كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظاهرات
النتائج 1 إلى 16 من 16

الموضوع: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظاهرات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    37

    افتراضي كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظاهرات


    حكم المظاهرات و إحراق النفوس لأجل الإحتجاج و التنديد

    بِسْـــمِ اللهِ الرَّحْمٰن الرَّحِيـــــم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد فهذه أمور كثر السؤال عنها هذه الأيام لها صلة بما يجري في بلدان المسلمين من الفتن جمعتها وأجبت عنها على وجه الاختصار ومن غير ذكر للأدلة لكونها معروفة عند عامة المسلمين فضلا عن أهل العلم وطلابه:

    السؤال الأول: هل هذه المظاهرات الجارية في بعض دول المسلمين مشروعة أو لا؟ .
    المظاهرات في هذا الزمان مما اعتبر من حقوق الناس، يعبرون بها عن آرائهم، ويحتجون على ما يرونه منافيا لمصالحهم، وقد جرى عليها الكفار في بلدانهم، وهم يمارسونها غالبا بصفة سلمية، وقد ترافقها الاشتباكات التي تخلف جرحى، ونادرا ما تخلف قتلى، وقد قلد المسلمون الكفار في هذه الوسيلة، واقتدوا بهم فيها ككثير مما قلدوهم فيه لانبهارهم بحضارتهم، وشعورهم بالضعف والهزيمة النفسية أمام ما حسبوه تقدما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وسبب ذلك جهلهم بما في دينهم وتفريطهم في أحكامه، وتركهم الوسائل التي شرعها الله ورسوله للإصلاح، فإنها وافية بالغرض، كافية في تحقيقه، وعليه فهذه المظاهرات ولو زعم زاعم أنه مفضية إلى خير، أو شهد الواقع لبعضها بأنها قد أفضت إلى إصلاح، فإنها غير مشروعة في الإسلام، فإنه كما ينبغي أن تكون المقاصد مشروعة فكذلك الوسائل إليها يتعين أن تكون مشروعة، والغاية عندنا لا تبرر الوسيلة، ولو افترضنا خلو هذه الوسيلة من الدليل المجيز والدليل المانع لكان المتعين تركها لأسباب كثيرا ما ترافقها كلا أو بعضا، ولمآلات كثيرا ما تعقبها، وقد تجتمع كلها، أو يحصل بعضها، فالقول بمنعها يدخل في باب سد الذرائع إلى الفساد، وهو أصل من أصول الأحكام، دل عليه الكتاب والسنة، وقول عامة أهل العلم، ولا ريب أن الفساد موجود في بلدان المسلمين، لكن الفساد لا يدفع بفساد أعظم منه، وأذكر هنا بعض هذه المفاسد وتفصيلها وبيان أدلتها يحتاج إلى كلام واسع لا يسعه المقام:
    إن هذه المظاهرات تقليد للكفار ومتابعة لهم في أهوائهم وذلك غير جائز لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة:120)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم"، رواه أبو داود عن ابن عمر، والمظاهرات فرد من أفراد التشبه بهم، والنهي عن التشبه بالكفار قد بلغ مبلغ التواتر المعنوي كما لا يخفى على من له عناية بالحديث .
    ومن ذلك أنها من أسباب نشر الاضطرابات والفتن والترويع والتهجير، وتعريض الناس للجرح والقتل، وهي مؤدية إلى تقاتل المسلمين وتفرقهم كل فريق ينتصر لجهة، ولأنها كثيرا ما تفضي إلى إتلاف الأموال والمنشآت وانتهاك الأعراض والحرمات .
    ومن ذلك أن المشاركة فيها غير مقصورة على أناس معينين فلا يمكن ضبط المشاركين ولا التحكم فيهم، ومن ثم فإنها لا تقف عند مطالب محددة، وكثيرا ما يدخل فيها من لا غرض له غير النهب والسلب والإتلاف والتدمير .
    ومنها أنها من أسباب إفقار المسلمين واضطرارهم إلى عون هيآت الإغاثة التي يسيطر عليها الكفار، تغتنم الفرصة للتمكين لسمعتها والترويج لباطلها، كما يجري الآن في الصومال وليبيا، وكما جرى من قبل في العراق وقد تؤدي إلى لجوء المسلمين إلى الكفار للمساعدة المالية والحصول على القروض الربوية لإصلاح ما فسد وبناء ما تهدم .
    وما رأينا ثورة من هذه الثورات إلا ولجأ متزعموها للكفار ليعترفوا بهم أو ليساعدوهم ويمدوهم بالأسلحة، أو يقاتلوا معهم، فهل يعقل أن تكون هذه الثورات مفضية إلى خير وقد شجعها هؤلاء الكفار ومدوا لها العون، واعترفوا بها ؟ .
    ونتج عن بعض هذه المظاهرات تكريس لحكم الكفار بمحاكمة المسلمين أمام محاكمهم وتسليمهم لهم، وهؤلاء الحكام وإن كانوا ظالمين وفيهم جور كثير فإن تسليمهم إلى المحاكم الدولية ومقاضاتهم عندها لا يسوغ .
    ولأن الدافع إلى هذه المظاهرات ليس إقامة حكم الله في الأرض، بل غرضها ذهاب الرئيس الفلاني أو الوزير الفلاني أو تغيير النظام أو الإصلاح الاقتصادي والمالي وتحسين المعيشة وخفض أسعار السلع وتوفير مناصب الشغل ونحو ذلك، وهذه المطالب مشروعة بلا ريب متى كانت موارد الدولة المالية كافية للتوسيع على مواطنيها، إلا أننا لا نرى سلوك هذا المسلك لتحقيقها .
    إن متزعمي هذه المظاهرات لا يرومون منها أكثر من تثبيت ما يدعى بالديمقراطية الحقة كما يقولون، وهي التي إن قامت على وجهها في بلدان المسلمين فقد تتحقق بها بعض المصالح وكثيرا ما تتحق مصالح دعاة الانحلال والفجور دون مصالح الشرع، لكنها في بعدها وما يراد منها لا تعدو أن تكون استبعادا لحكم الشرع من الحياة العامة، وإقرارا بمنهج أهل الكفر في سياسة الأمة، والإتيان على البقية الباقية من الشرع المتمثلة في كون الشريعة هي المصدر الأول للقوانين، أو كونها المصدر الثاني، أو كون الإسلام دين الدولة، فالغرض من هذه المظاهرات في الواقع تثبيت الحكم الديمقراطي وتكريسه، وإقامة ما يدعونه بالدولة المدنية، ومن المعلوم أن الغرب الكافر لا يرغب في إقامة الديمقراطية في بلدان المسلمين إلا إذا حقق من ورائها مصالحه، وحصل على مرغوبه وهو هيمنته المختلفة الأوجه، والواقع شاهد.
    ولنفرض أن النظام في دولة ما قد تغير فهل سيقوم على أنقاضه نظام يتبع الحق ويقيم العدل؟، أنى له ذلك والشعوب المسلمة على ما ترى من الجهل بدينها، وما تنادي يه في هذه المظاهرات أكبر دليل على ذلك، إن كثيرا من المسلمين لا يعرفون الضروري من أمور الدين فكيف يقوم فيها حكم الله ووضعها على ما تعلم؟، لقد تركت هذه الشعوب تفعل ما تشاء من المعاصي بل وفرت لها سبلها، ومع ذلك اعتبرت هذا تضييقا على الحريات، فكيف لو قيل هذا حكم الله وأقيم في العري والقمار والزنا والخمر، وهذا شرعه في تارك الصلاة وفي القصاص والسرقة والقذف، وهذه هي قيود الشرع في عمل المرأة وخروجها وفي اختلاط الرجال بالنساء، والبيع عند النداء يوم الجمعة .
    - ومن الفساد الذي يترتب على هذه المظهرات كما هو معروف واقع أنها وسيلة إلى تدخل الكفار في بلاد المسلمين عسكريا وتمزيقها وفرض الحظر عليها وانتهاب ممتلكاتها وتجميد أموالها والاستفادة مما لحقها من التدمير والتخريب فتغدو سوقا مربحا لمنتجاتها وشركاتها التي تعيد بناء ما خرب، وتروج لأسلحتها تعويضا لما استنفذ منها في اقتتال المسلمين وغير ذلك مما لا يخفى، ومن الغريب أن الدول الكافرة لا تتحدث عن ثروات وأموال قادة المسلمين إلا عندما تثور عليهم شعوبهم ليجمدوها ثم يستولوا عليها وكثيرا ما يتم ذلك بطلب من الثوار
    - ومن ذلك أن اعتبار المظاهرات مشروعة يؤدي إلى استعمالها في وجه الصالح من الحكام كما تستعمل ضد الطالح، وأول راض سيرة من يسيرها، ولا ريب أن جور الحكام ومخالفتهم للحق ليس في درجة واحدة، فالتسوية بينهم في هذا الأمر ظلم لهم، ولا أريد أن اذكر أمثلة فإنها غير خافية، إن من يقر وسيلة لعموم المسلمين - ومعظمهم جاهل بدينه - لا يمكنه منعهم منها متى رأوا ذلك، لأن مرجعهم في النهوض ضد الحاكم ليس الشرع، بل ما يرونه هم، وما يقدرونه، وما يقال لهم من المحرضين عبر وسائل الإعلام، الذين يبثون الشائعات ويروجون للفتن، وما ذا يقول دعاة المظاهرات عما يجري في البحرين وفي السعودية .
    - ومن ذلك أن هذه المظاهرات تجري تحت راية عمياء فهي لا راية لها ولا يعرف على التفصيل المقصود منها، وأنى لك أن تعرف ذلك وقد تعاون فيها الكافر والمؤمن، والبر والفاجر، والعارف والجاهل، وقد رأينا من يقول من المسلمين الجاهلين بدينهم: تعانق الصليب والهلال، بل جمع بعضهم بين المصحف والصليب، التقى الجميع على المطالبة بتنحية رئيس أو وزير أو حكومة، لكنهم لا يعلمون ما بعد، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، وأنى لهم أن يتفقوا على ما وراء ذلك والحال أن تنحي هذا أو ذاك وحده لا يعني بحال تحقق الإصلاح الذي ينشدونه وهو على كل حال ليس هو الإصلاح الذي يتوق إليه المؤمن ويتعين عليه أن يسعى إليه .

    السؤال الثاني: ما ذا يقال عن النتائج (المحمودة) التي قد تترتب على هذه المظاهرات؟ .
    إذا أفضت هذه المظاهرات والاحتجاجات إلى تنحي حاكم مستبد وجاء غيره ممن هو أفضل منه فهذا مما نحمد الله تعالى عليه، ونستفيد مما يترتب عليه في الدعوة إليه، وهو مما شاءه الله تعالى وقدره، ولا يعني ذلك أن الوسيلة إليه تصير مشروعة يجوز العمل بها، إن الواجب على المسلمين الاهتمام بأحكام الله الشرعية والوقوف عند حدود الله مقاصد ووسائل، أما ما يقدره الله وما يرتبه سبحانه مما يشاء كونه فذاك أمر آخر .

    السؤال الثالث: كيف يصنف الذين يموتون في هذه المظاهرات ؟
    الذين يموتون في هذه المظاهرات إن كانوا مسلمين فإن لهم حكم من يموت في الفتنة نترحم عليهم، ونستغفر لهم، وإن كنا لا نقرهم على ما فعلوا، لأنهم لم يقيموا عملهم على العلم وحتى لو أصابوا الحق فإنهم خالفوا الطريق إليه، إلا أن يخرجوا على من ثبت كفره من الحكام، فيقتلون في جهاده بعد أن يقودهم من هو أهل، والحال أن له شوكة يظن معها أنه يحقق الغرض المشروع بالخروج، ولا أحسب هذا متوفرا في أي بلد من بلدان المسلمين اليوم، أما أن يقال إنهم شهداء فهذا بعيد كل البعد عن الحق، وإطلاق كلمة الشهيد هنا من تجاوز الشرع، واستعمال كلماته لتحريك العواطف، وشحن النفوس، والحض على الفتنة للانتقام، إن الشهيد من يقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، فيقتله الكفار، وقد تجاوز بعض المنسوبين للعلم في إطلاق هذه الكلمة المسلمين إلى غيرهم من النصارى والملحدين لكونهم ممن شاركوا في هذه المظاهرات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

    السؤال الرابع: إذا لم تكن هذه المظاهرات مشروعة فهل هناك وسائل غيرها للتغيير والصلاح؟ .التغيير الحق الذي يثمر الثمرة التي نتطلع إليها هو الذي يبتدئ بالنفوس تعليما وتزكية وتصفية وتربية، هذه هي الركيزة الأساس لكل إصلاح، والاعتقاد قائم بأن ظلم الحكام وفسادهم وجورهم آت من أنهم جزء من مجتمعهم الذي لا يعرف عامته دينه، ولا ينتمي الكثير منه له إلا في الشكل والاسم والرسم، فالقول بأن هؤلاء الحكام قد فرضوا على شعوبهم مما لا يقبل، وقد يحصل ذلك في بعض الدول، فإن هذه الشعوب لو غلب خيرها شرها، وصلاحها فسادها؛ لظهر ذلك في قادتها وحكامها، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام:126)، إن الإصلاح الذي لا يضع في الاعتبار هذا الجانب من الخيال، البعيد المنال، وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:52)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11)، وكلما توجه المسلمون نحو الديمقراطية، واستبدلوها بمنهجهم الرباني كلما ابتعدوا عن التمكين لدينهم، وحكموا في حياتهم تقليد الكفار وأهواءهم، نعم إن كثيرا من حكام المسلمين لم يقيموا الديمقراطية على وجهها في بلدانهم لأن من مقتضياتها عند أصحابها ما فيه مزية للدعوة في الظاهر، وهو المساواة بين الناس في حق التعبير، ومبدأ تكافؤ الفرص، وجعل المواطنة مناطا لتلك المساواة، وهذه أمور قد تستفيد منها الدعوة إلى الله بزوال المانع من إيصال الحق للناس، لذلك ترى بعض المنسوبين للعلم يريدون تحقيق ذلك في الواقع، ويجتهدون في الدعوة للديمقراطية، كما كانوا هم أو أسلافهم يدعون للاشتراكية، لأن فيها العدالة الاجتماعية كما يقولون، تحمسوا لذلك في وقت ما، ثم أفل نجم الاشتراكية وذهب ريحها، فتغيرت الأنظمة فتغير رأيهم، أما نحن فالذي ندعو إليه هو الإسلام، فإن تحقق ما يسمى بالديمقراطية وجاء حاكم أو نظام سياسي عامل الناس على قدم المساواة ولم يفرق بين محق ومبطل، وصالح وطالح، اعتبرنا ذلك مخالفة للشرع، وتخليا عن الحق، غير أننا نستفيد من ذلك الوضع في الدعوة إلى الله، أما أن يصبح ذلك هو هدفنا الذي ندعو إليه فلا، إن فعلنا فقد ضللنا إذن وما نحن من المهتدين .
    ورغم اعتقادنا بأن التعليم والتوجيه هو حجر الأساس في كل إصلاح، وبداية الطريق لكل فلاح؛ فإننا نرى أن التعليم وحده بمختلف وسائله لا يكفي في الإصلاح، بل لا بد من عمل ميداني يمس الحياة العامة في كل جوانبها، وتظهر من خلاله النماذج الشرعية الصالحة لتطبيق الأحكام حسب الإمكان، ومن ذلك إنشاء المدارس وتأسيس شركات الاقتصاد والخدمات والهيآت المالية يقدم من خلال تسييرها وتنظيمها النموذج الشرعي في مجالات التعامل والتنمية والمحافظة على الصلاة وغير ذلك ومن ذلك القيام بالإصلاح بين الناس وإنشاء هيآت لضمان القروض الحسنة كما ينبغي استغلال ما يدعى عند المعاصرين بالمجتمع المدني في حدود ما هو مشروع للتمكين لأحكام اله تعالى في الحياة والتأثير على الرأي العام، والسعي في مناصحة الحكام، ومطالبتهم بالرفق واللين واستغلال ما يدعى عند المعاصرين بالرسائل المفتوحة يحررها أهل العلم والخبرة ويضمنونها ما يرونه من المطالب، هذه إشارة إلى بعض ما ينبغي أن يعتمد في الإصلاح كما نراه، وهو وإن كان بطيئا فإنه متدرج يرجى من ورائه التمكين، لشريعة رب العالمين .

    السؤال الخامس: ما حكم الصلاة في الساحات العامة كما يجري في هذه المظاهرات ؟.
    هذه من المخالفات التي رافقت هذه الفتن ومن العجب أن يدعو بعض المنسوبين للعلم إلى الخروج لهذه الساحات، وأن يعتبر ذلك فرضا عينيا في يوم الجمعة لأداء الصلاة في الفضاء، فتترك الصلاة في المساجد التي هي خير البقاع، وتؤدى في الأسواق التي هي شر البقاع، من غير حاجة إلى ذلك، مع أن صلاة الجمعة في غير المساجد مختلف في صحتها بين أهل العلم، ومذهب مالك بطلانها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يصلها قط إلا في المسجد، وهذا وإن كان مرجوحا إلا أن ترك المسجد والصلاة خارجه مما لا ينبغي أن يختلف في كونه بدعة وضلالة، ولو كانت هذه المظاهرات مشروعة لكان ينبغي أداء الصلاة في المساجد ثم الخروج لها، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

    السؤال السابع: ما ذا يقال عمن قتلوا أنفسهم بالإحراق أو بغيره فكانوا سببا في قيام هذا المظاهرات، وما ترتب عليها من النتائج التي يقال إنها حميدة ؟ .
    قتل النفس بغير حق مما حرمه الله، وأجمع عليه المسلمون، وقتل المرء نفسه أعظم إثما من ذلك فيما أحسب، بدليل أن قاتل نفسه قد فات الاقتصاصُ منه بموته، والاقتصاصُ كفارة لما اقترف، وهو من أسباب مغفرة الذنوب على كل حال، ولهذا يعذب قاتل نفسه يوم القيامة بما قتل به نفسه خالدا مخلدا في النار، فكيف إذا قتل نفسه بالإحراق؟، والحال أن عقوبة أشد الناس جرما في هذا الدين الحنيف لا يجوز أن تكون الإحراق بالنار، لأنه لا يعذب بها إلا خالقها، ومما يؤسف له ويتألم منه أن بعض المنسوبين للعلم حين سئل عن قتل فلان التونسي نفسه لم يبادر إلى الجواب بالحكم الشرعي الواضح الذي لا يخفى على مسلم، حتى لا تكون فتواه سببا في تتابع الناس في هذه الطامة، فأرم المسكين وجمجم، والتمس الأعذار للفاعل بما لاقاه من جور السلطان وتضييقه، وذكر النتائج الحميدة المزعومة التي ترتبت على هذا القتل، وهو انطلاق هذه الثورات كما يسمونها، ثم كان الجواب بعد ذلك مبتسَرا باردا، يحسبه المستمع أنه يقول إن ذلك يشفع له فيما أقدم عليه، وقد يكون كلامه هذا وراء هذه الأسوة السيئة، حيث قتل كثير من الشباب نفسه بالإحراق أو بغيره، ورأينا من دعا المسلمين قاطبة في المنابر الإعلامية إلى الاستغفار لهذا الذي أحرق نفسه، ونحن وإن كنا نرى الاستغفار للمسلمين كيفما كان الذنب الذي اقترفوه ما داموا مسلمين، إلا أن هذه الدعوة العلنية للاستغفار لهذا الذي أحرق نفسه تنطوي على إشارة لا تخفى تشجع غيره ليغدو (بطلا) مثله، والمسلم يجاهد بنفسه متى كان الجهاد مشروعا ليدخل الجنة، فكيف يقدم على إحراق نفسه ليدخل النار؟، ثم يزعم الزاعمون أن فعله هذا ترتبت عليه مصالح، تالله لو قيل إن إصلاح العالم متوقف على إقدام المسلم على معصية واحدة يعلم أنها معصية؛ ما جاز إقدامه عليها، ولا إقراره عليها، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان .

    وفي الختام نقول لحكام المسلمين الذين ثارت عليهم شعوبهم اسعوا في ترك الحكم حقنا لدماء المسلمين، ونقول للذين جنب الله تعالى دولهم هذه الفتنة: هل لكم وقد عصيتم الله تعالى بمخالفة شرعه ومع ذلك سخطت عليكم شعوبكم أن تطيعوه وترضوه لعله يرضي عنكم شعوبكم، فإن لم ترض عنكم شعوبكم فإنكم معذورون، وهو سبحانه أحق أن ترضوه إن كنتم مؤمنين، والحمد لله رب العالمين .



    معسكر في 6 ربيع الثاني 1432 الموافق لـ 12 مارس 2011
    وكتب بن حنفية العابدين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    algerie
    المشاركات
    82

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    بارك الله فيك .
    هل من ترجمة للشيخ ؟.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,432

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    جزاك الله خيرا
    كلام الشيخ ترجمة له
    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    الجزائر العاصمة
    المشاركات
    658

    Post رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    هذه ترجمة مختصرة للشيخ -حفظه الله-

    هو بن حنفية العابدين بن محي الدين المولود بتاريخ 08 شوال 1367هـ الموافق لـ 14/08/1948م ببلدية عين الحجر ولاية سعيدة
    الجزائر، حفظ القرآن وعمره خمس عشرة سنة، ثم التحق بالمعهد الإسلامي بولاية سيدي بلعباس من سنة 65 إلى سنة 68، وحضر في هذه الفترة بعض حلقات العلم في الفقه واللغة عند مشايخ في هذه المدينة .

    - وظف معلما ابتدائيا سنة 1968، والتحق بكلية الآداب سنة 1970 ثم بمعهد علوم الأرض سنة 1971 وحصل على الليسانس بكلية علوم الأرض بجامعة مدينة وهران سنة 1974م، وعمل بعد ذلك أستاذا في التعليم المتوسط والثانوي .

    - عمل في قطاع الشؤون الدينية أزيد من ثلاثين سنة، حيث وظف مفتشا للتعليم الأصلي والشؤون الدينية ابتداء من 1975، فعمل في عدة ولايات في الإدارة، وفي الإشراف على التعليم المسجدي، وتكوين الأئمة، ومارس خلالها الخطابة، والتدريس، كما عمل بديوان وزير الشؤون الدينية .

    - شارك في نحو 16 ملتقى من ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تنظمها الجزائر، وأشرف على تنظيم ملتقى سنة 1986 بسطيف.

    - شارك في بعض الملتقيات خارج الجزائر منها ملتقى السلام المنعقد بمدينة باكو بأذربيجان بالاتحاد السوفياتي سنة 1985، كما مثل الجزائر في مسابقة القرآن الكريم التي نظمها مسلمو تايلاندة سنة 1986، وحضر بعض الملتقيات بصفته عضوا في بعثة الحج الجزائرية التي شارك فيها ضمن لجنة الإفتاء وغيرها من اللجان خمس مرات .
    - متقاعد ، يقيم بمدينة معسكر بالجزائر، ينظم حلقات علمية عدة ، في بعض العلوم الشرعية .

    - له عدة رسائل و مؤلفات طبع منها ما يلي:

    01- حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
    02- القول الثبت في صوم يوم السبت
    03- السنة التركية (درء الشكوك عن أحكام التروك)
    04- هل الحزبيّة وسيلة إلى الحكم بما أنزل الله؟
    05- كيف نخدم الفقه المالكي؟
    06- حياة أبي رأس الناصري وتصوفه من خلال كتابه الحاوي
    07- المخرج من تحريف المنهج
    08- حكم قراءة القرآن جماعة
    09- العجالة في شرح الرسالة ج/1 في العقيدة و ج/ 2الطهارة والصلاة والجنائز
    10- منهجية ابن أبي جمعة الهبطي في أوقاف القرآن الكريم
    11- حكم بيع التقسيط (قراءة متأنية في حديث النهي عن بيعتين في بيعة)
    12- لا دليل على منع بيع الذهب والفضة بالعملات إلى أجل (تحت الطبع)
    أخوكم: محمد عبد العزيز موصلي الجزائري -غفر الله له-






  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    37

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    كل ماتريده عن الشيخ العابدين في هذه الصفحة أخي

    الصفحة الخاصة بالشيخ العابدين صاحب كتاب "وقف القرآن الكريم عند الهبطي"

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    algerie
    المشاركات
    82

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    وهذا رابط فتوى الشيخ أبوعبد المعز محمد علي فركوس
    http://www.ferkous.com/rep/Bb9.php

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    الجزائر العاصمة
    المشاركات
    658

    Post فتوى رقم: 320، مِنَ الفتاوى المنهجيَّة للشَّيخ محمَّد عليّ فركوس -حفظه الله-

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوالوليد اليعقوبي مشاهدة المشاركة
    وهذا رابط فتوى الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس
    http://www.ferkous.com/rep/bb9.php

    في حكم عموم الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات


    السؤال: شيخنا الفاضل إنّي أستاذ في قطاع التَّربية وفي الأيَّام المقبلة سيدخل عمَّالُه في إضراب من أجل مطالب موضوعيَّة، فما حكم الشَّرع في الإضراب؟

    الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على مَنْ أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
    فالإضرابات بمختلف أنواعها من أساليب النُّظُم الدِّيـمُقراطيّ َة التي يُـمارِس فيها الشَّعب مظاهر سيادته المطلقة، وتعدُّ الإضرابات في عُرْف الدِّيـمُقراطيّ ِين على الأوضاع القائمة ظاهرةُ صحَّة، يُصحَّح بها الوضع السِّياسيّ أو الاجتماعيّ أو المهنيّ مِنَ السَّيِّئ إلى الحسَن، أو مِنَ الحسَن إلى الأحْسَن، أمَّا المنظور الشَّرعيّ للنُّظم الدِّيـمقراطية بـمختلف أساليبها فهي معدودة من أحد صور الشِّرك في التَّشريع، حيث تقوم هذه النُّظُم بإلغاء سيادةِ الخالق سبحانه وحقِّه في التَّشريع المطلق لتجعلَه مِنْ حقوق المخلوقين، وهذا المنهج سارتْ عليه العلمانيَّة الحديثة في فصل الدِّين عَنِ الدَّولة والحياة، والَّتي نقلت مصدريَّة الأحكام والتَّشريعات إلى الأمَّة بلا سلطان عليها ولا رقابة والله المستعان.
    وهذا بخلاف سلطة الأمَّة في الإسلام فإنَّ السِّيادَة فيها للشَّرع، وليس للأمَّة أنْ تُشَرِّع شيئًا من الدِّين لم يأذن به الله تعالى، قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشُّورى: 21].
    وعليه، فإنَّ الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات وسائر أساليب الدِّيـمقراطيَّ ة هي من عادات الكفَّار وطُرُقِ تعامُلِهم مع حكوماتهم، وليست من الدِّين الإسلاميّ في شيء، وليس من أعمال أهل الإيـمان المطالبةُ بالحقوق ولو كانت مشروعةً بسلوك طريقِ ترك العمل ونَشْر الفوضى وتأييدِها وإثارة الفِتَن والطَّعن في أعراض غير المشاركين فيها وغيرِها ممَّا ترفضه النُّصوص الشَّرعيَّة ويأباه خُلُق المسلمِ تربيةً ومنهجًا وسلوكًا، وإنَّما يتوصل إلى الحقوق المطلوبة بالطُّرُق المشروعة، وذلك بـمراجعة المسؤولين وولاةِ الأمْر، فإنْ تحقَّقت المطالب فذلك من فضل الله سبحانه، وإنْ كانت الأخرى وجب الصَّبْرُ والاحتسابُ والمطالبةُ مِنْ جديد حتَّى يفتحَ الله وهو خيرُ الفاتحين، فقد صحَّ من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه ما يؤيد ذلك، حيث يقول فيه: «دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وآله وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»(١) وزاد أحمد: «وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ لَكَ»(٢) أي: "وإن اعتقدت أنّ لك في الأمر حقًّا، فلا تعمل بذلك الظَّنِّ، بل اسْمَعْ وأَطِعْ إلى أنْ يَصِل إليك بغير خروجٍ عَنِ الطَّاعة"(٣) وفي رواية ابن حبَّان وأحمد: «وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ، وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ»(٤)، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ»(٥).
    وأخيرًا، نسأل الله أن يُرِيَنا الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتِّباعَه، ويُرِيَنا الباطلَ باطلاً ويَرزُقَنا اجتنابَه، وآخِرُ دَعْوَانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين وصلَّى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليما .

    الجزائر في: 16 ذي الحجة 1426ﻫ
    الموافق لـ: 16 جانفي 2006م


    ١- أخرجه البخاري في الفتن 7056، ومسلم في الإمارة 4877، وأحمد 23347، والبيهقي 16994، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

    ٢- أخرجه أحمد برقم (23405). وصححه الألباني في "ظلال الجنة": (1028)، وروى هذه الزيادة البيهقي في سننه كتاب القسم والنشوز من حديث أم أيمن رضي الله عنها (15174)

    ٣- فتح الباري لابن حجر: (13/10).

    ٤- أخرجه ابن حبان (4645)، كتاب السير باب طاعة الأئمة، وابن أبي عاصم في السنة (857)، وصححه الألباني في تخريج السنة (1026). أمّا رواية أحمد (24140) فهي بلفظ: "وإن نهك ظهرك وأخذ مالك" من حديث حذيفة رضي الله عنه.

    ٥- أخرجه البخاري في الفتن (7052)، والترمذي في الفتن (2349)، وأحمد (3713)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
    أخوكم: محمد عبد العزيز موصلي الجزائري -غفر الله له-






  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    25

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    جزاك الله خيرا
    فتوى مسددة

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    160

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    ما علاقة الاضراب عن العمل حتى يعطى حقه أوظلم فاحتج على الظلم بالبرلمان والتشريع ومشابهة الكفار

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    115

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    ليس ثمة مناط لما يجوز التشبه فيه بالكفار وما يحرم ...

    فكثير من المفتين إن استغرب الشيء أو استوحشه = قال يفعله الكفار = حرام

    وإن ألفه ، أو ألفاه حلوًا = قال لا إشكال فيه للمصلحة وعدم اختصاص الكفار

    و والله ليس الأمر هكذا في نفسه ، ولا عند الله .

    والله المستعان

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    الجزائر الحبيبة
    المشاركات
    205

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    الأخ عمرو : كل يؤخذ من قوله ويرد إلاصاحب هذا القبر . فلا تغتم .
    و جزى الله خيرا مشائخنا .
    حسبي أني غاضب، والنار شرارتها الأولى غَضَبٌ.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    18

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    الحقيقة أنِّي لم أزل متعجِّبًا من دقة فقه الشيخين ابن حنفية العابدين وعلي فركوس منذ قرأت كلامهما

    هنيئًا للمسلمين عمومًا وللجزائريين خصوصًا بأمثال هؤلاء الفقهاء

    السنَّة والاتباع يعبق من كلامهم وحروفهم

    وليعرفْ المعترِض قدر نفسه وعلمه قبل أن يُسود شيئًا؛ فإن الكتابة دليلٌ على عقل الكاتب ومقدار علمه

    والسلام

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    بيان من الشيخ العلامة عبد العزيز الراجحي حفظه الله ورعاه ونفعنا بعلمه:
    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
    أما بعد: فقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »ستكون فتن القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي، من تشرَّفَ لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو مَعاذاً فليعذ به«[متفق عليه]، وثبت في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الفتن المُلبسة التي لا يتبين فيها المُحق:»فإن دُخِلَ على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم « [رواه أحمد، وأبو داود وابن ماجه]، وثبت في حديث آخر: »أنه أمر بكسر حد السيوف في الفتنة« كما في حديث أبي بكرة في صحيح مسلم، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »إن السعيد لمن جُنِّب الفتن، إن السعيد لمن جُنِّب الفتن، إن السعيد لمن جُنِّب الفتن« ثلاثاً.[رواه أبو داود].
    وإذا وقعت الفتن التي لا يعلم المسلم وجه الحق فيها فالواجب على المسلم الأمور التالية:
    1- الاعتصام بالكتاب والسنة، والرجوع إلى أهل العلم والبصيرة المعتبرين حتى يوضحوا له الأمر، ويُجلوا له الحقيقة لقول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَه ُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].
    2- أن يبتعد عن الفتنة وأن لا يُشارك فيها بقولٍ أو فعلٍ أو حثٍ أو تأيدٍ، أو دعوة إليها، أو جمهرةٍ حولها، بل يجب البُعد عنها، والتحذير من المشاركة فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: »من سمع بالدجال فلينأ عنه« [رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم].
    3- الإقبال على العبادة والانشغال بها، واعتزال الناس، لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »العبادة في الهرج كهجرة إليّ«، والهرج اختلاط الأمور، والقتل والقتال.
    ونحن والحمد لله في هذا البلد –المملكة العربية السعودية- تحت ولاية مسلمةٍ تُدين بالحكم بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي أعناقنا بيعةٌ لهم على ذلك، ووقوع بعض الأخطاء لا يُجيز الخروج على ولاة الأمر.
    وبناء على ما سبق: فإنه لا يجوز الخروج في المظاهرات التي يَخرجُ فيها بعض الناس للأمور التالية:
    الأمر الأول: أن في هذه المظاهرة الخروج على ولي الأمر، والخروج على ولي الأمر من كبائر الذنوب، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: »تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك« [رواه مسلم]. وطاعة ولاة الأمر في طاعة الله، والمعاصي لا يُطاعون فيها، ولكن لا يجوز الخروج على ولي الأمر إلا بشروط خمسة دلت عليها النصوص من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم:
    أحدها: أن يفعل ولي الأمر كفراً لا فسقاً ولا معصيةً.
    الثاني: أن يكون الكفر بُواحاً. أي واضحاً لا لبس فيه، فإن كان فيه شكٌ أو لبسٌ، فلا يجوز الخروج عليه.
    الثالث: أن يكون هذا الكفر دليله واضحٌ من الكتاب أو السنة، ودليل هذه الشروط الثلاثة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمّا سُئل عن الأمراء وظلمهم قال: »إلا أن تروا كفراً بُواحاً عندكم من الله فيه برهان«[متفق عليه].
    الرابع: وجود البديل المسلم الذي يحل محل الكافر، ويُزيل الظلم، ويَحكم بشرع الله، وإلا فيجب البقاء مع الأول.
    الخامس: وجود القدرة والاستطاعة، لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: »إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم« [متفق عليه].
    الأمر الثاني: أن إنكار المنكر على ولي الأمر لا يكون بالخروج عليه، بل يكون بالطرق الشرعية المناسبة، بالنصيحة من قِبل أهل العلم، وأهل الحل والعَقد من العقلاء، وذلك أن من شرط إنكار المنكر أن لا يترتب عليه منكر أشد منه، ولا تُرتكب المفسدة الكبرى لدفع المفسدة الصغرى.
    وإنكار المنكر على ولي الأمر بالخروج عليه بالمظاهرات وغيرها يترتب عليها مفاسد كبرى، أعظم مما يُطالب به من إصلاحات أو إزالة ظلمٍ أو غيرها. فمن هذه المفاسد:
    1- إراقة الدماء، وسفك الدماء يُعتبر من أعظم الجرائم بعد الشرك بالله تعالى.
    2- اختلال الأمن، وهذا من أعظم البلايا والمصائب، فإنه لا طعم للحياة مع الخوف، وقد امتن الله على قريش بالأمن، فقال تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 4].
    3- اختلال التعليم والصناعة، والتجارة والزراعة، واختلال الحياة كلها.
    4- فسح المجال لتدخل الدول الأجنبية الكافرة.
    5- فتح المجال للمفسدين في الأرض من عصابات كالسُراق، ونحوهم، وعصابات المنتهكين للأعراض، وغيرها من الفتن التي لا أول لها ولا آخر، وتأتي على الأخضر واليابس.
    ولهذا فإني أُحذر أشد التحذير من الدخول في المظاهرات، أو المشاركة فيها، أو الحث أو التأييد، أو التجمهر، لأن هذه الأمور من العظائم وكبائر الذنوب.
    أسأل الله تعالى أن يُجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحمي بلادنا منها، وأن يُوفق ولاة أمورنا لِما يكون سبباً في حفظ الأمن من الاستقامة على دين الله وتحكيم شرعه، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح.
    وأن يُثبتنا على دين الله القويم. إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    الجزائر العاصمة
    المشاركات
    658

    Post حكم المظاهرات لفضيلة الشّيخ عبد المالك بن أحمد رمضانيّ الجزائريّ -حفظه الله-

    بسم الله الرّحمن الرّحيم


    الحمد لله، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
    لا يخفى على القارئ ما حصل في كثير من البلاد الإسلاميّة من القيام على حكّامهم بالمظاهرات للمطالبة بحقوقهم بل للمطالبة بسقوط الأنظمة الموجودة، وقد أيّدهم -إن لم نقل حرّكهم- على ذلك قوى عالميّة كبرى لمآرب لا تخفى على الأذكياء، وأصبح من النّاس من يقول: إنّ خروج النّاس في مظاهرات أو احتجاجات عامّة على أنظمتهم الجائرة من الوسائل الّتي ثبت نفعها؛ إذ كانت سببا في تغيير تلك الأنظمة، وضغطت على الحكّام حتّى يَعملوا لشعوبهم حسابَها ويُحسّنوا أوضاعَها، وهذه المظاهرات ما هي إلاّ إنكار عَلَنيّ للتّعبير عن التّسخّط على أولياء أمور المسلمين، فبأيّ حقٍّ تُنكَر وقد آتت ثمارها كما لا يخفى؟!
    والجواب: يُنكِر العلماء المظاهرات المُخترَعة في هذا الزّمن بحقّين:
    الأوّل: حقّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الطّاعة؛ فإنّ الأمر الّذي من أجله يقوم المتظاهرون هو طلب حقوقهم الشّرعيّة الّتي يرون أنّ السّلطان قصّر في أدائها لهم، فلو تكلّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن هذه الحالة لكان له حقّ الطّاعة في ذلك كما له حقّ الطّاعة في كلِّ ما أمر به ونهى عنه، وبعضُ المفتونين بالمظاهرات يَحرصون على تخريجها مخرَج المصالح المرسلة وأنّها من النّوازل، لكنّ الّذي يَمنع مِنْ إدراجها تحت المصالح المرسلة هو أنّه صحّ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبر عن فتنة السّلاطين وأعطى أمّتَه المخرج منها، فقد تواتر عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه أنذر أمّته وُجودَ أمراءَ بعدَ زمنه يمنعون شعوبهم حقوقَهم، فأمر فيها بأمرين هما الدّعاء والصّبر، أمّا الدّعاء فثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((إنّها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله! كيف تأمر مَن أدرك منّا ذلك؟ قال: تؤدّون الحقّ الّذي عليكم، وتسألون الله الّذي لكم)) رواه البخاريّ ومسلم والتّرمذيّ، فقد ذكر صلّى الله عليه وسلّم أنّ هؤلاء الحكّام يستأثرون بحقوق الرّعيّة ولا يؤدّونها لهم، فأمر مع ذلك الرّعيّة بأداءِ حقوق السّلطان له وطلبِ حقِّها مِن الله، فما محلُّ المظاهرات مِنْ هذا الحديث الواضح؟! فهل نسيَها صلّى الله عليه وسلّم حتّى يستدركَ عليه مستدركٌ، أو غفلَ عنها حتّى يَفطنَ لها كفرةُ الغرب ويقلّدَهم فيها المستغربون مِن هذه الأمّة؟!
    قال ابن تيمة في ((منهاج السّنّة)) (3/372): ((فقد أخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الأمراء يَظلمون ويَفعلون أمورًا منكَرة، ومع هذا فأمرنا أن نؤتيَهم الحقّ الّذي لهم ونسأل اللهَ الحقّ الّذي لنا، ولم يأذن في أخذِ الحقِّ بالقتال، ولم يُرخّص في ترك الحقِّ الّذي لهم)).
    وقال النّوويّ في ((شرح مسلم)) (12/232): ((هذا مِن معجزات النّبوّة، وقد وقع هذا الإخبار متكرّرًا ووُجِد مخبرُه متكرّرًا، وفيه الحثّ على السّمع والطّاعة وإنْ كان المتولّي ظالمًا عَسوفًا فيُعطَى حقَّه مِن الطّاعة ولا يُخرَج عليه ولا يُخلَع، بل يُتضرّع إلى الله تعالى في كشف أذاه ودفع شرّه وإصلاحِه))، وروى مسلم (1846) عن وائل الحَضرميّ قال: ((سأل سَلمةُ بن يزيدَ الجُعفيُّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا نبيّ الله! أرأيتَ إنْ قامتْ علينا أمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرُنا؟ فأعرضَ عنه، ثمّ سألَه فأعرضَ عنه، ثمّ سألَه في الثّانية أو في الثّالثة فجذَبه الأشعث بن قيسٍ وقال: اسمَعوا وأطيعوا؛ فإنّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم)).
    قال النّوويّ في ((شرح صحيح مسلم)) (12/225): ((أي اسمَعوا وأطيعوا وإنِ اختصَّ الأمراء بالدّنيا ولم يوصِلوكم حقَّكم ممّا عِندَهم، وهذه الأحاديثُ في الحثِّ على السّمع والطّاعة في جميع الأحوال، وسببُها اجتماع كلمة المسلمين؛ فإنّ الخلاف سببٌ لفساد أحوالهم في دِينهم ودُنياهم)).
    وأمّا الأمرُ بالصّبر فكَيلاَ يقولَ عَجِلٌ: إلى متَى نصبرُ على أثَرَة هؤلاء الجَوَرة؟! فقد روى البخاريّ (3792) ومسلم (1845) عنْ أُسَيْدِ بن حُضَيْر رضي الله عنه ((أنَّ رجلاً مِنَ الأنصار قال: يا رسول الله! ألا تستعملُني كما استعملْتَ فلانًا؟ قال: سَتلْقَوْنَ بعدي أثَرَةً، فاصبروا حتّى تلْقَوني على الحوض))، قال ابنُ حجَر في ((الفتح)) (8/52): ((أي يومَ القيامة، وفي رواية الزّهريّ: [أي في ((صحيح البخاريّ))؛ فإنّها عندَه (3161) عنْ أنَس رضي الله عنه.] ((حتّى تلقَوا اللهَ ورَسولَه، فإنِّي على الحوض)) أي اصبروا حتّى تموتوا؛ فإنّكم ستجدونَني عند الحوض فيحصُل لكم الانتصافُ ممّن ظلَمكم والثّوابُ الجزيلُ على الصّبر)).
    هذا الدّاء والدّواء في حديثٍ واحدٍ، فهل يَحلُّ لطبيبٍ أنْ يَدخلَ بين النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمّتِه بشيءٍ زائدٍ؟! وكلُّ مؤمِن يَعلمُ أنّ هذا الدّواء قرّره مَنْ قال الله فيه: وما ينطق عَنِ الهوى (3) إنْ هو إلاّ وَحْيٌ يُوحَى [النّجم: 3-4]؟!
    فبأيِّ حقٍّ يُطاعُ الغربُ الكافرُ في اختراعِه المظاهرات لخلعِ الحكّام، ويُعصى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الرّؤوف الرّحيم بأمّتِه النّاصحُ لهم بتمام نصحٍ وإحكامٍ؟! ومِنَ العجائب أنّ بعضَ المتظاهرين قالوا: إنّهم قاموا بسبب أنّ حكّامَهم لا يَحكمون بما جاءهم به الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وهَا هم أنفسُهم لا يَحكمون بما جاءهم به الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في مسألَة ظلم الحكّام!!
    الثّاني: حقُّ السّلطان المسلم في طاعته في المعروف وتركِ جميع أسباب الخروج عليه؛ فإنّ المتجمِّعين ضدَّه قصدُهم منازَعتُه في منصِبِه وإحلال غيرِه محلَّه، وقد حرّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلَّم منازَعةَ السُّلطان في إمارَتِه ما دام مسلِمًا؛ قال عُبادَة بنُ الصّامت: ((دعانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فبايَعْنَاه، فكان فيما أخَذَ علينا أنْ بايعنا على السّمع والطّاعة في منشَطِنا ومكْرَهِنا وعُسْرِنا ويُسْرِنا وأَثَرةٍ علينا، وأنْ لا ننازع الأمرَ أهلَه، قال: إلاَّ أنْ تَرَوْا كُفْرًا بواحًا عِنْدَكم فيه مِنَ الله برهانٌ)) رواه البخاريّ (7055)، ومسلم (1709)، فإنّ أخْذَ السُّلطانِ أموالَ رعيّتِه بغير حقٍّ ظلمٌ عظيمٌ ولكنَّه لا تَسْقُط به حُقوقُه مِن السّمع والطّاعة وتَرْك منازَعَتِه، هذا هو حُكْمُ رَسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسِياسَتُه الحكيمَة الّتي لا يرضى بها أصحاب المظاهرات القائلون: الحاكمُ الّذي لا يُؤدِّي إلينا حقوقَنا المادّيَةَ نُنازِعُه الحُكْمَ!! فأين ذهبَتْ عقولُ المسلمين مع هذه الأدلَّة الصَّريحةِ؟!
    قال ابنُ تيمية رحمه الله في ((منهاج السّنّة)) (3/395): ((فهذا أمْرٌ بالطّاعة مع استئثار وليِّ الأمر وذلك ظُلْمٌ منه، ونَهى عنْ منازعة الأمر أهلَه، وذلك نهيٌ عن الخروج عليه؛ لأنّ أهلَه هم أولو الأمر الَّذين أمَرَ بطاعتِهم وهم الَّذين لهم سلطانٌ يَأمرون به، وليس المراد مَنْ يستحقُّ أنْ يُولَّى ولا المتولِّي العادِل؛ لأنَّه قد ذكَرَ أنّهم يَستأثرون، فدلَّ على أنَّه نهى عنْ منازعة وليِّ الأمر وإنْ كان مُستأثِرًا)).
    وفي هذا ردٌّ مِنْه -رحمه الله- على مَنْ أرادَ أنْ يُعطِّلَ العملَ بالحديث زاعمًا أنَّ النّهيَ عنْ منازعة الأمر مَنْ كان أهلاً لأنْ يُوَلَّى مِنَ العُدولِ، فلْيُتأمَّل.
    وأينَ هي دَعْوى محبّتِهم الرّسولَ صلّى الله عليه وسلّم وقد قال تعالى: قُل إنْ كنتم تُحبُّون اللهَ فاتَّبعوني يُحبِبْكم اللهُ ويَغفِرْ لكم ذنوبَكم والله غفور رحيم [آل عمران: 31]؟! أيكونُ النِّظامُ الدّيمقراطيُّ أهدى إلى استرجاع الحقوق مِنْ هَدْي رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، والله سبحانَه وتعالى يقول: وإنْ تطيعوه تهتدوا [النّور: 54]؟! أيكونُ النّظام الدّيمقراطيُّ أرحمَ بمهضومي الحقوق وأرأفَ واللهُ يقول: لقد جاءكم رسولٌ مِنْ أنفُسِكم عزيزٌ عليه ما عَنِتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [التّوبة: 128].
    وأينَ هم ممَّا روى مسلم (1847) مِنْ حديث حُذَيفةَ رضي الله عنه أنَّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلَّم قال: ((يكونُ بعدي أئمَّةٌ لا يهتدون بِهُدايَ ولا يَستنُّون بسُنّتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشّياطينِ في جُثمانِ إنس، قال: قلتُ: كيف أصنعُ -يا رسول الله!- إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: تَسمَعُ وتُطيعُ للأميرِ وإنْ ضُرِبَ ظهْرُك وأُخِذَ مالُك فاسمعْ وأطِعْ))؟! ونحنُ قد أدركْنا هذا الّذي أخبرَ به النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في كثيرٍ مِنَ البلاد، فلماذا لا تَسَعُنا وصيّتُه صلَّى الله عليه وسلَّم هذه لِحُذيفةَ رضي الله عنه ولسائر الأمّة؟! وقد أمَر صلّى الله عليه وسلّم بالسّمع والطّاعة كما أمَرَ بالصّبر ولم يأمُر بالمظاهرات، فهلِ الكفّارُ أهدى مِنْه سبيلاً؟! وهلْ هُم بالحقِّ أقومُ قِيلاً؟!
    مع أنّ مقوِّمات المظاهرات كانتْ متوفِّرةً في كلِّ عهدٍ، أقصِدُ البشرَ الَّذين يتجمَّعون، والأصوات الّتي بها يَصرُخون، والأرجلَ الّتي بها يمشون، والظّلمُ كان ينطحُ بقرنين، ويَمشي قائمًا على قدَمَين، يدعمُه كبراء قريش، حتّى منعوا خيرةَ أهل الأرض آنذاك الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابَه الكرام مِنَ الطّعام والشّراب والزَّواج حتَّى إنَّ أحدَهم ليفرحُ بجِلدِ بَعيرٍ جافٍّ يَجِدُه فيكونُ طعامَه ثلاثةَ أيّام!!! وقد مكثوا على مِثل هذا ثلاث سنين بشِعْب أبي طالبٍ لا يَفزعون إلى مظاهرةٍ ولا يتَتَرَّسونَ بديمقراطيَّة، فعدَمُ اتِّخاذِ الرّسولِ صلّى الله عليه وسلّم هذه الوسيلةَ ذات المقوّمات المتوفِّرةِ في وقته ألا يدلُّ دلالةً واضِحةً على عدَم مشروعيَّة المظاهراتِ، وأنَّه يَجبُ على المسلم المحبِّ له صلّى الله عليه وسلّم أنْ يتَّبِعَه ويقول: قد اختار لي الرَّسولُ النّاصحُ صلَّى الله عليه وسلّم السّمعَ والطّاعةَ والصّبرَ، فلنْ أستدركَ عليه؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: وما كان لمؤمِنٍ ولا مؤمِنَةٍ إذا قضى اللهُ ورسولُه أمرًا أنْ يكون لهم الخِيَرَةُ مِنْ أمرِهم ومَنْ يعصِ اللهَ ورسولَه فقد ضلّ ضلالاً مبينًا [الأحزاب: 36]، فإذا اختارَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم لأمّتِه المظلومة شيئًا أيَحِلُّ لأحَدٍ أنْ يختارَ غيرَ ما اختارَ أوْ يَستدْرِكَ عليه في هذا الاختيار؟! فإنَّها لا تعمى الأبصارُ ولكنْ تعمى القلوبُ الَّتي في الصُّدورِ [الحجّ: 46]!
    قال ابنُ تيميةَ رحمه الله كما في ((مجموع الفتاوى)) (13/62): ((فعَلَى كلِّ مؤمنٍ أنْ لا يتكلَّمَ في شيءٍ مِنَ الدِّين إلاَّ تَبَعًا لِما جاء به الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ولا يتقدَّم بين يديه؛ بل ينظُرُ ما قالَ فيكونُ قولُه تَبَعًا لقولِه وعملُه تبعًا لأمرِه فهكذا كان الصَّحابةُ ومَنْ سلكَ سبيلَهم مِنَ التّابعينَ لهُم بإحسان وأئمّةِ المسلمين؛ فلهذا لم يكن أحدٌ منهم يُعارض النّصوصَ بمعقولِه ولا يُؤسِّسُ دينًا غيرَ ما جاء به الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم، وإذا أرادَ معرفةَ شيءٍ مِنَ الدّين والكلامِ فيه نظَرَ فيما قالَه الله والرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، فمِنْهُ يَتعلّمُ، وبه يَتكلَّمُ، وبه يَنظُرُ ويَتفكَّرُ، وبه يَستدلُّ، فهذا أصلُ أهلِ السُّنَّة، وأهلُ البدعِ لا يَجعلون اعتمادَهم في الباطِنِ ونفسِ الأمرِ على ما تَلقَّوْهُ عنِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم؛ بلْ على ما رأوْهُ أوْ ذاقوه، ثمّ إنْ وَجَدُوا السُّنَّةَ توافِقُه، وإلاَّ لم يُبالوا بذلكَ، فإذا وجدوها تُخالِفُه أعرَضوا عنْها تفويضًا أوْ حَرَّفوها تأويلاً، فهذا هو الفرقان بين أهلِ الإيمان والسّنّة وأهلِ النّفاقِ والبدعةِ)).
    وأمّا ما قيل في نجاح المظاهرات فإنَّه مِنْ تزيين الشّيطان؛ لأنّ مِنْ وظائفِه إضفاء المشروعيَّة على عملٍ ما بتحسينِ نتائجِه فيما يُظهِرُه للنّاس، ويُقنِعُهم بالنّتائج المزيَّنةِ حتّى يَصُدّهم عن البحث عن البيّنَة الّتي هي أصل المسألة، قال الله تعالى: وزيّنَ لهم الشّيطان أعمالَهم فصدَّهم عن السّبيل فهم لا يَهتدون [النّمل: 24]، ولا ريبَ أنَّ النّجاحَ الظّاهريَّ لا يُعدُّ نجاحًا إلاّ بشرطين هما:
    الأوّل: أنْ يكونَ العاملون فيه يُريدُونَ وجهَ ربِّهم لا أنْ يَقوموا مِنْ أجل بُطونِهم.
    والثّاني: أنْ يكونوا فيه مُتَّبعِين للرَّسول صلَّى الله عليه وسلّم لا مخالِفين له.
    وممَّا سبَق فقد بان مخالفةُ المتظاهرين لهديِ نبيِّهم صلَّى الله عليه وسلّم، أمَّا مِنْ جِهة النّيَّة فقد علِمَ النّاس أنّ أكثر المتظاهرين قاموا طلبًا لِشِبعٍ، أو دفعًا لوجَعٍ، عَرَّاقون مرَّاقون [أي هم طلاّبُ مَرَق وطلاَّبُ عَرْق، وهو العظم عليه بقيَّةٌ من اللَّحم.]، إنْ أُعْطوا مِنْها رَضُوا وإنْ لم يُعطَوا مِنْها إذا هم يَسخَطون.
    فالنَّظرُ النَّاقدُ الشَّرعيُّ لكلِّ مسألةٍ مِنْ مسائل القُرَب يَنطلقُ مِنْ هذين الشَّرطَين، وهما سرُّ النَّجاح في الدُّنيا والآخرة، ومَن كان ينطلِقُ في وَزنِ أمورِه من نتائجها اختلَّ ميزانُه ودخل على أحكامِه من الفساد ما لا يَنضبطُ معه شيء مِن الحلال والحرام، ولم يُصبِح يُفكِّر في الدّليل الشّرعيِّ، وهل بِدايَة التّحلّل مِن الدّين إلاَّ هذا؟!
    وبهذا صارَ للكهَّان أتباعٌ؛ لأنّهم ربَّما أخبَروا بأمرٍ غيبيٍّ فوقَع كما أخبروا، فمَنْ كان ناظرًا إلى النّتائج تبِعَهم ولا بدَّ، وقد قالتْ عائشة رضي الله عنها: ((سأل أناسٌ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عنِ الكُهَّانِ؛ فقال لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَيْسُوا بِشَيءٍ؛ قالوا: يا رسولَ الله! فإنَّهم يُحَدِّثون أحيانًا بالشَّيء يكونُ حقًّا؟ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: تِلْكَ الكلمةُ مِنَ الحقِّ يَخطَفُها الجِنِّيُّ فيَقَرُّها في أُذُنِ وَلِيِّه قَرَّ الدَّجاجةِ، فيَخْلِطونَ فيها أكثرَ مِنْ مائةِ كَذْبَة)) رواه البخاريّ (6213)، ومسلم (2228).
    وبهذا المنطلَق تَداوى مسلمون بالحرام، أليسَ قد جرَّب أناسٌ مِنْهم التّداويَ بالخمْرِ فظهَرَ لهم الشِّفاءُ بادِيَ الرَّأي؟! مع أنَّه قد جاء في ((صحيح مسلم)) (1984) أنَّ طارِقَ بنَ سويدٍ الجُعفيَّ: ((سألَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم عنِ الخمْرِ؛ فنهاه -أَوْ كَرِهَ- أنْ يصنعَها؛ فقال: إنّما أصنعُها للدَّواء؛ فقال: ((إنّه ليس بدواء، ولكنَّه داء)).
    كما جرَّب كثير مِن النَّاس التَّعامُلَ بالرِّبا فوجَدوه نافعا لهم في ثراء أموالهم، فهل تكون هذه النَّتيجة دليلا شرعيّا لإباحة الرّبا؟! مع أنّ اللهَ نهانا أنْ ننخدع بالنّتيجة المادّيّة الّتي تحصل مِن المال الخبيث فقال: قل لا يَستوي الخبيثُ والطّيِّب ولو أعجبَك كثرةُ الخبيث فاتّقوا الله يا أولي الألباب لعلّكم تفلحون [المائدة: 100].
    وجَرَّب الكفَّارُ الكفرَ فوجدوا أنفسَهم مُتحضِّرين أغنياءَ أقوياء، فهل ينبغي للنّاس أنْ ينسلخوا مِن دينِهم ويندفعوا نحوَ الكُفرِ كي يُحقِّقوا هذه النّتائج الثّلاثةَ: أنْ يَتحضَّرُوا ويَستغنُوا ويتقوَّوْا؟! وقد قال الله عزّ وجلّ: لايغُرَّنَّك تَقلُّبُ الَّذين كفروا في البلاد (196) متاعٌ قليلٌ ثمَّ مأواهم جهنَّم وبئس المهاد [آل عمران: 196-197].
    ونقول أخيرًا: إنَّ النتائجَ المستحسنة المؤسَّسةَ على مخالفة الشّريعة ندامةٌ وليستْ كرامةً؛ لأنَّها استدراجٌ مِن الله لعبادِه المنحَرفين عن الحقِّ بعدَ أنْ عرَّفَهم إيَّاه حتَّى إذا أخذَهم سبحانَه كادَهم بكيْدِه المتين، كما قال ربُّنا عزَّ وجلَّ: فذَرْني ومَنْ يُكذِّبُ بهذا الحديثِ سَنسْتدرِجُهم مِنْ حيثُ لايَعلمون (44) وأُمْلِي لهم إنَّ كَيْدي متينٌ [القلم: 44-45]، وعنْ عقبةَ بن عامرٍ عنْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قال: ((إذا رأيتَ اللهَ يُعْطي العبدَ ما يُحِبُّ وهو مُقيمٌ على معاصِيه فإنَّما ذلك له مِنْه استدراجٌ، ثمَّ نَزَع هذه الآيةَ: فلمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه فَتَحْنا عليهم أبوابَ كلِّ شيءٍ حتَّى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أخَذْناهم بَغتةً فإذا هُم مُبلِسُون (44) فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذينَ ظلمُوا والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ [الأنعام: 44-45])) أخرجَه أحمد (4/145)، والطَّبرانيُّ في ((الكبير)) (17/330)، وصحَّحَه الألبانيُّ في ((السِّلسلة الصَّحيحة)) (413).
    لذَا؛ فلن يتعلَّقَ بالنَّتائج ولو خالفَتِ الهديَ النَّبويَّ إلاَّ مَنْ ضَعُفَ إيمانُه في نُصوصِ الوحي، وقلَّ يَقينُه فيها مِنَ المتَذَبْذِبين المتَرَدِّدِين المُرْتابين، وأمَّا أهلُ اليقين فإنَّ قلوبَهم معلَّقةٌ بالكتابِ والسُّنَّة ولوْ خالفَتْها المصالِحُ الظَّاهرةُ للخَلْق، ففي ((صحيح مسلم)) (1548) عنْ بعض الصَّحابة أنَّه قالَ: ((نهانا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عنْ أمْرٍ كانَ لنا نافِعًا، وطواعِيَةُ اللهِ ورسولِه أنفعُ لنا))، وفي ((صحيح البخاريِّ)) (5684) ومسلم (2217) عنْ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضيَ الله عنْه قالَ: ((جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالَ: إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطنُه، فقالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اسْقِهِ عَسَلاً، فسَقاهُ، ثمَّ جاءَهُ فقال: إنِّي سَقَيْتُه عسلاً فلَمْ يَزِدْهُ إلاَّ اسْتِطلاقًا! فقال له ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ جاءَ الرَّابِعةَ فقالَ: اسْقِه عَسلاً، فقالَ: لقدْ سَقَيْتُه فلَمْ يَزِدْهُ إلاَّ اسْتِطلاقًا! فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: صدقَ اللهُ، وكَذَبَ بَطْنُ أخيكَ! فسقاهُ فبَرَأَ)).
    وقَدْ كنتُ بدأتُ في تأليفِ هذا الكِتابِ قبلَ أنْ يُصيبَ المسلِمينَ ما أصابَهُم مِنْ جرَّاءِ المظاهَراتِ والتَّوسُّلِ بها لإسقاطِ حُكَّامِهم، معَ أنَّهم لا يَدْرون شيئا عمَّنْ سَيَخْلُفهم: أيَخْلُفُهم بِتَحكيمِ شَريعَة الرَّحمنِ، أمْ يَخلُفهم بتحكيمِ قوانينِ الشَّيطان؟! ثمَّ شاءَ اللهُ أنْ يتأخَّر طَبْعُه إلى أنْ بلَغوا هذا الوضعَ مِنْ تقديسِ المظاهَراتِ والاستغاثَةِ بِشَرِّ البَرِيَّات، فأقولُ الآن:
    إنَّ ممَّا نخشاه أنْ تَتْرُك الشُّعوبُ التَّأسِّيَ برَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما سبقَ وتتأسَّى بالشُّعوبِ الثَّائرة كثورانِ الشُّيوعيِّين والدِّيمقراطِيّ ِين، ويَحْمِيهم الكفَّارُ في مظاهَراتِهم ليَحرِموا البلادَ المسلمَةَ الاستِقرارَ وتدخُل الفَوضَى كلَّ بلَدٍ مُسلِمٍ، فيَكسبُ الكفَّارُ المُخَطِّطونَ لهذِه الفِتَن مرَّتَيْن: مرَّةً بتَحويلِ بلادِ المسلمين إلى ميادين تجارُبٍ (خُبْزِيَّة) نِهايَتُها صِراعاتٌ دمويَّةٌ تتَوسَّطُها تمزُّقاتٌ سياسيَّةٌ، كلَّما جاعَ فردٌ دبَّرَ له مِنْ أمثالِه مَنْ يَخرجُ على الدَّولةِ، وكلَّما خافوا أنْ يُمنَعوا استَغاثُوا بالكفَّارِ، ونادَوْا أربابَ الفِتَن ليَزيدُوهم حَطبًا على نار، فيَكسبُ الكفَّارُ حينئذٍ الثَّانيةَ الَّتي هيَ تعلُّقُ المسلِمينَ بهم، ولعلَّها تَتْبَعها ثالثةٌ وهيَ: أنَّه إذا أرادَ الكفَّارُ أنْ يُنصِّبوا أحدَ جُندِهم على المسلمين لم يَتعَبُوا، بلْ يَكفي لضَمانِ نجاحِ فِتنَتِهم أنْ يَدسُّوا للحَرَكِيِّين أوِ الدَّمَوِيِّين أوِ الغَوْغائيِّين عُمومًا مَنْ يَستفِزُّهم بسؤالٍ عنْ حُكمِ المظاهرات ليُسارِعوا إلى التَّأييدِ وهُم يَحسَبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا، مع أنَّهم جَوَّالون في الفِتَن، والأيدِي الخفيَّةُ الَّتي تُحَرِّكُهم تَزيدُهم مِحنًا على مِحَنٍ، دائِبَةٌ على تَفريقِ رِجالِها وإهلاكِ عِيالِها وشُرْبِ دِماءِ أجيالِها، تُحَرِّشُ بينَ الحاكِم والمحكومِ لتَضمَنَ عندَهم حياةً للفوضى السِّياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ تَشغَلُهم بها، بَينما هي تتفرَّغُ لشُؤونِها الاستعماريَّة بلا رقيبٍ ولا مُشاكِس، وتَمضِي نحوَ التَّقدُّم بلا منافسٍ ولا معاكِسٍ، يُبدُونَ الغَيْرةَ على الشُّعوبِ وهم يُغِيرُونَ علَيها، ويَبكون عليها في المؤتَمراتِ وهُم يَأتمِرُون عليها!
    على كُلٍّ، تِلْكَ هيَ سُنَّةُ المظاهرات! تُهَيِّجُ الفُسَّاقَ، وتُحَرِّكُ المُرَّاق، يَمرُقون عنِ الطَّاعة، ويَخرُجون عنِ الجماعة، وكيفما كان السُّلطانُ في ضَعفِه فإنَّهم بمظاهراتهم يُقِرُّون عينَ الكُفر، ويَذهَلون عنِ الشُّكر؛ لأنَّهم كانوا في أمْنٍ وأمانٍ، فزادوا جِراحاتِ الأمَّة بإثخان، وقد كانَتِ الفِتَنُ فيهم تَخْطُو، فصارتْ تَمْطُو، فكانوا كمَنْ يُعالِجُ الجُروحَ بالقُروح، ويَغسِلُ الرَّجيعَ بالنَّجيع.
    إنَّ العلماءَ قد تكلَّموا على هذه الوسيلةِ الَّتي استَحدثَها النِّظامُ الدِّيمقراطيُّ المخالِفُ للإسلام وبيَّنوا فَسادَها، ومِنْ هؤلاءِ شيخُ الإسلام في وقتِه الشَّيخ عبد العزيز بنُ باز -رحمه الله-، فقد سُئِل في شعبان (1412هـ) بمدينة جدَّة مِنْ شريط سمعيٍّ وهو ضمن مجموع فتاوى لكثيرٍ مِنَ المشايخ معَه بعنوان: ((فتاوى العُلَماء في الاغتيالات والتَّفجيرات والعمليَّات الانتحاريَّة والاعتصامات والقنوت))، تَسجيل مِنهاج السُّنَّة بالرِّياض، وتسجيل دار ابنِ رجب بالمدينة، فكان السُّؤال الآتي:
    هل المظاهراتُ الرِّجاليَّة والنِّسائيَّة ضدَّ الحكَّام والولاة تُعتَبر وسيلةً مِنْ وسائل الدَّعوة؟
    وهلْ مَنْ يموتُ فيها يُعتَبَر شهيدًا أو في سبيل الله؟
    فأجابَ -رحمه الله-: ((لا أرى المظاهرات النِّسائيَّةَ والرِّجاليَّةَ مِنَ العلاج، ولكن أنا أرى أنَّها مِنْ أسباب الفِتَن ومِنْ أسباب الشُّرور، ومِنْ أسباب ظُلْمِ بعض النَّاس، والتَّعدِّي على بعض النَّاس بغير حقٍّ، ولكن الأسباب الشَّرعيَّة: المكاتبةُ والنَّصيحة والدَّعوةُ إلى الخير بالطُّرُق الشَّرعيَّة، شَرَحَها أهلُ العلم، وشَرَحَها أصحابُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأتباعُه بإحسانٍ: بالمُكاتَبة والمشافهةِ مع... [كلمة غير مفهومَة]، ومع الأمير ومع السُّلطان، والاتِّصال به، ومُناصَحته والمكاتبة له، دونَ التَّشهير على المنابر بأنَّه فعل كذا، وصارَ مِنْه كذا، والله المستعان)).
    ومِنَ الفقهاء المبرِّزينَ في هذا العصر صاحبُ الفضيلَة العلاَّمة محمَّد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله-، سُئِل في المحَرَّم (1416هـ) عن المظاهرات والاعتصامات، فبيَّنَ في الأوَّل عدَم مَشروعيَّتها مِنْ جهة أنَّها خُروجٌ على وليِّ الأمْر وأنَّ مَنْ مات علَيها ماتَ ميتةً جاهليَّة؛ لأنَّه ماتَ ناقضًا لبيعةِ إمامِه، والرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم قد قال: ((مَنْ رأى مِنْ أميرِه شيئا يَكرَهُه فلْيَصبِر عليه؛ فإنَّه مَنْ فارَق الجماعةَ شِبْرًا فماتَ إلاَّ ماتَ ميتةً جاهليَّة)) رواه البخاريّ (7054)، ومسلم (1849)، وذَكَر أنَّ المأمون امتَحنَ العُلماءَ وعذَّبَهم لِيَقولوا كَلمةَ الكُفر وهي: (أنَّ القُرآن مخلوق)، ومِنهم الإمام أحمد -رحمه الله-، فلَمْ يَلجأ أحَدٌ مِنْهم إلى التَّأليب عليه ولا إلى المظاهرات ولا اعتصَمُوا بالمساجِد، بل كانوا يَنْهَون عنِ الخُروج علَيْه، ثمَّ ختمَ فَتواه بقولِه: ((لا نُؤيِّد المظاهراتِ أو الاعتصاماتِ أو ما أشبهَ ذلك، لا نُؤيِّدها إطلاقًا، ويُمكِنُ الإصلاح بدونِها، لكن لا بدَّ أنَّ هناكَ أصابعَ خفيَّةً أو خارجيَّة تُحاوِلُ بثَّ مثل هذه الأمورِ)). [جريدة ((المسلمون)) عدد (540) ص (10) - الجمعة (11 المحرَّم 1416هـ).]
    وتأمَّلْ قولَه: ((لكن لابدَّ أنَّ هناكَ أصابعَ خفيَّةً أو خارجيَّة...)) فإنَّنا قدْ عَلِمناه في هذه السَّنَة سنة (1432هـ) حيثُ أصبحَت المظاهراتُ سُنَّةَ كُلِّ بلدٍ مُسلمٍ مع الأسَف الشَّديد، والأيدِي الخفيَّةُ قد أصبحَت جليَّة، لا تَسمعُ ببلدٍ مسلمٍ قامت فيه هذه الفَوضَى إلاَّ سارَعوا لدَعمِها وحمايَتِها، وهذا مِنْ فراسَة أهل العِلْم الأثرِيِّين، وأمَّا الحَرَكيُّون المُغفَّلون فهُم في سُباتِهم العميق، تُحَرِّكُهم الأيدي الخفيَّة وتَرمِي بهم في مكانٍ سحيقٍ، تُحَرِّكهم كما تشاءُ وهُم يُطبِّلون لفِتنَتهم، وما حَدَاهم لذلِكَ إلاَّ حِرصُهم على المُلْك وعِشْقُهم الرِّئاسةَ، وقد قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنَّكم سَتحرصُون على الإمارةِ، وسَتكونُ ندامةً يومَ القيامةِ، فنِعمَ المُرْضِعةُ وبِئسَتِ الفاطِمَةُ)) رواه البخاريّ (7148).
    هذا، وقد اطَّلَعتُ على بحثٍ لأخينا قامِع أهلِ البِدَع فضيلةِ الشَّيخ عبدِ العزيز بن رَيِّس الرَّيِّس -حفظه الله- بعُنوان: ((كشف شُبهات مُجَوِّزِي المُظاهرات))، وقد وُفِّقَ فيه أيَّما تَوفيقٍ جزاهُ الله خيرًا، فأحببتُ أنْ أشرِكَ القارئَ في غُنْمِه، لخَّصتُ منه قولَه الآتي:
    ((فإنَّ فقدَ عُلماءِ السُّنَّة رَزِيَّةٌ، وتترتَّبُ علَيه مفاسِدُ جَلِيَّة، ومِنْ أعظمِها تَجاسُرُ أهلِ البدع في الدَّعوةِ إلى بِدَعِهم وضلالِهم، قال الآجُرِّيّ في كتابِه ((أخلاق العُلَماء)): ((فَهُمْ سِراجُ العِبادِ، ومَنارُ البلادِ، وقِوامُ الأمَّة، ويَنابيعُ الحِكمَة، همْ غَيْظُ الشَّيطانِ، بهم تحيَا قُلوبُ أهلِ الحقِّ، وتموتُ قلوبُ أهل الزَّيغ، مَثلُهم في الأرض كمثل النُّجومِ في السَّماء، يُهتَدى بها في ظُلُمات البرِّ والبَحر، إذا انطَمَستِ النُّجومُ تَحيَّروا، وإذا أسفَرَ عنها الظَّلامُ أبصَروا)).
    ومِنَ الأمثِلة على ذلك: ما ذَكَرَه الذَّهبيُّ في ((سير أعلام النُّبلاء)) عن يحيَى بن أكثَم قال: ((قال لنا المأمون: لولا مكانُ يَزيدَ بن هارون، لأظهرتُ القرآنَ مخلوقٌ، فقِيل: ومَن يَزيدُ حتَّى يُتَّقى؟ فقال: وَيْحكَ؛ إنِّي لأرتضِيه لا أنَّ له سَلطنةً، ولكن أخافُ إنْ أظهرْتُه، فيردَّ عليَّ، فيَختلِف النَّاسُ، وتَكون فتنة)).
    وفي هذا ما يدُلُّ على أنَّ حياةَ أئمَّةِ السُّنَّة حِمايَةٌ للشَّريعة ولعُموم البريَّة مِن البدَع والضَّلالاتِ الرَّديَّة، وهذه القصَّةُ -وإنْ كانتْ في ردِّ بِدعة مِن الحاكِم- فهيَ كذلك في عُموم أهل الضَّلالة، سَواء كانوا حكَّامًا أوْ محكومينَ، وبَعض مَنْ رُبِّيَ على الثَّورة والتَّحزُّبات البدعيَّة قَصُرَ فهمُه على أنَّ الشَّجاعةَ في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكَر وقولِ كلِمَة الحقِّ أمامَ الحكَّام فقطْ دونَ غيْرِهم.
    والواقِعُ أنَّ الأمرَ أعمُّ وأشمَل، بل إنَّ الشَّجاعةَ حقًّا في مُصابَرَة النَّفسِ على مُخالفَةِ الجماهير لنَصْرِ سُنَّة وقَمْعِ بدعةٍ، وما أكثَرَ الَّذينَ وجَدوا في مواجَهَةِ الحكَّامِ سُوقًا رائجًا في جَمْهَرةِ النَّاس حَولَهُم، وبَعضُهم اتَّخذَه سبيلاً لتَحقيقِ مَأربِه، فإذا تَجمهرَ النَّاسُ حولَه ساوَمَ الحكَّامَ تَصريحًا أوْ تَعريضًا على مصالِحَ مادِّيَّة ونحوِ ذلكَ.
    وإنَّنا لمَّا فقدنا في هذا العصر أئمَّتَه الثَّلاثةَ الإمامَ عبدَ العزيز بن باز، والإمام محمَّد ناصر الدِّين الألبانيّ، والإمامَ محمّد بن صالح العثيمين رحمهم الله رحمة واسعة، أظهرَ كثيرٌ مِن أهل البدع والضَّلالة وغيرهم أقوالَهم الضَّالَّةَ بعدَ أن كانوا لها مُستَتِرين خوفا مِن شُهُب هؤلاء الأئمَّة الثَّلاثة.
    وعلى إثرِ موتِ هؤلاءِ الأئمَّة الثَّلاثةِ وتَوالي الفِتَن، تقوَّى الحزبيُّون والمتأثِّرون بهم في إظهارِ القول بشرعيَّة المظاهرات، فلمَّا رَغِبوها واستحسنتها نفوسُهم أرادوا أَسْلمَتَها، فأخذوا يتكلَّفون للتَّدليل عليها بما فيه شبهةٌ للدَّلالة علَيها، وما لا شبهةَ فيه، فاعتقَدوا أوَّلاً، ثمَّ استماتوا للاستدلال عليها ثانيا، كما هي عادتُهم في كثير من الوسائل المُحدَثة، كالأناشيد المسمَّاة إسلاميَّة! والتَّمثيلِ المسمَّى إسلاميًّا! وهكذا...
    وإليك الأدلَّةَ على حُرْمة المظاهرات:
    إنَّ المظاهراتِ قسمان:
    القسمُ الأوَّل: المظاهراتُ الَّتي يُرادُ منها أمورٌ شرعيَّةٌ دينيَّةٌ.
    القسم الثَّاني: المظاهراتُ الَّتي يُرادُ مِنْها أمورٌ دُنيَويَّة، وهذِه نوعان:
    النَّوع الأوَّل: المظاهراتُ لإسقاط حاكمٍ لدافعٍ دُنيَويٍّ لا دينيٍّ.
    النَّوع الثَّاني: المظاهراتُ لتَحصيلِ ما سوى ذلكَ مِنْ أمور الدُّنيا.
    أمَّ القسمُ الأوَّل: المظاهراتُ الَّتي يُرادُ مِن ورائها تَحقيق أمورٍ شرعيَّةٍ دينيَّةٍ، فهذه بدعةٌ في الدِّين؛ لأنَّها مُحدَثة، والقاعدة الشَّرعيَّة النَّبويَّة: أنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، كما أخرجَ ذلك مسلمٌ في ((صحيحِه)) عن جابرٍ مِن كلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
    فإنْ قيل: إنَّ هذه مِن الوسائل، والأصلُ في اتِّخاذِ الوسائل الجوازُ ما دامتْ مباحةً.
    فيُقال: هذا حقٌّ، لكنْ في غير الوسائل المؤدِّيَة إلى العبادات، فإنَّ للوسائل أحوالاً ثلاثةً:
    الحالةُ الأولى: الوسائلُ الملغاةُ، وهيَ الوسائلُ الَّتي جاءَ النَّهيُ عنها بدَليل خاصٍّ، ولا إشكالَ في بدعيَّةِ اتِّخاذِ هذه الوسائل، كاتِّخاذِ التَّمثيلِ وسيلةً مِنْ وسائلِ الدَّعوةِ؛ لأنَّه مُحَرَّمٌ؛ لكونِه مُتضمِّنًا الكذبَ.
    الحالةُ الثَّانية: الوسائلُ المعتبَرَة، وهيَ الَّتي نصَّ الشَّرعُ على جَوازِها بنصٍّ خاصٍّ، مثلَ: جَعل الأذانِ وسيلةً للإعلامِ بدُخولِ وقت الصَّلاة، ولا إشكالَ في شرعيَّة هذه الوسائلِ.
    الحالةُ الثَّالثة: الوسائل الَّتي لم يأتِ نصٌّ خاصٌّ بجوازِها ولا حُرْمتها، وهذه تتردَّدُ بينَ المصالحِ المرسَلةِ والبِدَع المحدَثة، والضَّابط في التَّفريقِ بينَ هذَين النَّوعَيْن دقيقٌ، حرَّرَه تحريرًا بديعًا شيخُ الإسلام ابن تَيمية، وكان يُردِّدُه كثيرًا العلاَّمةُ الألبانيُّ -رحمه الله-، وخلاصةُ ذلكَ أمرانِ:
    الأوَّل: أن ينظُرَ في هذا الأمر المرادِ إحداثُه لكَونِه مصلحةً، هل المُقتَضِي لِفعلِه كانَ موجودًا في عهدِ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابةِ والمانعُ مُنتفيًا؟
    أ- فإنْ كانَ كذلكَ فَفِعلُ هذه المصلحةِ المزعومةِ بدعةٌ؛ إذ لو كانت خيرًا لسَبَق القومُ إليه فإنَّهم بالله أعلمُ وله أخشى، وكلُّ خيرٍ في اتِّباعِهم فِعلاً وتركًا.
    ب- أمَّا لو كانَ المُقتَضي -أي السَّببُ المُحوِجُ- غيرَ موجودٍ في عهدِهم، أو كانَ مَوجودًا لكنْ هناك مانعٌ يَمنعُ مِن اتِّخاذِ هذه المصلحةِ، فإنَّه لا يكونُ مَصلحةً مُرسَلةً، وذلكَمِثلَ جَمعِ القرآنِ في عهدِ رَسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّ المُقتَضِيَ لِفِعلِه غيرُ موجودٍ؛ إذ هو بينَ أظهُرِهم لا يُخشَى ذهابُه ونِسيانُه، أمَّا بعدَ موتِه فخُشِيَ ذلكَ، لأجلِ هذا جَمَعَ الصَّحابةُ الكرامُ القرآنَ، ومِنَ الأمثلةِ أيضًا: الأذانُ في مُكَبِّراتِ الصَّوتِ وتَسجيلُ المُحاضراتِ في الأشرطةِ السَّمعيَّة وصلاةُ القِيامِ في رمضانَ جماعةً، فكلُّ هذه الأمورِ كانَ يوجَدُ مانعٌ في عَهدِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ فِعلِها، أمَّا الأمرانِ الأوَّلان: فعدمُ إمكانِه لعدَم وُجودِها في زمانِه، أمَّا الأمرُ الثَّالثُ: فإنَّه ترَكَ الفعلَ خشيةَ فَرضِه، وبعدَ موتِه لم يَكُنْ لِيُفرضَ شيءٌ لمْ يَكنْ مَفروضًا مِنْ قبلُ.
    الثَّاني: إنْ كانَ المُقتَضِي غيرَ موجودٍ في عهدِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيُنظَرُ فيه هل الدَّاعي له عندَنا بعضُ ذُنوبِ العبادِ؟ فمِثلُ هذا لا تُحدَثُ له ما قد يُسَمِّيه صاحِبُه مَصلحةً مُرسَلة، بل يُؤمرون بالرُّجوع إلى دين الله والتَّمسُّك به؛ إذ هذا المطلوبُ مِنهم فِعلُه، والمطلوبُ مِن غيرِهم دعوتُهم إليه، ويُمثَّلُ لهذا بتقديم الخُطبةِ على الصَّلاةِ في العيدَيْن لأجل حَبس النَّاس لسماع الذِّكْر، فمِثل هذا مِن البدَع المحدَثة لا مِن المصالح المرسَلة، وإليك كلامَ الإمام المحقِّق ابن تيميَّة في بيان هذا الضَّابط، قال ابنُ تيميَّة في ((اقتضاء الصِّراط المُستقيم)) (2/598): ((والضَّابطُ في هذا -والله أعلم- أنْ يُقالَ: إنَّ النَّاسَ لا يُحدِثونَ شيئًا إلاَّ لأنَّهم يَروْنَه مَصلحةً؛ إذ لو اعتقدوه مَفسدةً لم يُحدِثوه، فإنَّه لا يَدعو إليه عقلٌ ولا دِينٌ، فما رآه النَّاسُ مَصلحةً نُظِر في السَّبب المُحوِج إليه، فإن كانَ السَّبب المُحوِج أمرًا حدَثَ بعدَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن غيرِ تفريطٍ منَّا، فهُنا قد يَجوزُ إحداثُ ما تَدعو الحاجةُ إليه، وكذلكَ إنْ كانَ المُقتضِي لِفِعلِه قائمًا على عهدِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لكن تَركَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمُعارضٍ زالَ بموتِه.
    وأمَّا ما لم يَحدُث سببٌ يُحوجُ إليه، أو كانَ السَّببُ المُحوِجُ إليه بَعض ذنوبِ العباد، فهنا لا يجوز الإحداثُ، فكلُّ أمرٍ يكونُ المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مَوجودًا لو كانَ مَصلحةً، ولم يُفعَلْ يُعلَمُ أنَّه ليس بمصلحةٍ، وأمَّا ما حدثَ المُقتَضي له بعد موته مِن غير معصيةِ الخلق، فقد يكونُ مصلحةً))، ثمَّ قال: ((فأمَّا ما كانَ المُقتَضِي لفعلِه موجودًا لو كانَ مَصلحةً، وهو مع هذا لم يَشرعْهُ، فوَضعُه تَغييرٌ لدينِ الله، وإنَّما دَخل فيه مَن نُسِب إلى تغيير الدِّين مِن الملوكِ والعُلماء والعُبَّاد، أو مَن زلَّ مِنهم باجتهادٍ، كما رُوي عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وغيرِ واحدٍ مِنَ الصَّحابة: ((إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم: زلَّةُ عالِمٍ، وجِدالُ منافِقٍ بالقُرآن، وأئمَّةٌ مُضِلُّون)).
    فمِثالُ هذا القِسم: الأذانُ في العيدَيْن، فإنَّ هذا لمَّا أحدَثَه بعضُ الأمراء أنْكَرَه المسلمون؛ لأنَّه بدعة، فلو لم يَكن كونُه بِدعةً كان دليلاً على كراهيتِه، وإلاَّ لقيل: هذا ذِكرٌ لله ودُعاءٌ للخلقِ إلى عبادة الله، فيَدخُل في العمومات كقولِه: اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا(41) [سورة الأعراف] وقولِه تعالى: ومَنْ أحسَنُ قولاً مِمَّن دعا إلى اللهِ وعَمِلَ صالِحًا [فُصِّلَت: 33]... الخ اهـ.
    وبعدَ هذا التَّحقيقِ البديعِ مِن شيخ الإسلام ابن تيميَّة، فإنَّ فِعالَ الصَّحابة والسَّلف دالَّة على دُخولِ البدَع في الوسائِل، كما تَدخلُ في الغاياتِ، ومَنْ نازَع في ذلكَ نازَعَ سلفَ الأمَّة وهُم خَصمُه، ومِنَ الأمثلة الدَّالَّة على ذلك:
    ما روى البخاريُّ في قصَّة جَمْع المصحفِ وأنَّ عمرَ بن الخطَّاب أشارَ على أبي بكرٍ بالجمعِ، فقال له أبو بكرٍ: كيفَ تَفعلُ شيئًا لمْ يَفعلْهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبِمثلِ هذا أجابَ زيدُ بنُ ثابتٍ أبا بكرٍ الصِّدِّيق لمَّا عرض عليه جمعَ المصحف.
    ففي هذا دلالة واضحة على أنَّ البدعَ تدخُل في الوسائل كما تدخل في العبادة ذاتِها؛ وذلك أنَّ جمعَ المصحف مِن الوسائل، ومع ذلك احتجُّوا بعدَم فعلِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنْ قيلَ: لماذا إذَن جمعوا المصحفَ مع أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَفعلْه؟ فيُقال: لأنَّ مُقتَضى -أي: سَبب- الجمع وُجِد في زمان أبي بكر رضي الله عنه، ولم يَكن موجودًا في زمان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ إذ هو حيٌّ بينَ أظهُرِهم فَبِوُجُودِه لا يُخشى ذهابُ القرآن.
    ومِن الأدلَّة أيضًا: ما ثبتَ عند الدَّارميِّ وابنِ وضَّاح أنَّ ابنَ مسعودٍ أنكرَ على الَّذين كانوا يَعدُّون تَكبيرَهم وتَسبيحَهم وتهليلَهم بالحصى، واحتجَّ علَيهم بأنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابَه لم يَفعلوا، مع أنَّ عدَّ التَّسبيح راجعٌ للوسائل.
    وبعدَ أنْ تبيَّن أنَّ المظاهراتِ الَّتي تُفعَل لأمورٍ شرعيَّةٍ دينيَّةٍ بدعةٌ مُحدَثةٌ لم يَفعلْها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا صحابتُه مع إمكانِ فِعلها، فلا يصحُّ لأحدٍ بعدَ هذا أنْ يَعترِضَ بأنَّ الأصلَ فيها الإباحةُ فلا تُمنَعُ إلاَّ بدليلٍ؛ لأنَّها عبادةٌ، والأصلُ في العبادات الحُرمَة، وهذا مثل مَنْ لم يَقنَع بالمنع من الاحتفالِ بمولِد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بحجَّة أنَّه لا دليلَ يدلُّ على المَنع.
    فيُقال: إنَّ الدَّليل على منعِها كَونُها عبادةً، ولا دليلَ على شرعيَّتِها، فتكونُ بدعةً؛ لأنَّ الأصلَ في العباداتِ الحظرُ والمنعُ، وانظُر بحثًا مُفيدًا لأخينا الشَّيخ حمَد العَتِيق بعُنوان: ((المظاهراتُ بين الاتِّباع والابتداع)) [الرَّابط].
    أمَّا القسمُ الثَّاني: المظاهراتُ الَّتي يُرادُ مِنْها تَحقيقُ أمورٍ دُنيَويَّةٍ، وهذه نوعان كما تقدَّم:
    أمَّا النَّوعُ الأوَّل: وهي المظاهراتُ لإسقاط حاكمٍ لدافعٍ دُنيَويٍّ لا دينيٍّ، فهذه محرَّمةٌ بدلالةِ كلِّ نصٍّ على وُجوبِ السَّمع والطَّاعة للحاكم ولو كان فاسقًا غيرَ عدلٍ، فمع تكاثر الأدلَّة في حرمة هذا الفعل -وهذا كافٍ- فكذلك السَّلف أجمعوا على حرمة هذا الفعل وتَضليل مَن خالفَ فيه، ودونَكم ما شئتم مِنْ كُتُب الاعتقاد السَّلفيِّ، ومَن حاولَ المنازعةَ في هذا فقولُه مَردود، وهو ضالٌّ قد خالفَ ما عليه دلائل السُّنَّة وآثارُ السَّلف، وبمثلِه ضلَّل السَّلف أقوامًا.
    وتزدادُ حرمةُ هذا النَّوع إذا فُعِل لأجلِ الدِّين أيضًا، فإنَّه بالإضافة إلى كونِه محرَّمًا يكونُ بدعةً، ثمَّ كلُّ ما سيأتي مِنَ الأدلَّة في النَّوع الثَّاني يَصلُح دليلاً على حُرمَة هذا القِسم، وللشَّيخ عبد السَّلام بن بَرْجَس آل عبد الكريم -رحمه الله- كتابٌ نفيسٌ فيما يتعلَّق بهذا النَّوع، قد أثنى عليه شيخُنا العلاَّمة ابنُ عثيمين في شرحِه على ((السِّياسة الشَّرعيَّة)) لابنِ تيميَّةَ، واسمُ الكتاب: ((مُعاملةُ الحُكَّام في ضوء الكتابِ والسُّنَّة)).
    أمَّا النَّوع الثَّاني: المظاهراتُ لتَحصيلِ ما سوى ذلك مِنْ أمور الدُّنيا، فهيَ محرَّمةٌ لأوجُه كثيرة، مِنْها:
    الوجْهُ الأوَّل: أنَّ المظاهراتِ -ولو كانتْ سِلميَّةً- خلافُ ما أمرَ به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الصَّبْر على جَوْر الحكَّام الَّذينَ اغتصبوا الحقوقَ، كما أخرج الشَّيخان عن ابن مسعودٍ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ستكونُ أثَرَةٌ [قال الشَّيخ الرَّيِّس: أي حكَّامٌ يُؤثِرون أنفُسَهم علَيكم في أخذِ حُطامِ الدُّنيا.] وأمورٌ تُنكِرونَها [قال الشَّيخ: أي حكَّام عندَهم معاصٍ شرعيَّة.]، قالوا: يا رسولَ الله! فما تأمُرُنا؟ قالَ: تُؤدُّونَ الحقَّ الَّذي عليكم، وتسألونَ الله الَّذي لكم))، وفي ((الصَّحيحَيْن)) عن أُسَيْد بن حُضَيْر قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ستلْقَون بعدِي أثرةً، فاصْبِروا حتَّى تلْقَوني على الحَوْض))، فنحنُ مأمورونَ بالصَّبر، لا بالمظاهرات للضَّغطِ على الحُكَّام، وقد أمَرَ أئمَّةُ السُّنَّة بالصَّبْر وقالوا: ((حتَّى يَستريحَ بَرٌّ، أوْ يُستَراحَ مِنْ فاجِرٍ)).
    الوجه الثَّاني: أنَّ فيها فتحَ بابِ شرٍّ بتحكيم الشُّعوب، فكلَّما أرادَ الشَّعبُ أمورًا تظاهَروا للمطالبةِ به، فإذا أرادَ أهلُ الشَّهواتِ أمرًا مِنْ أمورِ الشَّهواتِ المحرَّمة تظاهروا للمطالبةِ به، فاستُجيبَ لهم، وإذا أرادَ العلمانيُّونَ واللِّيبراليُّو نَ أمرًا تظاهَروا للمطالبة به، فاستُجيبَ لهم، وهكذا... ومِنَ المعلوم أنَّ أهلَ الاستقامة والدِّيانةِ أقلُّ مِنْ غَيْرِهم بكثيرٍ في المجتمعات الإسلاميَّة؛ قالَ تعالى: فمِنْهُم مهتَدٍ وكثيرٌ مِنْهم فاسقون(26) [سورة الحديد].
    الوجه الثَّالث: أنَّ أكثَرَ المظاهرات -إنْ لم يَكُنْ كلُّها- متَضَمِّنةٌ على اختلاط الرِّجالِ بالنِّساء، الاختلاط المحرَّم، وما خالَفَ ذلكَ فهو قليل لا حُكْمَ له، والواقعُ المُشاهَد خيرُ بُرهانٍ.
    الوجهُ الرَّابع: أنَّ جَوْرَ الحكَّام بسَبَبِ ذنوبِ المحكومين، والذُّنوبُ لا تُرْفَع إلاَّ بالتَّوبة والاستكانة إلى الله لا بالمظاهرات، قال شيخُ الإسلام في ((منهاج السُّنَّة النَّبويَّة)) (4/315): ((وكانَ الحَسَن البصريُّ يقول: ((إنَّ الحجَّاج عذابُ الله، فلا تدفعوا عذابَ الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتَّضرُّع؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ولقد أخذْناهم بالعذابِ فما استكانوا لربِّهم وما يَتَضَرَّعون(76) [سورة المؤمنون]))، وكانَ طَلْق بنُ حَبيب يقول: ((اتَّقوا الفتنةَ بالتَّقوى)) )).
    هذه الأوجُه الأربعُ في المظاهراتِ الَّتي يقال سلميَّة!
    أمَّا غيرُ السِّلميَّة فهيَ -زيادةً على ما تقدَّم- تحتوي على قتلٍ للنُّفوس وإهلاكٍ للأموالِ، وانتهاكٍ للأعراضِ، وغيرِ ذلكَ، وانظُر مقالاً لأخينا الشَّيخ عُمَر العُمَر بعنوان: ((عشرةُ أوجهٍ لبطلانِ المظاهرات)) [الرَّابط].
    وبعدَ هذا كُلِّه إليكَ شُبَه المجيزينَ للمظاهرات وكَشفَها، وأؤكِّدُ أنَّ واقِعَ حالِهم: اعتقدوا، ثمَّ سعَوْا لِيَستدِلُّوا، فتكلَّفوا وحرَّفوا نُصوصَ الشَّريعة.
    الشُّبهة الأولى: ادَّعى مُجَوِّزو المظاهرات أنَّ فعلَ المتظاهرينَ قد دلَّت عليه السُّنَّة؛ فقد أخرجَ أبو نُعَيم في ((الحِلْيَة)) (1/40): ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرَجَ بعدَ إسلامِ عمرَ رضي الله عنه على رأس صفَّيْنِ مِنْ أصحابِه، وعلى الأوَّل مِنْهُما عُمَر رضي الله عنه، وعلى الثَّاني حَمزَة رضي الله عنه؛ رغبةً في إظهار قوَّة المسلِمينَ، فعلمتْ قُرَيْشٌ أنَّ لهم منَعةً.
    وهذا لا دلالةَ علَيه مِن وجهَيْن: دِرايَةً، وروايةً:
    الوجه الأوَّل رِوايَةً: فإنَّ إسناده ضعيف؛ لأنَّ فيه إسحاقَ بنَ فَرْوة، قال الإمام أحمد: لا تَحِلُّ عندي الرِّوايةُ عنه، وقال: ما هو بأهلٍ أنْ يُحمَل عنه، ولا يُروَى عنه، وقال الإمام ابنُ مَعِين عنه: كذَّاب ((تهذيب التَّهذيب)).
    الوجه الثَّاني دِرايةً: أنَّه لا ولايةَ في مكَّة، وكان أعداؤهم حربيِّين، فلمَّا تقوَّوا استعملوا القوَّة في مقدار ما يستطيعون، فأين هذا مِنْ تجمُّع أناسٍ على حكَّامِهم لإظهار سخطِهم على فِعلٍ ما؟!
    الشُّبهة الثَّانية: أنَّها -أي المظاهرات- وسيلةٌ قد جُرِّبَت فوُجِد نفعُها بأنْ حصلَ المطلوب.
    وكَشفُ هذه الشُّبهة مِنْ وجهَيْن:
    الوجه الأوَّل: أنَّها أيضًا جُرِّبَتْ في مواطِن كثيرة وكثيرةٍ جدًّا فلم تنفعْ، فهي وسيلةٌ مظنونة، وليس حدَثُ تظاهُرِ المسلمين في فرنسا ضدَّ قرار منع الحجابِ عنَّا ببعيدٍ، فلم يَنفع، والأمثلة كثيرة، وما كان كذلك فلا يُجَوَّز به المُحَرَّم، وقد تقدَّم ذكرُ الأدلَّة على منعِها وحُرْمَتها.
    الوجه الثَّاني: أنَّه لو قُدِّر حصولُ النَّتيجة مِن هذه الوسيلة، فإنَّه لا يَدلُّ على حِلِّها ولا صِحَّتها بحالٍ، فإنَّ الغاية لا تُبَرِّر الوسيلةَ، وقد ذكرتُ دليل ذلك في مقال: ((أحداث تونس الحاليَّةُ بين الإفراط والتَّفريط))[الرَّابط].
    وأذَيِّلُ هذا المقال بنقل فتاوى جماعةٍ مِن عُلمائِنا في حُرمةِ المظاهراتِ ليُقارَن بينها وبينَ كلامِ الحَرَكيِّين والحماسيِّين العاطفيِّين في هذه المسألة الَّتي تذرَّعَ الحركيُّون الثَّوريُّون بها للتَّهييج على الولاةِ وإشاعةِ الفَوْضى مُستَغلِّين عاطفةَ عامَّةِ النَّاس:
    قال الشَّيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: ((فالأسلوبُ الحسنُ مِنْ أعظمِ الوسائل لقَبولِ الحقِّ، والأسلوبُ السَّيِّء العنيفُ مِنْ أخطَر الوسائل في ردِّ الحقِّ وعَدَم قبولِه، أو إثارةِ القلاقل والظُّلم والعُدوان والمضاربات، ويُلحَق بهذا البابِ ما يَفْعلُه بعضُ النَّاس مِنَ المظاهرات الَّتي تُسَبِّب شرًّا عظيمًا على الدُّعاة، فالمسيرات في الشَّوارِع والْهُتافاتُ ليسَت هيَ الطَّريق للإصلاح والدَّعوة، فالطَّريقُ الصَّحيحُ بالزِّيارة والمكاتبات بالَّتي هي أحسنُ فتنصَحُ الرَّئيسَ والأميرَ وشيخَ القبيلةِ بهذه الطَّريقةِ، لا بالعُنْفِ والمظاهرَةِ، فالنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مكثَ في مكَّة ثلاثَ عشرةَ سنةً لم يَستعمل المظاهرات ولا المسيرات، ولم يُهَدِّدِ النَّاسَ بتخريبِ أموالِهم واغتيالِهم، ولا شكَّ أنَّ هذا الأسلوبَ يَضرُّ بالدَّعوةِ والدُّعاةِ، ويَمنَعُ انتشارَها، ويَحمِلُ الرُّؤساءَ والكبارَ على مُعاداتِها ومُضادَّتِها بكلِّ مُمْكِن، فهُم يُريدون الخيرَ بهذا الأسلوب، ولكن يَحصُل به ضدُّه، فكَونُ الدَّاعي إلى الله يَسلُك مسلكَ الرُّسل وأتباعِهم -ولو طالَت المدَّة- أولى به مِنْ عملٍ يضرُّ بالدَّعوة ويُضايِقُها أو يَقضِي عليها، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله)) مِنْ مجلَّة ((البحوث الإسلاميَّة)) العدد38 ص210.
    وقالَ الشَّيخ الألبانيّ -رحمه الله- في ((سلسلة الهدى والنُّور)) شريط رقم210: ((صحيحٌ أنَّ الوسائلَ إذا لم تَكُن مُخالِفةً للشَّريعة، فالأصلُ فيها الإباحة، هذا لا إشكال فيه، لكن الوسائل إذا كانت عبارةً عن تقليدٍ لمناهج غيرِ إسلاميَّة، فمِنْ هنا تُصبِحُ هذه الوسائل غيرَ شرعيَّة، فالخُروجُ للتَّظاهُرات أو المظاهرات وإعلانُ عدمِ الرِّضا أو الرِّضا وإعلانُ التَّأييدِ أو الرَّفضِ لبعضِ القرارات أو بعضِ القوانين، هذا نظامٌ يَلتَقي مع الحُكْم الَّذي يقول: الحُكْم للشَّعب، مِنَ الشَّعبِ وإلى الشَّعب!! أمَّا حينما يكون المجتمع إسلاميًّا فلا يَحتاجُ الأمرُ إلى مُظاهراتٍ، وإنَّما يَحتاجُ إلى إقامةِ الحُجَّة على الحاكِم الَّذي يُخالِفُ شَريعةَ الله... أقولُ عن هذه المظاهرات: ليسَتْ وسيلةً إسلاميَّةً تُنْبِئُ عن الرِّضا أو عدَم الرِّضا مِنَ الشُّعوب المسلِمة؛ لأنَّ هناك وسائلَ أخرى باستطاعتِهم أنْ يَسلكوها...
    وأخيرًا: هل صحيحٌ أنَّ هذه المظاهرات تغيِّر مِنْ نظامِ الحُكْم إذا كانَ القائمونَ مُصرِّينَ على ذلك؟ لا ندري! كَم وكَم مِن مظاهرات قامتْ، وقُتِل فيها قتلى كثيرون جدًّا، ثمَّ بقيَ الأمرُ على ما بقيَ عليه قبلَ المظاهرات، فلا نرى أنَّ هذه الوسيلةَ تَدخلُ في قاعدة أنَّ الأصلَ في الأشياء الإباحة؛ لأنَّها مِنْ تقاليد الغربِيِّين)).
    وقال في ((سلسلة الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة)) (14/74): ((لا تزالُ بعضُ الجماعات الإسلاميَّة تتظاهرُ بها، غافِلينَ عنْ كونِها مِنْ عادات الكفَّار وأساليبِهم الَّتي تتناسَبُ مع زعمِهم أنَّ الحكمَ للشَّعب، وتتنافى مع قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((خيرُ الهُدَى هُدَى محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم)) )).
    وسُئِلَ الشَّيخ محمَّد بن عثيمين -رحمه الله-: هل تُعتَبرُ المظاهراتُ وسيلةً مِنْ وسائل الدَّعوة الشَّرعيَّة؟
    فقال: ((فإنَّ المظاهراتِ أمرٌ حادثٌ، لم يكُن معروفًا في عهدِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا في عهدِ الخُلَفاء الرَّاشِدين، ولا عهدِ الصَّحابة رضي الله عنهم.
    ثمَّ إنَّ فيه مِنَ الفوضى والشَّغَبِ ما يَجعلُه أمرًا ممنوعًا؛ حيثُ يَحصُلُ فيه تكسير الزُّجاج والأبواب وغيرِها، ويَحصُل فيه أيضًا اختلاطُ الرِّجال بالنِّساء، والشَّباب بالشُّيوخ، وما أشبه ذلكَ مِنَ المفاسِد والمنكرات، وأمَّا مَسألةُ الضَّغط على الحكومة فهيَ إنْ كانتْ مُسلِمةً فيَكفيها واعظًا كتابُ الله وسُنَّة رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا خيرُ ما يُعرَض على المسلِم، وإنْ كانتْ كافِرَةً، فإنَّها لا تُبالي بهؤلاء المتظاهِرين وسوفَ تُجامِلُهم ظاهرًا وهي ما هي عليه مِنَ الشَّرِّ في الباطِن، لذلكَ نرى أنَّ المظاهرات أمرٌ مُنكَر.
    وأمَّا قولُهم: إنَّ هذه المظاهراتِ سلميَّة، فهيَ قد تكونُ سلميَّةً في أوَّلِ الأمر، أو في أوَّلِ مرَّة، ثمَّ تكونُ تخريبيَّةً، وأنصحُ الشَّبابَ أنْ يتَّبِعوا سبيلَ مَنْ سلَف؛ فإنَّ الله سبحانَه وتعالى أثنى على المهاجرينَ والأنصارِ وأثنى على الَّذينَ اتَّبعوهُم بإحسانٍ))، انظر: ((الجواب الأبهر)) (ص75).
    وسُئِلَ الشَّيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: هل مِنْ وسائل الدَّعوة القيامُ بالمظاهرات لحلِّ مشاكِل الأمَّة الإسلاميَّة؟ فقالَ: دينُنا ليس دينَ فوضى، دينُنا دينُ انضباط، دينُ نظامٍ ودينُ سكينةٍ؛ المظاهراتُ ليسَت مِنْ أعمالِ المسلمين وما كانَ المسلمونَ يَعرِفونَها، ودينُ الإسلامِ دينُ هُدوءٍ ودينُ رحمةٍ لا فوضى فيه ولا تشويش ولا إثارة فِتَن، هذا هو دينُ الإسلام، والحقوق يُتَوصَّل إليها دونَ هذه الطَّريقة بالمطالبة الشَّرعيَّة والطُّرُق الشَّرعيَّة، هذه المظاهرات تُحدِثُ فِتَنًا، وتُحدِثُ سفكَ دِماء، وتُحدِث تَخريبَ أموالٍ فلا تجوزُ هذه الأمور)) مِنْ ((الإجابات المهمَّة في المشاكل المُلِمَّة)) لمحمَّد الحصين (ص100).
    وبعدَ معرِفةِ حُكمِ المظاهراتِ فلا تجوزُ ولو أذِنَ بها النِّظامُ؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق، هذا ما كانَ يُقرِّره شيخُنا العلاَّمة ابنُ عثيمين [الرَّابط].
    بل ولو كان الحاكمُ كافرًا والدَّولةُ كافرةً لم تَجُزْ؛ لأنَّها وسيلةٌ محرَّمة.
    أسألُ اللهَ الرَّحمنَ الرَّحيمَ أنْ يَلطُفَ بحالِ المسلمين، ويَجمعَ كلمتَهُم على الهُدَى، وما عليه السَّلَف الماضون، ويرُدَّ كيدَ أعدائِهِم مِنَ الدَّاخِلِ والخارِج في نُحورِهم)).
    انتهى مُلَخَّص مقالِ فضيلة الشَّيخ عبد العزيز الرَّيِّس -حفظه الله-، وبه أختِمُ بَحْثي هذا، واللهُ المسئولُ أنْ يَنصُرَ الإسلامَ والمسلِمينَ ويقمعَ المبتَدِعةَ والمنافِقين والعلمانيِّين وكلَّ مَنْ يُحارِبُ الدِّين.
    كتَبَه عبد المالك بن أحمد رمضاني
    المدينة في ليلة 25/3/1432هـ
    أخوكم: محمد عبد العزيز موصلي الجزائري -غفر الله له-






  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    45

    افتراضي رد: كلمة لسماحة الشيخ الوالد العلامة الفقيه بن حنفية العابدين رعاه الله حول حكم المظا

    هل الخروج في المظاهرات تشبه بالكفار ؟؟؟؟؟؟؟
    هناك معايير وضوابط في الوصف حتى يصير تشبه بالكفار، وليس كل مافعله الكفار ينهى عنه
    العجيب أن من يحرم المظاهرات ويقول بأنها تشبه بالكفار، يحرم أيضا الخروج على الحكام الذين أقروها في دساتيرهم، بل بدلوا الشرائع وحكمونا بالقانون الفرنسي
    في الجزائر تحكمنا عصابة لو سقط المطر في فرنسا حملوا المطاريات.... يعيشون بقلوبهم هناك....

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    الجزائر العاصمة
    المشاركات
    658

    Post رد: فتاوى العلماء

    تكميلاً لما سبق من فتاوى العلماء الأكابر، وتأكيدًا هذه فتاوى أخرى، وعلينا الاستماع والانقياد لأنَّ الله قال: ((وأطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول وأولي الأمر منكم))، وأولوا الأمر في الدِّين هم العلماء، وهم لا يخشون إلاَّ الله سبحانه، وقد وصفهم الله بقولِه: ((إنَّما يخشى الله مِنْ عبادِه العلماء))، وإذا كنت معهم فأنت -إن شاء الله- مع أهل السُّنَّة والجماعة وهي الفرقة النَّاجية والطَّائفة المنصورة وأهل الحديث.
    -فتوى الشَّيخ العثيمين -رحمه الله-:
    "السؤال: بالنسبة إذا كان حاكم يحكم بغير ما أنزل الله ثم سمح لبعض الناس أن يعملوا مظاهرة تسمى عصامية مع ضوابط يضعها الحاكم نفسه ويمضي هؤلاء الناس على هذا الفعل، وإذا أنكر عليهم هذا الفعل؛ قالوا: نحن ما عارضنا الحاكم ونفعل برأي الحاكم، هل يجوز هذا شرعًا مع وجود مخالفة النص؟
    الجواب: عليك بإتباع السلف، إن كان هذا موجودًا عند السلف فهو خير، وإن لم يكن موجوداً فهو شر، ولا شك أن المظاهرات شر؛ لأنها تؤدي إلى الفوضى من المتظاهرين ومن الآخرين، وربما يحصل فيها اعتداء؛ إما على الأعراض، وإما على الأموال، وإما على الأبدان؛ لأن الناس في خضم هذه الفوضوية قد يكون الإنسان كالسكران لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فالمظاهرات كلها شر سواء أذن فيها الحاكم أو لم يأذن. وإذن بعض الحكام بها ما هي إلا دعاية، وإلا لو رجعت إلى ما في قلبه لكان يكرهها أشد كراهة، لكن يتظاهر بأنه كما يقول: ديمقراطي وأنه قد فتح باب الحرية للناس، وهذا ليس من طريقة السلف".
    -وأمَّا علاَّمة المدينة النَّبويَّة الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد -حفظه الله- فقد سُئِل بما نصُّه:
    سؤال: شيخنا جزاك الله خيراً
    أنا من ليبيا وقد حدد الناس يوم الأربعاء أو الخميس للخروج للمظاهرات في الشوارع؟
    فنريد منكم نصيحة وبياناً عن حكم المظاهرات والمسيرات التي يقال عنها سلمية
    لعل الله عز وجل أن ينفع بهذه النصيحة وجزاك الله عنا خيراً.
    جواب الشيخ: لا أعلم شيئا يدل على مشروعية هذه المظاهرات، لا نعلم أساساً في الدين يدل على هذه الأشياء، وإنَّ هذه من الأمور المحدثة، التي أحدثها الناس والتي استوردوها من أعدائهم من البلاد الغربية والشرقية، يعني ليس لها أساس في الدين، ولا نعلم شيئاً يدل على جوازها وعلى مشروعيتها، لهذا الناس يسلكون المسالك الشرعية التي شرعت لهم ويتركون الأشياء التي ليس لها أساس ويترتب عليها أضرار، ويترتب عليها مفاسد ويترتب عليها قتل ويترتب عليها تضييق، لو لم يكن من أضرارها إلا التضييق على الناس في طرقاتهم وفي مسيراتهم لأن ذلك يكون كافياً في بيان سوءها وأنه ليس لأحد أن يقدم على مثل هذه الأشياء.
    سؤال: هل يمكن القول بأنَّ المظاهرات والمسيرات تعتبر من الخروج على ولي الأمر ؟
    جواب الشيخ: لا شك إنها من وسائل الخروج، بل هي من الخروج لا شك!!.
    -فتوى فضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
    "السؤال:
    ما رأيكم فيمن يُجوِّزُ المظاهرات للضغط على ولي الأمر حتى يستجيب له؟
    الجواب:
    المظاهرات هذه ليست من أعمال المسلمين، هذه دخيلة، ما كانت معروفة إلا من الدول الغربية الكافرة".
    -فتوى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله-:
    "السؤال: ما حكم المظاهرات في الإسلام؟ ألها أصل شرعي أم أنها بدعة اقتبسها المسلمون من أعداء الإسلام؟
    الجواب: لا، هي بدعة وقد تكلمنا على هذا في «الإلحـاد الخميني في أرض الحرمين»، وذكرنا أن الآيات القرآنية تدل على أن التظاهر يكون على الشر، وهناك آية وهي قوله تعالى: ( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) (التحريم: 4) والظاهر أنها من باب المشاكلة، فليراجع في مقدمة «الإلحـاد الخميني في أرض الحرمين»، وهي نعرة جاهلية اقتدى المسلمون بأعداء الإسلام، وصدق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» . وإنني أحمد الله سبحانه وتعالى فما تجد سنيًّا يحمل لواء هذه المظاهرة، ولا يدعو إلى هذه المظاهرات إلا الهمج الرعاع".
    -فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (بكر أبو زيد/ صالح الفوزان/ عبد الله بن غديان/ عبد العزيز آل الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز) الفتوى رقم ( 19936 ):
    "السؤال:
    مر بعض من الأعوام في مدينتنا مظاهرات، وكانت تلك المظاهرات مصحوبة بتخريب المؤسسات والشركات، فكانوا يأخذون كل شيء في المؤسسات وأنا أيضًا شاركت في تلك المظاهرات، وأخذت من بعض المؤسسات كتبًا ومصحفًا، وحينما التزمت عرفت أن ذلك لا يجوز، وأريد من سماحتك أن تفيدني بماذا أفعل بهذه الكتب وخاصة المصحف؟ وشكرًا، وجزاكم الله خيرًا.
    الجواب:
    يجب عليك أن ترد ما أخذته من أشياء بغير حق، ولا يجوز لك تملكه أو الانتفاع به، فإن عرفت أصحابه وجب رده إليهم، وإن لم تعرف أصحابه ولم تستطع التوصل إليهم فإنك تتخلص منه بجعل هذه الكتب والمصاحف في مكان يستفاد منه كمكتبات المساجد أو المسجد أو المكتبات العامة ونحو ذلك، ويجب عليك التوبة النصوح، وعدم العودة لمثل هذا العمل السيء ، مع التوجه لله سبحانه وحده، والاشتغال بطاعته، والتزود من نوافل العبادة، وكثرة الاستغفار؛ لعل الله أن يعفو عنك، ويقبل توبتك، ويختم لك بصالح أعمالك، كما ننصحك وكل مسلم ومسلمة بالابتعاد عن هذه المظاهرات الغوغائية التي لا تحترم مالًا ولا نفسًا ولا عرضًا، ولا تمت إلى الإسلام بصلة، ليسلم للمسلم دينه ودنياه، ويأمن على نفسه وعرضه وماله. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
    -فتوى الشيخ الألباني -رحمه الله- ( بتصرف):
    "السؤال: فضيلة الشيخ ما حكم هذه المظاهرات؟ مثلا يجتمع كثير من الشباب أو الشابات ثم يخرجون إلى الشارع.
    الألباني: والشابات أيضا؟
    السائل: نعم
    الألباني: ما شاء الله !
    السائل: قد حدث هنا، يخرجون إلى الشوارع مستنكرين لبعض الأفعال التي يفعلها الطواغيت أو لبعض ما يأمر به هؤلاء الطواغيت أو ما يطالب به غيرهم من الأحزاب الأخرى السياسية المعارضة، ما حكم هذا العمل في شرع الله؟
    الألباني: أقول وبالله التوفيق الجواب عن هذا السؤال يدخل في قاعدة ألا وهي قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أو من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، الشك مني الآن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعِثْت يبن يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم). الشاهد من الحديث قوله عليه الصلاة والسلام "ومن تشبه بقوم فهو منهم"، فتشبه المسلم بالكافر لا يجوز في الإسلام، وهذا التشبه له مراتب من حيث الحكم ابتداءاً من التحريم وأنت نازل إلى الكراهة، وقد فصل في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه العظيم المسمى: اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم، تفصيلا لا نجده عند غيره -رحمه الله- ، وأريد أن أنبه إلى شيء آخر، ينبغي على طلاب العلم أن ينتبهوا له وأن لا يظنوا أن التشبه هو فقط المنهي عنه في الشرع، فهناك شيء آخر أدق منه ألا وهو مخالفة الكفار،... هذه التظاهرات التي كنا نراها بأعيننا في زمن فرنسا وهي محتلة لسوريا ونسمع عنها في بلاد أخرى، وهذا ما سمعناه الآن في الجزائر، لكن الجزائر فاقت البلاد الأخرى في هذه الضلالة وفي هذا التشبه، لأننا ما كنا نرى أيضا الشابات يشتركن في التظاهرات، فهذا منتهى التشبه بالكفار والكافرات، لأننا نرى في الصورة أحيانا وفي الأخبار التي تذاع في التلفاز والراديو ونحو ذلك، بيقولوا في التعبير الشامي وسيعجبكم هذا التعبير، يخرجون رجالا و نساءا ( خليط مليط)، يتزاحمون الكتف بالكتف وربما العجيزة بالقبل، ونحو ذلك، هذا هو تمام التشبه بالكفار، أن تخرج الفتيات مع الفتيان يتظاهرون، أنا أقول شيئا آخر بالإضافة إلى أن التظاهر ظاهرة فيها تقليد للكفار في أساليب استنكارهم لبعض القوانين التي تفرض عليهم من حكامهم أو إظهار منهم لرضا بعض تلك الأحكام أو القرارات، أضيف إلى ذلك شيئا آخر ألا وهو: هذه التظاهرات الأوربية ثم التقليدية من المسلمين، ليست وسيلة شرعية لإصلاح الحكم وبالتالي إصلاح المجتمع، ومن هنا يخطئ كل الجماعات وكل الأحزاب الإسلامية الذين لا يسلكون مسلك النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المجتمع، لا يكون تغيير المجتمع في النظام الإسلامي بالهتافات وبالصيحات وبالتظاهرات، وإنما يكون ذلك على الصمت وعلى بث العلم بين المسلمين وتربيتهم على هذا الإسلام حتى تؤتي هذه التربية أكلها ولو بعد زمن بعيد، فالوسائل التربوية في الشريعة الإسلامية تختلف كل الاختلاف عن الوسائل التربوية في الدول الكافرة، لهذا أقول باختصار عن التظاهرات التي تقع في بعض البلاد الإسلامية، أصلا هذا خروج عن طريق المسلمين وتشبه بالكافرين وقد قال رب العالمين: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تَوَلَّى ونصلِه جهنم وساءت مصيرا ".

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •