البحر في الأدب العربي







دراسة أدبيّة للشاعر:









عبد القادر الأسود










البحر في الأدب العربي




دراسةأدبيةللشاعر:



عبد القادرالأسود










تمهيد:


بسم الله الرحمنالرحيم


يَعدِل الماءُ ثلاثةَ أضعافِ اليابسةِ ، تقريباً ولذلك كان من الطبيعيّ أن تكونَ للإنسان معَ البحرَ علاقاتٌ متعدِّدةٌ ، وتَفاعُلاتٌ كثيرةٌ ،ولذلك أيضاً كان من الطبيعيِّ أن نجِدَ صَدًى لتلك العَلاقةِ في أَدَبِه شعرِهونثرِهوالعربيُّ ـ كغيرِه من بَني الإنسان ـ كانت له مع البحر تجاربُ لاتُحصى ضمّنَها أدبَه بعامّةٍ وشعرَه خاصّةً ذلك لأنَّ العربَ أُمَّةُ شِعرٍ ،كانت كذلك منذ سالِفِ العصرِ ، وهي باقيةٌ على ذلك أَمَدَ الدَّهرِ.
يقولُالرسولُ الأكرمُ {صلى الله عليه وسلم} : (( لا تَدَعُ العربُ الشِّعرَ حتى تَدَعَالإبلُ الحنين)) . (1)
والشعر ـ كما هو معروفٌ ـ ((ديوانُ العربِ)) (2) فيه حياتُهمبكلِّ تفاصيلِها ، حَفِظَ تاريخَها ، وعبَّرَ عن آمالِها وآلامِها ، وتَرْجَمَعَواطفَها وأحاسيسَها ، ولذلك سيكون للشعر النصيبُ الأوفى من بحثِنا هذا.
ولأنَّالقرآن الكريم هو القِمّةُ التي ينتمي إليها الأدب العربيُّ ، والدَّوحةُ التييتفيَّأ ظِلالها ، والمَوردُ الذي منه ينهل ، به سنبدأ وسيتوزَّعُ بحثُنا علىالأبوابِ الآتية:







أبواب الكتاب:

1 ـ البحر في اللغـة العربية.
2 ـ البحر في القرآن الكريم.
3 ـ البحر في الحديث النبوي الشريف.
4 ـ البحر في النثر العربي.
5 ـ البحر في الشعر العربي ، وسيشتمل هذاالباب
{الأخيرُ} على :
أ ـ الشعر في العصر الجاهلي والإسلامي الأوّل .
ب ـالشعر في العصر الأندلسي .
ج ـ العصور المتأخرة .

باب



البحر فياللغة العربية



جاء في مُعْجَم ِمَقاييسِ اللُّغةِ لابنِ فارسَ مادة :((بَحَرَ)) الباءُ والحاءُ والراءُ . قال الخليلُ سُمّيَ البحرُ بحراًلاستِبْحارِه، وهو انْبساطُهُ وسَعَتُه . واسْتَبْحَرَ فلانٌ في العِلْمِ أينَهَلَ منه الكثيرَ واتّسعتْ معرفتُه ، وتَبَحَّرَ فلانٌ في المالِ حاز منه الكثيرَواتَّسَعَ رِزقُه ، ورجلٌ بحْرٌ أيْ سَخِيٌّ لأنَّ كفَّهُ تَفيضُ بالعطاءِ كمايَفيضُ البحرُ ، وأَبْحَـرَ القومُ أَيْ ركِبوا البحرَ ، وبَحَـرَ الرَجُلُسَبَحَ في البحرِ . (3) ويُقالُ للماءِ إذا غَلُظَ بعدَ عُذوبةٍ اِسْتَبْحَرَ ،وماءٌ بحْرٌ ، أيْ مالحٌ ، قال نُصيبٌ الشاعرُ :

