لِمَاذَا نَدْعُو إِلَى (السَّلَفِيَّة )؟
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: لِمَاذَا نَدْعُو إِلَى (السَّلَفِيَّة )؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    208

    افتراضي لِمَاذَا نَدْعُو إِلَى (السَّلَفِيَّة )؟

    [الحلقة الأولى]
    لِمَاذَا نَدْعُو إِلَى (السَّلَفِيَّة )؟

    بقلم: فضيلة الشيخ علي بن حسن الحلبي الأثري

    لَعَلِّي لا أُبَالِغُ إِذَا زَعَمْتُ –بِوُضُوحٍ وَصَراحَةٍ- أَنَّهُ: لَمْ يُظْلَم مُصْطَلَحٌ مَا- فِي هَذَا العَصْرِ- بِقَدْرِ مَا كَادَ يُظْلَمُ بِهِ مُصْطَلَحُ (السَّلَفِيَّة ) -مِن أَبْنائِهِ، وَمِن أَعْدائِهِ-:
    - مِن أَبْنائِهِ؛ لِعَدَمِ قِيامِهِم بَواجِبِهِ، وَتَقْدِيرِهِم لِصَوابِهِ...
    - وَمِن أَعْدائِهِ؛ لِخَلْطِهِم أَوْرَاقَه، وَلِجَهْلِهِم أُصُولَهُ وَآفاقَه...
    وَلَقَدْ غَرَّبَ كَثِيرٌ مِنَ الكُتَّابِ، وَالسَّاسَةِ، وَالمُتَكَلِّمِ ين –وَشَرَّقُوا-وَشَرِقُوا!- عِنْدَ كَلاَمِهِم عَلَى (السَّلَفِيَّة ) ، وَطَرْقِهم لِبَابِهَا ؛ وَخَوْضِهِمْ لُبَابَها!!
    وَأَكْثَرُ ذَلِكَ –مِنْهُم- بِسَبَبِ عَدَمِ ضَبْطِهِم هَذَا المُصْطَلَحَ –بِمَبْنَاه- ، فَضْلاً عَنْ بُعْدِهِم عَن إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ مَعْنَاه وَمَرْمَاهُ...
    وَسَأَضْرِبُ المَثَلَ عَلَى ذَلِكَ بِثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ المُتَناوِشِينَ هَذَا المُصْطَلَحَ بِغَيْرِ حَقّ:
    الأَوَّلُ: مَنْ نَزَعَ بِالسَّلَفِيَّة ِ إِلَى مَنَاهِجَ تُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ، وَكُبَراؤُهَا -فَضْلاً عَنْ دَلاَئِلِهِم، وَحُجَجِهِم!!- كَحَالِ بَعْضِ جَماعَاتِ العُنْفِ المُسَلَّحِ فِي الجَزَائِرِ –وَغَيْرِهَا-!
    وَأَكَادُ أَجْزِمُ أَنَّ سَبَبَ انْتِسَابِ هَؤُلاء القَوْمِ لِلسَّلَفِيَّةِ –بِالزُّورِ- إِنَّما جَاءَ –فَقَط- لِيُمَيِّزُوا أَنْفُسَهُم عَنِ الجَمَاعَاتِ الحِزْبِيَّةِ الأُخْرَى –القَدِيمَةِ- كَجَماعَةِ الإِخْوَانِ المُسْلِمِين، وَحِزْبِ التَّحْرِير –وَغَيْرِهِمَا- .
    وَمِنْ دَلاَئِلِ ذَلِكَ : أَنَّ العَدِيدَ مِنْهُم غَيَّرَ نِسْبَتَهُ ، وَخَلَعَ جِلْدَتَهُ – عِنْدَ أَوَّلِ فُرْصَةٍ - !!
    وَشَيْءٌ آخَرُ: هُوَ أَنَّ السّلَفِيَّةَ لَيْسَتْ حِزْباً ذَا هَيْكَلِيَّةٍ مُقَنَّنَةٍ يَعْسُرُ اخْتِرَاقُهُ، أَوْ يَصْعُبُ وُلُوجُ أَبْوَابِهِ؛ بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ عِلْمِيٌّ دَعْوِيٌّ ؛ يَسْتَطِيعُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحابِهِ؛ فَضْلاً عَن أَنْ يَدُسَّ نَفْسَهُ فِي تُرابِهِ، أَوْ يَتَتَرَّسَ خَلْفَ بَابِهِ!!
    وَلاَ يَكْشِفُ هَذَا المُنْدَسَّ -عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهِ- إِلاَّ مِقْدَارُ مُوافَقَتِهِ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي أُصُولِ الفَهْمِ وَالاِسْتِدْلاَ لِ، وَاحْتِرَامِ أَهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّي ن الَّذِي هُم حَمَلَةُ هَذا المَنْهَجِ وَحُمَاتُهُ –عَبْرَ الزَّمَانِ وَالمَكَان- احْتِرامَ تَقْدِيرٍ، لا تَقْدِيسٍ- ؛ وَأَمَّا بَاطِنُهُ: فَنُحِيلُهُ إِلَى رَبِّ العَالَمِين؛ فَهُوَ –سُبْحَانَهُ- أَعْلَمُ بِنَا وَبِهِ..
    الثَّانِي: مَنْ جَعَلَ السَّلَفِيَّةَ مَعْنىً مُرادِفاً لِلرَّجْعِيَّة؛ وَذَلِكَ بِحَبْسِهِ السَّلَفِيَّةَ فِي سِجْنِ الزَّمَان! ثُمَّ تَرْتِيبِهِ عَلَى ذَلِكَ نَفْيَ الانْتِفَاعِ بِهَا، وَعَدَمِ الاسْتِفَادَةِ مِنْهَا؛ لاعْتِبارِهِ إِيَّاهَا لَيْسَت مَنْهَجاً إِسْلامِيًّا فاعِلاً، وَإِنَّمَا هِيَ –عِنْدَ هَذا المُدَّعِي- مَرْحَلَةٌ زَمَانِيَّةٌ مَضَتْ وَانْقَضَتْ!!!
    وَهَذَا –هَكَذا- تَصَرُّفٌ لُغَوِيٌّ جَامِدٌ ؛ خَرَجَ بِمُصْطَلَحِ (السَّلَفِيَّة ) -العِلْمِيِّ المَنْهَجِيِّ- عَنْ رُوحِهِ وَمَضْمُونِهِ، وَعَن مُرَادِ دُعاتِهِ وَأَرْبَابِهِ؛ وَالَّذِينَ هُم –فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ- أَدْرَى بِهِ، وَأَعْرَفُ بِحَقِيقَتِهِ.
    فَهُوَ إِذَن-وَالحالَةُ هَذِهِ- إِخْرَاجٌ لِلمُصْطَلَحِ الأَسَاسِ عَنِ المَقْصُودِ بِهِ، وَإِبْعَادٌ لِمَبْنَاه عَنْ حَقِيقَةِ فَهْمِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعْناه.
    الثَّالِث: مَنْ جَعَلَ السَّلَفِيَّةَ مَعْنىً فَضْفاضاً وَاسِعًا ؛ حَشَرَ تَحْتَهُ كُلَّ مَنْ يَدْعُو إِلى الإِسْلاَمِ عَنْ طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى تُراثِ الإِسْلاَم، وَمَاضِي أَهْلِ الإِسْلاَم!
    فَأَدْخَلَ تَحْتَ عُنْوانِ (السَّلَفِيَّةِ ) كَمًّا كَثِيرًا مِن أَهْلِ الأَفْكَار ؛ حَتَّى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْفُضُونَ قَبُولَ مَنْهَجِ السَّلَفِيَّة ، وَيَنْأَوْنَ بِأَنْفُسِهِم عَن نِسْبَتِهَا واسْمِهَا !! لا لِشَيْءٍ كَان إِدْخَالُهُم وَزَجُّهُم، إِلاَّ لاِشْتِراكِهِم –جَمِيعاً!- فِي (عُمُومِ ) مَطْلَبِ العَوْدَةِ إِلَى الإِسْلاَمِ بِالرُّجُوعِ إِلى تُراثِهِ وَمَاضِيهِ - ؛ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حَقِيقَةِ مَنَاهِجِهِم فِي تَفْعِيلِ ذَلِك، وَاخْتِلافِهِم أَوْ اتِّفَاقِهِم فِي صَوَابِ تَطْبِيقِ مَا هُنَالِك!
    وَهَذا المَعْنَى الثَّالِثُ –الأَخِيرُ- مَعَ لَمَحاتٍ مُسْتَقاةٍ مِنَ المَعْنى الثَّانِي –السَّابِقِ لَهُ- هُوَ المَعْنَى الَّذِي نَذَرَ بَعْضُ الكَتَبَةِ (العَصْرِيِّين! ) أَنْفُسَهُم لِمُحارِبَتِهِ، (وَمُقَاوَمَتِه ! )، وَتَشْوِيهِهِ، وَلَوْ عَلَى طَرِيقَةِ (دُون كِيشُوت ) فِي مُحارَبَتِهِ طَواحِينَ الهَوَاء!!
    فَلاَ تَكَادُ تَرَى مَقَالاً يُسَوِّدُهُ ذاكَ الَّذِي يُنافِحُ عَنْ هَذِهِ الفِكْرَةِ –وَيُكَافِحُ دُونها- إِلاَّ وَهُوَ يَجْمَعُ هِمَّتَهُ وَهَمَّهُ فِي التَّشْكِيكِ بِالدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّة، والتَّشْنِيع عَلَى عُلَمَاءِ (السَّلَفِيَّة )؛ حَتَّى لَوْ كَانَ مَقَالُهُ اجْتِماعِيًّا، أَوِ اقْتِصادِيًّا.. أَو رِياضِيًّا! أَو فَنِّيًّا!!
    وَالعَجِيبُ أَنَّ مَنْ يُسَوِّدُ هَذِهِ التِّسْوِيدَاتِ تَراهُ يُسَوِّدُهَا بِصُورَةٍ اسْتِفْزَازِيَّ ةٍ انْفِعالِيَّةٍ غَيْظِيَّة (!) خالِيَةٍ مِن الاسْتِدلاَلاَت ِ العِلْمِيَّة، أَو الاسْتِشْهَادَا تِ التَّارِيخِيَّة !!
    وَالأَعْجَبُ مِنْ ذَاكَ وَذَيَّاكَ : أَنَّ هَؤُلاءِ الكَتَبَةَ المُخَالِفِين –فِيما يَكْتُبُونَ وَيُسَوِّدُونَ- إِنَّمَا يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُم فِي جُحْرِ الضَّبِّ؛ مِنْ خِلالِ خَوْضِهِمْ دَعَاوَى عَرِيضَةً هُم دُونَهَا -بِيَقِين-؛ فَتَراهُم لاَ يُحْسِنُونَ وُلُوجَ أَبْوابِهَا، فَضْلاً عَنِ الخُرُوجِ مِنْهَا!
