تفصيل الرازي في مسألة ''لا يصح أن تقول الأصل في الأشياء الإباحة''
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تفصيل الرازي في مسألة ''لا يصح أن تقول الأصل في الأشياء الإباحة''

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    55

    افتراضي تفصيل الرازي في مسألة ''لا يصح أن تقول الأصل في الأشياء الإباحة''

    اعلم أنا بينا في أول هذا الكتاب أنه لا حكم قبل الشرع
    وأجبنا عن شبه المخالفين ونريد الآن أن نبين أن
    الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع بأدلة الشرع فإن ذينك أصلان نافعان في الشرع
    أما الأصل الأول فالدليل عليه وجوه
    المسلك الأول
    التمسك بقوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا واللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع فإن قيل لا نسلم أن اللام تقتضى الاختصاص بجهة الانتفاع والدليل عليه قوله تعالى
    وإن أسأتم فلها
    لله ما في السماوات والأرض
    ففي هاتين الآيتين يمتنع أن تكون اللام للاختصاص بالمنافع ولأن النحاة قالوا اللام للتمليك وهو غير ما قلتموه
    سلمنا ذلك ولكنه يفيد مسمى الانتفاع أو يفيد كل الانتفاعات
    الأول مسلم ويكفى في العمل بها حصول فرد واحد الانتفاعات وهو الاستدلال بها على الصانع تعالى
    والثاني ممنوع فما الدليل
    سلمنا أنه يفيد كل الانتفاعات لكن بالخلق لأن اللام داخلة على الخلق فلم قلت إن المخلوق كذلك
    سلمنا أنه يفيد الانتفاع بالمخلوق لكن لكل واحد في حال واحد لأن هذا مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد فقط
    سلمنا أنه يفيد العموم لكن كلمة في للظرفية فيدل على إباحة كل ما في داخل الأرض وهو الركاز والمعادن فلم قلتم إن ما على الأرض كذلك
    سلمنا إباحة كل ما على الأرض لكن في ابتداء الخلق لأن قوله خلق لكم يشعر بأنه حالما خلقتها إنما خلقها لنا فلم قلتم إنه بقي في الدوام كذلك فإن قلت الأصل في الثابت البقاء قلت هذا فيما يحتمل البقاء لكن كونه مباحا صفة والصفة لا تبقى
    سلمنا الإباحة حدوثا وبقاءا لكن لمن كان موجودا وقت ورود هذا الخطاب لأن قوله تعالى خلق لكم خطاب مشافهة فيختص بالحاضرين
    سلمنا أنه يدل على اختصاصها بنا لكن قوله تعالى لله ما في السماوات وما في الأرض ينافي ذلك
    والجواب الدليل على أن اللام تفيد المنفعة قوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وقال عليه الصلاة والسلام النظرة الأولى لك والثانية عليك وقال عليه الصلاة والسلام له غنمه وعليه غرمه
    ويقال هذا الكلام لك وهذا عليك
    غاية ما في الباب أنها جاءت في سائر المواضع لمطلق الاختصاص فنقول لو جعلناه حقيقة في الاختصاص النافع أمكن جعله مجازا في مسمى الاختصاص لأن مسمى الاختصاص جزء من الاختصاص النافع والجزء لازم للكل واللفظ الدال على الشيء يصح جعله مجازا عن لازمه
    أما لو جعلناه حقيقة لمسمى الاختصاص لم يكن الاختصاص النافع لازما لأن الخاص لا يكون لازما للعام وإذا لم يوجد اللزوم لم يجز جعله مجازا عنه
    وأما قول النحاة اللام للتمليك فلم يريدوا أنها حقيقة للملك وإلا لبطل بقوله الجل للفرس بل مرادهم الاختصاص النافع وهو عين ما قلناه
    قوله يكفي حصول فرد من أفراد الانتفاعات وهو الاستدلال بها على الصانع تعالى
    قلنا لا يمكن حمل الآية على هذا النفع لأن هذا النفع حاصل لكل مكلف من نفسه فإن يمكنه الاستدلال بنفسه على الصانع وإذا حصل له هذا النفع من نفسه كان تحصيل هذا الجنس من النفع من غيره ممتنعا لأن تحصيل الحاصل محال
    قوله اللام داخلة على الخلق فلم قلت المخلوق كذلك
    قلنا الخلق هو المخلوق لقوله تعالى هذا خلق الله أى مخلوق الله
    وبتقدير أن يكون الخلق غير المخلوق لكن لا نفع للمكلف في صفة الله تعالى فوجب أن يكون المراد ها هنا من الخلق المخلوق
    قوله مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد
    قلنا لا نسلم أن هذا مقابلة الجمع بالجمع بل هذا يجرى مجري تمليك الدار الواحدة لشخصين فكما أن ذلك يقتضي تعلق حق كل واحد منهما لا بجزء معين من الدار بل بجميع أجزاء الدار فكذا ها هنا
    قوله كلمة في لا تتناول إلا ما كان في باطن الأرض
    قلنا لا نسلم بدليل قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة قوله هب أنه ثبت هذا الحكم في الابتداء فلم قلت إنه يدوم
    قلنا لأن الأصل فيما يثبت بقاؤه
    قوله هذا الاختصاص صفة فلا تقبل الدوام
    قلنا لكن حكم الله تعالى صفة فهي واجبه الدوام
    قوله هب أن هذا الحكم ثبت للمخاطبين بهذا الخطاب فلم قلت إنه يثبت في حقنا
    قلنا لأن الله تعالى لما حكم بذلك في حقهم وقد حكم به الرسول أيضا في حقهم فوجب أن يكون قد حكم به أيضا في حقنا لقوله عليه الصلاة والسلام حكمي في الواحد حكمي في الجماعة قوله هذا معارض بقوله تعالى لله ما في السماوات وما في الأرض
    قلنا التعارض إنما يثبت أن لو ثبت في الموضعين بمعنى واحد وهو محال لأن الذي أثبتناه في حقنا هو الاختصاص النافع وذلك في حق الله تعالى محال فإذن لا تعارض بل ذلك الاختصاص ليست إلا بجهة الخلق والإيجاد
    المسلك الثاني
    قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق أنكر الله تعالى على من حرم زينة الله فوجب أن لا تثبت حرمة زينة الله وإذا لم تثبت حرمة زينة الله امتنع ثبوت الحرمة في كل فرد من أفراد زينة الله لأن المطلق جزء من المقيد فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراد زينة الله تعالى لثبتت الحرمة في زينة الله تعالى وذلك على خلاف الأصل وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة
    المسلك الثالث
    أن الله تعالى قال أحل لكم الطيبات وليس المراد من الطيب الحلال وإلا لزم التكرار فوجب تفسيره بما يستطاب طبعا وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها
    المسلك الرابع القياس
    وهو أنه انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك قطعا ولا على المنتفع ظاهرا فوجب أن لا يمنع كالاستضاءة ب ضوء سراج الغير والاستظلال بظل جداره
    إنما قلنا إنه لا ضرر فيه على المالك لأن المالك هو الله تعالى والضرر عليه محال
    وأما ملك العباد فقد كان معدوما والأصل بقاء ذلك العدم ترك العمل به فيما وقع اتفاق الخصم على كونه مانعا فيبقى في غيره على الأصل
    فإن قيل فهذا يقتضي القول بإباحة كل المحرمات لأن فاعلها ينتفع بها ولا ضرر فيها على المالك ويقتضى سقوط التكاليف بأسرها ولا شك في فساده
    وأيضا فالقياس على الاستضاءة والاستظلال غير جائز لأن المالك لو منع من الاستضاءة والاستظلال قبح ذلك منه والله تعالى لو منعه من الانتفاع لم يقبح
    والجواب عن الأول أنا احترزنا عنه بقولنا ولا ضرر على المنتفع ظاهرا وها هنا في فعل ما نهى الله عنه ترك ما أمر به ضرر أما على قول المعتزلة فلأنه لولا اشتمال الفعل والترك على جهة لأجلها حصل النهي وإلا لما جاز ورود النهي
    وأما عندنا فلأن الله تعالى لما توعدنا بالعقاب عليه كان مشتملا على الضرر فلم يكن واردا علينا
    وعن الثاني أنه لا يجب أن يكون الفرع مساويا للأصل من كل الوجوه بل يكفي حصول المساواة فيه من الوجه المقصود
    المسلك الخامس
    وهو أن الله تعالى خلق الأعيان إما لا لحكمة أو لحكمة والأول باطل لقوله تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين وقوله أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ولأن الفعل الخالي عن الحكمة عبث والعبث لا يليق بالحكيم وأما إن كان خلقها لحكمة فتلك الحكمة إما عود النفع إليه أو إلينا
    والأول محال لاستحالة الانتفاع عليه فتعين أنه تعالى إنما خلقها لينتفع بها المحتاجون وهذا يقتضي أن يكون المقصود من الخلق نفع المحتاج وإذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان
    فإن منع منه فإنما يمنع لأنه بحيث يلزمه رجوع ضرر إلى محتاج
    فإذا نهانا الله تعالى عن بعض الانتفاعات علمنا أنه تعالى إنما منعنا منها لعلمه باستلزامها للمضار إما في الحال أو في المآل ولكن ذلك على خلاف الأصل
    فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة وهذا النوع من الكلام هو اللائق بطباع الفقهاء والقضاة وإن كان تحقيق القول فيه لا يتم إلا مع القول بالاعتزال
    أما الأصل الثاني وهو أن الأصل في المضار الحرمة فهذا يستدعي بحثين
    أحدهما البحث عن ماهية الضرر
    والثاني إقامة الدليل على حرمته
    أما الأول فقد قالوا الضرر ألم القلب لأن الضرب يسمى ضررا وتفويت منفعة الإنسان يسمى إضرارا والشتم والاستخفاف يسمى ضررا ولا بد من جعل اللفظ اسما لمعنى مشترك بين هذه الصور دفعا للاشتراك وألم القلب معنى مشترك فوجب جعل اللفظ حقيقة فيه فان قيل أتعني بألم القلب الغم والحزن أم شيئا آخر
    الأول باطل لأن من خرق ثوب إنسان أو خرب داره وكان المالك غافلا عن هذه الحالة يقال أضربه مع أنه لم يوجد الغم والحزن وإن عنيت به شيئا آخر فبينه نزلنا عن الاستفسار فلم قلت الضرر ألم القلب
    قوله لا بد من معنى مشترك في مواضع الاستعمال
    قلنا هذا مسلم لكن لم قلت إنه لا مشترك إلا ألم القلب بل ها هنا مشترك آخر وهو تفويت النفع فما الدليل على أن ما ذكرتموه أولى
    ثم الذي يدل على أن ما ذكرناه أولى أن النفع مقابل الضرر والنفع تحصيل المنفعة فوجب أن يكون الضرر إزالة المنفعة وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون حقيقة فيما ذكرتموه دفعا للاشتراك
    سلنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الضرر ألم القلب لكنه معارض بوجهين
    الأول أن من خرب دار إنسان وكان المالك غافلا عنه يقال أضربه مع أنه لم يوجد هناك ألم القلب لأن ألم القلب لا يحصل إلا بعد الشعور به
    الثاني قوله تعالى قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أخبر أن عبادة الأصنام لا تضرهم مع أنها تؤلم قلوبهم يوم القيامة لأنهم يعاقبون بذلك
    فثبت أن الضرر ليس ألم القلب
    والجواب أن القلب إذا ناله غم وحزن انعصر دم القلب في الباطن وانعصار دم القلب في الباطن إنما يكون لانعصار القلب في نفسه وانعصار العضو مؤلم له لأن أي عضو عصرته فإنه يحصل منه ألم فالمراد من ألم القلب تلك الحالة الحاصلة له عند ذلك الانعصار فظهر بهذا أن ألم القلب مغاير للغم وإن كان مقارنا له وغير منفك عنه
    وأما من خرق ثوب إنسان فإنما يقال أضربه على معنى أنه أوجد ما لو عرفه لحصل الضرر لا محالة وهو في الحقيقة إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا
    قوله لم قلت لا مشترك سواه
    قلنا لأن المشترك الآخر كان معدوما والأصل بقاؤه على العدم
    قوله تفويت النفع أيضا مشترك
    قلنا لا يجوز جعله مسمى الضرر لأن البيع والهبة حصل فيهما تفويت النفع لأن البائع فوت على نفسه الانتفاع بعين المبيع مع أن ذلك لا يسمى ضررا
    قوله الضرر في مقابلة النفع
    قلنا هب أنه كذلك لكن النفع عبارة عن تحصيل اللذة أو ما يكون وسيلة إليها والضرر عبارة عن تحصيل الألم أو ما يكون وسيلة إليه
    وأما الآية فنقول لا نسلم أن الأصنام تضرهم في الدنيا ولا في الآخرة بل الذي يضرهم في الآخرة عبادتها فزال السؤال
    المقام الثاني في إقامة الدلالة على حرمة الضرر والمعتمد فيه قوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا إضرار في الإسلام والكلام على التمسك بهذا النص اعتراضا وجوابا مشهور في الخلافيات.

    المحصول في أصول الفقه للرازي 6
    قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله:: "(ما تكلَّمتُ بكلمةٍ، ولا فعلتُ فعلاً، إلا أعددتُ لذلك جواباً بين يدي الله تعالى)إذا جالت النصوص في ميادين الكفاح طارت العقول على أسنة الرماح

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    44

    افتراضي رد: تفصيل الإمام الرازي في مسألة ''لا يصح أن تقول الأصل في الأشياء الإباحة''

    فوائد ماتعة

    بوركتَ أخي الكريم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    6

    افتراضي رد: تفصيل الرازي في مسألة ''لا يصح أن تقول الأصل في الأشياء الإباحة''

    جزاك الله خيرا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •