حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا أما أيقظكم ما رأيتموه من حوادث القضاء والقدر،أما أنذركم ما سمعتموه من أخبار من سوّف وأمّل ؟
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ،لأي شيء خُلقتم،{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا}[المؤمنون:115]
تأكلون وتشربون وتمرحون ، وتتمتعون بلذات الدنيا ،أم وضعتم في هذه الدار للبلوى والاختبار؟
هل تطيعون ربكم فتنتقلون إلى دار نعيم أبدي ،أو تعصون ربكم فتنتقلون إلى عذاب سرمدي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ،هل أديتم الأمانة التي تحملتموها ،وقد حذّرنا الله جل وعلا من الخيانة ،فقال تعالى :{يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}[الأنفال:27].
هل أديتم الأمانة التي بينكم وبين الله من الإيمان به ،والاستقامة على طاعته ،فالطاعات كلها من الأمانة ،فمن أداها فقد أدى الأمانة ،والمعاصي كلها من الخيانة ،فمن فعلها فقد خان الأمانة !
هل أديتم الأمانة التي بينكم وبين الناس،من ردّ الودائع إلى أهلها ،وإيفاء المكيال والميزان،ونصح الخلق،وترغيبهم في الخير،وتحذيرهم من الشر ،وعدم غشهم،وحفظ سرهم!
هل أديت الأمانة التي بينكم وبين أنفسكم؟!
بأن لا تختاروا إلا ما هو الأصلح والأنفع لكم في أمور دينكم ودنياكم،فتغتنمو ا أعماركم في اكتساب مرضاة الله بالقيام بالأعمال الصالحة، وتغتنموا شبابكم قبل هرمكم ، وصحتكم قبل سقمكم ، وغناكم قبل فقركم،وفراغكم قبل شغلكم،وحياتكم قبل موتكم!
حاسبوا أنفسكم في الرخاء قبل حساب الشدة
فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة،ومن ألهته حياته وشغلته أهواءه عاد أمره إلى الندامة والخسارة .
إن المؤمن والله لا تراه إلا قائمًا على نفسه ،ما أدرت بكلمة كذا ،ما أردت بأكلة كذا؟
ما أردت بمدخل كذا ومخرج كذا؟ ما أردت بهذا ،مالي ولهذا ،والله لا أعود إلى هذا،ونحو هذا من الكلام .
فالعبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته .
ورحم الله عبدًا وقف عند همه ،فإن كان لله مضى ،وإن كان لغيره تأخر.
فإنَّ أيسر الناس حسابًا يوم القيامة الّذين حاسبوا أنفسهم لله في هذه الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم ،فإن كان الذي هموا به لله مضوا فيه ،وإن كان عليهم أمسكوا ،وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الّذين جازفوا الأمور فأخذوها من غير محاسبة فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر ،قال تعالى :{و وضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدا }[الكهف:59].
فحتم على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها ،فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها ،يمكن أن يُشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد،فانقباض هذه الأنفاس .ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل ،لا تسمح به نفس عاقل.
فحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
منقول