    فَأَعْظَمُ ذَلِكَ –وَأَجَلُّهُ-: دَعْوَاهُم العَرِيضَةُ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ هُوَ مَرْجِعُ المُسْلِمِين (الوَحِيد ) فِي دِينِهِم!!
    فَيَبرُزُ – هَا هُنَا – قَبْلَ الرِّدِّ وَالنَّقْضِ- تَسَاؤُلٌ كَبِيرٌ :
    هَلْ أَصْحَابُ هَذَا الزَّعْمِ –بِهَذَا الكَلاَمِ- لاَ يُحْسِنُونَ التَّعْبِيرَ عَمَّا فِي مَكْنُونَاتِ نُفُوسِهِم؛ فَخَرَجُوا –بِسَبَبِ ذَا- بِهَذا الزَّعْمِ البَاطِلِ المُنْكَر؟!
    أَمْ أَنَّهُم يَعْنُونَ مَا يَقُولُونَ، وَيَعْرِفُونَ مَا يَكْتُبُون؛ قَاصِدِينَ إِنْكَارَ السُّنَّة النَّبَوِيَّة، وَعَامِدِينَ رَدَّ الأَحَادِيث المُحَمَّدِيَّة ؟!
    فَإِنْ كَانَ : فَلْيُصَرِّحُوا بِذَلِكَ ؛ حَتَّى يُعْرَف مَا عِنْدَهُم ، وَيَنْكَشِفَ مَخْبُوءُ كَلامِهِم، وَمَا وَراءَهُ مِن قَصْدِهِم وَمَرامِهِم !!
    وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا: فَهُمْ –إِذَنْ- دُونَ أَهْلِيَّةِ الكِتَابَةِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ القَضَايَا الدَّقِيقَة –بَلْ مَا دُونَها-!
    وَنَحْنُ لاَ نُنْكِرُ –ابْتِداءً- أَنَّهُ نُسِبَ إِلَى رَسُولِنا مُحَمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- عَبْرَ التَّارِيخِ- عَدَدٌ –قَلَّ أَو كَثُرَ- مِمَّا لَمْ يَصِحَّ مِن الأَحَادِيث وَالرِّوَايَات وَالأَخْبَار؛ لَكِنَّ أَهْلَ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّي ن الثِّقَات قَدْ كَشَفُوا ذَلِكَ –كُلَّهُ- وَبَيَّنُوه، وَنَقَدُوهُ، وَزَيَّفُوه...
    وَلَكِنْ –بِالمُقابِل-؛ فَالصَّحِيحُ الثَّابِتُ مِمَّا رَواهُ الإِمَامانِ الجَلِيلانِ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ –رَحِمَهُما الله- فَضْلاً عَنْ بَاقِي أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ الأَثْباتِ-كَثِيرٌ طَيِّبٌ مُبَارَكٌ – بِحَمْدِ اللهِ -.
    فَلاَ يَجُوزُ –أَلْبَتَّةَ- أَنْ يَسْتَغِلَّ أَحَدٌ –مَا- وُجُودَ بَعْضِ مَا لاَ يَصِحُّ مِنَ الرِّوَايَاتِ لِلتَّشْكِيكِ بِالثَّابِتِ الصَّحِيحِ مِنْهَا –وَهُوَ الأَصْلُ-؛ {تِلْكَ إِذَاً قِسْمَةٌ ضِيزَى}!!
    وَالأَبْحَاثُ العِلْمِيَّةُ، وَالمُصَنَّفَات ُ الشَّرْعِيَّةُ - فِي الرَّدِّ عَلَى تُرَّهَاتِ وَشُبُهَاتِ أَدْعِياءِ فَرْدَانِيَّةِ القُرْآنِ فِي الإِسْلاَمِ –دُونَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ- كَبِيرَةٌ، وَكَثِيرَةٌ جِدًّا...
    وَمِمَّا يَذْكُرُهُ أُولَئِكَ الكَاتِبُونَ –لِتَثْبِيتِ دَعَاوِيهِم المُخْتَلِفَةِ غَيْرِ المُؤْتَلِفَةِ- أَنَّ (مُقَاوَمَتَهم! ) لِلسَّلَفِيَّة إِنَّما وُجِدَتْ لِمُقَاوَمَةِ انْقِسَامِ الأُمَّةِ!! مُعَلِّلِينَ ذَلِكَ (!) –مَثَلاً- بِأَنَّ أَصْلَ نُشُوءِ الخِلاَفِ السُّنِّيِّ الشِّيعِيِّ
    –كَانَ- بِسَبَبِ اعْتِمَادِ مَرْجِعِيَّاتٍ غَيْرِ قُرْآنِيَّةٍ فِي فَهْمِ الدِّين!! وَأَنَّ هَذِهِ المَرْجِعِيَّات ِ –بِالنَّتِيجَة - لَيْسَتْ مَحْفُوظَةً مِنَ الله –تَعَالَى-!!
    وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذا زَعْمٌ بَاطِلٌ، وَدَعْوَى عَرِيَضَةٌ..
    فَلَيْسَت كُلُّ المَرْجِعِيَّات ِ المُشَارِ إِلَيْهَا ذَاتَ مَكَانَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ-؛ لاَ فِي الاعْتِبَارِ، ولاَ فِي الآثَار-:
    فَمَرْجِعِيَّةُ السُّنَّةِ مَعَ القُرْآنِ الكَرِيمِ مَرْجِعِيَّةٌ أَساسٌ، نَصَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ –نَفْسُهُ-؛ لِيَكُونَ لَهَا اعْتِبارُهَا، وَلِيَجْعَلَ القِيمَةَ الكُبْرَى لَهَا.
    وَنُصُوصُ القُرْآنِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ لَعَلَّ مِن أَصْرَحِهَا وَأَوْضَحِهَا قَوْلَ الله –تَعَالَى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم}..
    وَأَخْشَى (!) أَنْ يَذْهَبَ الجَهْلُ بِالمُعْتَرِضِ –دِفاعاً عَنْ فِكْرَتِهِ البَاطِلَةِ، وَتَثْبيتاً لِأَقْدَامِهِ المُزَلْزَلَة!- لِيُوصِلَهُ إِلى ادِّعاءِ أَنَّ هُنَاك قُرْآنَيْنِ!! اتِّكاءً عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن (إِنْزَالٍ ) وَ (تَنْزِيلٍ )!!
    وَلاَ يَبْعُدُ هَذا الهُراء عَنْ هَؤُلاءِ الأَدْعِياء. ..
    وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ -المُتَوَفَّى سَنَةَ (516هـ ) - فِي تَفْسِيرِهِ «مَعَالِم التَّنْزِيل»:
    «أَرَادَ بِالذِّكْرِ: الوَحْيَ؛ وَكَانَ النَّبِيُّ –صلى الله عليه وسلم- مُبَيِّناً لِلْوَحْيِ، وَبَيانُ الكِتَابِ يُطْلَبُ مِنَ السُّنَّةِ».
    وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا المَعْنَى: مَا رَوَاهُ الإِمَامُ الدَّارِمِيُّ فِي «سُنَنِهِ» عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّة ، أَنَّهُ قَال: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النِّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالقُرْآن».
    وَعَلَيْهِ؛ فَانْقِسَامُ الأُمَّةِ لَمْ يَكُنْ يَوْماً –وَلَنْ يَكُونَ!– بِسَبَبِ السُّنَّةِ، أَوِ الصَّحَابَةِ، أَوْ فَهْمِ أَهْلِ القُرُونِ الخَيِّرَةِ المُبارَكَةِ؛ وَإِنَّمَا كَانَ – حَقِيقَةً وَنَتِيجَةً – بِسَبَبِ تَنَكُّبِ المُخَالِفِينَ لِهَذا المَنْهَجِ الأَمِين
    –بِيَقِين-.
    وَلَوْ تَأَمَّلْنَا تَارِيخَ الإِسْلامِ الأَنْوَرَ، بَلْ تَوارِيخَ الأُمَمِ- جَمِيعاً-: لَمَا وَجَدْنا جِيلاً مُبارَكاً، مُوَحَّداً
    –مُوَحِّداً-، مُؤْتَلِفاً، صَادِقاً، فَرِيداً: كَجِيلِ الصَّحابَةِ الكِرَامِ وَمَنْ بَعْدَهُم ؛ مِمَّن قَالَ فِيهِم النَّبِيُّ –صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَاهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِم-: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم..».
    وَمِنْ بَدائِهِ المَفاهِيمِ أَنْ يُقَال: إِنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ لَيْسَتْ خَيْرِيَّةَ مَكانٍ مَحْضٍ ، أَوْ زَمانٍ مُجَرَّدٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ خَيْرِيَّةُ فَهْم، وَتَصَوُّر، وَاتِّبَاع، وَتَصْدِيق، وَإِذْعَان...
    فَالاِدِّعاءُ بِعَكْسِ هَذَا البَيان –فِي كَشْفِ أَسْبَابِ الانْقِسَام-: انْقِلابٌ فِي التَّصَوُّر، وَتَزْوِيرٌ لِلتَّارِيخ...
    ثُمَّ؛ مَرْجِعِيَّةُ فَهْمِ الصَّحابَةِ لِلدِّينِ: مَرْجِعِيَّةٌ أَساسٌ ......

    [يتبع بمشيئة الله الحلقة الثانية]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    208

    افتراضي رد: لِمَاذَا نَدْعُو إِلَى (السَّلَفِيَّة )؟

    [الحلقة الثانية]


    ثُمَّ؛ مَرْجِعِيَّةُ فَهْمِ الصَّحابَةِ لِلدِّينِ: مَرْجِعِيَّةٌ أَساسٌ –أَيْضاً-، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ –تَعَالَى-: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}:
    وَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الهَرَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «ذَمِّ الكَلاَم» (759 ) عَن الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ ابْنِ عَبَّاس -فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ-أَنَّهُ قَال -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «يُخَاطِبُ بِهِ الصَّحَابَةَ».
    فَجَعَلَ اللهُ –تَعَالَى- الإِيمَانَ الحَقَّ- هُوَ الإِيمَانَ المُمَاثِلَ لإِيمَانِ الصَّحابَةِ، وَالَّذِي هُوَ سَبِيلُ الهِدايَة وَالتَّوْفِيق –لاَ غَيْرَ-.
    وَهَذا يَتَضَمَّنُ –بَداهَةً- اعْتِبارَ فَهْمِهِم، وَجَعْلَ القِيمَةِ الكُبْرَى لَهُ وَلَهُم؛ فَهُم الَّذِينَ شَهِدُوا الوَحْيَ، وَعايَشُوا التَّنْزِيل، وَلَم تَلْتَوِ لُغَةُ القُرْآن عَلَى عُقُولِهِم، وَلَمْ تُصِبْهُم عُجْمَةُ البَيَانِ وَاللِّسَان، وَلاَ عُجْمَةُ القَلْبِ وَالجَنَان !
    وَهَذَا المَعْنَى -نَفْسُهُ- ذَكَرَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ فِي قَوْلِ اللهِ –تَعَالَى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}.
    فَأَيُّ سَبِيلٍ لِلمُؤْمِنينَ –هَذَا- المَعْطُوفُ عَلى اتِّباعِ طَرِيقِ الرَّسُولِ –صلى الله عليه وسلم- ، المُتَضَمِّنُ اتِّباعَ كِتَابِ اللهِ –لُزوماً-؛ كَمَا قَالَ –سُبْحَانَهُ-: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} – إِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقَةَ الصَّحَابَةِ الأَكْرَمِين فِي الفَهْمِ الصَّادِقِ المُبِين، وَالتَّصَوُّر الحَقِّ الأَمِين ؟!
    وَمَا أَجْمَلَ مَا قَالَهُ العَلاَّمَةُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ –المُتَوَفَّى سَنَة (699 هـ ) –رَحِمَهُ الله- فِي مُفْتَتَحِ كِتَابِهِ «بَهْجَة النُّفُوسِ شَرْح مُخْتَصَر صَحِيحِ البُخَارِيّ»:
    «وَقَدْ قَالَ العُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ –تَعَالَى-: { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى }. : إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالصَّدْرُ الأَوَّلُ ؛ لِأنَّهُم هُم الَّذِينَ تَلَقَّوْا مُواجَهَةَ الخِطَابِ بِذَواتِهِم السَّنِيَّةِ ، وَشَفَوْا بِحُسْنِ السُّؤالِ عَمَّا وَقَعَ فِي النُّفُوسِ مِنْ بَعْضِ الإِشْكَالِ ، فَجَاوَبَهُم –عَلَيْهِ السَّلاَم- بِأَحْسَنِ جَوابٍ ، وَبَيَّنَ لَهُم بِأَتمِّ تِبْيَانٍ ؛ فَسَمِعُوا وَفَهِمُوا وَعَمِلُوا وأَحْسَنُوا وَحَفِظوا وَضَبَطُوا وَنَقَلُوا وَصَدَقُوا.
    فَلَهُم الفَضْلُ العَظِيمُ عَلَيْنَا ؛ إِذْ بِهِم وُصِلَ حَبْلُنَا بِحَبْلِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- ، وَبِحَبْلِ مَوْلانا - جَلَّ جَلالُهُ-؛ فَلَهُم اليَدُ العُلْيَا - حَقًّا وَسَبْقاً -؛ فَجَزاهُمُ اللهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى مُحْسِناً قَد أَحْسَن .
    وَكَيْفَ تُغْفَلُ أَلْفاظُهُم وَمَا قُلْنَا العُشْرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْنَا ؟!
    وَإِنْ مُلْحِدٌ تَعَرَّضَ إِلَيْهِم ، وَكَفَرَ نِعْمَةً قَدْ أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْهِم : فَجَهْلٌ مِنْهُ وَحِرْمَانٌ وَسُوءُ فَهْمٍ وَقِلَّةُ إِيمَانٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَلْحَقُهُم تَنْقِيصٌ لَمَا بَقِيَ فِي الدِّينِ سَاقٌ قَائِمَةٌ ؛ لِأَنَّهُم هُم النَّقَلَةُ إِلَيْنَا».
    ... وَإِذ الأَمْرُ كَذَلِك ؛ فاعْتِبَارُ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ هُوَ المَصْدَرُ (الوَحِيدُ ) لِلإِسْلاَم: طَعْنٌ فِي ثُبُوتِ السُّنَّةِ، وَتَشْكِيكٌ فِي القُرْآنِ –نَفْسِهِ- ثُمَّ؛ إهْمَالُ (سَبِيلِ المُؤْمِنين ) فِي فَهْمِ الدِّين –بَعْدُ- طَعْنٌ فِي سَبِيلِ فَهْمِ القُرْآنِ وَالسُّنَّة - مَعًا- ...
    وَهَذَا –جُمْلَةً- هَدْمٌ لِلدِّين، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ وَمُدَّعِيهِ مِنَ الجاهِلِين، أَوْ عَن سُوءِ صَنِيعِهِ مِنَ الغافِلِين!!!
    ثُمَّ؛ مَتَى كَانَ هَذَا ( الآخِرُ ) -الَّذِي لاَ يُحْسِنُ سَبْكَ الكَلاَمِ، وَتَجْمِيعَ الحُرُوفِ؛ بَلْهَ فَهْمَ الأُصُولِ، وَلاَ يُتْقِنُ إِدْرَاكَ مَعَانِي اللُّغَةَ، وَلاَ يَعْرِفُ دَقَائِقَ عُلُومِ الآلَةِ-: حَكَماً عَلَى ذَاكَ ( الأَوَّلِ ) الَّذِي لاَ يُقَارَنُ بِهِ هَذا –قَدْراً وَعِلْماً-؟! فَضْلاً عَنْ أَن يُشَكِّكَ هَذا الآخِرُ بِذَاكَ الأَوَّلِ –خَبْطَ عَشْواءَ- تَلاَعُباً لَفْظِيًّا، وَزَخْرَفَةً بَيَانِيَّةً –وَيَا لَيْتَها مَهْضُومَة سَائِغَة-؟!!
