للشيخ أبي سعيد بلعيد بن أحمد الجزائري

- حفظه الله تعالى -


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.

" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلآ وأنتم مسلمون " [آل عمران:102] .
" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " [النساء:1] .
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما " [الاحزاب: 70-71]. أما بعد:

أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم في هذه الدنيا في دار ابتلاء وامتحان وأنكم في ميدان مجاهدة ومصابرة، وما زال الصراع بين الحق والباطل مستمرا، وأن الشيطان يحمل الباطل هو وجنوده من شياطين الجن والإنس، ويدعون إليه بأنواع من المكر والحِيَل والخداع، كما قال تعالى : {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 16 - 18] وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]. أما الحق فيحمله الرسل وأتباعهم من العلماء المصلحين يوضحونه للناس ويدعونهم إليه، ويكشفون لهم شُبَهَ المبطلين ويحذرون من تحرف المحرّفين.

عباد الله، إننا في هذه الأيام في نزول فتن عظيمة، فتن كقطع الليل المظلم، فتن تسري في الأمة كسريان النار في الهشيم، توشك أن تأكل الأخضر واليابس، وتهجم على العباد وتدمر البلاد، وقد حذرنا الله تعالى من الفتن لأنها إذا جاءت تخبّط الناس ولا ينجو منها إلاّ القليل، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] ، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ بالله منها، وبالابتعاد عنها، وبترك المشاركة فيها، و أمرنا بإشغال النفس بالأعمال الصالحة والمسارعة إلى أعمال الخير، فقال صلى الله عليه وسلم : « بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا ] رواه مسلم (118) ، وأحمد (7970)، والترمذي (2195).

أيها المسلمون/ لقد ظهرت الفتن وتنوعت، ظهر الطعن في الإسلام، والتشكيك في الدين،و إبعاد الناس عنه، ظهرت قلة الأمانة وكثرة المعاصي والخديعة، وتعوّد الناس تبرّج النساء واختلاطهن بالرجال، وظهرت فتنة المال التي قلّ من يَسلمُ منها، وقلّ من يبالي من أين يأخذ المال أَمِنَ الحلال أمْ من الحرام؟ كأنما خُلِقُوا للمال وللدنيا، فيكسبون المال بالغش والكذب والرشوة والربا وبيع المحرمات وسوء المعاملات. وانتشر بين الناس عقوق الوالدين، وعدم الإحسان إلى الأقارب والجيران، وعدم احترام الصغار للكبار، وتَسلّط الأشرار وضعف الأخيار.

عباد الله/ وإن من الفتن التي ظهرت وعمّت، وانتشرت وطمّت، قلة علماء الدين المخلصين الربانيين، أهل الخشية لله تعالى، وأهل الهداية، الذين هم قدوة في الخير والصلاح والزهد والورع، الذين يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وخُلَفَاءَه الراشدين رضي الله عنهم، و إن وُجِدَ من هؤلاء العلماء في بعض الأماكن، فهناك فتنة أخرى كبيرة وهي عدم احترامهم، وعدم رجوع الناس إليهم خاصة في أيام الفتنة والبلبلة، وتزهيد الناس فيهم، وتركهم إلى أناس جاهلين يفتون بغير علم فيَضِلُّون ويُضِلُّون، فتزيد الفتن اشتعالا، والنار استعاراً.

أيها المسلمون / اتقوا الله تعالى، واعبدوا ربكم و وحدوه، واحمدوا الله كثيراً واشكروه على نعمة الإسلام، الذي هو دين سليم وصراط مستقيم، حفظه الله من الشرك و البدع، ومن طرق الضلال والهلاك، وجعله الله دينا كاملا شاملا لكل ما يؤدي لمن تمسك به إلى الأمن والسعادة في الدنيا و الآخرة، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

عباد الله/ اعلموا - رحمكم الله تعالى- أنّ الله تعالى حفِظ دينه بعلماء الدين، والأئمة المرشدين المخلصين، الذين جعلهم الله أعلاماً يهتدى بهم، وأئمة يقتدى بهم، وأنوارا تتجلى بهم الظلمات، وخاصّة في أيام الفتن والأزمات، فهم يحفظون للأمة المحمدية دينها، ويصونون عزّتها وكرامتها، فالعلماء سياج واقٍ، ودرع باقٍ يمنع الأعداء من الهجوم على الدين، ويحمي الإسلام والمسلمين من كَيْدِ الكافرين و المنافقين، فالعلماء ورثة الأنبياء، في الأمة، وبتوجيهاتهم تخرج الأمة من الأزمات والفتنة، فهم أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق، فهم القادة حقاً، والزعماء المصلحون صدقاً، فاعرفوا لهم قدرهم – رحمكم الله تعالى – وتعلموا منهم، وسيروا بتوجيهاتهم ونصائحهم، وإياكم واحتقارهم والاستخفاف بهم، فمن استخف بهم ضيّع دينه، وخسِر مروءته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس منا من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرها، ويعرف لعالمنا حقه) رواه أحمد، والحاكم، وهو حديث حسن، كما في صحيح الجامع الصغير، للألباني (5443).
أيها المسلمون/ إن فضائل العلم والعلماء في الإسلام كثيرة ومناقبهم في الأمة عديدة، جاءت في آيات قرآنية كثيرة، وأحاديث نبوية ثابتة، وأقوال الصحابة وَمَنْ بَعْدَهُمْ مشهورة، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة ُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] وقال تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[المجادلة: 11] وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، و إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، و إن العالم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض، و الحيتان في جوف الماء، و إن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، و إن العلماء ورثة الأنبياء، و إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما، إنما وَرَّثُوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه أحمد والأربعة، وهو حديث صحيح، كما في صحيح الجامع الصغير للألباني (6297).
فالعالم بمنزلة القمر الذي يضيء في الآفاق كلها، ويمتد نوره في أقطار العالم، أما العابد فهو بمنزلة الكوكب لا يتجاوز نوره نفسه، أو ما يقرب من محيطه، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد».

عباد الله/ من هم العلماء؟ إنهم – اليوم – قليلون جداً، فليس كُلُّ العالم من كان فصيحاً أو خطيباً مُفَوَّهًا أو كاتبا مشهوراً أو واعظًا مؤثراً، لا، بل العالم هو من كان:1/ فقيها واسع الاطلاع في العلم الشرعي، مطلعاً على مجمل أحكام الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، عارفا بالناسخ والمنسوخ. 2/ مستمراً في العلم غير منقطع عنه. 3/ قد أمضى وقتا طويلاً فيه. 4/وجُربت عليه الرزانة وعدم الطيش. 5/وأنه راسخ كالجبال لا تزعزعه الفتن، ولا تغيره الأفكار والمحن. 6/وشهد له العلماء بذلك. 7/وأنه ينظر في العواقب. 8/ولا تتصرف فيه العواطف و الأهواء. 9/ولا يهلِك عند المتشابهات، بل يَرُدُّ المتشابهات إلى المُحْكَمَات. 10/مشهورًا بالنُّسُك والخشوع. 11/زاهدًا في الدنيا وحظوظها. 12/متواضعا. 13/صادقا في أقواله وأفعاله. 14/مشاورًا لأهل العلم والمعرفة.

أيها المسلمون/ إن من حقوق العلماء علينا توقيرهم واحترامهم، والتواضع لهم، والدعاء لهم بالخير والتوفيق والحفظ، والسير بتوجيهاتهم ونصائحهم وإرشاداتهم وخاصّة في أيام الفتن، كما أنه يجب على الأمة أن تحذر من القدح فيهم، فإن القدح فيهم مشكلة ألقاها الشيطان إلى الناس وكان للمستعمرين يد كبيرة في بثها بين صفوف المسلمين حتى يقطعوا الصلة بين المسلمين وعلمائهم، وقطعُها قطعٌ للدين، وإدخال لِلْغِوَاية بين المسلمين، وإنه مما يؤسف له أن يصدر القدح من بعض المنتسبين إلى الإسلام حيث وصفوا العلماء بأوصاف سيئة كعلماء السلاطين، وعلماء الصحون، وعلماء البلاط، وعلماء الأموال والدرهم والدينار، و علماء الحيض و النفاس، وعلماء جاهلون بالواقع، وعلماء بعيدون عن الميدان، والعلماء التقليديون وغير ذلك من الصفات السيّئة، وبذلك زهد المسلمون في علمائهم وصاروا يبحثون عن الحلول عند الصحفيين، والإخباريين و المحللين السياسيين، و الوعاظ والمرشدين، وعند بعض المنتسبين للعلم الشرعي، لكنهم يتبعون الشاذ من الأقوال!!

فاتقوا الله أيها المسلمون، واعرفوا من هم العلماء الربانيون، وخذوا منهم العلم والتوجيهات والنصح والإرشادات في كل المسائل: في الدين، في السياسة، في الاقتصاد، في العبادات والحيض والنفاس، و في كيفية تغيير الأوضاع، والوصول إلى الإصلاح، فإنهم يسيرون بهدي الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، لا بالشعارات والمظاهرات والمسيرات، وإحداث البلبلة والفتنة و إشاعة الخوف والارتباكات، وخذوا العلم أيضًا من طلاب العلم النابهين الذين يشرحون كلام العلماء الربّانيّين، لأنه يجب على طلاب العلم أن يكونوا متعاونين مع العلماء وليسوا مناوئين لهم، ولا مشاغِبين عليهم، فهم كالممرضين والصيادلة الذين يتعاونون مع الأطباء.

فاتقوا الله أيها المسلمون واحذروا الفتن ما ظهر منها و ما بطن، واعرفوا لِعُلَمَاءِ الإسلام منزلتهم، وارجعوا إليهم في التوجيه والنصيحة، وفي التعليم والفتاوى الصحيحة، ولا تستبدلوا بهم غيرهم من الجهال و المنحرفين ، نفعني الله و إياكم بالقرآن العظيم، وبسنة سيد المرسلين.
والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


كتبه أبو سعيد بلعيد بن أحمد الجزائري
17ربيع الأول 1432 هـ
20 فـــيفـــري 2011م