الرمزية في الشعر بين الحداثة والغموض

بقلم فالح الحجية الكيلاني

تجلَّت الحداثة الشعريةفي الوطن العربي في سبعينات القرن الماضي وبعد انتشار قصيدة النثر اذ اعتمد اغلب الشعراء- شعراء قصيدة النثر- الرمزية الغامضة في قصائدهم بشكل مفرط على نحوٍ تجسَّدت فيه جملةٌ من تحولات مفردات القصيدة الشعرية، وفي تحولاتها الموضوعية والجمالية وأساليب التعبير في التجربة الشعرية-ان صح التعبير - بحيث تباينت مواقف الشعراء وتفاعلهم إزاء موضوعات جديدة في الشعر هي اقرب للفلسفة منها للشعر مثل الموت والحياة و الوجود و الحقيقة. وادخل هذه التشكيلات في بنية نصوصه الشعرية على مستويات متماثلة هي اصلا من اساسيات الشعرية منها اللغة والدلالة والايقاع والصورة
أولع شعراء قصيدة النثر بالرمزية الى حد الغموض حيث يرون فيه جمالا لا يتحققفي الا فيالمعاني الخفية ويشبهون الرمزية في نتاجاتهم الشعرية بانها(كالعينين الجميلتين تلمعان من وراء النقاب )
وكان للرموزوالأساطير التي أولعوا بها منذ سبعينات القرن الماضي ولحد الان اثركبير في غموض القصائد الشعرية، الامر الذي طرح نوعية التوصيل الى المتلقي وصعوبته أحيانا، نتيجة ما وراء هذا الغموض من فلسفةفنية وحياتية يشوبها نوع من الغرابة في استعمال اللغة والعبارات الغامضةالبعيدة عن الواقع الفعلي وقد كتبنا كلنا في قصيدة النثر وولجنا هذا الخضم الى جانب قصيدة العمود الشعري واستعملنا الرمز في قصائدنا لكننا لم نوغل في الغموض مثل الشعراء الشباب
واذا رجعنا الى تاريخ الشعر وجدنا الرمزية لها وجودها في الشعرالقديم ايضا اذ كان الشعراء لايصرحون ببعض الامور التي لايرغبون ان يعرفها الاخرون في قصائدهم ومن هنا قيل ( المعنى في قلب الشاعر ) فالغموض في الشعر ليس معضلة تأويلية جديدة إذ أن طبيعة أي عمل فني يفترض على من يتعامل معه أن يجد سبلا لمعان متعددة ومتضاربة ويقاس هذا بامكانية الشاعر وقدرته وقابليته الفنية . يقول القاضي الجرجاني مشيرا الى رمزيته فيالتعبير الشعري ( وليس في الأرض بيت من أبيات المعاني قديم أو محدث إلا ومعناهغامض ومستتر، ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر، ولم تفرد فيها الكتب المصنفة وتشغل باستخراجهما الأفكار الفارغة)
وعليه فمن حق الشاعر ان يستخدم المعاني الخفية تلافيا للوقوع في أسر الابتذال والتقريرية فالشعر يتطلب الرؤيا على ان لايجبر المتلقي – في رأيي الخاص – على استخدام قاموس اللغة واللهاث وراء معرفة ما قصده الشاعر في قصيدته بحيث يجعل مسارها مظلما حالكا عليه وعليه ان يترك فجوة تعبيرية او منفرجا للولوج الى جو القصيدة وان للشعرلنافذة تطل على المطلق، وحالة لا يمكن إخضاعها للنظر البارد كما يقولون.

فالرمز– إذنيلازم اللغة الشعرية الخيالية القائمة على المجاز والمفارقة للغة العقل والمنطقوالسهولة، فهو من افضل
و أنسب المسالك للتعبير عن الذاتية النفسية وسبر اغوارها لأن جوهر الشعر الذييعبر عن عمق التجربة قد لا يبدو واضحا اومحدد المعالم . فالغموض بصورة عامة صفة مشروعة منصفات الحداثة حين يصدر من أعماق تجربة ذاتية تحافظ على عمق الرؤية الفنية والخيالية الشعرية عندها تكون بعيدة عن النثرية او الحالة التي تحول بالفعل الخطاب الشعري إلى كلام عادي اقرب الى النثر منه الى الشعر على ان يكون قوامه العقل والمنطق والوضوح.
يقول الشاعر نجيب حماش في احد قصائده \
يتعفر بالورد والفلسفات
الحصى وقته انزياح المعاني
غامضا أبدا في فيوضات أنساقه
لايحد ولاينتهي،
لاتفاجئه الأزمنة
لا يقال له أنت أو هو
ياملك المفردات
ويقال له ما يشاء
الندى وقته والنساء
ا نها تمثل الغازا وغموضا كثيفا وستارا ثقيلا لاينخرق بسهولة ليدخل المتلقي الى ما يريده او ما يقصده الشاعر او يرمي اليه فهل نقول للمتلقي (ولما ذا انت لا تفهم مايقال ؟ ) وكاننا نريد من الناس ان يفهموا ما نقول مهما كان غامضا فالشاعر في هذا المقطعيعبر عن حالة معينة قد يصعب فهمها من المتلقي وحتى المتمرس في قراءة الشعرمهما كان مستوعبا لامورالحداثة الشعرية وجديدها ،
نعم قد يكون هناك ربط بين ظاهرةالغموض بطبيعة الرؤية الجديدة التي طبعت ولازمت القصيدة المعاصرة وبينالنص الشعري المعاصر بحيث يبقى منفتحا على كل الاحتمالات المعرفية
والحد سية والخيالية - ان صح التعبير- التي تجمع بينتناقضات الرؤية ومحاسن اللغة وتعدد الرمزية باشكالها المختلفة وفقا لمقدرة الشاعر وتوجهه .فالشاعر المعاصر يعبّر عن حساسيةحضارية واسعة اساسها القلق النفسي هذا الذي هو ظاهرة العصر الحديث والبحث عن اللامحدود وعليه اصطبغت الرؤية الشعرية لديه بلهجة شديدة الغموض والتعقيد بحيث اصبح الشاعر المعاصر شاعر المفاجأة والرفض فلا يـبقـى عنده غير الإبداع فيفجره في جميعالاتجاهات كيفما شاء .
وخلاصة القول ان من المفيد في حالة استخدام الرمز ية
المفرطة الى حد الابهام والغموض ولكي لايكون المتلقي امام ليل حالك لذا توجب يوجد الشاعر فجوات ليمر النور من خلال بناء القصيدة في اللغة والاسلوب والمقصد الشعري فيضفي اليه مجالا يمكنه من الابحار فيها ويتحرى مقاصدها وما تروم اليه وشده اليها وثيقا بدلا من تركه لاهثا متعبا في ايجاد المعاني او المقاصد المبتغاة وهذه الفسحة يحسن الشاعر هند ستها بما أوتي من قدرة لغوية وشاعرية فذة وينفذ من خلالها الى نفسية القارىء او المتلقي والتاثير فيه وسحبه اليها سحبا جميلا ويحقق طموحا ت
نفسه التواقة الى الرفعة والسمو .



فالح نصيف الحجية
الكيلاني
30\ 3\011 2

************************