    وَمِن هَذا التَّلاَعُبِ (المَكْشُوفِ ): قَوْلُ مَن قَال –مُنْتَقِياً (! ) أَلْفاظاً مُنَفِّرَةً!-: «الأُمَّةُ لاَ تَتَقَدَّمُ إِذَا كَانَت مَاضَوِيَّةَ الفِكْرِ، رَجْعِيَّةَ التَّفْكِير»!!
    فَهَذَا كَلاَمٌ لَهَ خَبْءٌ؛ ظَاهِرُهُ فيهِ الرَّحْمَةُ، وَبَاطِنُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَاب!! وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى ذَاكَ التَّلاَعُبِ اللَّفْظِيِّ –سَواءً بِسَوَاء-؛ فَيُقَال:
    إنْ كَانَت هَذِهِ (المَاضَوِيَّةُ )، وَتِلْكَ (الرَّجْعِيَّةُ ) مَوْصُولَةً بِالدُّنْيا، وَالتَّطَوُّرِ، وَالتَّحْدِيث –فِيمَا لاَ يُصَادِمُ الدِّين- فَالقَوْلُ مَا قَالَ ذَاكَ القَائِلُ – بِجُمْلَتِهِ-!
    وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ (المَاضَوِيَّةُ ) –المُدَّعاةُ- ، وَتِلْكَ (الرَّجْعِيَّةُ ) –المَزْعُومَةُ- مَوْصُولَةً بِالدِّينِ، وَفَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيم، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ الأَمِين –صلى الله عليه وسلم- ؛ فَنَقُولُ –بِكُلِّ وُضُوح وَيَقِين-:
    لاَ تَقَدُّمَ لِلأُمَّةِ، وَلاَ سَبِيلَ لِنَهْضَتِهَا، وَلاَ بَابَ لِمجْدِهَا، وَلاَ رُجُوعَ لِسِيادَتِهَا: إِلاَّ بِالعَوْدَةِ إِلى (سَبِيلِ المُؤْمِنين ) –الأَوَّلِين- فِي فَهْمِ الدِّين؛ فَهُمُ الأَوْعَى قُلُوباً، وَالأَنْقَى نُفُوساً، وَالأَصْدَقُ قِيلاً، وَالأَقْرَبُ صَوَاباً، وَالأَكْثَرُ سَداداً...
    بَلْ أَقُولُ: إِنَّ (تَجْرِبَةَ ) طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِم، وَسُلُوكَ سَبِيلٍ غَيْرِ سَبِيلِهِم –بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ القُرُونِ، وَكُلِّ تِلْكُم التَّجَارِب!- مَعَ ضَمَانِ نَجَاحِ تَجْرِبَتِهِم، وَتَأَكُّدِ فَشَلِ تَجَارِبِ غَيْرِهِم!!- وَالتَّارِيخُ يَشْهَدُ- لَهُوَ دُخُولٌ فِي بَابِ قَوْلِ اللهِ –تَعَالَى-: {أَتَسْتَبْدِلُ نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} ؟!!
    {مَا لَكُم كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟!!
    نَعَم؛ لاَ يُمْكِنُ أَنْ نَكُونَ كَمِثْلِهِم، وَلاَ (نَتَصَوَّرُ ) أَنْ يُصْبِحَ حَالُنا كَحَالِهِم؛ فَـ «مَا مِن عَامٍ إِلاَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ؛ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُم» -كَمَا وَرَدَ عَن نَبِيِّنَا –صلى الله عليه وسلم- فِي «صَحِيحِ البُخارِي»-، لَكِنَّنا نَبْتَغِي النَّمُوذَجَ الأَقْرَبَ إِلَيْهِم فِي أَصَالَةِ الفَهْمِ وَالتَّفْكِير، دُونَ ضَحَالَةِ النَّظَرِ وَالتَّنْظِير –الَّتِي ابْتُلِينَا بِهَا مِمَّن لا يَدْرِي، وَلاَ يَدْرِي أَنَّهُ لاَ يَدْرِي-!!
    وَأَصَالَةُ تَفْكِيرِهِم –رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- لاَ تَمْنَعُنَا –أَبَداً- مِنَ الانْتِفَاعِ بِمُسْتَجَدَّات ِ العَصْرِ وَمُخْرَجَاتِهِ ؛ بَلْ هِيَ حاثَّةٌ عَلَيْهِ، ضَابِطَةٌ لَهُ، مُحْكِمَةٌ أَصُولَهُ وَفُرُوعَه..
    فَالإِشْكَالِيّ َةُ (الدُّون كِيشُوتِيَّة!! ) الَّتِي أَوْقَعَت ذاكَ البَعْضَ (! ) بِتَوَهُّمِ التَّنَاقُضِ المَزْعُومِ بَيْنَ (مَاضَوِيَّةِ ) التَّفْكِيرِ، وَ(عَصْرَانِيَّ ِ ) الانْفِتَاح: إِنَّمَا هِيَ إِشْكَالِيَّةٌ ذِهْنِيَّةٌ شَخْصِيَّة، نَتَجَتْ مِنْ قُصُورٍ فِي المَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّرِ، وَعَدَمِ إِدْرَاكٍ لِلحَقَائِقِ كَمَا هِيَ...
    فَهِيَ –هَكَذا- دَخِيلَةٌ، وَلاَ تَمُتُّ لِلعُلُومِ الشَّرْعِيَّة -أَوِ المَعَارِفِ العَقْلِيَّةِ- بِأَدْنَى صِلَة...
    وَمِنَ الكَلاَمِ (الحَلَزُونِيِّ ) –المُلْقَى عَلَى عَوَاهِنِهِ-فِيمَا نَحْنُ فِيهِ!-: قَوْلُ مَنْ قَال: «نُؤْمِنُ أَنَّ الأُمَّةَ لاَ تَتأَخَّرُ مَا دَامَت مُتَمَسِّكَةً بِدِينِهَا؛ لَكِنْ: شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ دِينَها الحَقِيقِيَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ رَبُّ العِبَادِ فِي كِتابِهِ، وَتَعَهَّدَ بِحِفْظِهِ عَبْرَ العُصُورِ وَالدُّهُور؛ لاَ الدِّينَ الَّذِي اخْتَرَعَتْهُ هِيَ [أَي: الأُمَّة] مُتَأَثِّرَةً بِمُشْكِلاَتِ القُرُونِ الأُولَى، وَمَعَارِكِهَا السِّياسِيَّةِ عَلَى الخِلاَفَةِ وَالمُلْكِ»!!
    فَأَوَّلُ القَوْلِ حَقٌّ، وَآخِرُهُ عَيْنُ البَاطِلِ؛ {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً} -بَلْ مِنْ بَعْدِ ضِعْفِ ضَعْفٍ-!!
    فَالسُّنَّةُ مَعَ القُرْآنِ –بِنَصِّ القُرْآنِ- صِنْوَانِ لاَ يَفْتَرِقَان؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ –تَعَالَى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، وَقَوْلِهِ –سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}.
    وَرَوَى الإِمَامُ الهَرَوِيُّ فِي كِتابِهِ «ذَمِّ الكَلاَم» (229 ) عَنِ التَّابِعِيِّ الجَلِيل مُجاهِد –فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَة- قَوْلَهُ: «إِلَى كِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِه».
    وَ(سَبِيلُ المُؤْمِنِين ) –الأَوَّلِين-الأوَّلُ-بِإِرْشَادِ القُرْآنِ الكَرِيم- هُوَ طَوْقُ النَّجَاةِ الأَوْحَدُ؛ المُنْجِي مِنْ تَغَيُّرِ المَفَاهِيم، وَاضْطِرَابِ الأَفْكَار، وَتَلَجْلُجِ الصُّدُور، وَانْحِرَافِ الآرَاء، وَتَلَوُّنِ التَّوَجُّهَات.
    وَلَوْلاَهُ لَكَانَ الدِّينُ أَلْفَ دِينٍ وَدِيناً –تَبَعاً لِلآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَوَّلٌ، وَلَنْ يَكُونَ لَهَا آخِرٌ؛ وَالَّتِي يَظُنُّ أَهْلُوهَا أَنَّهَا مِنَ الحَقِّ!! وَلَيْسَتْ هِيَ مِنَ الحَقِّ فِي شَيْءٍ-...
    فَمَا الضَّابِطُ لِهَذِه؟!
    وَمَا المَرْجِعُ الأَرْشَدُ لِلمَخْرَجِ مِنْهَا؟!
    إِلاَّ أَنْ يَكُونَ (سَبِيلَ المُؤْمِنِين ) –هَذَا-؛ بضَوابِطِهِ العَدِيدَة، وَأُصُولِهِ السَّدِيدَة، وَمَبادِئِهِ الرَّشِيدَة، وَالتَّي مَهْمَا حَاوَلَ الْخَالِفُونَ المُخَالِفُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا، أَوْ يُقارِنُوا أَنْفُسَهُم بِهَا –فَضْلاً عَنْ أَنْ يَطْعَنُوا بِهَا، أَوْ يُشَكِّكُوا بِمِصْدَاقِيَّت ِهَا- فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا يُحَاوِلُون ، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون}..
    أَمَّا دَعْوَى (مُشْكِلاَت القُرُون الأُولَى ) – المَوْهُومَةِ المَزْعُومَةِ - : فَهِيَ دَعْوَى مُتَهَافِتَةٌ مُتَهاوِيَةٌ؛ إِذَا مَا قُورِنَتْ بِمُشْكِلاَتِ القُرُونِ الأُْخْرَى –أَوِ الأَخِيرَة-!!
    لَقَدْ كَانَ لِلأُمَّةِ وُجُودٌ وَحُضُورٌ فِي (القُرُونِ الأُولَى ) –عَلَى مَا فِيهَا مِن قَلِيلِ مُشْكِلاَتٍ مَحْدُودَةٍ وَمَعْدُودَة ؛ ذَلَّتْ لَهَا –بِسَبَبِ قُوَّةِ الإِيمَان- جُيُوشُ الفُرْسِ والرُّومَان...
    أَمَّا (الآن ) –وَمُنْذُ أَزْمَان- حَيْثُ فِي الأُمَّةِ مُشْكِلاَتٌ أُخْرَى، وَإِشْكَالاتٌ أَحْرَى –مُتَلَوِّنَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ !-؛ فَأَيْنَ هِيَ الأُمَّةُ –فَوَا أَسَفِي الشَّدِيد-؟!
    لاَ أَقُولُ: أَيْنَ مَوْقِعُها؟! بَلْ أَقُولُ: أَيْنَ هِيَ؟!
    وَلاَ أَسْأَلُ مُنْتَظِراً جَواباً –أَوْ أَجْوِبَةً-؛ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ –بِاسْتِفْهَام إِنْكَارِيٍّ!- مُقَرِّراً حَقِيقَةً مُرَّةً ؛ لا تَخْفَى عَلَى مُبْطِلٍ مُجَادِل، وَلاَ يَنْفَعُ فِيهَا نَفْيُ مُحَاوِل، أَوْ خِدَاعُ مُتَطَاوِل!!
    وَمَعَ ذَلِكَ ؛ فَنَحنُ إِذْ نَتَكَلَّمُ عَنِ (الرُّجُوعِ ) إِلَى (مَاضِي ) الأُمَّةِ؛ لاَ نُرِيدُ بِهِ –بَدَاهَةً- ذَاكَ الجَانِبَ التّارِيخِيَّ (المَشُوبَ! ) –المَحْدُودَ- الَّذِي مَضَى وَانْقَضَى، بَلْ لاَ جَدْوَى –أَساساً- مِنْ إِثَارَتِهِ، بَلْهَ الوُقُوفَ عِنْدَه!! –بِعَكْسِ مَا يُمَوِّهُ بِهِ أُولاَءِ الكَتَبَةُ العَصْرِيُّون-!!!
    وَإِنَّمَا نرِيدُ – وَبِإِلْحَاحٍ - تِلْكُم الجَوَانِبَ المُضِيئَةَ المُشْرِقَةَ الفَيَّاضَةَ –وَهِيَ الأَكْثَرُ وَالأَوْفَرُ-، وَالَّتِي بَوَّأَتْ هَاتِيكَ الأُمَّةَ أَرْفَعَ المَنَازِل، وَرَفَعَتْهَا أَعْلَى الدَّرَجَات: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} ...
    فَكَيْفَ (سَتَرْجِعُ ) لَنَا هَذِهِ الخَيْرِيَّةُ –بِأَسْبابِهَا- إِنْ لَمْ (نَرْجِع ) –نَحْنُ- إِلَيْها – مِن أَبْوَابِهَا-؟!
    وَإِذْ قَدْ وَضَحَتِ الحَقَائِقُ، وَتَجَلَّتِ المَعَالِمُ، وَظَهَرَتِ التَّفَاصِيلُ –دُونَ تَهْوِيلٍ أَوْ تَهْوِينٍ-؛ فَمَا أَبْشَعَ –وأَجْرأَ- ذَلِكَ القَوْلَ البَاطِلَ العَاطِلَ الَّذِي ادَّعَاهُ ذَلِكَ المُدَّعِي –بِغَيْرِ هُدَىً وَلاَ كِتابٍ مُنِير- لَمَّا قَالَ: «مُقَاوَمَةُ السَّلَفِيَّةِ هِيَ اليَوْمَ بِالنِّسْبَةِ لِأُمَّةِ المُسْلِمِين مَسْأَلَةُ حَياةٍ أَوْ مَوْت»!!!
    ... {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم}... هَكَذَا – إِذَنْ - ؟!!
    إِنَّ هَذَا التَّهْرِيجَ وَالتَّهْيِيجَ –وَاللهِ الَّذِي لاَ يُحْلَفُ إِلاَّ بِهِ- لَهُوَقَلْبٌ لِلحَقَائِقِ، وَفَهْمٌ مَعْكُوسٌ، وَادِّعاءٌ مَنْكُوس، وَلَوْ قَالَ أَحَدٌ عَكْسَهُ –تَمَاماً- لَكَانَ قَوْلُهُ هُوَ الصَّوَابَ –يَقِيناً-.
    وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ قَوْلُ رَبِّ العَالَمِين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُون} ..
    فَالحَيَاةُ أَو المَوْتُ –عَلَى الحَقِيقَةِ- مُتَعَلِّقٌ حَالُهُمَا وَأَثَرُهُما بِمِقْدَارِ الاِسْتِجَابَةِ لِأَمْرِ اللهِ.....

