السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من خلال مدارستي لكتب الأصول
للشيخ العثيمين والشيخ محمد بن علي الاثيوبي
وردت لفظة أشكلت علي
وهي ( لسان الشارع )

فما المراد بها وعلى أي شيء تحمل

علماً بأن هذه الكلمة متكررة في غير موضع من كلام أهل العلم
وجدتها عند الإمام ابن القيم في كتاب زاد المعاد
زاد المعاد في هدي خير العباد » فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأقضية والأنكحة والبيوع » ذكر أقضيته وأحكامه صلى الله عليه وسلم في النكاح وتوابعه » حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزوجين يقع الشقاق بينهما
[ ص: 172 ] حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزوجين يقع الشقاق بينهما .

روى أبو داود في " سننه " : من حديث عائشة رضي الله عنها : ( أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس ، فضربها فكسر بعضها ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال : خذ بعض مالها وفارقها " فقال : ويصلح ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . قال : فإني أصدقتها حديقتين ، وهما بيدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : خذهما وفارقها ففعل ) .

وقد حكم الله تعالى بين الزوجين يقع الشقاق بينهما بقوله تعالى : (
وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) [ النساء 35 ]

وقد اختلف السلف والخلف في
الحكمين : هل هما حاكمان أو وكيلان ؟ على قولين :

أحدهما : أنهما وكيلان ، وهو قول
أبي حنيفة والشافعي في قول وأحمد في رواية .

والثاني : أنهما حاكمان ، وهذا قول
أهل المدينة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر وهذا هو الصحيح .

والعجب كل العجب ممن يقول هما وكيلان لا حاكمان ، والله تعالى قد نصبهما حكمين ، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين ، ولو كانا وكيلين ، لقال : فليبعث وكيلا من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها .

وأيضا فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل .

[ ص: 173 ] وأيضا فإنه جعل الحكم إليهما فقال : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) والوكيلان لا إرادة لهما إنما يتصرفان بإرادة موكليهما .

وأيضا فإن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن ، ولا في لسان الشارع ولا في العرف العام ولا الخاص .

وأيضا فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام وليس للوكيل شيء من ذلك .

وأيضا فإن الحكم أبلغ من حاكم ؛ لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك ، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه .

وأيضا فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين ، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما ، وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا : ( وإن خفتم شقاق بينهما ) فمروهما أن يوكلا وكيلين : وكيلا من أهله ووكيلا من أهلها ، ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير ، وأنها لا تدل عليه بوجه ، بل هي دالة على خلافه وهذا بحمد الله واضح .

( وبعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقيل لهما : إن رأيتما أن تفرقا فرقتما ) .

وصح عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين عليكما ( إن رأيتما أن تفرقا فرقتما وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما ) [ ص: 174 ] فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين ، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم والله أعلم .

وإذا قلنا : إنهما وكيلان ، فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة بعوض وغيره ، وتوكيل الزوجة في بذل العوض أو لا يجبران ؟ على روايتين ، فإن قلنا : يجبران فلم يوكلا جعل الحاكم ذلك إلى الحكمين بغير رضى الزوجين ، وإن قلنا : إنهما حكمان لم يحتج إلى رضى الزوجين .

وعلى هذا النزاع ينبني ما لو غاب الزوجان أو أحدهما فإن قيل : إنهما وكيلان ، لم ينقطع نظر الحكمين ، وإن قيل : حكمان انقطع نظرهما لعدم الحكم على الغائب ، وقيل : يبقى نظرهما على القولين ؛ لأنهما يتطرفان لحظهما فهما كالناظرين . وإن جن الزوجان ، انقطع نظر الحكمين ، إن قيل : إنهما وكيلان ؛ لأنهما فرع الموكلين ، ولم ينقطع إن قيل : إنهما حكمان لأن الحاكم يلي على المجنون . وقيل : ينقطع أيضا لأنهما منصوبان عنهما فكأنهما وكيلان ، ولا ريب أنهما حكمان فيهما شائبة الوكالة ، ووكيلان منصوبان للحكم ، فمن العلماء من رجح جانب الحكم ، ومنهم من رجح جانب الوكالة ومنهم من اعتبر الأمرين .



وكذلك عند الأمير الصنعاني في كتاب


إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول » الفصل الرابع في تقسيم اللفظ إلى مفرد ومركب » المسألة الخامسة الحقيقة والمجاز » البحث الثالث ثبوت الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية
البحث الثالث : في ثبوت الحقيقة اللغوية ، والعرفية ، والشرعية .

قد اتفق أهل العلم على ثبوت الحقيقة اللغوية والعرفية ، واختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية ، وهي اللفظ الذي استفيد من الشرع وضعه للمعنى ، سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة ، أو كانا معلومين ، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى ، أو كان أحدهما مجهولا والآخر معلوما .

وينبغي أن يعلم قبل ذلك الخلاف والأدلة من الجانبين ، أن الشرعية هي اللفظ المستعمل فيما وضع له بوضع الشارع ، لا بوضع أهل الشرع ، كما ظن .

فذهب الجمهور إلى إثباتها ، وذلك كالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والمصلي ، [ ص: 96 ] والمزكي ، والصائم ، وغير ذلك ، فمحل النزاع الألفاظ المتداولة شرعا ، المستعملة في غير معانيها اللغوية .

فالجمهور جعلوها حقائق شرعية ، بوضع الشارع لها .

وأثبت المعتزلة أيضا مع الشرعية حقائق دينية ، فقالوا : إن ما استعمله الشارع في معان غير لغوية ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول : الأسماء التي أجريت على الأفعال ، وهي الصلاة والصوم والزكاة ونحو ذلك .

والقسم الثاني : الأسماء التي أجريت على الفاعلين ، كالمؤمن والكافر والفاسق ونحو ذلك .

فجعلوا القسم الأول حقيقة شرعية ، والقسم الثاني حقيقة دينية ، وإن كان الكل على السواء في أنه عرف شرعي .

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض المتأخرين ورجحه الرازي : إنها مجازات لغوية غلبت في المعاني الشرعية لكثرة دورانها على ألسنة أهل الشرع .

وثمرة الخلاف : أنها إذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة ، هل تحمل على المعاني الشرعية أو على اللغوية ؟ فالجمهور قالوا بالأول والباقلاني ومن معه قالوا بالثاني .

قالوا : أما في كلام المتشرعة فيحمل على الشرعي اتفاقا ; لأنها قد صارت حقائق عرفية بينهم ، وإنما النزاع في كون ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل على تلك المعاني بلا قرينة ، فتكون حقائق شرعية ، أو بغلبتها في لسان أهل الشرع فقط ، ولم يضعها الشارع ، بل استعملها مجازات لغوية لقرائن ، فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية .

احتج الجمهور بما هو معلوم شرعا من أن الصلاة في لسان الشارع وأهل الشرع لذات الأذكار والأركان ، والزكاة لأداء مال مخصوص ، والصيام لإمساك مخصوص ، والحج لقصد مخصوص ، وأن هذه المدلولات هي المتبادرة عند الإطلاق ، وذلك علامة الحقيقة ، بعد أن كانت الصلاة في اللغة للدعاء ، والزكاة للنماء ، والصيام للإمساك [ ص: 97 ] مطلقا ، والحج للقصد مطلقا .

وأجيب عن هذا : بأنها باقية في معانيها اللغوية ، والزيادات شروط ، والشرط خارج عن المشروط .

ورد : بأنه يستلزم أن لا يكون مصليا من لم يكن داعيا كالأخرس .

وأجيب أيضا : بأنه لا يلزم من سبق المعاني الشرعية عند الإطلاق ثبوت الحقائق الشرعية ; لجواز صيرورتها بالغلبة حقائق عرفية خاصة لأهل الشرع ، وإن لم تكن حقائق شرعية بوضع الشارع .

ورد : بأنه إن أريد بكون اللفظ مجازا أن الشارع استعمله في معناه لمناسبة للمعنى اللغوي ، ثم اشتهر فأفاد بغير قرينة ، فذلك معنى الحقيقة الشرعية ، فثبت المدعي ، وإن أريد أن أهل اللغة استعملوه في هذه المعاني ، وتبعهم الشارع في ذلك ، فخلاف الظاهر للقطع بأنها معان حادثة ، ما كان أهل اللغة يعرفونها .

واحتج القاضي ومن معه : بأن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني لو لم تكن لغوية ، لما كان القرآن كله عربيا ، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم .

أما الملازمة : فلأن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن ، فلو لم تكن إفادتها لهذه المعاني عربية لزم أن لا يكون القرآن عربيا .

وأما فساد اللازم : فلقوله سبحانه : قرآنا عربيا وقوله : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه .

وأجيب : بأن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني وإن لم تكن عربية لكنها في الجملة ألفاظ عربية ، فإنهم كانوا يتكلمون بها في الجملة ، وإن كانوا يعنون بها غير هذه المعاني ، وإذا كان كذلك كانت هذه الألفاظ عربية ، فالملازمة ممنوعة .

وأجيب أيضا : بأنا لا نسلم أنها ليست بعربية على تسليم أنها مجازات لغوية ، جعلها الشارع حقائق شرعية ; لأن المجازات عربية ، وإن لم يصرح العرب بآحادها ، فقد جوزوا نوعها ، وذلك يكفي في نسبة المجازات بأسرها إلى لغة العرب ، وإلا لزم أنها كلها ليست بعربية ، واللازم باطل ، فالملزوم مثله .

ولو سلمنا أن المجازات العربية التي صارت حقائق بوضع الشارع ليست بعربية ، لم [ ص: 98 ] يلزم أن يكون القرآن غير عربي بدخولها فيه ; لأنها قليلة جدا ، والاعتبار بالأغلب ، فإن الثور الأسود لا يمنع إطلاق اسم الأسود عليه بوجود شعرات بيض في جلده ، على أن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه ، وعلى كل - بعض منه ، فلا تدل الآية على أنه كله عربي ، كما يفيده قوله في سورة يوسف : إنا أنزلناه قرآنا عربيا والمراد منه تلك السورة .

وأيضا : الحروف المذكورة في أوائل السور ليست بعربية ، والمشكاة لغة حبشية ، والإستبرق والسجيل فارسيان ، والقسطاس من لغة الروم .

وإذا عرفت هذا تقرر لك ثبوت الحقائق الشرعية ، وعلمت أن نافيها لم يأت بشيء يصلح للاستدلال كما أوضحناه ، وهكذا الكلام فيما سمته المعتزلة حقيقة دينية ؛ فإنه من جملة الحقائق الشرعية كما قدمنا ، فلا حاجة إلى تطويل البحث فيه .


فما المراد بها وعلى أي شيء تحمل