وقـد عـاد مـاءُ الأرضِبَحراً فزادنيعلى مرضي
أن أَبْحَرَ المَشْرَبُ الَعذْبُ (4) والبَحْرَةُ الفَجْوةُ المُتَّسِعـةُ من الأرضِ ، والرَّجُلُ الباحِرُ ،الأحْمَقُ ، ذلك لأنّه يتّسِعُ ـ لجهلِه ـ فيما لا يتَّسِعُ فيه العاقلُ .
والبَحيرَةُ : الناقةُ تُشَقُّ أُذُنُها إذا نُتِجتْ عشَرةَ أَبْطنٍ ، كانالعربُ في الجاهليةِ يُحرِّمون ظَهرَها فلا تُركَبُ ولا يُحْمَلُ عليها وقد نهىاللهُ عن ذلك بقوله : (( ما جعل اللهُ من بَحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وَصيلةٍ ولا حامٍ (5) . ))
والبحرُ ـ عند صاحبِ المُعجمِ المفهرسِ لآياتِ القرآنِ الكريمِ ـ الماءُالكثيرُ ، مِلحاً كان أو عذْباً ، وجمعُه بُحورٌ وأبحُرٌ وبحارٌ . (6) وقدسمَّى العربُ البحرَ بأسماءَ متعددةٍ فهو اليَمُّ : إذا كان صغيراً ثمَّ البحرُ : إذاكان أكبر ، ثمَّ المحيطُ : وهو الضخمُ لإحاطتِه ببلادٍ واسعةٍ ، وهو المُعْجَـمُ : لغموضِهِ
وإبهامِهِ . والقاموسُ :لكثرةِ مائه.
جاء في القاموسالمحيط للفيروز أبادي (( القاموسُ ، معظمُ ماءِ البحرِ ، والبئرُ العظيمةُ تَغوصُفيها الدلاءُ لكَثرَةِ مائها)) .(7) و هي من قَمَسَ : أي غاص وغَطَس ، فالقَمُوسوالقاموس هو الذي تغوص الدلاءُ فيه لكَثرة مائه . كما سُمِّيَّ الهِقَمُّلعِظَمِهِ وبُعد قَعْرِهِ ، وصوتُ البحرِ هَيْقَمٌ ، قال رُؤْبَةُ الشاعر:
ولم يَزَلْ عِزُّ تميمٍ مُدَعَّما كالبحرِ يدعو هَيْقَماً وهَيْقَما
وهو الهِلْقامُ : أي الضخمُ الواسعُ البطنِ.(9) والقمقام : لأنه مجتمعالماء ، وشبه الرجل به لاجتماع الأمور إليه فيقال سيد قمقام (10)
وهوالنوفل : أي الكثير العطاء (11) الدأماء : البحر (12) والغَطَمْطَم : أي العظيم الواسعالمنبسط وهو من أسماء البحر أيضاً (13) والطَمُّ:جاءفي المثل السائر قولهم:{له الطِّمُّ وَالرِّمُّ} فالطَمُّ البحر والرَمُّ :الثَّرَى . (14)











مصادرالباب الأوّل



1 ـ كتاب العمدة لابن رشيق ،ط المكتبة التجارية المصرية1934، ص17
2 ـ نفس المصدر
3 ـ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ط اتحادالكتاب العرب ص201
4 ـ لسان العرب ج5 ، ص 103 .
5 ـ سورة المائدة :ص 103 .
6 ـ المعجم المفهرس : ص82 .
7 ـ القاموس المحيط للفيروز ابادي: ص251 .
8 ـ ديوان رُؤبة : ص 184 .
9 ـ معجم مقاييس اللغة لابن فارس :ج6ص71 .
10 ـ المبهج (ج 1/ص 25) و أساس البلاغة ـ (ج 1/ص 391) . والزاهر في معاني كلماتالناس ـ (ج 1/ ص 293) وخزانة الأدب ـ (ج 1 ص 192
11 ـ المحكم والمحيط الأعظمـ (ج 10/ ص 380) والمعجم الوسيط ـ (ج2/ ص 94
12 ـ المعجم الوسيط ـ (ج1/ص268) وتاج العروس من جواهر القاموس ـ (ج1ص72
13 ـ تاج العروس من جواهر القاموس (ج 1/ص 117
14 ـ أدب الكاتب ـ (ج 1/ص37









