عبد الحميد الثاني السلطان الذي ضحى بملكه لتبقى فلسطين

بقلم/ أحمد زكريا
"إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا ً فلن أقبل.. إن أرض فلسطين ليست ملكي إنما هي ملك الأمة الإسلامية.. وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع.. وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوما ً.. يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل"
بهذه العزيمة كان عبد الحميد، وبهذه الكرامة كان الخليفة الأخير للمسلمين، رفض أن يطبع، رفض أن يبيع القدس برغم أنه كان يملك، رفض السلطة التي ثمنها تراب فلسطين، لم يقبل المساومة، لم يقبل المهادنة في وقت كان يملك ما يساوم عليه.
فآه لو عاش زمانا يساوم فيه البعض ليس على الأرض ففلسطين قد فقدت، بل يساومون على ما بقي من كرامة.
ويا ليت المطبعون والمهرولون إلى أحضان إسرائيل يسمعون كلام عبد الحميد الثاني - رحمه الله - حين صرخ قائلا:
* "أنصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين ، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية.
* ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة وهذا أمر لا يكون.
* إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة".
* لك الله يا عبد الحميد.
* فمن هو ذلكم البطل العظيم؟!!.
المولد والنشأة

* هو عبد الحميد بن عبد المجيد الثاني السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، وآخر من أمتلك سلطة فعلية منهم.
* ولد في 21 سبتمبر 1842 م.
* وأمه هي واحدة من زوجات أبيه العديدات وأسمها "تيرمشكان" الشركسية الأصل توفيت عن 33 عاما ً، ولم يتجاوز ابنها عشر سنوات، فعهد بعبد الحميد إلى زوجة أبيه "بيرستو قادين" التي اعتنت بتربيته، وأولته محبتها؛ لذا منحها عند صعوده للعرش لقب "السلطانة الوالدة".
* توفي والده وعمره 18 عاما ً، وصار ولي عهد ثان لعمه "عبد العزيز الأول"، الذي تابع نهج أخيه في مسيرة التغريب والتحديث، واستمر في الخلافة 15 عاما ً.
* قبل توليه العرش بتسع سنوات رافق عمه سلطان عبد العزيز الأول في زيارته إلى النمسا وفرنسا وإنجلترا في 1867.. وفي بعض سياحاته ورحلاته إلى أوروبا ومصر.
* التقى عبد الحميد في خلافة عمه بعدد من ملوك العالم الذين زاروا إستانبول.. وعُرف عنه مزاولة الرياضة وركوب الخيل والمحافظة على العبادات والشعائر الإسلامية والبعد عن المسكرات والميل إلى العزلة، وكان والده يصفه بالشكاك الصامت.
* أبعد عن العرش عام 1909 م بتهمة الرجعية، وأقام تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته في 10 فبراير 1918 م.
* وتلقى السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد تعليمه بالقصر السلطاني وأتقن من اللغات: الفارسية والعربية وكذلك درس التاريخ والأدب.
عبد الحميد حاكما ً

* تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة ، في 11 شعبان 1293هـ، الموافق 31 آب (أغسطس) 1876م، وتبوَّأ عرش السلطنة يومئذٍ على أسوأ حال، حيث كانت الدولة في منتهى السوء والاضطراب، سواء في ذلك الأوضاع الداخلية والخارجية.
* وفي نفس السنة دخلت الدولة العثمانية في أزمة مالية خانقة في فترة السلطان عبد العزيز المبذر.
* ونجح العثمانيون الجدد من الإطاحة بحكمه سنة 1876م، في مؤامرة دبرها بعض رجال القصر.
* واعتلى العرش من بعده مراد الخامس شقيق عبد الحميد، ليكون السلطان الجديد، إلا انه عُزل بعد مدة قصيرة قوامها حوالي ثلاثة أشهر، فتولى عبد الحميد الحكم من بعده الذي وافق مع العثمانيين الجدد على إتباع سياسة عثمانية متحررة .
تربص الأعداء بالدولة العثمانية

* اتفقت الدول الغربية على الإجهاز على الدولة العثمانية التي أسموها "تركة الرجل المريض"، ومن ثم تقاسم أجزائها، هذا بالإضافة إلى تمرد البوسنة والهرسك، الذين هزموا الجيش العثماني وحاصروه في الجبل الأسود، وإعلان الصرب الحرب على الدولة بقوات منظمة وخطرة، وانفجار الحرب الروسية الفظيعة التي قامت سنة 1294هـ، الموافق سنة 1877م، وضغط دول الغرب المسيحية على الدولة لإعلان الدستور وتحقيق الإصلاحات في البلاد.
* بالإضافة إلى قيام الثورات في بلغاريا بتحريض ومساعدة من روسيا والنمسا.
سوء الأوضاع الداخلية
*أفلست خزينة الدولة وتراكمت الديون عليها، حيث بلغت الديون ما يقرب من ثلاثمائة مليون ليرة، كما ظهر التعصب القومي والدعوات القومية والجمعيات ذات الأهداف السياسية، بإيحاء من الدول الغربية المعادية، ولاسيما إنجلترا، وكانت أهم مراكز هذه الجمعيات في بيروت واستانبول.
* وقد كان للمسيحية دورها الكبير في إذكاء تلك الجمعيات التي أنشئت في بيروت والتي كان من مؤسسيها بطرس البستاني (1819م-1883م) وناصيف اليازجي (1800-1817م).
* وأما الجمعيات التي أنشئت في استانبول فقد ضمت مختلف العناصر والفئات، وكان لليهود فيها دور كبير، خاصة يهود الدَوْنَمة.
* ومن أشهر هذه الجمعيات "جمعية تركيا الفتاة" التي أُسست في باريس، وكان لها فروع في برلين وسلانيك واستانبول، وكانت برئاسة أحمد رضا بك، الذي فتن بأوروبا وبأفكار الثورة الفرنسية.. وقد كانت هذه الجمعيات تُدار بأيدي الماسونية العالمية.
* ومن الأمور السيئة في الأوضاع الداخلية أيضًا، وجود رجال كان لهم دور خطير في الدولة قد فُتنوا بالتطور الحاصل في أوروبا وبأفكارها، وكانوا بعيدين عن معرفة الإسلام، ويتهمون الخلفاء بالحكم المطلق، الدكتاتوري ويطالبون بوضع دستور للدولة على نمط الدول الأوروبية المسيحية، ويرفضون العمل بالشريعة الإسلامية.
* دبرت جمعية «الاتحاد والترقي» عام 1908 انقلابا على السلطان عبد الحميد تحت شعار ( حرية، عدالة ، مساواة).. وتعهد الانقلابين بوضع حد للتمييز في الحقوق والواجبات بين السكان على أساس الدين والعرق.
من أهم منجزاته

* في وسط هذه التيارات والأمواج المتلاطمة تقلد السلطان عبد الحميد الحكم، وبدأ في العمل وفق السياسة الآتية:
1. حاول كسب بعض المناوئين له واستمالتهم إلى صفه بكل ما يستطيع.
2. دعا جميع مسلمي العالم في آسيا الوسطى وفي الهند والصين وأواسط أفريقيا وغيرها إلى الوحدة الإسلامية والانضواء تحت لواء الجامعة الإسلامية، ونشر شعاره المعروف "يا مسلمي العالم اتحدوا".
3. وأنشأ مدرسة للدعاة المسلمين سرعان ما أنتشر خريجوها في كل أطراف العالم الإسلامي الذي لقي منه السلطان كل القبول والتعاطف والتأييد لتلك الدعوة، ولكن قوى الغرب قامت لمناهضة تلك الدعوة ومهاجمتها.
4. قرَّب إليه الكثير من رجال العلم والسياسة المسلمين واستمع إلى نصائحهم وتوجيهاتهم.
5. عمل على تنظيم المحاكم والعمل في "مجلة الأحكام العدلية" وفق الشريعة الإسلامية.
6. قام ببعض الإصلاحات العظيمة مثل القضاء على معظم الإقطاعيات الكبيرة المنتشرة في كثير من أجزاء الدولة، والعمل على القضاء على الرشوة وفساد الإدارة.
7. عامل الأقليات والأجناس غير التركية معاملة خاصة، كي تضعف فكرة العصبية، وغض طرفه عن بعض إساءاتهم، مثل الرعب الذي نشرته عصابات الأرمن، ومثل محاولة الأرمن مع اليهود اغتياله أثناء خروجه لصلاة الجمعة، وذلك لكي لا يترك أي ثغرة تنفذ منها الدول الأجنبية للتدخل في شؤون الدولة.
8. عمل على سياسة الإيقاع بين القوى العالمية آنذاك لكي تشتبك فيما بينها، وتسلم الدولة من شرورها، ولهذا حبس الأسطول العثماني في الخليج ولم يخرجه حتى للتدريب.
9. اهتم بتدريب الجيش وتقوية مركز الخلافة.
10. حرص على إتمام مشروع خط السكة الحديدية التي تربط بين دمشق والمدينة المنورة لِمَا كان يراه من أن هذا المشروع فيه تقوية للرابطة بين المسلمين، تلك الرابطة التي تمثل صخرة صلبة تتحطم عليها كل الخيانات والخدع الإنجليزية، على حد تعبير السلطان نفسه.
التصدي لمكائد اليهود

* لما عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في (بازل) بسويسرا عام 1315هـ، 1897م، برئاسة ثيودور هرتزل (1860م-1904م) رئيس الجمعية الصهيونية، اتفقوا على تأسيس وطن قومي لهم يكون مقرًا لأبناء عقيدتهم، وأصر هرتزل على أن تكون فلسطين هي الوطن القومي لهم، فنشأت فكرة الصهيونية، وقد اتصل هرتزل بالسلطان عبد الحميد مرارًا ليسمح لليهود بالانتقال إلى فلسطين، ولكن السلطان كان يرفض، ثم قام هرتزل بتوسيط كثير من أصدقائه الأجانب الذين كانت لهم صلة بالسلطان أو ببعض أصحاب النفوذ في الدولة، كما قام بتوسيط بعض الزعماء العثمانيين، لكنه لم يفلح.
* وأخيرًا زار السلطان عبد الحميد بصحبة الحاخام (موسى ليفي) و(عمانيول قره صو)، رئيس الجالية اليهودية في سلانيك، وبعد مقدمات مفعمة بالرياء والخداع، أفصحوا عن مطالبهم، وقدَّموا له الإغراءات المتمثلة في إقراض الخزينة العثمانية أموالاً طائلة مع تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية، وتحالف سياسي يُوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضده في صحف أوروبا وأمريكا.
* لكن السلطان رفض بشدة وطردهم من مجلسه وقال:
* "إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع و ربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوما، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل".
* ثم أصدر أمرًا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين.
* عندئذ أدرك خصومه أنهم أمام رجل قوي وعنيد، وأنه ليس من السهولة بمكان استمالته إلى صفها، ولا إغراؤه بالمال، وأنه مادام على عرش الخلافة فإنه لا يمكن للصهيونية العالمية أن تحقق أطماعها في فلسطين، ولن يمكن للدولة الأوروبية أن تحقق أطماعها أيضًا في تقسيم الدولة العثمانية والسيطرة على أملاكها، وإقامة دويلات لليهود والأرمن واليونان.
* لذا قرروا أن يقتلوا الأمير خضر العموري من سكان شعفاط ومن ثم الإطاحة به وإبعاده عن الحكم، فاستعانوا بالقوى المختلفة التي نذرت نفسها لتمزيق ديار الإسلام، أهمها الماسونية، والدونمة، والجمعيات السرية (الاتحاد والترقي)، وحركة القومية العربية، والدعوة للقومية التركية (الطورانية)، ولعب يهود الدونمة دورًا رئيسًا في إشعال نار الفتن ضد السلطان.
نهاية حزينة

* تم عزله وخلعه من منصبه عام 1909 وتم تنصيب شقيقه محمد رشاد خلفاً له.
* ثم نفي إلى سلانيك تحت حراسة أفراد من جمعية الاتحاد والترقي سنة 1328هـ - 1910م.
* ثم أعيد إلى إسطنبول ليبقى سجينا ً في قصره إلى أن توفي في 10 فبراير من عام 1918 م.
وداعا ً أيها البطل
وحزن الأحرار لمصابه، وفاضت الأعين دما ً على رمز عزة المسلمين، الرجل الذي قال: لا بأعلى صوته في وجه اليهود، فخرج الشعراء يرثونه.
ومن أبلغ ما قيل فيه رثاء أمير الشعراء أحمد شوقي :
ضجت عليك مآذن ومنابر وبكت عليك ممالك ونواح

الهند والـهة ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحاح

والشـام تسأل والعراق وفارس أمحا من الأرض الخلافة ماح؟

نزعوا عن الأعناق خير قلادة ونضوا عن الأعطاف خير وشاح

من قائل للمسلمين مقالة لم يوحها غير النصيحة واح

عهد الخلافة فيه أول ذائد عن حوضها بيراعه نضاح

إني أنا المصباح لست بضائع حتى أكون فراشة المصباح

كما رثاه شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي، بقصيدة عن العهد الحميدي قال فيها:
وقد بعث الله الخليفة رحمة إلى الناس إن الله للناس يرحم

أقام به الديان أركان دينه فليست على رغم العدى تتهدم

وصاغ النهى منه سوار عدالة به إزدان من خود الحكومة معصم

وكم لأمير المؤمنين مآثر بهن صنوف الناس تدري وتعلم

ويشهد حتى الأجنبي بفضله فكيف يسيء الظن من هو مسلم

سلام على العهد الحميدي إنه لأسعد عهد في الزمان وأنعم

وأخيرا ً أقول
على الرغم مما يدور حول الدولة العثمانية من نقد ومؤاخذات ،لكن يبقى أن الكثير من المسلمين مازالوا يقدّرون قيمة هذا السلطان الذي خسر عرشه في سبيل أرض فلسطين التي رفض بيعها لزعماء الحركة الصهيونية.
وفي التلميح غنى عن التصريح.