" دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز - الصفحة 6
صفحة 6 من 6 الأولىالأولى 123456
النتائج 101 إلى 109 من 109

الموضوع: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

  1. #101
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,684

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    فتوى مختصرة لابن تيمية
    بين فيها مسالك الأئمة
    في إخراج القيمة في الزكاة
    مع استظهاره للراجح في المسألة

    سئل رحمه الله:


    عمن أخرج القيمة في الزكاة فانه كثيرا ما يكون أنفع للفقير: هل هو جائز أم لا؟
    فأجاب:
    وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك فالمعروف منم ذهب مالك والشافعي:
    أنه لا يجوز.
    وعند أبى حنيفة:
    يجوز.
    وأحمد رحمه الله:
    قد منع القيمة في مواضع وجوزها في مواضع.
    فمن أصحابه:
    من أقر النص.
    ومنهم:
    مَن جعلها على روايتين.
    والأظهر في هذا:
    أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه.
    ولهذا:
    قدَّر النبي صلى الله عليه و سلم الجيران بشاتين أو عشرين درهما ولم يعدل إلى القيمة.
    ولأنه:
    متى جوِّز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة وقد يقع في التقويم ضرر؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة وهذا معتبر في قدر المال وجنسه.
    وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل:
    فلا بأس به.
    مثل:
    أن يبيع ثم بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه.
    وقد نص أحمد على جواز ذلك
    ومثل:
    أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل وليس عنده من يبيعه شاة فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة.
    ومثل:
    أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها
    أو:
    يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتونى بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار."
    وهذا قد قيل:
    إنه قاله في الزكاة.
    وقيل:
    في الجزية."([1])

    ([1]) مجموع الفتاوى - (ج 25 / ص 82)



    فصل

    والناس في إخراج القيم في الزكاة ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنه يجزئ بكل حال كما قاله أبو حنيفة.

    والثاني: لا يجزئ بحال كما قاله الشافعي .

    والثالث: أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة.

    مثل:
    مَنْ يجب عليه شاة في الإبل وليست عنده.

    ومثل:
    مَنْ يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس.

    وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحا
    فإنه منع:
    مِنْ إخراج القيم

    وجوزه:
    في مواضع للحاجة.

    لكن مِنْ أصحابه مَنْ نقل عنه جوازه فجعلوا عنه في إخراج القيمة روايتين، واختاروا المنع لأنه المشهور عنه كقول الشافعي

    وهذا القول أعدل الأقوال، كما ذكرنا مثله في الصلاة، فإن الأدلة الموجبة للعين نصا وقياسا كسائر أدلة الوجوب.

    ومعلوم أن صحة وجوب العين قد يعارضها أحيانا ما في القيمة من المصلحة الراجحة، وفي العين من المشقة المنتفية شرعا."([1])

    ([1]) القواعد النورانية ( ص 136) تحقيق: د. أحمد الخليل.

    --------------------------------------------------------------------------------

    قال النووي في المجموع:
    "وقال سفيان الثوري: يجزئ إخراج العروض عن الزكاة إذا كانت بقيمتها وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه وهو وجه لنا كما سبق."([1])


    قال أبو فراس:
    عقد البخاري رحمه الله في صحيحه:
    باب العَرْض في الزكاة ( 2)


    قال ابن حجر في الفتح:
    أي جواز أخذ العَرْض....
    والمراد به: ما عدا النقدين.


    قال ابن رشيد:
    وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل."


    قال أبو فراس:
    وأورد البخاري في هذا الباب بعض الآثار والنصوص، وإليك ما ذكره، رحمنا الله وإياه:


    1- قال طاووس: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.


    قال ابن حجر في الفتح:
    "هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاووس لكن طاووس لم يسمع من معاذ فهو منقطع.
    فلا يغتر بقول من قال:
    ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه، وأما باقي الإسناد فلا.
    إلا أن إيراده له:
    في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده، وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب.
    ثم قال ابن حجر:
    وقوله:" في الصدقة":
    يرد قول من قال: إن ذلك كان في الخراج.
    وحكى البيهقي: أن بعضهم قال فيه: "من الجزية" بدل "الصدقة" فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال لكن المشهور الأول.
    وقد رواه بن أبي شيبة:
    عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس:
    أن معاذا كان يأخذ العروض في الصدقة.


    وأجاب الإسماعيلي:
    باحتمال أن يكون المعنى ائتوني به آخذه منكم مكان الشعير والذرة الذي آخذه شراء بما آخذه فيكون بقبضه قد بلغ محله ثم يأخذ مكانه ما يشتريه مما هو أوسع عندهم وأنفع للآخذ
    قال : ويؤيده:
    أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة وقد أمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم.


    وأجيب:
    بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها.


    وقد احتج به: مَن يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد وهي مسألة خلافية أيضا.


    وقيل في الجواب عن قصة معاذ:
    أنها اجتهاد منه فلا حجة فيها.


    وفيه نظر:
    لأنه كان أعلم الناس بالحلال والحرام وقد بين له النبي صلى الله عليه و سلم لما أرسله إلى اليمن ما يصنع.


    وقيل :
    كانت تلك واقعة حال لا دلالة فيها لاحتمال أن يكون علم بأهل المدينة حاجة لذلك وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك.


    وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة فلعل هذا منها وتعقب بقوله: مكان الشعير والذرة وما كانت الجزية حينئذ من أولئك من شعير ولا ذرة إلا من النقدين.(3)
    ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــــــــــــ ــ
    ([1]) المجموع - (ج 5 / ص 429)
    (2) صحيح البخاري.
    (3) فتح الباري لابن حجر.


    قال ابن حزم رحمه الله، وهو يجيب عن حديث معاذ:



    "وهذا لا تقوم به حجة لوجوه:



    أولها: أنه مرسل، لأن طاووسا لم يدرك معاذا، ولا ولد إلا بعد موت معاذ.



    قال أبو فراس:



    ما ذكره ابن حزم رحمه الله صحيح، فطاووس لم يدرك معاذا ولا ولد إلا بعد موته، ولهذا حكم أهل العلم على رواية طاووس عن معاذ بالإرسال والانقطاع.



    قال علي ابن المديني: لم يسمع طاووس من معاذ بن جبل شيئا.([1])



    قال أبو زرعة: طاوس عن معاذ مرسل. ([2])



    ولهذا تعقب كثير من الشراح روايات طاووس عن معاذ وأعلوها بالإرسال لأن طاووسا لم يدرك معاذا فضلا أن يسمع منه.



    بينما ذهب آخرون: إلى قبول روايات طاووس عن معاذ مع التسليم بأنه لم يسمع منه، ومن هؤلاء الشافعي الإمام فإنه قال في "الأم":



    "وطاوس عالمٌ بأمر معاذ وإن كان لم يلقه على كثرة من لقي ممن أدرك معاذا من أهل اليمن فيما علمت...



    ثم قال الشافعي رحمه الله مؤكِّداً صحة رواية طاووس عن معاذ بن جبل رضي الله عنه:



    وأخبرني غير واحد من أهل اليمن عن عدد مضوا منه:



    أن معاذا أخذ منهم صدقة البقر على ما روى طاووس ...



    أخبرنا بعض أهل العلم والأمانة: عن يحيى بن سعيد عن نعيم بن سلامة:



    أن عمر بن عبد العزيز دعا بصحيفة فزعموا أن النبي صلى الله عليه و سلم كتب بها إلى معاذ بن جبل فإذا فيها [ في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة ]



    قال الشافعي: وهو ما لا أعلم فيه بين أحد لقيته من أهل العلم خلافا وبه نأخذ."([3])



    قال أبو فراس:



    إذن مع تسليم الشافعي بأن رواية طاووس عن معاذ مرسلة إلا أنه يصححها لمعانٍ خمسة:



    المعنى الأول: أن طاووسا عالمٌ بأمر معاذ.



    المعنى الثاني: أن طاووساً لقي نفراً كثيرا ممن أدرك معاذا من أهل اليمن فيما علمه الشافعي.



    المعنى الثالث: ما ذكره الشافعي مِنْ أنه: أخبره عددٌ من أهل اليمن قد مضوا ما يصدِّق هذه الرواية المعينة من رواية طاووس عن معاذ.



    المعنى الرابع:أن الشافعي رحمه الله قد أخبره بعض أهل العلم والأمانة عن قصة لعمر بن عبد العزيز أنه دعا بصحيفة قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بها إلى معاذ، وهذه الصحيفة تصدِّق رواية طاووس عن معاذ.



    المعنى الخامس: أنه لا يعلم خلافا بين أحد لقيه من أهل العلم في صحة هذه الرواية ، أو أن الشافعي قصد أنه لا يعلم خلافا في صحة الحكم الذي اشتملت عليه هذه الرواية.



    قال أبو فراس:



    ومما يدل على أن طاووساً عالمٌ بأمر معاذ كما قال الشافعي هي الإشارة الخاطفة من حافظ المغرب أبي عمر ابن عبد البر القرطبي فإنه بعد أن انتهى من ترجيح قول الجمهور في ما يوافق إحدى روايات طاووس عن معاذ: قال:



    " قال ابن جريج وقال عمرو بن شعيب: أن معاذ بن جبل لم يزل بالَجَند منذ بعثه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثم قدم على عمر فرده على ما كان فيه عليه.



    قال أبو عمر:



    الجَنَد من اليمن: هو بلد طاووس، وتوفي طاووس سنة ست ومائة وتوفي معاذ سنة خمس عشرة أو أربع عشرة في طاعون.