باب



البحرُ في القُرآنالكريم





وَرَدَ ذكرُ البحرِ في القرآنِ الكريـمِ أكثرَ من ثلاثينمرَّةً ، وكان للإنسانِ مع البحر في كتابِ اللهِ شأنٌ عجيبٌ ، فقد كان السببَ فينَجاةِ سيّدِنا موسى {عليه السلامُ} مرتين،
الأولى:حين ولادتِه حيث تنبّأالمنجِّمون لفرعونَ ، حاكمِ مصرَ بأن مولوداً سيُولَدُ هذا العام ، سوف يُقوّضُ لهملكَه ويَذهبُ بسلطانه ، ولذا أمرَ فرعونُ الطاغيةُ،بالتخل ُّصِ من جميعِمواليدِ هذا العامِ من الذكور ، وتَخاف أمُّ سيدِنا موسى على وليدِها، ويأتيهاالأمرُ الإلهيُّ العجيبُ بأنْ تَضَعَه في تابوتٍ ثمّ تلقيه في البحر ، ويا له من أمر، كيف تلقي أمٌّ بطفلِها في البحر إذا خافت عليه!لكنّـه الإيمـانُ يفعل الأعاجيبَ.
ويوضَعُ الطفلِ الوليدُ ((موسى)) في التابوت ويُلقى به في البحرِ لِيَصيرَ إلىبيتِ عَدوِّ اللهِ وعدوِّهِ فرعون ، حيث يتربّى هناك ليَهدِمَ هذا العرشَ الظالمَبعد ذلك ويا له من عُجاب ، يقول ـ جلَّ شأنه ـ في كتابِه العزيز : (( ولقد مننا عليكمرةً أخرى * إذ أوحينا إلى أُمِّكَ ما يوحى * أن اقذفيه في التابوتِ فاقذفيه فياليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليمُّ بالساحلِ يأخذْهُ عدوٌّ لي وعدوٌّ له وألقيتُ عليكَمَحبَّةً مني ولتُصنعَ على عيني إذ تمشي أُختُكَ فتقولُ هل أدُلُّكم على مَنيكفُلُهُ ، فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كي تَقَرَّ عينُها ولا تحزنَ )) . (1)
فانظر إلى عجيب أمر الله كيف جعل فرعونَ يتبنّى موسى ليتربى في كَنَفِـه بدلأن يقتُلَه ، بل أخذ يبحثُ له عن مُرضعٍ تَكفلُهُ إذ منع موسى من أن يَرْضَع غيرَثديِ أمَّه ، ليعيدَه الله إليها ولتقرَّ عينُها كما وعدها .
ثم كان لسيدنا موسىمع البحرِ ، قصّةٌ أخرى إذ كان سبباً لنجاتِه مرّةً ثانيةً وذلك يوم تبعه فرعونُبجنودِه ليَقضيَ عليه وعلى مَن مَعَه من المؤمنين ويأتيه الأمرُ الإلهيُّ بأنْيضرِبَ بعصاه البحرَ ، فإذا بالبحرِ ينشطِرُ إلى شَطرين عظيمين ، بينهما طريـقٌيابسةٌ ، فيسلكه موسى بمن معه من المؤمنين ، ويتبَعُهم فرعونُ بجنـودِهِ ولكن ما إنْيخرجْ موسى وقومُه من البحرِ ويكون البحرُ قد انتصف بفرعونَ وجنودِه حتى يأتيالأمرُ الإلهيُّ فيبتلعَ البحرُ فرعون وجندَه قال تعالى : (( وإذ جاوزنا بكم البحرفأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)) . (2)
وقال في سورةٍ أُخرى بشيءٍ منالتّفصيلِ :(( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً حتىإذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إلـه إلاّ الذي آمنتْ به بنو إسرائيلَ وأنا منالمسلمين * آ لآنَ وقدْ عَصَيْتَ قبلُ وكنتَ من المُفسدين * فاليومَ نُنَجِّيكَببدنِك لتَكونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آية)) . (3)
وهاهو البحرُ مع سيِّدِنا موسى فيقصّةٍ ثالثة ، يومَ رَكِبَهُ مع سيدنا الخَضِرَ{عليهِم ا السلامُ}وخَرَقَ الخَضِرُ السَّفينةَ التي كانت تُقِلُّهما ، ويعترضُ موسى لكن الخَضِرَ يخبرُه بأنّه إنّمافعل ما فعل بأمرِ اللهِ سبحانه ، ذلك لأنَّ مَلِكاً ظالماً كان يتربَّصُ بالسُّفنِليغتَصِبَها فعاب الخَضِرُ السّفينةَ لتنجوَ من ظلمِ المَلِكِ بأمرٍ منَ اللهِالعليمِ الحكيمِ ، يقول جَلَّ مِن قائل : ((فانطلقا حتى إذا رَكِبا في السَّفينةِخَرَقَها قال أَخَرَقْتَها لتُغرِقَ أهلَها لقد جئتَ شيئـاً إمْراً * قال أَلَمْأَقُلْ إنّكَ لن تَسْتَطيعَ معيَ صَبْراً *)) . (4)
ثم يخبره بعد ذلك عن السببقائلاً : (( أَمّا السّفينةُ فكانت لمساكينَ يَعْملون في البحرِ فأردْتُ أَنْأَعيبَها وكان وراءهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غَصْباً )) . (5) أما نبيُّ اللهِيونسَ {عليه السلام} فإنّ له مع البحرِ شأنٌ آخر حيث مَلَّ قومَه بعد طولِ إقامةٍفيهم ، ويئس من استجابتِهم بعد أن دعاهم إلى الإيمان طويلاً دونَ جَدْوى ، فقرر أنيفارقَهم وأنْ يَدَعَهم وكُفْرَهم ويَمضي إلى أرضٍ أُخرى ، فركِبَ سفينةً مع مَنرَكِبَ ، وما إنْ أصبحتِ السّفينةُ في عُرْضِ البحرِ حتى هاجَ البحرُ وماج ،وأَرْغى وأَزْبَدَ ، فكان لابدَّ للمَلاّحِ مَن تخفيفِ حُمولةِ السفينــةِوالتضحيَــةِ ببعضِ رُكّــابِها ليَنْجوَ الباقون ، واسْتَهَمُوا ، فأَتى السّهمْعلى سيدِنا يونسَ بنِ مَتّي ، نَبِيِّ اللهِ{عليه السلامُ} فقُذِفَ به إلى البحرِ ،فالْتَقَمَه حُوتٌ عظيمٌ وسُرْعان ما فَطِنَ سيّدُنا يونسُ إلى ذنْبِه بِتَرْكِهِقَوْمَه الذين أُمِرَ بِدَعوتِهم وعَرَفَ بأنَّه كان عليهِ أنْ يَصْبِرَ عليهم ،فأحْسَنَ الظنَّ بالله تعالى بأنّه سوف لن يضيّق عليه ((يَقْدِر عليه)) فالْتَجَأإلى ربِّهِ مُعْتَذِراً طالباً الصَّفْحَ والمَغْفِرَةَ ، وقبلَ اللهُ توبتَه فنجّاهمما هو فيه،يقول سبحانه :((وذا النون إذ ذهب مُغاضباً فظنّ أن لن نَقْدِرَ عليهفنادى في الظُلُمَاتِ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ سُبحانَك إنّي كنتُ مِن الظّالمين * فاستجبنا له ونجَّيْناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)) . (6)
وقد وردَ ذكرُ البحرِفي كتابِ اللهِ عَزّ وجلّ مُفرَداً ومُثَنّى وجَمْعاً:((وَلَو أَنَّ مَا فِيالْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُأَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) . (7)
وفينفسِ المعنى يقولُ اللهُ تعالى : (( قُلْ لو كان البحرُ مِداداً لِكلماتِربّيلَنَفِدَ البحرُ قبـل أنْ تَنْفَـدَ كَلِمَاتُ ربّي ولو جِئْنا بِمِثْلِهِمَدَداً )) . (8)
ذلك لأنّ البحرَ ، مهما كَثُرَ ماؤه ، هُو مَخْلوقٌ للهِ تعالى ،بينما الكلامُ صفتُه سبحانه ، والصِّفةُ إنّما تكونُ مُتَعلِّقةً بالموصوف .
وبماأنّ اللهَ لا يَحُدُّه شيءٌ ، كذلك صفاتُه ، فالشيءُ مخلوقٌ ، وأنّى للمخلوقٍ أنْيَحُدَّ خالقَه ؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
وفي آيةٍ أُخرى يذكرنا ربُّناجلّ شأنُـه بنعمه علينا ، ومن هذه النعم العظيمة أن سخّر لنا البحر ليحملناوأمتعتنا ، ولنستخرج منه اللحم الطريّ واللآلئ والمرجان ، وغيره مما ينتفع بهالإنسان فقال : (( الله الذي سَخَّرَ لكمُ البحرَ لتَجْرِيَ الفُلْكُ فيه بأمرهولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)) . (9) ((وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَلِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُو اْ مِنْهُ حِلْيَةًتَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِوَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) . (10) وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : (( أُحِلَّ لَكُمْصَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَة ِ وَحُرِّمَعَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِيإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) . (11) ((وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْحَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْيَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَنَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون)) . (12) (( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِيالْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلى الْبَرِّأَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا)) . (13) (( وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِفِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ )) . (14) (( إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَرَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور )) . (15)
وفي قوله تعالى : (( أمْ مَنْ جعلَ الأرضَ قَراراً وجعلَ خلالَها أنهاراًوجعلَ لهـا رواسيَ وجعلَ بينَ البحرينِ حاجزاً أإلهٌ معَ اللهِ بلْ أكثرُهم لايَعلمون )) . (16) يدلُّنا ربُّنا على آيةٍ عظيمةٍ من آياتِه كدليلٍ على عظيمِ قدرتِهلتطمئنَّ النَّفسُ بإيمانها ألا وهي تلك المعجزةُ الموجودةُ في البحرِ الأحمرِوربّما في غيرِه أيضاً حيثُ أنّ فيه ماءً عذباً وسطَ ذلك الخِضَمِّ المُتلاطِمِمن المياهِ المالحة .
وقد أَشارَ سبحانه إلى ذلك في موضع آخر أيضاً،حيثقال : (( مَرَجَ البحرين يلتقيـانِ بينَهما بَرْزَخٌ لا يبغيان * فبأيِّ آلاءِ ربِّكماتُكذِّبان )) . (17) وقال جلَّ شأنه : ((وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَاعَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراًمَحْجُوراً )) . (18) فقد ذكر القرآن الكريم قانوناً خاصاً بالماء في هاتين السورتين ،الفرقان والرحمن هذه الظاهرة الطبيعية المعروفة وهي أنّه إذا ما التقي نهران فيممر مائي واحد فماء أحدهما لا يدخل {أي لا يذوب} في الآخر .
وهناك ـ على سبيل المثالـ نهران يسيران في {تشاتغام} بباكستان الشرقية إلى مدينة {أركان} في {بورما} ويمكنمشاهدة النهرين مستقلاً أحدُهما عن الآخر ويبدو أن خيطاً يمرّ بينهما حدّاً فاصلاً؛ والماء عذْبٌ في جانب ومالحٌ في جانب آخر .
وهذا هو شأن الأنهار القريبة منالسواحل ، فماء البحر يداخل ماء النهر عند حدوث {المَدِّ البحريِّ} ولكنهما لايختلطان ويبقي الماء عذباً تحت الماء الأُجاج .
وهكذا عندما يلتقي نهرا{الكنج}و{الج مونا} في مدينة {الله أباد} فهما رغم التقائهما لا تختلط مياههما ويبدو أنَّخيطاً فاصلاً يميز أحدَهما من الآخر.
إن هذه الظاهرة معروفة ، ولكنّا لم نكشفقانونها إلا منذ بضع عشرات من السنين . فقد أكّدت المشاهدات والتجارب أنّ هناكقانوناً ضابطاً للأشياء السائلة ، يُسمي {قانون المط السطحيurface Tension وهويفصل بين السائلين ، لأنَّ {تجاذب} الجزئيات يختلف من سائل إلى آخر ، ولذا يحتفظ كلسائل باستقلاله في مجاله .
وقدا ستفاد العلم الحديث كثيراً من هذا القانون الذيعبر عنه القرآن الكريم بقوله {سبحانه} : (( بينهما برزخ لا يبغيان )) . والبرزخ هوالفاصل بين اثنين ، والمراد من ((البرزخ)) هنا إنّما هو ((المطُّ أو التمدُّدُالسطحيُّ )) الذي يوجد في الماءين والذي يفصل أحدهما عن الآخر .
و يمكن فهم هذا المطالسطحي بمثال بسيط وهو : أنك لو ملأت كوباً بالماء فإنَّه لن يَفيضَ إلاّ إذا ارتفععن سطح الكوب قدْراً معيّناً .. والسبب في ذلك أن {جزئيات} السوائل عندما لا تجدشيئاً تتّصل به فوق سطح الكوب تتحوّل إلى ما هو تحتَها ، وعندئذ توجد {غِشاوة مرنة}lastic ilm علي سطح الماء ؛ وهذه الغشاوة هي التي تمنع الماء من الخروج عن الكوبلمسافة معيّنة ، وهي غشاوة قويّةٌ لدرجة أنّك لو وَضَعْتَ عليها إِبْرةً من حديدفإنّها لن تغوص ! وهذه الظاهرة هي ما يسمي بالمَطِّ السطحيِّ الذي يَحُولُ دوناختلاطِ الماءِ والزيت وهو الذي يفصُل بين الماء العذبِ والماءِ المالح (19)
إن القرآن الكريم الذي أُنزل قبل أكثر من /1400/ سنة قد تضمّن معلوماتٍدقيقةً عن ظواهرَ بحريَّةٍ لم تُكتشفْ إلاّ حديثاً بوِساطةِ الأجهزةِ المتطوِّرةِ ،ومن هذه المعلومات وُجودُ حواجزَ مائيةٍ بين البحار.
يشهد التطوُّرُ التاريخيُّفي سيرِ علومِ البحارِ بعدم وجودِ معلوماتٍ دقيقةٍ عن البحار وبخاصة قبل رحلةِ { تشالنجر } عام /1873م/ فضلاً عن وقتِ نزولِ القرآن قبلَ ألفٍ وأربعِمئةِ سنة ، الذي نزلعلى نبيٍّ أميٍّ عاش في بيئةٍ صحراويَّةٍ ولم يَركب البحر طوال حياته ، ولا كانللمجتمع المكيِّ في الجزيرة العربيَّة صلة وثيقة بالبحر ، فلم يخبروه ، ولا كان لهمبه خبرة يتضح ذلك من شعرهم الذي هو ديوانُهم ـ كما سنرى عند حديثنا عن البحر فيالشعر الجاهليّ ، ولم يتعاملوا مع البحر إلاّ في عصر الخليفة الثالث ، عثمان بنعفّان ثم الخليفة الأُمويِّ الأول معاوية بنِ أبي سفيان { رضي الله عنهم } حيث بدأتالفتوحات في البحر ولكنهم لم يخبروه بشكل جيد إلاّ عندما عبروا مضيق جبل طارقفاتحين ، كما هو معلوم تاريخيّاً .ً
كما أنّ علوم البحار لم تتقدم إلاّ فيالقرنين الأخيرين ، وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين . أمّا قبل ذلك فقد بقيالبحر مجهولاً مخيفاً تكثر عنه الأساطير والخرافات ، وسنوضح ذلك فيما سيأتي مندراستنا هذه ، إن شاء الله تعالى ، وكل ما كان يهتمّ به راكبوه هو السلامة والاهتداءإلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة، وما عرف الإنسان أنَّ البحار المالحةبحار مختلفة إلاّ في الثلاثينات من القرن العشرين ، بعد أن أقام الدارسون آلافَالمحطّاتِ البحريَّةَ لتحليل عيّناتٍ من مياه البحار ، وقاسوا في كل منها الفروق فيدرجاتالحرارة ، ونسبة الملوحة ، ومقدار الكثافة ومقدار ذوبان الأوكسجين في مياهالبحار في كل المحطات ، فأدركوا بعدئذٍ أن البحارَ المالحةَ متنوعةً . وما عَرَفَالإنسانُ البرزخ الذي يفصل بين البحار المالحة ، إلا بعد أن أقام محطّاتِ الدراسةالبحريّةِ المشار إليها ، وبعد أن قضى وقتاً طويلاً في تتبّع وجود هذه البرازخ المتعرِّجة المتحركة ، التي تتغيّر في موقعها الجغرافيِّ بتغير فصول العام .
وماعرف الإنسان أنَّ ماءي البحرين منفصلان ، أحدهما عن الآخر بالحاجز المائي، ومختلطانفي نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسُفُنِه حركةَ المياه في مناطقالالْتقاء بين البحار ، وقام بتحليل تلك الكتل المائيّة في تلك المناطق .
و مسحٍ علميٍّ واسعٍ لهذه الظاهرة التي تحدُث بين كلِّ بحريْن متجاورين من بحار الأرض . هلكان يملك تلك المحطات البحرية ، وأجهزة تحليل كتل المياه، والقدرة على تتبع رسولالله حركة الكتل المائية المتنوعة ؟ .
وما قرّر الإنسان هذه القاعدة على كلِّ البحار التي تتلاقى إلاّ بعد استقصاءٍ وهل تيسر لرسول الله في زمنه من أبحاثوآلات ودراسات ما تيسر لعلماء البحار في عصرنا الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحثوالدراسة؟
إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفاً لأدقِّ الأسرار في زمنٍيستحيل على البشر فيه معرفتها لَيَدُلُّ على مصدره الإلهيِّ ، كما قال تعالى : (( قُلْأَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَغَفُورًا رحيماً )) . (20) كما يدل على أنَّ الذي أُنزِل عليه الكتابُ رسولٌ يوحى إليهوصدق اللهُ القائل : (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْحَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُعَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ? )) . (21) ويتابعُ ربُّنا سبحانَه في دِلالتِه لنا على عظيمِ قدرتِهِ ، فيَـذكُرُ لنـا آيـةً كبْرى اكتشفها العلماءُ مؤخَّراً فكانتالسببَ في إيمانِ أحدِهم ، ذلك لأنّه ما مِن أحدٍ عَرَفَها قبلَه ، فكيف يذكرهاالنبيّ العربيّ قبل أربعة عشر قرنا ؟ وهو الذي عاش في الجزيرةِ العربيةِ ولم يركبِالبحرَ طَوالَ حياتِه . وإنّ هذه المنطقةُ النائيةُ من المحيطِ الذي تُوجدُ فيه ، لميَصِلْها أحدٌ من قبلُ ، ولا كان ذلك مُتَيَسِّراً للبَشريَّةِ أبداً ، الأمر الذييؤكد يقيناً ، بأنَّ من عرفها قبل ذلك هو خالقُها دونما شكٍّ ولا ريبٍ ، يقولُسبحانه : (( أو كظلماتٍ في بحرٍ لُجْيٍّ يغشاه موجٌ من فوقِه موجٌ من فوقِه سحابٌ ،ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرج يدَه لم يَكَدْ يراها ، ومَنْ لم يَجعِل اللهُله نوراً فما له مِن نورٍ )) . (22) وقد جاءت الآية في سياق التمثيل لأعمال الكفرةالتي لا فائدة ترجى منها ولا ثواب عليها ، لأنها لم تكن لوجهِ اللهِ أصلاً ، فكيفيثيبُهم اللهُ عليها وهم الذين لم يؤمنوا به أساساً ليعملوا طلباً لجزائه وإحسانهبل طمعاً في كسب رضا مخلوقٍ أو رغبةً في شهرة؟ وفيها تمثيلٌ آخرُ ـ بعد التمثيلالأول بقوله {سبحانه} : (( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍيَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَاللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ )) يصوِّر لناربُّنا في التمثيل الثاني ، هذا ، أعمال الذين كفروا في الدنيا من حيث خلوِّها مننور الحق بصورة ظلمات متراكبة من لُجَجِ البحر والأمواج والسحاب ، بعد أن صُوِّرتفي التمثيل الأول بصورة السراب الخادع.
وقيل في الفرق بين التمثيلين : أنَّالتمثيلَ الأوَّلَ فيما تؤول إليه أعمالهم في الآخرة ، وهذا التمثيل فيما هم عليهفي حال الدنيا . قال أبو حيّان في البحر : (( وبدأ بالتشبيه الأول لأنه أكد فيالإخبار ، لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم ، والعذاب السرمدي ،ثم أتبعه بهذا التمثيل ، الذي نبَّهَهم على ما هي عليه أعمالهم ؛ لعلَّهم يَرجِعونإلى الإيمان ، ويُفكِّرون في نورِ الله الذي جاء به الرسول { صلى الله عليهوسلم } .
الظاهرُ أَنَّ التَشبيهَ في التمثيلين لأعمالهم . وزَعَم عبد القاهرالجرجاني أنَّ الآية الأولى في ذكر أعمالهم ، والثانية في ذكر كفرهم . ونسق الكفرعلى أعمالهم ؛ لأنَّ الكُفرَ أيضًا من أعمالهم . ودليل ذلك قوله {تعالى} : (( اللّهُوَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ )) . (23)أي : يخرجهم من الكفر إلى الإيمان .
وقال أبو علي الفارسي : التقدير: أو كذي ظلمات. قال : ودلَّ على هذا المضاف قولُه تعالى : (( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ)) فالكناية تعودإلى المضاف المحذوف.فالتشبي وقع عند الجرجاني لكفر الكافر، وعند أبي علي للكافر لاللأعمال . وكلاهما خلاف الظاهر.
أما{أَوْ} فقيل : هي للتخيير ؛ فإنّ أعمالَهم لكونِهالا غيةً ، لا منفعةَ لها كالسراب ، ولكونِها خاليةً عن نورِ الحقِّ كالظُلُماتِالمتراكِمةِ من لُجِّ البحر والأمواجِ والسَحاب .
وقيل : هي للتنويع ؛ فإنَّ أعمالهمإن كانت حسنةً فهي كالسراب ، وإن كانت قبيحةً فهي كالظلمات . وقيل : هي للتقسيمباعتبار وقتين ؛ فإنَّها كالظُلُمات في الدنيا ، وكالسراب في الآخرة وقيل : هيللإباحة ، على تقدير : إنْ شئتَ مَثِّلْ بالسَرابِ ، وإنْ شئتَ مثِّلْ بالظُلُمات .
واختارَ الكَرْماني كونَ { أَوْ } للتخيير ، على تقدير: شبِّهْ أَعمالَ الكفّارِبأيِّهِما شئت . واختار أبو السُعود كونَها للتنويع ، على تقدير : إِثْرَ ما مثِّلتأعمالهم ، التي كانوا يعتمدون عليها أقوى اعتماد ، ويفتخرون بها في كلِّ وادٍ ونادٍ
بما ذكر من حال السراب مع زيادة حساب وعقاب مُثِّلت أَعمالهم القبيحةُ ، التي ليسفيها شائبةٌ خيريّةٌ ، يغترُّ بها المغترّون بظلماتٍ كائنةٍ في بحرٍ لُجيٍّ.
واختار ابنُ عاشورَ كونَها للتخيير ؛ لأنَّ شأن {أَوْ} ـ كما قال ـ إذا جاءت فيعطف التشبيهات أنْ تدل على تخيير السامع أنْ يشبِّه بما قبلَها ، وبما بعدها . واختار الطنطاوي كونَها للتقسيم .
و { أَوْ } ـ عند أهلِ التحقيق من علماءِ اللُّغةِ ـ موضوعةٌ لأحد الشيئين المذكورين معها . فدَلَّ وجودُها عاطفةً بينَ التمثيلين علىأنّ أعمالَ الذين كفروا كسراب ، أو كظلمات . فإنّها لا تخلو من أحد المثلين أما ماذكروه من دلالتها على الإباحة ، أو التخيير، أو التنويع،أو التقسيم ، فإنَّ ذلكيُستفادُ من السياق ، لا من { أَوْ } نفسِها .
والظاهرُ أنه عُطِفَ بـ { أَوْ } هنا؛ لأنّه قُصِد التنويعُ . ويُفهم من السياق في المثلين أنَّ التنويعَ ليس لتنوُّعِالأعمالِ ؛ وإنَّما هو لِتَنوُّعِ الأحوال الداعيةِ إلى تشبيهِها مرَّةً بالسَرابِالكاذب ، ومرَّة أُخرى بالظُلمات الكثيفة.
حكى الشوكاني في { فتح القدير } عنالزَجّاج قولَه : { أَعْلَمَ اللهُ سبحانَه أنَّ أعمالَ الكفّار ، إن مُثِّلتْ بمايُوجَد ، فمَثَلُها كمثلِ السَراب ، وإنْ مُثّلت بما يُرَى ، فهي كهذه الظلمات التيوصف . أما تشبيهها بالسراب فيكون لمن سكن الجزيرة العربية ، أو جاورها . وفي هذاالتشبيه يتجلى سطح الصحراء العربية المنبسط ، والخداع الوهمي للسراب ذلك الخداع ،الذي لا يُدركه إلاّ أبناءُ البيئةِ الصحراوية.
وأمّا تشبيهُها بالظلماتالكثيفة فيكون لمن لا يَعرف شيئًا عن البيئة الصحراويّة وأسرارِها ؛ لأنّه يترجم ـعلى عكس الأول ـ عن صورة ، لا علاقةَ لها بالوسط الجغرافي للقرآن الكريم ؛ بل لاعلاقةَ لها بالمستوى العقلي ، أو المعارف البحريّة في العصر الجاهلي ؛ وإنّما هي فيمجموعِها منتزعةٌ من بعض البلدان الشماليّة التي يغشاها الضباب الكثيف ، وتحيط بهامياهُ البحار والمحيطات من كل جانب.
هذا ما يشير إليه تشبيهُ الأعمال بالظلمات الكثيفة في أعماق البحار نتيجةً لتراكب الأمواج والسحاب وذلك يستلزم من القائل أنيكون على معرفةٍ علميّة بالظواهر الخاصّة بقاع البحار ، وهي معرفةٌ ، لم تُتَحْللبشريّة ، إلاّ بعد معرفةِ جغرافيّةِ المحيطات ، ودراسةُ البصريّات الطبيعيّة.
وغنيٌّ عن البيان أن نقول:إن العصر القرآني كان يجهل كليّةً تراكبَالأمواج ، وظاهرةَ امتصاصِ الضوءِ ، واختفائِهِ على عُمقٍ معيّن في الماء . وعلى ذلكفما كان لنا أنْ نَنسبَ هذا القولَ إلى عبقريَّةٍ صنعتْها الصحراءُ ، ولا إلى ذاتٍإنسانيّةٍ صاغتْها بيئةٌ قاريَّةٌ ؛ كالتي عاش فيها سيِّدُنا محمد {عليه الصلاةوالسلام } وهذا إعجازٌ جاء به القرآنُ الكريمُ إلى جانبِ إعجازاتِهالكثيرة (( كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌمِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ )) و بَحْرٍ لُّجِّيٍّ منسوب إلى اللُّجَّة ؛ وهو الذي لايكاد يُدرُكُ قعرُه . ولُجَّة البحر : تَرَدُّدُ أمواجِه . قال تعالى : (( قِيلَ لَهَاادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً )) . (24) والجمعُ : لجج تقولالعرب : إلتجَّ البحرُ أي: تلاطمت أمواجُه . و ((يَغْشَاهُ مَوْجٌ)) . أي : يسترهويغطّيه .
قال تعالى : (( وإذا غشيهم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )) . (25) أي : علاهم موجٌ كالجبال . ومثلُه قولُه تعالى : (( فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ )) . (26) والموجفي البحر ما يعلو من غوارب الماء . و (( مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ )) أي: من فوق ذلك الموج ، الذي يغشى البحر اللجيّ موجٌ آخر ، ومِن فوق هذا الموجِ الآخرِ سَحابٌ . والسَحابُ هو الغيم ، أكان فيه ماءٌ ، أو لم يكن . ولهذا يقال : سحابٌ جَهَامٌ أي : لا ماء فيه . ويقال عكسُه : سحاب ثِقال . قال تعالى : ((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)) . (27) أي : المحمَّل بالمطر.
وقد يُذكَّرُ لفظُه ، ويُرادُ به الظِلُّ والظُلمة ؛ كما في هذه الآية : (( مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ )) .
وقرأجمهورُ القُرّاءِ السبعةُ : سَحَابٌ ، بالرفع والتنوين ، و ظُلُمَاتٌ بالرفع علىمعنى: هي ظلماتٌ . وقَرأ ابنُ كثير في رواية قنبل: سَحَابٌ ، بالرفع والتنوين ، وظُلُمَاتٍ ، بالخفض على البدل من"ظُلُمَاتٍ ، الأولى .
وقرأ ابنُ مُحيْصنٍوالبَزّيُّ سَحَابُ ظُلُمَاتٍ ، بإضافة سحابٍ إلى ظلماتٍ . ووجهُ الإضافةِ أنَّ السحابَ يرتفعُ وقتَ هذه الظُلمات ، فأضيف إليها لهذه المُلابسة .
ويرى العلماءُ أنَّ أسبابَ وجودِ هذه الظُلُماتِ في البحارِ اللُّجيَّةِ ترجع في الحقيقةِ إلى سببين رئيسين :
أما السببُ الأوّلُ : فهو العُمقُ . فإنّ الجزءَ المّرئيَّ منأشعَّةِ الشمس ، الذي ينفذ إلى كُتَلِ الماء في البحار والمحيطات، يتعرَّضُلعملياتٍ كثيرةٍ من الانكسارِ , والتَحلُّلُ إلى الأطياف المختلفة ، والامتصاصُبوِساطَةِ كلٍّ من جُزيئاتِ الماءِ , وجزيئاتُ الأملاحِ المُذابةُ فيه , وبوساطةِالموادِ الصُلبةِ العالقة به , وبما يحيا فيه من مختلِف صورِ الأحياءِ , وبماتُفرزُه تلك الأحياء من موادّ عُضويّة ؛ ولذلك يَضعُفُ الضوءُ المارُّ في الماءِ بالتدريج مع العُمق . والطيفُ الأحمرُ هو أوَّلُ ما يُمتصُّ من أطيافِ الضوءِ الأبيض . ويتمُّ امتصاصُه بالكامِلِ على عُمْقٍ ، لا يَكادُ يتجاوز العشرين مترًافلو أنَّ غوّاصًا جُرِح ، وهو يغوص في ماء البحر فإنَّ الدَمَ ، الذي يخرُجُ منهيكون أسودًا؛ لأنَّ اللونَ الأحمرَ ينعدم تمامًا ، ويصبح هناك ظلمة اللون الأحمر .
ويليه الطيف البرتقالي الذي يتمُّ امتصاصُه على عُمْقِ ثلاثين مترًا . ثم يليه الطيفالأصفرُ ، الذي يتم امتصاصه ، ثم طيفُ اللون الأزرق ، ليتشتّت هذا الطيف من أطيافالضوء الأبيض في المئتي متر العليا من تلك الكتل المائية وبذلك فإن معظم موجاتالضوء المرئي تُمتصُّ على عمق مئةِ مترٍ تقريبًا من مستوي سطح الماء في البحاروالمحيطات , ويستمر1% منها إلى عمق مئة وخمسين مترًا , و 0,01% إلى عمق مئتيْ مترٍفي الماء الصافي الخالي من العوالق .
وعلى الرغم من السرعة الفائقة للضوء , فإنّهلا يستطيع أن يستمر في ماءِ البحار والمحيطات إلى عمقٍ يزيد على الألف متر , فبعدمئتي مترٍ من أسطح تلك الأوساط المائية يبدأ الإظلام شبه الكامل ؛ حيث لا ينفذ بعدهذا العمق سوى أقل من 0,01% من ضوء الشمس , ويظل هذا القدر الضئيل من الضوء المرئييتعرّض للانكسار والتشتت والامتصاص حتى يتلاشى تمامًا على عمق لا يكاد يصل إلى كيلومتر واحد تحت مستوى سطح البحر ؛ حيث لا يبقى من أشعة الشمس الساقطة على ذلكالسطح سوى جزءٍ واحدٍ من عشرة تريليون جزء . ثم تغرق أعماق تلك البحار والمحيطاتبعد ذلك في ظلامٍ دامس .