مصر تولد من جديد
بقلم/ أحمد زكريا
إن المتأمل في الحالة المصرية تاريخيا ًما كان يظن أبدا أن يثور الشعب بهذه الطريقة الرائعة الحضارية.. بل ويصابر على ثورته حتى تتحقق أهدافه المشروعة.
وهذا في حقيقة الأمر ميلاد جديد للشخصية المصرية.. وخروج لها عن مألوف السنين.. وانتصار للشباب الواعي الغير مسيس.. وفشل ذريع للقوى التقليدية التي احتكرت المشهد السياسي في مصر سنين طوال.
ومن أهم هذه الحقائق كما يقول الدكتور/ رياض نعسان أغا في جريدة الاتحاد:
" هي أن الثورة العارمة تظهر من تحت الرماد.. ولا تأتي من النخب.. وأن معظم النار يأتي من مستصغر الشرر.. ولم تكن أجهزة الاستخبارات العالمية تتوقع أن يوقد ثورة تونس بائع خضار.. وأن يفجر ثورة مصر شبان يكتبون على صفحات "الفيس بوك".. وأن تدعو بنت محجبة زملاءها إلى الاحتجاج فيرافقها مائة وخمسون شاباً أو أقل.. ثم فجأة يصير أضعافاً من شعب مصر".
وهذا لا يعني أن ما فعلته النخب لم يكن مفيداً.. فقد كانت التعبئة الفكرية هي الوقود الأول.. ولكن إشارة الانطلاق لم تأتِ من نخبة سياسية.. ولا من قيادات حزبية أخفقت على مدى عقود في أن يكون لها حضور حقيقي في عمق الشارع.
بل إن بعض الأحزاب التي تعلن أنها تمتلك إرادة الإصلاح أو التغيير.. تتشهّى كرسيّاً ولو من القش في جهاز الحكم.
وبعض هذه الأحزاب هياكل كرتونية لا فلسفة لها ولا فكر ولا عقيدة ولا قواعد لها عند الشعب.. وبعضها له تاريخ ولكن ليس له مستقبل.. فهو يقتات من تجارب بالية كشف الشارع خواءها.
ومن الحقائق التي أظهرتها الثورتان.. أن إسرائيل تستمد الدعم الحقيقي من بعض الأنظمة.
فمجرد الهتاف برحيل النظام ما أصاب الولايات المتحدة بالاضطراب والتخبط.. وكان طريفاً أن البيت الأبيض وجد فرصة لملاعبة إسرائيل بالتصريحات.
فليس سرّاً أن قادة كباراً في الولايات المتحدة يشعرون أنهم ضعفاء أمام قادة إسرائيل.. ويعرفون أن نتنياهو هو صاحب القرار في البيت الأبيض.
وقد تمكن من أن يحرج الرئيس الأميركي على رغم أن الأخير اختزل القضية الفلسطينية وكل وعوده بالسلام في المنطقة إلى مطلب صغير هو تجميد مؤقت للمستوطنات.
ومع ذلك لم تقبل به إسرائيل.. بل جعلته يتراجع مرغماً.. ولعله وجد فرصة لمداعبة نتنياهو حين لوح بقبول البيت الأبيض بسقوط النظام.
وبالطبع سارع قادة أميركا لتغيير تصريحاتهم بعد أن هرع الإسرائيليون يعلنون على الملأ أن بقاء النظام هو ضمان الأمن والمستقبل.
كما كشفت الثورتان أن كل الثقافات المهجنة التي اشتغل عليها المستغربون ومن وقعوا فريسة أوهام دعاة "الشرق الأوسط الجديد" .. ومن أعلنوا أن العولمة انتصرت وأن العروبة والإسلام خرجا من العصر الذي بات يهوديّاً صهيونيّاً قد سقطت كلها.
وبدا واضحاً أنها لم تؤثر شيئاً يذكر في الشارع العربي، وأن العروبة جذر أصيل في نفوس الشباب.. حتى وإن كانت شعارات الثورتين وطنية قُطرية.. إلا أن التفاعل العربي كشف عن جذورها العربية المتينة.
كما أن الإسلام بوصفه ثقافة الأمة كان حاضراً دون أن يكون مخيفاً كما أشاع أعداؤه.. فحتى التنظيمات الدينية التقليدية بدت أقل شأناً في مسار الفعل مما كان يروج له.
كما أبرزت ثورة مصر كذب الادعاءات حول خطر وضع الأقليات، وحول التوتر بين المسيحية والإسلام.
فقد تحول ميدان التحرير إلى ساحة وطنية كبرى تشهد تلاحم الشعب المصري دون النظر إلى ما فيه من عقائد وإثنيات عاشت قروناً في لحمة واحدة وثقافة راسخة.. تقوم في أساسها على التنوع والتعددية.. والمسيحية بشكل خاص ليست طارئة في الوطن العربي.. فهي أقدم من الإسلام فيه وهي جذر مؤسس في ثقافتنا الإسلامية.
والثورتان تبدآن عصراً جديداً في الأمة تنتهي فيه عقلية القمع والاستبداد.. وتستعيد فيه المواطنة حقوقها الشرعية.. وتبدو ثورة مصر ثورة كرامة.
فالذين قاموا بقيادة الثورة من الشباب ليسوا من الفقراء العاطلين عن العمل.. بل هم ينتمون إلى طبقات متوسطة وبعضها طبقات ميسورة.
والشاهد أن ثورتهم رسمت في الإنترنت.. ولكنهم وطنيون أحرار كانوا يشعرون بالذل يوم كان أولمرت يقصف غزة.. ويوم كانت إسرائيل تقصف جنوب لبنان.
إن هذه هي الحقيقة التي ستجعل العرب موضع احترام في العالم.. وستنهي غطرسة إسرائيل.. فثمة ولادة ناضجة ليست لمصر وحدها.. بل بإذن الله لشرق عربي جديد.