    وقال أيضاً:



    حديث طاوس هذا عندهم عن معاذ غير متصل والحديث عن معاذ ثابت متصل من رواية معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بمعنى حديث مالك.(4)



    قال أبو فراس:



    فكأن ابن عبد البر بما ذكر أن معاذا نزل بالجَنَد بلدة طاووس، وأنه لم يزل بها منذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات عليه الصلاة والسلام بل وإلى زمن عمر.

    ثم اعتبر أن روايته هذه محفوظة لموافقتها رواية الثقات الموصولة


    وهذا يدل على قرب طاووس الشديد من الذين أخذوا عن معاذ إذ هم أهل بلدته والتي قد طال مقام معاذ بها.



    ويمكن أن نستشهد أيضاً:



    بما قيل في رواية مسروق عن معاذ، وإن كان هناك فرق جوهري وهو في إدراك مسروق لمعاذ بخلاف طاووس الذي ولد بعد وفاة معاذ إلا أنه مع ذلك فثمة قواسم مشتركة من شهود عمل معاذ المشهور في الزكاة في اليمن، وإداركه نقل الكافة عن معاذ:



    قال ابن حزم في معرض حديثه عن رواية مسروق عن معاذ في الزكاة:



    " ثم استدركنا فوجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر، وهو بلا شك قد أدرك معاذا وشهد حكمه وعمله المشهور المشهور، فصار نقله لذلك ولأنه عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم: نقلا عن الكافة عن معاذ بلا شك، فوجب القول به."([5])



    فعلَّق الملا علي قارئ في "مرقاة المفاتيح" بعد نقله كلام ابن حزم السابق:



    "وحاصله: أنه يجعل بواسطة بينه وبين معاذ وهو ما فشا من أهل بلده أن معاذا أخذ كذا وكذا والحق قول ابن القطان أنه يجب أن يحكم بحديثه عن معاذ على قول الجمهور في الإكتفاء بالمعاصرة ما لم يعلم عدم اللقاء."







    قال أبو فراس:



    فهاتان روايتان من رواية طاووس عن معاذ سبق تناولهما قد تقاسم الإمامان: الشافعي وابن عبد البر في الحكم عليهما بأنهما محفوظتان من وجوه ذكروها.



    وقد تتبعت روايات طاووس عن معاذ فلم يظهر لي ما يستنكر منها، لاسيما وأن كثيرا منها في أبواب الزكاة وهو ألصق الأبواب:



    1- بمعاذ



    2- وبطاووس.



    3- وباليمن.



    ورأيت كثيرا من الشرَّاح إنما يقتصرون في الإعلال فقط على مجرَّد الإرسال، ولا يستنكرون من متون الروايات شيئا.



    فإن صحت المعاني التي ذكرها الشافعي رحمه الله مضافا إلى ما ذكره ابن عبد البر رحمه الله، وتتبعنا روايات طاووس عن معاذ فلم نجد ما يستنكر منها من جهة العموم فإن قبولها متجه ظاهر مع التسليم بأن هذه الروايات مرسلة ، ولكنها مرسلة محفوظة، مثل روايات أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود فإنه مع إرسالها إلا أنها محفوظة إذ أخذها عن الثقات مِنْ أهل بيته.

    قال السخاوي في فتح المغيث:
    فإن قيل: هذا منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا
    يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله وخلطته بخاصته من بعده لا يخفى عليه مثل هذا من أموره فجعلنا قوله حجة لهذا من أمور فجعلنا قوله لا من الطريق التي وصفت

    ونحوه قول الشافعي رحمه الله:
    في حديث لطاووس عن معاذ طاووس لم يلق معاذا لكنه عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافا وتبعه البيهقي وغيره
    ومن الحجج لهذا القول:
    أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيا لا سيما بالكذب بعيد جدا بإنه صلى الله عليه و سلم أثنى على عصر التابعين وشهد له بعد الصحابة بالخيرية ثم للقرنين كما تقدم بحيث استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل فإرسال التابعي بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديث بالجزم من غير وثوق بمن قاله مناف لها هذا مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل ....."



    ولذا فأجدني أرتضي هذه الرواية المذكورة في المسألة لاسيما مع احتجاج البخاري بها وما ذكره من النصوص التي تؤكد الحكم الذي اشتملت عليه.



    والتي استطردنا منها للبحث في حال هذه الرواية، وللتفتيش عن قبولها مع التسليم بإرسالها، هذا والله أعلم.



    ([1]) المراسيل لابن أبي حاتم.


    ([2]) المراسيل لابن أبي حاتم.


    ([3]) الأم - (ج 2 / ص 12)
    ([4]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (ج 2 / ص 276)
    ([5]) المحلى - (ج 6 / ص 16)
    __________________



    الاعتراض الثاني الذي ذكره ابن حزم على أثر معاذ رضي الله عنه أنه قال:



    والثاني:أنه ليس لو صح لما كانت فيه حجة، لأنه ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حجة إلا فيما جاء عنه عليه السلام.



    قال أبو فراس:



    وهذه المسألة قد نحيلها إلى اختلاف أهل العلم في حجية قول الصحابي.



    وقد نقول: بل هي أدق، فمعاذ رضي الله عنه في اليمن هو الوكيل عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ شرعه، ومنها أحكام الزكاة، كما أنه وكيله ووكيل الخليفتين من بعده: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.



    الأمر الأخر: إن الأثر لو صح فإنه يفيد أن معاذا كان يرسل الصدقة التي قبلها إلى الأنصار والمهاجرين في المدينة فلو كانت غلطا لشاع وذاع ، ولنبهه كبار الصحابة لاسيما الخليفة الذي وكله ، ثم استقبل منه الصدقات...



    فحكم معاذ – إن صح لأن النقاش مع ابن حزم وهو لا يصحح الأثر، لكن يناقش تنزلاً – يكتسب قوة من هذه الجهات التي ذكرنا ، فالحكم فيها يكون قريبا من الإجماع، وهو معتضد بإقرار الخليفة الراشد.

    وقد ذكر ابن حجر في الفتح اعتراضا يقرب من اعتراض ابن حزم إذ قال:
    وقيل في الجواب عن قصة معاذ أنها إجتهاد منه فلا حجة فيها
    فأجاب ابن حجر:
    وفيه نظر لأنه كان أعلم الناس بالحلال والحرام وقد بين له النبي صلى الله عليه و سلم لما أرسله إلى اليمن

    وقال د. يوسف القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة" 2/807:
    وعمل معاذ في اليمن وأخذه القيمة دليل على أنه لا يجد في ذلك معارضة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جعل اجتهاده في المرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة.
    وعدم إنكار أحد من الصحابة عليه يدل على موافقتهم الضمنية على هذا الحكم.
    __________________

  2. #102
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,684

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    الاعتراض الثالث الذي ذكره ابن حزم:


    "والثالث: أنه ليس فيه أنه قال ذلك في الزكاة، فالكذب لا يجوز، وقد يمكن لو صح أن يكون قاله لأهل الجزية، وكان يأخذ منهم الذرة، والشعير، والعرض مكان الجزية."([1])


    أجاب عن هذا الاحتمال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلى فقال:


    "هذا احتمال ضعيف بل باطل، فان في رواية يحيى بن آدم رقم (526) (مكان الصدقة)"([2])


    قال أبو فراس:

    وأيضاً لفظة "الصدقة" وردت في الرواية التي علقها البخاري في صحيحه

    ولهذا قال ابن حجر في الفتح:
    وقوله:" في الصدقة":يرد قول من قال: إن ذلك كان فيالخراج.



    وحكى البيهقي: أن بعضهم قال فيه: "من الجزية" بدل "الصدقة" فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال لكن المشهور الأول.


    قال أبو فراس:


    لم يسنده البيهقي وإنما قال: "وقد قال فيه بعضهم....."
    ولهذا قال التركماني الحنفي في الجوهر النقي:
    لم يذكر السند الذي فيه من الجزية لينظر فيه وكيف يكون ذلك جزية
    وقد قال معاذ:مكان الذرة والشعير، ولا مدخل لهما في الجزية



    ثم قال البيهقي:

    وهذا هو الأليق بمعاذ والأشبه بما أمره النبي صلى الله عليه وسلم به من أخذ الجنس في الصدقات وأخذ الدينار والدرهم أو عدله معافر ثياب باليمن في الجزية، وأن ترد الصدقات على فقرائهم لا أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم هم أهل فيء لا أهل صدقة."

    فأجابه التركماني:
    وإنما أمره عليه السلام بأخذ الجنس لأنه هو الذي يطالب به المصدق والقيمة وإنما تؤخذ باختيارهم وعلى هذا الحمل قوله عليه السلام "خذ الحب من الحب"...



    قال أبو فراس:


    وسيأتي مزيد بحث


    ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
    نرجع إلى كلام الحافظ ابن حجر:


    وقد رواه ابن أبي شيبة: عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس:أن معاذا كان يأخذ العروض في الصدقة.


    ثم نقل عن الإسماعيلي أنه قال:أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة علىالصحابة وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم.


    قال أبو فراس:

    وهذا هو نفس جواب ابن قدامة في المغني عن حديث معاذ.



    أجاب ابن حجر في الفتح عن إيراد الإسماعيلي فقال:


    "لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها."


    قال أبو فراس:


    لا شك أن حديث معاذ لا يخلو من بعض الإشكالات سواء حملناه على الصدقة أعني الزكاة أو حملناه على الجزية، وقد تنبَّه لذلك ابن حزم فتكلَّف الجواب على تطريقه لاحتمال الجزية.


    والأقرب في نظري والله أعلم هو حمله على الصدقة لأمور:

    1- لورود لفظة "الصدقة" في الرواية التي علقها البخاري في صحيحه.

    2- ولووردها في رواية يحيى بن أدم في كتاب الخراج كما ذكر أحمد شاكر، وقد تأكدت من ذلك بنفسي.
    3- ولأنها هي اللفظة المشهورة كما قال ابن حجر.
    4- أن لفظة "الجزية" لم تأت من وجه صحيح ولا ضعيف بحسب ما وقفت عليه في البحث السابق.
    5- أن الصدقة هي الأصل والأكثر، لاسيما وقد دخل أكثر أهل اليمن في الإسلام أفواجا أفواجا.

    6- جاء في بعض الروايات المسندة كما عند البيهقي في السنن الكبرى: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير.

    7- أن في الرواية ما يشعر بأنها الصدقة فإنه قال: "فإنه أهون عليكم" وهذا النظر يكون في الغالب للمسلمين لا لغيرهم لاسيما ما كان في باب الجزية الذي قال الله فيه "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" لاسيما إن أخذنا بالاعتبار التفسير الحسي للصغار في الآية كما هي طريقة جماعة من الفقهاء والمفسرين.

    ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ ــــــ
    ([1])المحلى - (ج 6 / ص 25)
    __________________

    الاعتراض الرابع الذي ذكره ابن حزم على أثر معاذ رضي الله عنه أنه قال:



    "والرابع:أن الدليل على بطلان هذا الخبر ما فيه من قول معاذ: (خير لأهل المدينة) وحاشا لله أن يقول معاذ هذا، فيجعل ما لم يوجبه الله تعالى خيرا مما أوجبه."([1])



    قلت:



    وهذا الجواب مبني على رأي ابن حزم رحمه الله ومن وافقهم من الشافعية والمالكية والحنابلة القائلين بعدم إجزاء القيمة في الزكاة.



    أما إذا أخذنا الرأي الآخر: وهو إجزاء القيمة في الزكاة إما مطلقا أو للمصلحة والحاجة فإن ما ذكره ابن حزم لا يرد لأن الكل صار مما أوجبه الله.



    الأمر الآخر:



    أن ابن حزم رحمه الله يستنكر متن الأثر فنزَّه معاذا أن يكون قد قاله، وحينئذ يكون حكمه على متن الحديث مترتِّب على رأيه في المسألة، وهو محل النزاع، فلا يصح أن يورد مع المخالف، وإن كان يسوغ مع مَنْ يسلِّم بمقدمة ابن حزم من عدم إجزاء القيمة.



    وأجاب د. يوسف القرضاوي عن هذه الاستطالة من ابن حزم فقال:



    "وأما الوجه الرابع فهو تعسف وتحامل من ابن حزم، فإن معنى "خير لكم" في الخبر "أنفع لكم" لحاجتهم إلى الثياب أكثر من الذرة والشعير. وهذا أمر واقع لا نزاع فيه. أما قوله "لم يوجبه الله الخ" فهذا موضوع النزاع، فلا يجوز الاحتجاج بنفس الدعوى. وأخذ القيمة حينئذ يكون مما أوجه الله تعالى في شرعه."([2])


    قال أبو فراس: ثمة اتفاق بين جوابي وجواب الشيخ يوسف القرضاوي وقد جاء اتفاقا، فالحمد لله على توفيقه فإن الإنسان يفرح ويطمئن إذا وجد ما يوافق قوله ويصدِّقه.


    ([1]) المحلى


    ([2]) فقه الزكاة (2/807)

  3. #103
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,684

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    عقد البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى بابا في المسألة عنوانه :



    باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات



    أراد به الرد على الأحناف والانتصار لمذهب الشافعي في المسألة، وقد أورد فيه جملة من النصوص والتوجيه لها بما يتفق مع مذهب الشافعي، رحم الله الجميع.



    وقد سبق التعرض لأكثر ما أورده البيهقي.



    غير أنه بقي بقية مما ذكره البيهقي الشافعي وبقية أخرى من استدراكات التركماني الحنفي عليه لم نتعرض لها فأحب هنا أن نستكمل مادة هذا الباب - أعاننا الله بحوله وقوته -:



    قال البيهقي رحمه الله:



    وأما الذي رواه مجالد عن قيس بن أبي حازم عن الصنابحي الأحمسي قال:



    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر ناقة مسنة في ابل الصدقة فغضب وقال: قاتل الله صاحب هذه الناقة.



    فقال: يا رسول الله إني أرتجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة.



    قال: فنعم إذا.



    (وهذا فيما أنبأني) أبو عبد الله الحافظ أن أبا الوليد اخبرهم أنبأ الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن المجالد فذكره فقد قال أبو عيسى: سألت عنه البخاري فقال: روى هذا الحديث إسمعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في ابل الصدقة مرسلا وضعف مجالدا –



    (أخبرناه) مرسلا أبو عبد الرحمن السلمي أنبأ أبو الحسن الكارزي ثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد ثنا هشيم عن إسمعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن النبي صلى الله عليه وسلم:



    أنه رأى في ابل الصدقة ناقة كوماء



    فسأل عنها



    فقال المصدق: إني أخذتها بإبل



    فسكت."([1])



    وقال التركماني في الجوهر النقي متعقبا البيهقي رحمه الله:



    "والمقصود من الزكوة:
    سد خلة المحتاج والقيمة في ذلك تقوم مقام تلك الأجناس فوجب أن تجوز عنها وهذا كما عين عليه السلام الأحجار للاستنجاء ثم اتفق الجميع على جوازه بالخرق والخشب ونحوهما لحصول الإنقاء بها كما يحصل بالأحجار



    وإنما عين عليه السلام تلك الأجناس في الزكوة:
    تسهيلا على أرباب الأموال كما مر لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي عنده كما جاء في بعض الآثار أنه عليه السلام: جعل في الدية على أهل الحلل حللا –



    ويجوز أن يريد معاذ:
    نقل ما زاد عن فقرائهم ومتى لم يوجد أهل السهمان في بلد نقلت الصدقة



    والمراد من المهاجرين الفقراء منهم كما تقول الزكوة حق المسلمين والمراد فقراؤهم



    ثم ذكر البيهقي ( عن مجالد عن قيس بن أبي حازم عن الصنابحي انه عليه السلام أبصر ناقة مسنة ) الحديث



    ثم ذكر ( عن البخاري انه قال رواه إسمعيل بن أبي خالد عن قيس مرسلا وضعف مجالدا ) – قلت:



    مجالد روى له مسلم ووثقه ابن معين



    وقال البيهقي في باب السواك للصائم ( غير أثبت منه ) وهذا يقتضي توثيقه وزيادة الثقة لا تعلل بنقص من أرسله
    وقد اخرج أبو داود من حديث أبي بن كعب قال: بعثني النبي صلى الله عليه و سلم مصدقا الحديث وفيه: أن رجلا عرض عليه ناقة عظيمة وانه عليه السلام قال له: إن تطوعت بخير أجرك الله وقبلناه منك



    فأمر عليه السلام بقبضها.


    والبيهقي ذكر هذا الحديث فيما مضى."([2])
    ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ ـــــ


    ([1]) السنن الكبرى للبيهقي - (ج 4 / ص 113)




    ([2]) الجوهر النقي المطبوع مع سنن البيهقي (ج 4 / ص 113)

  4. #104
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,684

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    --------------------------------------------------------------------------------

    قال يحي بن معين في زكاة الفطر لا بأس أن تُعطى فضة هـ.
    ويقول أيضا :
    قال يحي بن معين في زكاة الفطر لا بأس أن تُعطى فضة هـ.
    أورده عنه الذهبي في ترجمته من السير 11/93، وهو نص مهم فقد افتى به يحي وهو من أساطين العلم في بغداد حيث الحبوب رائجة وهي العمدة في التغذية وأمرها ميسّر لوفرة الأرحية في الدور، فكيف لو رأى يحي زماننا الذي لا ينفع الحَب فيه صاحبه، حتى يبيعه ليشترى بثمنه مايأكله لاقتضاء الحال ذلك .والعجب أن هذه المسألة مازالت موضع أخذ ورد بين العلماء ومنهم من يوجب إخراج القمح والشعير في المغرب وحواضره ، وفي السعودية يفتي عبد العزيز بن باز بوجوب إخراج الحَب وأحسنه الأُرز لأنه غالب طعام أهل البلد، وأخبرني غير واحد هناك أن المساكين وأغلبهم الآن من الأفارقة السود المهاجرين بسبب المجاعات، يأخذون الأرز من المتصدقين صباح العيد وقد اشتروه بخمسة ريال مثلا.. فيبيعونه في نفس المكان بريالين أو ثلاثة وهذا يتكرر كل عام على مرأى ومسمع من العلماء، ومثله ما كان يقع بالمغرب عندنا كل عام فيخرج الباعة الحبوب بالأكياس وتباع عشية آخر يوم أو قبله من رمضان ويخرج اليهود منتهزين الفرصة ويشترون الزرع والشعير من الفقراء برُبع الثمن، هذا والفقهاء في المساجد يفتون بحرمة إخراج القيمة بل لا بد من الحَب رغم هذا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن زكاة الفطر شُرعت لأمرين طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ، ولو كان لفقهائنا أو بهائمنا على أصح تعبير استقلال في الفهم لعلموا دون شك أن طعمة المساكين لا تتحقق الآن ولاسيما في الحواضر بإخراج الحبوب بل بالقيمة، إلا في القرى النائية والجبال البعيدة حيث تطحن المرأة برحاها الحَب وتأكل الدقيق، وهذا غير متيّسر بالحواضر والناس فيه يحتاجون إلى أنواع من المطاعم الضرورية الأولية ، وقد كان حدث بتطوان في الأربعينات من القرن الميلادي الماضي أثناء وبعد الحرب العالمية أن قّلَّ الدقيق وانعدم الحَب وتسائل الناس عن إخراج القيمة وهي متعينة فتردد الأنعام رُغم هذا كله وتعصبوا وأصَّر كثير منهم على قوله وهم يعلمون أن في مذهبهم المالكي كما في غيره، قولا بجواز إخراج القيمة، أما الحديث وتحقيق الحكمة من تشريع زكاة الفطر فلا يجوز الاشتغال به عند هؤلاء ، وبعث محمد بن عبد الصمد التجكاني سؤالا إلى ابن خاله شيخنا أحمد بن الصديق حول الموضوع فأفتى بجواز إخراج القيمة وألف:" تحقيق الآمال بإخراج زكاة الفطر بالمال" ، ولم يستطع أحد من هؤلاء نقضه وقد طبع يومئذ وأعيد طبعه بالشرق .


    نقل النديم ص:227

  5. #105
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,684

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    قال تعالى و لا يحض على طعام المسكين
    وقال فك رقبة او اطعام في يوم ذي مسغبة
    و قال انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جازاء و لا شكورا .

    و قال و لا تحضون على طعام المسكين.

    فتمعنوا كل هذه الايات في الاطعام هل يدخل فيها النقود ام لا ? ام ان الله سبحانه و تعالى ذكر الغالب و هو ان المسكين لا يجد ما يأكل لكن المعنى عام فهو من باب الخاص اريد به العام اي كل انواع التصدق فان فهمنا ذلك فهمنا ان زكاة الفطر نقدا داخلة في حديث رسول الله عليه الصلاة و السلام و انما ذكر الاطعمة المشهورة بين قومه و الدليل انه لم يذكر الارز فلماذا الحقناه ?

    اما من استدل ان ذكر الطعام بالاحاديث المراد منه الطعام فالايات ترد عليه فهي تذكر الاطعام لكن المقصود منها اوسع و الله اعلم

  6. #106
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,684

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    قال الحافظ في الفتح (3/438): « إن جعفر الفريابي روى في كتاب (صدقة الفطر) أن ابن عباس – رضي الله عنهما – لمّا كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيّن لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من بُرّ. قال: فلما جاء عليّ رضي الله عنه، ورأى رُخصَ أسعارهم قال: اجعلوها صاعاً من كُلَ. فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك».اهـ. وهذا كله اجتهاد منهم رضي الله عنهم. بل إن العدل ليس محصوراً في الطعام وإنما تعداه إلى العَرْض- بفتح العين وسكون الراء.

    أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، كتاب الزكاة، باب العَرْض في الزكاة، معلّقاً عن طاوس، قال: « قال معاذ- بن جبل- رضي الله عنه، لأهل اليمن: ائتوني بعَرْضٍ، ثياب: خميص أو لبيس، في الصدقة. مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم».اهـ. وفيه أمور، منها:
    1- قال الحافظ رحمه الله: « إن إيراد الإمام البخاري له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده».اهـ. وكلام الحافظ أولى من كلام الألباني. ثم إن الاحتجاج أو التحجج بالانقطاع بين طاوس ومعاذ مدفوع بداهة، إذ أن معاذاً رضي الله عنه كان قاضياً على اليمن، ولولا أن هذا القضاء قد اشتهر عنه لما نقله طاوس الذي لا يحتاج إلى صلة بينه وبين معاذ الذي كان يملي على الناس أحكامه بحكم موقعه. ولذلك فهذا ما يأخذ حكم التواتر المعنوي. والله أعلم ولولا ذلك لما ذكره الإمام البخاري على سبيل التقرير والاستشهاد.


    ودخول النقد بجامع (القيمة)، رآه من الصحابة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى. ومن تابع التابعين: سفيان الثوري. ومن أهل الحديث: الإمام البخاري رحمهم الله تعالى.
    أما الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد ذكر الإمام ابن قُدامة المقدسي في المغني (3/65) أن سعيد بن منصور أخرج في سننه عن عطاء، قال: "كان عمر بن الخظاب يأخذ العَروض في الصدقة من الدراهم".اهـ. وهو يقوم على اعتبار القيمة بلا ريب.
    وأما الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقد أخرج الحافظ ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الزكاة، باب: إعطاء الدراهم في زكاة الفطر –هكذا عنونه- عن ابن عون، قال: "سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يُقرأ إلى عَدِيٍّ بالبصرة: يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم عن كل إنسان نصف درهم".
    وعن قرّة – بن خالد (154 هـ) – قال: "جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم".اهـ.
    وفي مصنّف عبد الرزاق (3/316): عن معمر، قال: كتاب عمر بن عبد العزيز: "على كل اثنين درهم –يعني في زكاة الفطر- قال معمر: هذا على حساب ما يُعطى من الكيل".اهـ.

    ويبدو أن إخراج القيمة النقديّة كان منتشراً في زمن التابعين، أقلُّه في الكوفة، فقد أخرج ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السالفين عن أبي إسحاق السَّـبيْعي قوله: "أدركْتُهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام".اهـ. والسَّبيعي حافظ كبير وهو شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها، كما قال الذهبي في السير (5/392) وكان رحمه الله من العلماء العاملين، ومن جِلَّةِ التابعين، وقد وُلِد لسنتين خلتا من خلافة عثمان، ورأى الإمام علياً يخطب. ورأى أيضاً أسامة بن زيد. وقد روى عن كبار التابعين. فعندما يقول: أدركتهم، فهذا يعني أن كبار التابعين في الكوفة كانوا على هذا المذهب، وهم بدورهم أخذوه عن الصحابة والسَّبيْعي متوفّى سنة 127 هـ.
    وأما كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عماله في الأمصار فيما يتعلّق بزكاة الفطر، فقد ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد (4/436) وهذا نصُّه:
    « وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عُمّاله: مُروا من كان قِبَلَكُم، فلا يبقى أحدٌ من أحرارهم ولا مماليكهم، صغيراً ولا كبيراً، وذكراً ولا أُنثى، إلا أخرج عنه صدقة فطر رمضان: مُدَين من قمح، أو صاعاً من تمر، أو قيمة ذلك نصف درهم… الخ» ومعلوم أن (أو) للتخبير.

    وفي مذهب الإمام أحمد قولان نقلهما صاحب كتاب (التمام) القاضي أبو الحسين الفراء، حيث قال (1/272) نقلاً عن ابن شاقِلاّ: « وقد أخرجنا هذه المسألة عن الكوسج: أن الزكاة في الثمن. وإذا باعها –أي العين- فقال: يجيء على هذا روايتان، لأن من أصلنا لا تؤخذ القيمة في الزكاة. قال الوالد –القاضي أبو يعلى الفراء- والأمر على ما قاله أبو إسحاق، وأنه متى ثبت جواز إخراج القيمة إذا باع النِّصابَ ثبت جوازه إذا كان باقياً ولا فرق».اهـ. والكلام هذا في الزكاة عامة فتدخل فيها زكاة الفطر. وهذا يدل على أن مذهب الإمام أحمد أوسع مما ذكره صاحب البيان. ويمكن مراجعة المغني (4/171-172) والإنصاف للمرداوي (3/66). فقد نقلوا أن في مذهب الإمام قولان. وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- بينهما، فقال في الاختيارات الفقهية: « ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة، مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه، فهذا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري تمراً أو حنطة، فإنه قد ساوى الفقير بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن تجب عليه شاة في الإبل، وليس عنده شاة فإخراج القيمة كاف، ولا يكلف السفر لشراء شاة، أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم، فهذا جائز».اهـ. (يُنظر تمام المِنَّة للشيخ الألباني ص379-380) ويراجع (مجموع الفتاوى 25/82). ولا يعترض بأن هذا في الزكاة دون زكاة الفطر، لأننا سنقول: من أين جئتم بقول الأئمة: لا تجزئ القيمة؟!!.. فهذه وردت في معرض الكلام عن الزكاة مطلقاً، ولم يُذكر شيء في أبواب صدقة الفطر.

  7. #107
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,684

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    فاذا علمتم اخواني ان كبار العلماء و منهم بن تيمية ذهبوا هذا المذهب فارجوا ان تستغفروا الله و تتوبوا اليه من لمزكم لمن اجاز اخراجها نقدا بمخالفة السنة و قولكم ان المسألة ليست خلافية بل هي خلافية و لا شك و من انتم حتى تتهموا شيخ الاسلام و البخاري و عمر بن عبد العزيز و الامام ابي حنيفة بمخالفة السنة فهل كنتم اعلم منهم و احرص باتباع سنن رسول الله عليه الصلاة و السلام!!!
    استغفر الله استغفر الله و اعوذ بالله من فتنة الخلاف
    من كان له رد فليناقش الادلة التي اوردتها دليلا دليلا من دون لمز و لا اتهام لمخالفة السنة و لا اتهام بخروج عن الاجماع و الله الموفق للصواب و السلام عليكم و رحمة الله

  8. #108
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    512

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    يرفع للفائدة....

  9. #109
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    5

    افتراضي رد: " دفع زكاة الفطر مالاً " العلامة سليمان العلوان وميله للجواز

    جزاكم الله خيراً إخواني على هذا الطرح العلمي الجميل .
    نقاش رائع ، والملاحظ يجد أنكم قد أشبعتم الموضوع بحثا .
    بارك الله فيكم ، ورفع الله قدركم وكتب الله أجركم .

صفحة 6 من 6 الأولىالأولى 123456

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •