نقْضُ مَقَالَةِ [ أَقْوَالُ العُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي ابْنِ تَيْمِيَةَ –رحمه الله-}



أبو همام السعدي


الحمد لله ربِّ العالمين حمداً سرمداً كثيراً على ما رزقنا به من الهداية , ووقانا بفضله من الغواية , وجعلَ الحقَّ ناصباً أمام الأعينِ , لمن أرادَ الاستضاءةَ من نوره والقطفَ من ينابيعهِ .


لكَ الحمدُ والنعْماء والملك ربَّنا *** فلا شيءَ أعلى منكَ مجداً وأمجدُ



مليكٌ على عرشِ السماء مهيمنٌ *** لعزَّتِهِ تعنـو الوجوهُ وتَسجـدُ



* وإنَّ من الحقِّ الذي لا ريبَ فيها ولا جدالَ , ولا مماطلة ولا مخاصمة , ولا مقارحة ولا مطارحة , هو إمامةُ شيخِ الإسلام وعلامة الزمان إمام الأتقياء وخيار العلماء , ناصرُ السنة وقامع البدعة , أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميةَ الحراني –رحمه الله- .

ولما كانَ ذلكَ كذلكَ عدلتُ فكراً أن أورِدَ ما جاءَ في مدحِهِ من أئمةِ زمانهِ, ومشايخِ أعدائه, ذلكَ أنه صارَ من الأمور اليقينية القطعية , ولا عجبَ ولا غروَ فذاك شيخ الإسلام !

ولكنَّ الغرابةُ المستغربة التي تَلْقانا بينَ الحينِ والآخر , حينما تجدُ من نصبَ نفسَهُ وكدَّ فكرَهُ للعداوةِ على شيخِ الإسلام , وهو على حالتين مرماتين:
فإما أن ينشأَ ذلكَ من إبداعاتِ فكرِه , وبرايات قلمهِ , ويراعات أنمله , فهؤلاءِ كثُرُ يغني سوقهِ في بطلانهِ فضلاً عن نقضِهِ .
وإمَّا أن ينقلَ عن غيرهِ من الأئمةِ المعلمين , والجهابذةِ المحققين , زوراً وبهتاناً , فيوحي للقارئ فكراً خارجاً عن مفتكرهِ , وظنَّا بعيداً عن مظنونه , وقولاً مستبعداً عن مقوله .

ونحوُ ما وجدتُهُ ما من الحالةِ الأخرى : ما رأيتُهُ موسوماً في بعض المقالاتِ (أقوال العلماء الراسخين في ابن تيمية –رحمه الله-) فما راعَ ظنِّي إلاَّ خَيراً , ولم يتوقع ذهني مُراً , فوجدته يريدِ التدليل والاستدلال على "بطلانِ عقيدةِ شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-" على ما قاله شيخُ المحققين وإمام المحدثين الحافظ ابن حجرٍ العسقلاني في كتابهِ الثمين " الدرر الكامنة في أعيانِ المائة الثمانية " ونصُّ ما نقلهُ هذا الرجل من كلامِ ابن حجر على شيخ الإسلام ابن تيمية:


قال الحافظابن حجر في ( الدرر الكامنة ج1 ص155 فصل : من اسمه أحمد ) وهو يتحدث عن بن تيمية :
((...فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله أن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقيةلله وأنه مستوٍ على العرش بذاته فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام فقال أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام فالذم بأنه يقول بتحيز في ذاتالله
ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله أن النبي صلّى اللهعليه وسلّم لا يستغاث به وأن في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي صلّى الله عليهوسلّم وكان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري فإنه لما له عقد المجلس بسبب ذلكقال بعض الحاضرين يعذر فقال البكري لا معنى لهذا القول فإنه إن كان تنقيصاً يقتلوا إن لم يكن تنقيصاً لا يعذر
ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي ما تقدم ولقوله أنه كان مخذولا حيث ما توجهوا أنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة ولقوله أنه كانيحب الرياسة وأن عثمان كان يحب المال ولقوله أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول وعليأسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه على قول وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل ومات مانسيها من الثناء على... وقصة أبي العاص ابن الربيع وما يؤخذ من مفهومها فإنه شنع فيذلك فألزموه بالنفاق لقوله صلّى الله عليه وسلّم " ولا يبغضك إلا منافق "
ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرتويطريه فكان ذلك مؤكداً لطول سجنه وله وقائع شهيرة وكان إذا حوقق وألزم يقول لم أرهذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالاً بعيداً ..)) . انتهى نصُ مقالتهم.

فأقولُ كلماتٌ أنهي بذلكَ مرادي , حتَّى لا ألَـامَ في مضيِّ وقتـي معَ هؤلاء :

أولاً: أين همْ " العلماء الراسخون " فيما تدَّعون ؟ أم ألجأتكم القلةِ لادعاءِ الكثرة !! وهذا هو حال الفالسين, وبعدَ هذا تزعمونَ أن شيخ الإسلام فرَّق بين الأنام , وسمَّ علينا بالأفكار الفاسدة , والآراء الكاسدة !! – نعوذ بالله من الخذلان - .

الكَذبُ عارٌ وخيرُ القَولِ أصدقُهُ *** والحقُّ ما مسَّهُ من بَاطلٍ زَهَقَا


ثانياً: لمَ اخترتمْ شيخكم الحافظ ابن حجرٍ العسقلاني عن غيرهِ من العلماء ِ! , فإن كانَ اختياركم له لأجلِ –رسوخِهِ في العلمِ- فسنعطيكم من هو في منزلةِ رسوخ الإمام ابن حجرٍ –رحمه الله- أضعافا مضاعفة من أهلِ الحديث (عندنا وعندكم) في مدحِهِ والثناءِ عليهِ من صحيحِ معتقدهِ وسلامةِ أفكارهِ , وإن كانَ اختياركم له - لبعضِ أشعريتِهِ – الموافقة لأهوائكم فما على "ضيرٍ من عتب" !
ثالثاً: ثم هل بوسعكم أن تنقلوا لنا ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية الكاملة على ما ذكرها الحافظُ ابن حجرٍ –رحمه الله- في " الدرر الكامنة " ولكن هذه سنَّةُ الكونِ أن أهل البدعة يأخذون ويحبون ما يُوافقُ مبتغاهم , ويتركونَ ويؤلونَ ما عليهم , وهذا ما كان في نقلهم لمرداهم من كلام الإمام ابن حجر , فإنهم وجدوا بقية ما ينقله الإمام ابن حجرٍ عن ابن تيمية من المدحِ والثناءِ " غصةٌ شديدةٌ " في حلوقهم !! فاللهم لكَ الحمدُ على ما هديتنا به وأرشدتنا .
رابعاً: ألاَ يكونُ بوسعكم معرفةُ ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية من الكتب المترجمةِ ! , لا أدري , قد يكون هذا ثقيلاً على عقولكم , لكن أكفيكم المؤنةَ أن تقرؤوا " ترجمةَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله " في كتابِ الإمام الحافظ (ابن حجرٍ العسقلاني) في كتابه (الدرر الكامنة) - الذي نقلتم منه عليه - فتعرفوا منزلةَ شيخ الإسلام, وعدمُ اعتراضه الحافظ على شيءٍ مما سطَّره وأفاضه , وبوسعي نقلُ ذلكَ جميعه للقارئ المتبصِّر , ولكن لا أحب كثرةَ القولِ فيبعدُ الغرض المراد لكن أكتفي بما قاله ابن حجر في "الدرر الكامنة" ما نصُّه:
قال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الفتح اليعمري -في ترجمة ابن تيمية-: حذاني -يعني المزي- على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين فألفيته ممن أدرك من العلوم حظاً وكان يستوعب السنن والآثار حفظاً إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذكر في الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه كان يتكلم في التفسير فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحره العذب النمير، يرتعون من ربع فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد، وألب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلاماً، أوسعوه بسببه ملاماً، وفوقوا التقديعة سهاماً، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدق باطن منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر على ما زعم بوائق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه، واستغاثت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأعمل كل منهم في كفره وفكره، فرتبوا محاضر، وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية فنقل، وأودع السجن ساعة حضوره واعتقل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قوماً من عمار الزوايا وسكان المدارس، ما بين مجامل في المنازعة، ومخاتل بالمخادعة، ومجاهر بالتكفير مبادي بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وليس المجاهر بكفره، بأسوأ حالاً من المجامل، وقد دبت إليه عقارب مكره، فرد الله كل كيد في نحره، ونجاه على يد من اصطفاه والله غالب على أمره، ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلى محنة، إلى أن فوض أمره إلى بعض القضاة فتقلد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله وانتقاله، وإلى الله ترجع الأمور، وهو مطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكان يومه مشهوداً ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كل فج عميق، يتقربون بمشهده يوم يقوم الإشهاد، ويتمسكون بسريره حتى كسروا تلك الأعواد. انتهى.

ليتَ المدائح تستوفي مناقبَـهُ *** فما كليبٌ وأهل الأعصر الأُوَلُ



خذ ما تراهُ ودعْ شيئاً سمعتَ بهِ *** في طلعةِ البدرِ ما يغنيكَ زحلُ



خامساً: وأما مقالةُ ابن حجرٍ –رحمه الله- في الترجمة (ومنهم من نسبه...ومنهم من اتهمه....) فوالله لا يغني عندكم هذا من الحقِّ شيئاً {إن يتبعونَ إلاَّ الظنَّ وما تهوَى الأنفس} ألمْ يُتهم رسول الله –صلى الله عليهِ وسلم- بالجنونِ؟ وبالسحرِ؟ وبالكذب؟ - مع الفارق الكبير – ولكنْ ما أرمي إليهُ هو أنه " ليسَ مجرد الاتهام يعني صدق المقالة أو صحتها " فشيخُ الإسلامُ ابن تيمية هو المتبِّع لنصوصِ الكتابِ والسنةِ , المستضيء بفهم السلف الصالح , القائل بالحجةِ والبرهان , الناطق بالعدل والحق الذي لا يُرام . هذا ما تقرَّر لدى المترجمين , وتبيَّن من فتاويه ومؤلفاته بحقِّ اليقين .
وصدق بشار بن برد في ديوانه إذ يقول:


ومن كان ذا فهمٍ بليدٍ وعقله *** به علَّة عاب الكلام المُنقَّحا



سادساً: وأخيراً إنَّ المفلسينَ في تقرير أقوالهم الزائفة من أهل المساكين , وليسَ بوسعِ هذا المسكين إلاَّ تجميل وتعظيم عبارته وعنوانه حتى يكونَ عندَ القارئ نوعُ صحةٍ مما يَرمي إليه ! ولكن أقول ما قاله ربُّ العزِّة سبحانه {إنَّ الله يدافع عن الذين آمنوا} وكفانا بهذه الآية فخراً وحقيقةً .


كذا فليجلَّ الخطبُ ولْيفدحِ الأمرُ *** فليسَ لعيْنٍ لم يَفِض ماؤها عُذْرُ



كأنَّ بنـي نبْهَـانَ يـومَ وفاتِهِ *** نجومُ سماءٍ خرَّ من بينِـهَا البدْرُ



والله المستعان لا ربَّ لنا سواه ...
وكتبه أبو همام السعدي
3 / 1 /2011 م
al.sa3dey@gmil.com