بيان فضيلة الشيخ: علي ونيس بشأن التفجيرات الأخيرة بمدينة الإسكندرية


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..


فقد روعني خبر الانفجار الذي تم في مدينة الإسكندرية عندما بلغني خبره صباح يوم السبت 1/1/2011 ميلادي، وذلك لما هو معلوم من دين الإسلام الذي لا يقر الفوضى التي تنتج عن مثل هذه الأعمال التي لا توصف بأقل من أنها إجرامية.


وقد دلنا على ذلك ما ورد من نصوص مؤكدة لحرمة الدماء والأموال في الإسلام، يستوي في ذلك المسلم والكافر، بل الحيوان والطير، ومن ذلك تحريم الاعتداء على:


الذ مي: وهو من أقام بدار الإسلام إقامة دائمة بأمان مؤبّد.


المعاهد: وهو العقد الذي يكون بين أهل بلدة غير مسلمة مع بلدة مسلمة.


المستأمن: وهو الحربي الذي يدخل دار الإسلام بأمانٍ مؤقت لأمر ما [1]


فهولاء يحرم الاعتداء عليهم للنصوص الشرعية الكثيرة المؤكدة لذلك، ومنها:


1ـ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي e قال: ( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً ) [2]


2 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي e قال: ( ألا من قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر ذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا ً) [3]


3 ـ عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله e:(من قتل معاهداً في غير كنهه [4]حرَّم الله عليه الجنة ) [5]


وفي رواية ( من قتل نفساً معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها ) [6]


قال الشوكاني رحمه الله : ( المعاهد: هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان،فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: )وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ( [7]


وقد أجمع العلماء قاطبة على تحريم الغدر على وجه العموم [8]


ومن النصوص المحرمة للاعتداء على الكافر الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ


)فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً ( [9]


وإذا كان هذا الوعيد في الاعتداء على غير المسلم فكيف بالمسلم؟!


وقد كان تعظيم الله لحرمة المؤمن من آخر ما أوصى به النبي e أمته فقال في خطبة حجة الوداع فقال: ( إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ,في شهركم هذا في بلدكم هذا) ثم قال e: ( ألا هل بلغت اللهم فاشهد ) [10]


وقالe:(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) [11]


وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بقوله سبحانه في حق المؤمن )وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا( [12]


و قال e (كلّ ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يقتل المؤمن متعمداً، أو الرجل يموت كافراً) [13]


قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) [14]


وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e : (لن يزال المؤمن في فُسْحةٍ من دينه ما لم يُصب دماً حراماً) [15]


وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله e قال: ( لزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتْل مؤمنٍ بغير حق) [16]


حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله e : ( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ) [17]


قال الشوكاني رحمه الله : ( ففي هذا الحديث تغليظ أمر الدماء وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، وذلك لعظم أمرها وشدة خطره) [18]


قال ابن حجر رحمه الله : ( في الحديث عظم أمر الدم. فإن البداءة إنما تكون بالأهم. والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة. وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك) [19]


بل حرم الاعتداء على الحيوان البهيم الذي لا مقارنة بين حرمته وحرمة الآدمي، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله e قال:(دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعْها تأكل من خشاش الأرض) [20]


وفي رواية لهما: ( عذّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار.لا هي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) [21]


فإذا كانت هذه عقوبة قتل الحيوان بغير حق، فكيف بقتل الآدمي المعصوم، وكيف بالمسلم، وكيف بالتقي الصالح؟! [22]


والواجب على أهل العلم أن يبصروا الناس بهذه الحقائق حتى يكونوا على معرفة تامة بدينهم، لأن مثل هذه التفجيرات إما أن تكون من أعداء الدين ممن لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ـ وهذا هو الغالب ـ يريدون بذلك إثارة الفتنة وتأليب الناس بعضهم على بعض، بل وتأليب الحكومات على شعوبهم.


وإما أن تكون من قوم يظنون أن هذا من الحق والصواب ـ وليس كذلك ـ فيندفعون نحوه دون دراية منهم، ولا يفعل أحد هذا في ظني إلا إذا كان من جنود هؤلاء الكفار أعداء الأمن والسلام "كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله".


وعلى كل الأحوال فالعلاج الناجع والدواء النافع أن نفسح المجال لعلماء الأمة ليبصروا الناس بحقيقة دينهم وليعرفوا من هو العدو حقا.


فالجهل أصل ضلال الخلق قاطبة *** وأصل شقوتهم طرا وظلمهم


والعلم أصل هداهم مع سعادتهم *** فلا يضل ولا يشقى ذوو الحكم


ولذا فإننا نقول: لا يجوز في دين الإسلام التفجير الذي ينتج عنه خلل بالأمن، وإزهاق للنفوس، وترويع للآمنين، وإفساح لوصاية أعدائنا علينا، وإتلاف للأموال، وغير ذلك.


ونقول: الواجب على الحكومات أن تقف جنبا إلى جنب مع علمائها، وأن تضع يدها في أيديهم لزيادة الثقافة الرشيدة، ولتثبيت الكلمة السديدة.


والله هو الهادي إلى سواء السبيل.


وكتبه/ علي محمد ونيس

أجهور الكبرى ـ طوخ ـ قليوبية.