    [يتبع بمشيئة الله الحلقة الثالثة والأخيرة]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    208

    افتراضي رد: لِمَاذَا نَدْعُو إِلَى (السَّلَفِيَّة )؟

    [الحلقة الثالثة والأخيرة]

    لِمَاذَا نَدْعُو إِلَى (السَّلَفِيَّة )؟


    فَالحَيَاةُ أَو المَوْتُ –عَلَى الحَقِيقَةِ- مُتَعَلِّقٌ حَالُهُمَا وَأَثَرُهُما بِمِقْدَارِ الاِسْتِجَابَةِ لِأَمْرِ اللهِ –تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ، وَأَمْرِ نَبِيِّهِ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فِي سُنَّتِهِ، وَلاَ سَبِيلَ إِلَيْهِمَا –أَصْلاً-، وَلاَ طَرِيقَ مُوصِلٌ إِلَيْهِمَا –أسَاساً- إِلاَّ مِنْ خِلاَلِ ذَلِكَ الإِسْنَادِ النَّظِيفِ المُشْرِقِ الوَضَّاءِ –الَّذِي هُوَ الطَّرِيقُ الوَحِيدُ-، وَالَّذِي اتَّفَقَت العُقَلاَءُ –وَلاَ أَقُولُ: العُلَمَاء!- عَلَى جَلاَلَتِهِ، وَبَهائِهِ، وَنَضَارَتِهِ؛ ألاَ وَهُوَ: (سَبِيلُ المُؤْمِنين )...
    فَهلْ قَالَ ذَلِكَ القَائِلُ قَوْلَهُ – فِي مَسْأَلَةِ الحَياةِ أَوِ المَوْت هَذِه !! - وَهُوَ ( يَعْقِلُ ) أَنَّ لَهُ قُرَّاءً يُفَكِّرُون، وَيَتأَمَّلُون؟ ! أَمْ تَخَيَّلَ أَنَّهُم مُعْرِضُونَ (! ) لاَ يَقْرَؤُونَ، وَلاَ يَنْظُرُون؟!
    فَلْيَكْسِرْ قَلَمَهُ –إِذَنْ-؛ فَإِنَّ فِي الزَّوايَا خَبايَا!!
    فَلَيْسَ الحَالُ – إِذَن - مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ - مَا قالَهُ ذَاكَ المُدَّعِي – بَعْدُ - مِن أَنَّ : «الإِسْلاَمَ هُوَ القُرْآن، وَقَدْ نَزَلَ القُرْآنُ وانْتَهَى الأَمْرُ – فِعْلاً- عِنْدَما اكْتَمَلَ نُزُولُه، وَلَيْسَ مَعْقُولاً أَبَداً قَبُولُ تِلْكَ الإِضَافَات التُّراثِيَّة الَّتِي أُقْحِمَت عَلَيْهِ عَبْرَ القُرُون»!!
    فَالإِسْلاَمُ –يَا هَذا- لَيْسَ هُوَ القُرْآنَ –فَقَط-، بَلْ هُوَ القُرْآنُ وَالسُّنَّة، وَلاَ طَرِيقَ لِفَهْمِهِمَا الحَقِّ إِلاَّ بِمَا أَرْشَدَنَا إِلَيْهِ القُرْآنُ مِن (سَبِيلِ المُؤْمِنِين )، وَهَدَتْنَا إِلَيْهِ السُّنَّةُ المُشَرِّفَةُ مِنْ فَضْلِ مَنْهَجِ (خَيْرِ القُرُون )؛ فَافْهَمْ، وَارْعَوِ...
    هَذَا هُوَ الإِسْلاَم، وَالانْتِقَاصُ مِن شَيْءٍ مِنْهُ انْتِقَاصٌ مِنَ الإِسْلاَم، وَتَشْغِيبٌ عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَم، وَاسْتِدْراكٌ –بِالبَاطِلِ- عَلَى أَئِمَّتِهِ الأَعْلاَم...
    أَمَّا (مَعْقُولِيَّةُ! ) قَبُولِ –أَوْ رَدِّ- تِلْكَ (الإِضَافَاتِ ) المُدَّعَاة؛ فَرَاجِعَةٌ إِلَى إِدْرَاكِ مَاهِيَّةِ هَذِهِ الإِضَافَات- إِنْ جَازَ تَسْمِيَتُها إِضَافَاتٍ!-؛ فَإِنْ كَانَت مِن إِضَافَاتِ الكَذَّابِين، وَالضُّعَفَاءِ، وَالجَاهِلِينَ وَالأَدْعِيَاء: فَهِيَ قَمِينَةٌ بِالرَّدِّ –أَوَّلاً وَأَخِيراً-.
    وَلاَ يَنْتَظِرُ عُلَمَاءُ الإِسْلاَمِ – وَالحَالَةُ هَذِهِ - (مَعْقُولِيَّةَ! ) أَبْنَاءِ القَرْنِ العِشْرِين (! ) – المُقْتَرَحَةَ- لِيَرُدُّوا مَا يَسْتَوْجِبُ الرَّدَّ، وَيَنْقُضُوا مَا يَسْتَحِقُّ النَّقْضَ؛ فَهَذَا صَنِيعُهُم الأَسَاس، وَتِلْكَ مُهِمَّتُهُم فِي إِصْلاَحِ النَّاس؛ بَلْ هَذَا – مِنْهُم- بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْهِم- مِن أَجَلِّ عَلاَمَاتِ حِفْظِ اللهِ –تَعَالَى- لِدِينِهِ- عَلَى كَرِّ الدُّهُورِ، وَمَرِّ العُصُور.
    وَمُؤَلَّفَاتُه ُم فِي ذَلِكَ –رَحِمَهُم الله- لاَ تكَادُ تُحْصَى أَوْ تُسْتَقْصَى، وَلاَ يَضُرُّهُم –أَوْ يَنْقُصُ قَدْرَهُم- حَالُ الجَاهِلِ بِهِم! غَيْرِ العَارِفِ بِحَقَائِقِ مَجْهُودَاتِهِم !!
    وَقَدْ (نَقْلِبُ ) عَلَى المُدَّعِي دَعْوَاهُ؛ فَنَقُول:
    فِي الوَقْتِ الَّذِي تَرْفُضُ فِيهِ –أَنْتَ- (الإِضَافَاتِ ) –المَزْعُومَةَ- مِن (تُرَاثِ ) السَّابِقِين؛ كَيْفَ تَطْرَحُ اليَوْمَ هَذِهِ الفُهُومَ الجَدِيدَةَ، وَالمَقَالاتِ غَيْرَ السَّدِيدَةِ، لِتُلْزِمَ النَّاسَ بِهَا –مُوهِماً إِيَّاهُم، وَمُلَبِّساً عَلَيْهِم- أَنَّها: مَسْأَلَةُ حَياةٍ أَوْ مَوْت-؟!!
    هَكَذَا.. بِكُلِّ هَذَا التَّضْخِيمِ وَالتَّفْخِيمِ؛ وَمِن غَيْرِ تَدْلِيلٍ وَلاَ تَفْهِيم!!
    وَكَلاَمُكَ اليَوْمَ –عَلَى وَهْنِهِ وَوَهائِه-يا هَذَا- سَيَؤُولُ فِي الغَدِ تُراثاً!!
    فَمَا بالُكَ لا تَقْبَلُ التُّراثَ لِمُجرَّدِ كَوْنِهِ تُراثاً؛ –غافِلاً –أَوْ مُتَغافِلاً- عَن أَنَّ كَلاَمَكَ نَفْسَهُ لاَ يَخْرُجُ عَن هَذا الإِطَارِ التُّرَاثِيِّ –بِمَفْهُومِهِ اللُّغَوِيّ –قَرِيباً أَوْ بَعِيداً-؟!
    هَذَا إِذَا سَلَّمْنا –أَصْلاً- وَلَن نُسَلِّمَ!- بِقَبُولِ عَقْدِ المُقارَنَةِ بَيْنَ بَيَانٍ مُشْرِقٍ لِكِبارٍ مِنَ العُلَمَاء، وَهَذَيَانٍ مُغْرِقٍ مِنَ الكَتَبَةِ الصُّغَرَاء!!
    أَلَمْ تَـرَ أَنَّ السَّيْـفَ يَنْقُـصُ قَدْرُهُ .....إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ العَصا!!

    أمَّا الادِّعَاءُ بِوَحْدَةِ مَرْجِعِيَّةِ القُرْآنِ لِلإِسْلاَمِ، واعْتِبارُ مَا سِواهُ (إِضَافاتٍ ): فَهَذا عَيْنُ المُحَادَّةِ لِلهِ وَالرَّسُولِ، المَبْنِيَّةِ عَلَى الجَهْلِ، وَالمُناقِضَةِ لِلحَقِّ، وَالمُصادِرَةِ –بِالبَهْتِ- لِنَحْوِ خَمْسَةَ عَشْرَ قَرْناً مِنْ تَارِيخِ الأُمَّةِ العَظِيم، المَبْنِيِّ عَلَى العِلْمِ بِالقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالعَمَلِ بِهَدْيِهِمَا وَأَنْوَارِهِمَ ا...
    ثُمَّ –بَعْدَ هَذا وَذَاكَ- يَأْتِي مِنْ ذَيَّاكَ الكَاتِبِ إِقْحَامُ مَوْضُوعِ (السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ ) - بِدُونِ أَدْنَى مَوْضُوعِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ ، أَوْ إِحَاطَةٍ فِكْرِيَّةٍ-؛ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: «لَيْسَ فِي القُرْآنِ ما يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فِي تَفْرِيقِ الأُمَّةِ بَيْنَ سُنَّةٍ وَشِيعَةٍ» -إِنْصافاً- يَحْمِلُ جَانِباً مِنَ الحَقِّ ؛ بِاعْتِبَارِ التَّشَيُّعِ أَمْراً طارِئاً لاَ أَصْلِيًّا!! مِمَّا هُوَ كَافٍ فِي إِبْطَالِ أُسِّ فِكْرَتِهِم! وَنَقْضِ رَأْسِ تَفَرُّدِهِم!!
    وَهَذا مَا لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُغالِطَ فِيهِ –أَوْ يُجادِلَ دُونَه- أَيُّ مُهاوِشٍ أَوْ مُناوِش!
    وَلَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا القَوْلُ مِنْ ذَاكَ القَائِلِ –وَتَعْقِيبِي عَلَيْهِ- بِتِلْكُم الحِكَايَةِ الشَّعْبِيَّةِ (! ) الَّتِي يَتَنَدَّرُ بِهَا العَامَّةُ، وَيُرَدِّدُهَا بَعْضُ الخَاصَّةِ؛ مِنْ خَبَرِ تِلْكَ المُناقَشَةِ (السَّرِيعَةِ! ) الَّتِي وَقَعَت مَعَ شِيعِيٍّ بَغِيضٍ يَدْعُو آخَرَ سُنِّيًّا إِلى تَشَيُّعِهِ؛ فَأَبَى السُّنِّيُّ ذَلِكَ، وَرَفَضَهُ، فَلَمَّا اسْتَفْصَلَهُ الشِّيعِيُّ عَنْ سَبَبِ رَفْضِهِ؟ أَجَابَهُ السُّنِّيُّ –مُسْتَدْرِجاً!-: لِأَنَّ الشِّيعَةَ سَرَقَتْ حِذَاءَ الرَّسُولِ –صلى الله عليه وسلم- مِنَ المَسْجِد!! فَتَعَجَّبَ الشِّيعِيُّ قائِلاً –بِسُرْعَةٍ-: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَلَمْ يَكُن شِيعَةٌ أَيَّامَ الرِّسُول –صلى الله عليه وسلم- ! فَاقْتَنَصَهَا السُّنِّيُّ –الأَلْـمَعِيّ - قَائِلاً: فَكَيْفَ تَدْعُونِي إِلَى أَصْلٍ عَقَائِدِيٍّ لَمْ يَكُن عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- ؟!
    فَبُهِتَ الشِّيعِيُّ، وَلَمْ يُحِرْ جَواباً!!!
    وَأَمَّا قَوْلُ ذاكَ المُدَّعِي –بَعْدُ- زَاجًّا بِمَوْضُوعِ الشِّيعَةِ وَالسُّنَّةِ –مِن جَدِيدٍ–: «الخِلاَفُ السُّنِّيُّ الشِّيعِيُّ نَشَأَ بِسَبَبِ اعْتِمَادِنا مَرْجِعِيَّاتٍ غَيْرِ قُرْآنِيَّةٍ فِي فَهْمِ دِينِنا؛ مَرْجِعِيَّاتٍ لَمْ تَكُن يَوْماً فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ»!!
    فَهُوَ كَلاَمُ مَنْ يَهْرِفُ بِمَا لاَ يَعْرِفُ!
    فَالشِّيعَةُ –بِالأَصْلِ!- تَعْتَبِرُ قُرْآنَنا المَحْفُوظَ الكَرِيمَ –هَذَا- مُحَرَّفاً، وَلَهُم فِي ذَلِكَ كُتُبٌ وَمُؤَلَّفَاتٌ مَطْبُوعَةٌ -قَدِيمَةٌ وَحِديثَة- بِمَا لاَ يَسَعُ أَحَداً رَدُّهُ!
    وَالمُنْكِرُ لِذَلِكَ مِنْهُم (! ) إِنَّما يُنْكِرُهُ –تَلْبِيساً عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ- مِنْ بَابِ (التَّقِيَّةِ )؛ وَالَّتِي هِيَ إِخْفَاءُ مَا عِنْدَهُم مِنْ عَقَائِدَ عَلَى غَيْرِهِم! وَالَّتِي يَعْتَبِرُونَها أَسَاسَ دِينِهِم، وَأَصْلَ عَقِيدَتِهِم؛ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُم: «مَن لَمْ يُؤْمِن بِالتَّقِيَّةِ فَلَيْسَ مِنَّا»!!
    فَأَيُّ هَذَرٍ هَذَا الَّذِي يُرادُ مِنْ وَرائِهِ تَقْزِيمُ الخِلاَفِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، ثُمَّ جَرُّهُ إِلى أُمورٍ أُخَرَ لاَ وُجُودَ لَهَا، وَلاَ قِيمَةَ لاِعْتِبارِهَا؟ !
    وَالحَقَائِقُ –كُلُّهَا- تُبَيِّنُ أَنَّ الشِّيعَةَ المُعاصِرَةَ –مِنْ قُرُونٍ! –بِكَافَّةِ أَلْوَانِهَا، وَسَائِرِ أَطْيافِهَا- إِنَّمَا هِيَ شِيعَةٌ صَفَوِيَّةٌ فَارِسِيَّةٌ حاقِدَةٌ –مَوْرُوثَةٌ وَمُتَجَدِّدَةٌ-، أَوْقَفَت التَّارِيخَ بِجُمُود، ثُمَّ حَاكَمَت مَا بَعْدَهُ إِلَيْهِ بِصُورَةٍ مَقِيتَةٍ –بِلاَ حُدُود، لاَ جَدْوَى مِنْ وَرائِهَا إِلاَّ المَزِيدُ مِنَ التَّفْرِيقِ وَالتَّشْقِيق وَالكُنُود..
