هذه الحلقة الثالثة و الاخيرة :

تفنيد الشبهات المثارة حول حكم القيام للجماد
الشّبهةُ الثّالثةُ: الولاءُ الوطنيُّ وترسيخُ مبدإ «حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإِيمَانِ»
«الحلقة الأخيرة»
فالذي ينبغي أن يُعْلَمَ أنّ محبّةَ الأوطانِ مِن مشاعرِ الفطرةِ والغريزةِ في الإنسانِ، فشأنُ حبِّ الوطنِ كشأنِ حبِّ النّفسِ والآباءِ والمالِ والمطاعمِ والمراكبِ ونحوِ ذلك، وليس حبُّ الوطنِ -في ذاتِه- مِنَ الإيمانِ ولا مِنْ مقتضَياتِه ولوازمِه بدليلِ اشتراكِ النّاسِ فيه مِن غيرِ فرقٍ بين أهلِ التّقوى والإيمانِ وأهلِ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، بل من مقتضَياتِ الإيمانِ أنْ نفرّقَ بين المؤمنِ وغيرِه وبين المتّقي والفاجرِ؛ كما نصّتْ عليه الآياتُ القرآنيّةُ في قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18]، وقولِه تعالى: ﴿أَفَنَجْعَل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين َ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 35-36]، وقولِه تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]، وقولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].
هذا، والاعتمادُ على حديثِ «حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإيمانِ» في الاحتجاجِ على أنّ حبَّ الوطنِ مِن لوازمِ الإيمانِ لا يستقيم مِن جهةِ المعنى –كما تقدّم- مع أنّه قابلٌ للتّأويلِ –كما سيأتي-، ولا ينتهض مِن جهةِ السّندِ؛ لأنّه حديثٌ موضوعٌ مكذوبٌ ومختلقٌ على النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم على ما قرّره أهلُ الاختصاصِ في الحديثِ(1).
وأمّا استدلالُ دعاةِ الوطنيّةِ بقولِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم في فضلِ مكّةَ المكرّمةِ: «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أرضِ اللهِ إِلَيَّ، وَاللهِ لَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»(2)، فليس فيه ما يدلّ على أنّ حبَّ الوطنِ مِنَ الإيمانِ، ذلك لأنّ محبّةَ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم لمكّةَ لا مِنْ أجلِ الوطنِ، وإنّما لكونِها خيرَ بقاعِ الأرضِ عند اللهِ تعالى، وقد نصّ عليه الحديثُ صراحةً في روايةِ التّرمذيِّ وفيه: «وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ»(3)، وهذا ظاهرٌ لكونِها أماكنَ العبادةِ والحجِّ، وفيها تقوى القلوبِ بتعظيمِ شعائرِ اللهِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ومثيلُه قولُه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «أَحَبُّ البِلاَدِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا»(4) لأنّها أماكنُ العبادةِ يَعْمُرُها المصلّي بذكرِ اللهِ والمناجاةِ وكثرةِ التّردّدِ إليها للصّلاةِ، وفيها يجتمع بإخوانِه المؤمنين فتتقوّى صلتُهم على حبِّ اللهِ وطاعتِه، وفي هذا خيرُ الدّنيا وسعادةُ الآخرةِ، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: 36-38]، وأكبرُ مظاهرِ عمارةِ المساجدِ الإيمانيّةِ عمارتُها بالتّقوى والعبادةِ والذّكرِ ودراسةِ العلمِ، فذلك مكمنُ محبّةِ اللهِ لها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18].
ويُترجِم هذا المعنى قولُه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ» وذكر: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ»(5)، فقد كنّى النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم عن حبِّ الرّجلِ الشّديدِ للمسجدِ وملازمتِه له وتردّدِه عليه ومحافظتِه على الصّلاةِ مع الجماعةِ بأنّه «مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ»، ومنه يظهر جليًّا أنّ حبَّ خيرِ بقاعِ الأرضِ إيمانيٌّ وليس ترابيًّا.
هذا، ولا يخفى أنّ التّركيزَ على مبدإِ الوطنيّةِ أمرٌ خطيرٌ على عقيدةِ المسلمِ وواقعِه، فهو بغضِّ النّظرِ عن مصدرِه العلمانيِّ فهو مُزيحٌ لعقيدةِ الولاءِ والبراءِ الشّرعيِّ، ومُقْصٍ لرابطةِ الأخوّةِ الإيمانيّةِ المنصوصِ عليها في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] وإحلالُ الرّابطةِ الوطنيّةِ محلَّها، وهذا ما يأباه كلُّ موحِّدٍ يؤمن باللهِ واليومِ الآخرِ، ذلك لأنّ عقيدةَ الولاءِ والبراءِ في موافقةِ العبدِ ربَّه فيما يحبّه ويرضاه وفيما يسخطه ويكرهه ويُبغضه ولا يرضاه مِنَ الأقوالِ والأفعالِ والاعتقاداتِ والذّواتِ واجبةٌ شرعًا، بل إنّ عقيدةَ الولاءِ والبراءِ تُعَدّ مِن لوازمِ الشّهادةِ وشرطًا مِن شروطِها لقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوه َا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].
هذه المذكوراتُ في الآيةِ مِنَ الحبِّ الفطريِّ، فحبُّ الأصولِ والفروعِ وحواشي النسبِ والأزواجِ والعشيرةِ مقدّمٌ على حبِّ الوطنِ؛ إذ المرء بطبعه يفارق وطنه حفاظا على نفسه أو أصوله وفروعه أو لماله وتجارته، كما هو مأمور –شرعا- بالهجرة من وطنه الذي يحبه غريزيا إن كان بلد كفر إلى بلد الإسلام إن لم يستطع أن يقيم فيه دينه ويظهره، وأن الإقامة فيه مذمومة ما عدا في حق المستضعفين الذين يفقدون الحيلة والسبيل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِ ينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 97-99]، وكذلك يؤمر بالهجرة من بلد المعصية والذنوب إلى أرض الطاعة والاستقامة كما في قصة الرجل العالم الذي أرشد صاحب المعصية الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا(6) أن ينتقل إلى أرض الطاعة استكمالا لهجر المعصية وإحقاقا للتوبة والإنابة إلى الله منها، لذلك كان حبّ الله ورسوله مقدما على الجميع، وقد ذكر الله عز وجل الأوطان والمساكن من حيث تعلق القلب بها في آخر المراتب، وأفصح ابن القيم –رحمه الله- عن السر في ذلك بقوله: «ثمّ ذكر الأوطانَ ثامنًا آخِرَ المراتبِ؛ لأنّ تعلُّقَ القلبِ بها دون تعلّقِه بسائرِ ما تقدّم، فإنّ الأوطانَ تتشابه، وقد يقوم الوطنُ الثّاني مقامَ الأوّلِ مِنْ كلِّ وجهٍ ويكون خيرًا منه؛ فمنها عوضٌ، وأمّا الآباءُ والأبناءُ والأقاربُ والعشائرُ فلا يُتعوَّضُ منها بغيرِها، فالقلبُ وإن كان يحِنّ إلى وطنِه الأوّلِ فحنينُه إلى آبائِه وأبنائِه وزوجاتِه أعظمُ، فمحبّةُ الوطنِ آخرُ المراتبِ، وهذا هو الواقعُ إلاّ لعارضٍ يترجّح عنده إيثارُ البعيدِ على القريبِ؛ فذلك جزئيٌّ لا كلّيٌّ فلا تُنَاقَضُ به، وأمّا عند عدمِ العوارضِ فهذا هو التّرتيبُ المناسبُ والواقعُ»(7)، وعليه فلا ينبغي تغليب حبّ النفس بتضييع حق الأصول والفروع والنظراء والأزواج، ولا أن يدفعنا حبنا لهم إلى تضييع حق الله تعالى ومخالفة أمره، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: 165].
وقد جاء النّهيُ صريحًا في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]، ومنه يُفْهَم معنى الشّهادتين المقتضي لحبِّ ما يحبّه اللهُ ورسولُه وبغضِ ما يُبغضه اللهُ ورسولُه، وحبِّ ما دلّتْ عليه وحبِّ مَنْ نطق بها وعمل بموجَبِها ودعا إليها وكراهةِ ما يُضادّها، ومِنْ ثَمَّ يتذوّق القلبُ حلاوةَ الإيمانِ ولذّةَ اليقينِ لكونِ عقيدةِ الولاءِ والبراءِ مستمَدّةً مِن الإيمانِ، وهي مِن مكمّلاتِه وأوثقِ عراه، قال صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: من كانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»(8)، وقال صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «أَوْثَقُ عُرَى الإيمانِ الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ»(9)، وفي الحديثِ -أيضًا- قولُه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «مَنْ أَحَبَّ للهِ وَأَبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى للهِ وَمَنَعَ للهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ»(10)، فمَنْ أحبَّ اللهَ أحبّ فيه ووالى أولياءَه وعادى أعداءَه، فمَن كان كذلك نال ولايةَ اللهِ، ومَن أحبّ لغيرِ اللهِ تولاّه أعداءُ اللهِ تعالى.
ومِن هنا يظهر جليًّا أنّ المبدأَ الصّحيحَ الجامعَ للأمّةِ الذي أراده الشّرعُ هو «الإسلامُ»، وأنّ الصّلةَ التي على أساسِها يقوم المجتمعُ إنّما هي رابطةُ الأخوّةِ الإيمانيّةِ، والتي أثبتها اللهُ عزّ وجلّ في كتابِه الكريمِ للمؤمنين في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وهي رابطةٌ مقدَّمةٌ على غيرِها مِنَ الرّوابطِ الأخرى، فالأخوّةُ النّسبيّةُ الطّينيّةُ والعصبيّةُ قوميّةً كانت أو حزبيّةً أو وطنيّةً لا تتماسك مع قوّةِ رابطةِ الدّينِ التي هي الصّلةُ الباقيةُ بين النّاسِ يومَ القيامةِ، وما عداها فمنقطِعٌ، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]، ولا يخفى أن الرابطة القومية التي يعتبرها أصحابها الرابطة الوحيدة التي تنصهر في بوتقتها جميع العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية لا تفرّق بين العهود الجاهلية والإسلام، وقيمة المواطن بحسب عمله في سبيل تقدم الأمة دون نظر إلى أي اعتبار آخر، ولا تمييز في هذه الرابطة بين المسلم واليهودي والنصراني والشيوعي، فيقدّمون اليهودي العربي والنصراني العربي والشيوعي العربي على المسلم غير العربي، حتى أضحى شاعرهم يقول:
يَا مُسْلِمُونَ وَيَا نَصَارَى دِينُكُمْ ** دِينُ العُرُوبَةِ وَاحِدٌ لاَ اثْنَانِ
وقال آخر:
آمَنْتُ بِالبَعْثِ رَبًّا لاَ شَرِيكَ لَهُ ** وَبِالعُرُوبَةِ دِينًا مَا لَهُ ثَانِ
وقال ثالث:
سَلاَمٌ عَلَى كُفْرٍ يُوَحِّدُ بَيْنَنَا ** وَأَهْلاً وَسَهْلاً بَعْدَهُ بِجَهَنَّمِ
وما كان لهذه الرابطة إلا المخازي والمهالك والإفساد ونشر الظلم والخوف والإلحاد ونهب الثروات وتضييع الأراضي والممتلكات.
هذا، والدعوة إلى الروابط النسبية والعصبية مهما اتصفت وتنوعت فهي -في ميزان الشرع- من عزاء الجاهلية، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وكلُّ ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب، أو طريقة: فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وغضب لذلك غضبًا شديدًا(11)»(12).
أمّا رابطةُ الإيمانِ فتجمع المفترقِين وتؤلّف بين المختلفين وتجعل الأمّةَ كالجسدِ الواحدِ أو كالبنيانِ المرصوصِ يشدّ بعضُه بعضًا، قال صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مثلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»(13)، وقال صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وشبّك بين أصابِعه(14)، وقال صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ»(15) وفي روايةٍ: «لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ»(16)
ولا يخفى أنّ الآيةَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] لمّا نزلتْ في المدينةِ كان بها من المواطنين غيرُ المؤمنين مِنَ اليهودِ وغيرِهم، ولم يَدْخُلْ في عمومِ الآية إلاّ المؤمنون دون سائرِ المواطنين.
فالحاصلُ أنّ الشّعورَ بحبِّ الوطنِ مِنْ أجلِ الأرضِ أو مسقطِ الرّأسِ ونحوِ ذلك فهو حبٌّ فطريٌّ غريزيٌّ يجتمع في حبِّه كلُّ مواطنٍ مستقيمٍ في عقيدتِه وسلوكِه وأخلاقِه أو منحرفٍ، ومِنْ هنا لا يكون حبُّه إيمانيًّا إلاّ إذا كان حبُّ الوطنِ في شعائرِه ومقوِّماتِه الدّينيّةِ والخُلُقيّةِ إسلاميًّا(17)، فهو مِنْ أجلِّ هذه الدّوافعِ حبٌّ إيمانيٌّ موجِبٌ للولاءِ والبراءِ وموالاةِ المؤمنين ومحبّتِهم، لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُو َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، ولقولِه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ [الفتح: 29]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 55-56]، وإذا كان الوطنُ دارَ إسلامٍ فإنّ المسلمَ لا يَقْصُر محبّتَه على مسقطِ رأسِه فحسْبُ، بل ينبغي أن تعمَّ محبّتُه كلَّ وطنٍ مسلمٍ بعيدًا كان أم قريبًا، فتجب نصرتُه وحمايتُه والدّفاعُ عنه، لأنّ بواعثَ المحبّةِ الإيمانيّةِ أشملُ مِنْ قصرِها على الوطنيّةِ الضّيّقةِ، إذِ المؤمنون إخوةٌ في الدّينِ متحابّون يقتدي آخرُهم بأوّلِهم ويدعو بعضُهم لبعضٍ ويستغفرُ بعضُهم لبعضٍ، مهما تباعدتْ أوطانُهم وتباينتْ أنسابُهم وامتدّتْ أزمانُهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
هذا، ومَنِ اتّصف بالإيمانِ وجب عليه تقديمُ عقيدةِ الولاءِ والبراءِ الشّرعيّةِ على ما عداها مِنَ الرّوابطِ الأخرى وأن يعلمَ أنّ الأخوّةَ الإيمانيّةَ مبنيّةٌ على التّعاونِ الشّرعيِّ بعيدًا عنِ المسلكِ الحزبيِّ أو الجهويِّ أو الوطنيِّ أو القوميِّ، لقولِه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُ ا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وأنّ مبنى التّضامنِ الإسلاميِّ لا يتمّ إلاّ على عقيدةِ التّوحيدِ، وهو مبدأُ الانطلاقِ في المسيرةِ الدّعويةِ مع التّركيزِ على الإخلاصِ والمتابعةِ؛ لأنّه لا وحدةَ إلا بالتّوحيدِ، ولا اجتماعَ إلا باتّباعٍ، وهذا معنى الشّهادتين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 102-103]، فإنّ التّوحيدَ والاتّباعَ مكمنُ عزِّ المسلمين وقوّتِهم، واللهُ تعالى لا يُعزّ قومًا هجروا سببَ عزّتِهم، وقد أُثِرَ عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ رضي اللهُ عنه أنّه قال: «إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلاَمِ، فَلَنْ نَبْتَغِيَ العِزَّ بِغَيْرِهِ»(18)، وفي روايةٍ: «إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلاَمِ، فَمَهْمَا نَطْلِبِ العِزَّ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ»(19).
اللّهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين ورُدَّهم إليك ردًّا جميلاً، وارزقْني وإيّاهم حُبَّك وحُبَّ مَن يحبّك وحُبّ كلِّ عملٍ يقرّبنا إلى حبِّك واجعلني وإيّاهم ممّن يستمعون القولَ فيتّبعون أحسنَه استجابةً للهِ والرّسولِ وخضوعًا لأوامرِ الشّرعِ وانقيادًا له، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 24-25]
وآخِرُ دعوانَا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 19 رمضان 1431 ه
الموافق ل: 29 أوت 2010