وقد استطاع الكيلاني ـ رحمة الله ـ أن يوظف كثيرًا من آليات الفن القصصي في شعره، فاستخدم الرمز والقناع والحوار والسرد والتعبير المتلاحق، والارتداد (تذكّر الماضي والرجوع للوراء) والمفارقة، واللقطات المقتطعة من خلال الأشكال والمضامين التعبيرية المتفردة ، كما يرى د. جابر قميحة.
وكان أول دواوينه "نحو العلا" عام 1950 وهو طالب بالمرحلة الثانوية، وآخرها "لؤلؤة الخليج" وهو الديوان الذي لم يكتمل، مرورًا بـ "كيف ألقاك" و"عصر الشهداء" و"أغنيات الغرباء" و"مدينة الكبائر"، و"مهاجر" ، و" أغنيات الليل الطويل".
رحم الله أديبنا الكبير الدكتور نجيب الكيلاني.. الذي رحل عنا في مثل هذه الأيام،وبالتحدي د في السابع من شهر مارس عام 1995م