    وَلَيْسَ مِنَ الشِّيعَةِ –اليَوْمَ-أَلْبَتَّةَ- ذَلِكَ التَّشَيُّعَ الأَوَّلَ –القَدِيمَ- الَّذِي كَانَ غَايَةُ أَمْرِهِ –عَلَى مَا فِيهِ!- الانْحِيازَ لِآلِ البَيْتِ الكِرَامِ، مَعَ التَّبْجِيلِ وَالتَّقْدِيرِ لِبَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ العِظَامِ –وَعَلى رَأْسِهِم الشَّيْخَانِ الجَلِيلاَنِ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ-، وَأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِين –وَعَلى رَأْسِهِنّ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقُ، الطَّاهِرَةُ المُطَهَّرَةُ عائِشَة –رَضِيَ اللهُ عَنْهُم –أَجْمَعِين-، وَالَّذِينَ هُم –جَمِيعاً- عِنْدَ الشِّيعَةِ –جَمِيعاً!- مِنَ الكَافِرِينَ المُرْتَدِّين!!!
    وَأَيْضاً؛ لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذا الاسْتِرْسَالُ –مَرَّةً أُخْرَى- بِتِلْكَ الوَاقِعَةِ الجَدَلِيَّةِ العَصْرِيَّةِ ، الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ بَعْضِ السِّيَاسِيِّين الشِّيعَة، وَبَعْضِ أَوْلِياءِ أُمُورِ بَلَدِنَا الأُرْدُنّ الطَّيِّب –مِن آلِ هاشِم-؛ لَمَّا دَعاهُ ذَلِكَ الشِّيعِيُّ إِلى أَنْ يَتَشَيَّعَ مِثْلَهُ ! فَقالَ لَهُ الهاشِمِيُّ الذَّكِيُّ الحَكِيمُ – بِتَوْفِيقِ رَبِّهِ - : إِلى مَنْ تَتَشَيَّعُونَ أَنْتُم فِي شِيعِيَّتِكُم الَّتِي تَدْعُونَنا إِلَيْهَا؟! فَقَالَ الشِّيعِيُّ: إِلى آلِ البَيْت! فَقَالَ الهَاشِمِيُّ المُسَدَّدُ بِالفِطْنَةِ وَالحُنْكَةِ –صَائِداً- : فَنَحْنُ سُنَّةُ آلِ البَيْت؛ فانْتَسِبُوا لَنَا –أَنْتُم-، وَارْجِعُوا إِلَيْنَا –نَحْنُ- ؛ بَدَلاً مِن هَذِهِ الصُّورَةِ العَكْسِيَّةِ المَقْلُوبَةِ الَّتِي تَدَّعُونَها، وَتَدْعُونَ إِلَيْهَا!!
    فَبُهِتَ ذَلِكَ الشِّيعِيُّ الجَاهِلُ، وَانْبَكَم...
    وَمِنَ العَجَائبِ - وَالعَجَائِبُ جَمَّةٌ – إِشَارَةُ ذَيَّاكَ القَائِلِ – بَعْدُ – مُعَمِّمًا – إِلَى مَا يَجْرِي مِنْ فِتَنٍ فِي العِرَاقِ ؛ عِنْدَمَا ذَكَرَ- : « القَتْل عَلَى أَسَاسِ المَذْهَبِ الدِّينِي » !!
    وَهَذَا مِنْهُ مُغَالَطَةٌ وَتَمْوِيهٌ ؛ فَالقَتْلُ المُسْتَحِرُّ – فِي العِرَاقِ – هَكَذَا – إِنَّمَا هُوَ قَتْلُ الشِّيعَةِ لأَهْلِ السُّنَّةِ – وَلِلأَسَفِ –حَسْبُ- بِمَا لاَ يَكَادُ يُنْكِرُهُ ذُو بَصَر !!
    وَمَا قَدْ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ البَعْضُ مِنْ حَوَادِثَ فَرْدِيَّةٍ قَتَلَ فِيهَا أَفْرَادٌ مِنَ السُّنَّةِ آخَرِينَ مِنَ الشِّيعَةِ : فَهِيَ رُدُودُ أَفْعَالٍ عَصَبِيَّة؛ عَلَى مَعْنَى مَا قِيلَ : قَالَ الحَائِطُ لِلوَتَدِ : لِمَ تَشُقُّنِي ؟! قَالَ : سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي !!!
    بِخِلافِ ذَلِكَ التَّقْتِيل الشِّيعِيِّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالَّذِي هُوَ تَقْتِيلٌ مُمَنْهَجٌ ، وَتَشْرِيدٌ مُنَظَّمٌ –بِالفَيَالِقِ وَالجُيُوشِ، وَالمِلِيشيات-!
    فَدَعْكَ –يَا ذا- مِنَ التَّلْبِيسِ، وَالتَمْوِيهِ، وَالتُّرَّهَات!!
    وَبَعْد:
    لِأَجْلِ هَذا كُلِّهِ –أَيُّهَا المَنْصِفُ- نَدْعُو إِلى (السَّلَفِيَّة ): بِفِطْرِيَّتِهَ ا ، وَسَلاَمَتِهَا ، وَنَقَائِها:
    لِأَنَّها دَعْوَةُ الإِيمَانِ، وَالأَمْنِ، وَالأَمَان..
    لِأَنَّها دَعْوَةُ الرُّجُوعِ إِلى الأَصْلِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَبْلَ بُرُوزِ الشِّيعَةِ وَالتَّكْفِيرِي ِّين، وَقَبْلَ ظُهُورِ سائِرِ حَرَكَاتِ الغُلُوِّ وَالتَّطَرُّف - مِنْ صُنُوفِ الفِرَقِ وَالطَّوائِف - ..
    لِأَنَّهَا الدَّعْوَةُ الأَمِينَةُ الَّتِي تَدْعُو إِلَى القُرْآنِ وَالسُّنَّة، وَتَدْعُو إِلى فَهْمِها بِـ (سَبِيلِ المُؤْمِنين )، لاَ بِطَرِيقِ الجَاهِلِينَ المُذَبْذَبِين!!
    لِأَنَّها الدَّعْوَةُ الَّتِي نَأَتْ بِنَفْسِهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ حِزْباً يَتَحَزَّبُ إِلَيْهَا النَّاسُ، وَيَتَفَرَّقُون َ عَنْ أُمَّتِهِم إِلَيْهَا –أَوْ إِلَى غَيْرِهَا-...
    لِأَنَّها الدَّعْوَةُ الَّتِي تُرِيدُ لِلنَّاسِ، وَلاَ تُرِيدُ مِنْهُم...
    لِأَنَّها الدَّعْوَةُ الَّتِي تَعْرِفُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ بَدْءاً مِن مَعْرِفَةِ حَقِّ النَّفْسِ، وَانْتِهاءً بِمَعْرِفَةِ حَقِّ أَوْلِياءِ الأُمُورِ، وَمُرُوراً بِتَقْدِيرِ حُقُوقِ الآخَرِين مِنَ المُؤالِفِين وَالمُخالِفِين –مُسْلِمِينَ وَغَيْرَ مُسْلِمِين-.
    لِأَنَّهَا الدَّعْوَةُ العِلْمِيَّةُ (العِلْمِيَّةُ ) –بَعِيداً عَنِ العَوَاطِفِ الجَوَارِفِ (النَّفْسِيَّة )، وَالحَمَاسَاتِ الفَارِغَاتِ (الشَّخْصِيَّة )-.
    ... لأَجْلِ هَذَا كُلِّهِ –أَيْضًا– وَغَيْرِهِ! – نَصُدُّ – بِالعَدْلِ وَالعِلْمِ – كُلَّ مَنْ ( يُقَاوِمُهَا ! ) ، وَنَرُدُّ – بِالحُجَّةِ وَالحِلْمِ – كُلَّ مَنْ يُنَاقِضُهَا ...
    {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيل}، وَهُوَ –سُبْحَانَهُ- بِكُلِّ جَمِيلٍ كَفِيل...

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •