(( أسباب حصول الفتن وسبيل النجاة منها )) لسماحة المفتي العلامة عبد العزيز آل الشيخ
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: (( أسباب حصول الفتن وسبيل النجاة منها )) لسماحة المفتي العلامة عبد العزيز آل الشيخ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي (( أسباب حصول الفتن وسبيل النجاة منها )) لسماحة المفتي العلامة عبد العزيز آل الشيخ


    أسباب حصول الفتن
    وسبيل النجاة منها

    لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

    مفتي عام المملكة العربية السعودية

    ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
    - حفظه الله ورعاه -


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد :

    فإن المتأمل في حال أمة الإسلام وما آلوا إليه من تفرق وضعف وما يجري عليهم من مصائب وفتن ليتألم أشد الألم، لكن المؤمن الحق لا ييأس من روح الله ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [سورة يوسف الآية 87 ] فواجب علينا أن نبحث عن الأسباب التي أوصلتنا لهذه الحالة ومن ثم نتلمس طرق العلاج على ضوء الكتاب والسنة، فإن الله سبحانه حكيم عليم ربط الأسباب بمسبباتها وهو سبحانه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، هذا وإن أخطر ما بليت به أمة من الأمم أن تؤتى من داخلها من أبنائها وهذا من أخطر الأدواء وأعظم المصائب، يقول الله عز وجل مهددا ومتوعدا : ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [سورة الأنعام الآية 65 ]

    فهذا من أعظم أنواع العذاب فأعظمها أن يأتي العذاب من فوق، ثم من تحت الأرجل، ثم أن يلبس الناس شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، فعن جابر رضي الله عنه قال: (( لما نزلت هذه الآية ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾ [سورة الأنعام الآية 65] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجهك. قال: ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾[سورة الأنعام الآية 65 ] قال: أعوذ بوجهك. ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [سورة الأنعام الآية 65 ]
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( هذا أهون - أو هذا أيسر- )) أخرجه البخاري .

    فإذا كان هذا النوع على ما فيه من الشدة والبلاء هو أيسر نوعي العذاب الذي توعد الله به عباده فالواجب الحذر.

    أيها الإخوة في الله.. إن خطر هذا النوع من العذاب يكمن في أمور:

    أولا : أنه نوع من أنواع العذاب التي تنبي عن سخط الجبار عز وجل.

    وثانيها : أن نبي الهدى والرحمة محمد صلى الله عليه وسلم علم خطرها واستشعرها، ومن رحمته بأمته جعلها إحدى ثلاث دعوات دعا بهن ربه عز وجل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة. سألت ربى: ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها )) أخرجه مسلم .

    وثالثها : أن الأمة حيث تصاب من داخلها تكون مصيبتها في نفسها وعدوها منها، فإن حاربت وقاتلت فإنما يقاتل المرء أخاه، وإن سكتت وكفت سكتت على بلاء عظيم يزداد سوءا وخطرا فهي فتنة يظل فيها الحليم حيرانا.

    ومعنى أن يلبس الناس شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( الأهواء والاختلاف ). وقال مجاهد : يعني ما فيهم من الاختلاف والفتن. وعنه: أنها الأهواء المتفرقة.

    وقال ابن زيد : الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك دماء بعضهم بعضا [جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري ( سورة الأنعام آية رقم 265 ) ] .

    ولما كان التفرق والتحزب بلاء ونقمة نهى الله عباده عن القصد إليه وأمرهم بالاجتماع على الحق، فقال سبحانه : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [سورة آل عمران الآية 103] وأخبر أن نبيه صلى الله عليه وسلم بريء من الذين فرقوا دينهم، قال سبحانه : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ [سورة الأنعام الآية 159] وكذلك حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من التفرق والتحزب والتشيع. يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) . وفي بعض الروايات بزيادة : (( كلها في النار إلا فرقة )) .

    والمقصود أن التفرق عقوبة من الله عز وجل وهو أيضا محرم على أهل الإسلام فلا يجوز لهم السعي في الافتراق والبعد عن هذا الصراط المستقيم، كما أنه سبب للفرقة والافتراق فهو سبب لحصول الاقتتال والعداوات، كل هذا إنما يحصل بسبب الجهل أو البغي والظلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن كثرة القتل في آخر الزمان يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج - وهو القتل القتل - حتى يكثر فيكم المال فيفيض )) أخرجه البخاري ومسلم بنحوه .

    هذا وإنه لما ظهر في زماننا بعض من حادوا عن الصراط المستقيم وخرجوا على جماعة المسلمين وشذوا عنهم ووقعت بسببهم فتنة عظيمة في الأمة كان لزاما على أهل العلم أن يبينوا الحق ويدلوا الناس على صراط الله المستقيم، وهذا ما انعقد عليه عزمنا في هذه الرسالة المختصرة، سائلين الله العون والتوفيق فنعرض باختصار للأسباب الحاملة على تقحم بعض الشباب لهذه البلايا، ثم نبين أسباب حصول المصائب والفتن في المجتمعات، ثم نبين وسطية أهل السنة والجماعة بعرض بعض صورها وبيان استمدادها وكيفية تطبيقها والتحذير من الانحراف عنها.


    فأما الأسباب التي حملت بعض من زلت بهم القدم إلى الخروج عن الجادة وسفك دماء المعصومين والاعتداء على أموالهم وترويع الآمنين ، سنذكر جملة منها، نصيحة لله ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم، وحتى يكون المسلم على بصيرة فيما يأتي ويذر.

    فمن ذلك: الجهل، فإن الجهل داء قاتل يردي صاحبه، وأعظم أنواعه: الجهل المركب فيسير المرء في حياته على جهل وهو لا يعلم أنه جاهل بل يظن نفسه على الحق والهدى ، يقول الله تعالى : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِين َ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [سورة الكهف : 103-104] وهذه الآية والتي كانت في اليهود والنصارى فهي عامة بلفظها ، كل من عمل عملا يظنه حسنا وإلى الله مقربا، وحقيقة عمله أنه سيء وهو فيه لله مسخط والعياذ بالله وهذا من الجهل بدين الله، ومن ذلك قول الله تعالى : ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ [سورة فاطر الآية 8 ]

    وقد قيل:

    ما يبلغ الناس من جاهل * * * ما يبلغ الجاهل من نفسه


    ومن الأسباب: البغي : فقد يكون المرء عنده علم من الكتاب والسنة، لكنه يبغي ويظلم ، يقول الله تعالى عمن هذه حاله : ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[سورة البقرة الآية 213 ] ويقول الله سبحانه : ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾[سورة يونس الآية 93]

    قال ابن جرير : حدتني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد :

    ﴿ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾ قال : ( العلم كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلم بغيا بينهم، أهل الأهواء هل اقتتلوا إلا على البغي؟ قال: والبغي وجهان : وجه النفاسة في الدنيا ومن اقتتل عليها من أهلها، وبغي في العلم يرى هذا جاهلا مخطئا ويرى نفسه مصيبا عالما فيبغي بإصابته وعلمه على هذا المخطئ ) اهـ [ جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري ( سورة يونس، آية رقم 293 ) ] .

    فالبغي في العلم وبالعلم كلاهما من الظلم وهما من أسباب الافتتان والاعتداد بالرأي .

    يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - : ( وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيا، والبغي مجاوزة الحد، كما قال ابن عمر : الكبر والحسد، وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس فيه علم ولا قصد به البغي كتنازع العلماء السائغ، والبغي إما تضييع للحق وإما تعد للحد، فهو إما ترك واجب وإما فعل محرم فعلم أن موجب التفرق هو ذلك ) [مجموع فتاوى ابن تيمية (1/14) ] .

    وقال في موضع آخر: ( إذ أصل السنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال دون البغي والاعتداء ) [ مجموع فتاوى ابن تيمية (4/170 )] .

    ومن الأسباب أيضا: عدم التوفيق بين النصوص من الكتاب والسنة فينزع المستدل منهم بدليل يرى أنه كاف في الدلالة على مقصوده ومراده ويترك الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة ، وربما تعسف الجواب عنها إبقاء لاستدلاله على حاله. وهذا من أعظم الأسباب التي أهلكت السابقين واللاحقين، يقول الله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [سورة آل عمران الآية 7]

    قال أبو غالب : ( كنت بدمشق فجيء بسبعين رأسا من رءوس الحرورية فنصبت على درج المسجد، فجاء أبو أمامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين، ثم خرج فوقف عليهم فجعل يهريق عبرته ساعة ثم قال: ما يصنع إبليس بأهل الإسلام، ثلاث مرات، ثم قال: كلاب جهنم، ثلاث مرات ثم قال: شر قتلى قتلت تحت ظل السماء، ثلاث مرات، تم أقبل علي، فقال: يا أبا غالب إنك ببلد أهويته كثيرة، هؤلاء به كثير، قلت: أجل، قال: أعاذك الله منهم قال: ولم تهريق عبرتك؟ قال: رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام قال: أتقرأ سورة آل عمران؟ قلت: نعم، قال: اقرأ هذه الآية : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ إلى آخر الآية، قلت: هؤلاء كان في قلوبهم زيغ فزيغ بهم، ثم قرأ: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [سورة آل عمران الآية 106] قال: فقلت: إنهم هؤلاء، قال: نعم،
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا السواد الأعظم )) فقال رجل إلى جنبي: يا أبا أمامة أما ترى ما يصنع السواد الأعظم؟ قال: عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين، قال: السمع والطاعة خير من المعصية والفرقة، يقضون لنا ثم يقتلوننا، قال: فقلت له: هذا الذي تحدث به شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تقوله عن رأيك قال: إني إذا لجريء أن أحدثكم ولم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين حتى قالها سبعا ).

    وأنكر ربنا عز وجل على من آمن ببعض وكفر ببعض وقال سبحانه : ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ [ سورة البقرة الآية 85 ]

    والناس أمام النصوص التي ظاهرها التعارض قسمان، قسم جعل هذا المتبادر من التعارض ذريعة للطعن في الدين وهذا والعياذ بالله من شرار الخلق ، نسأل الله السلامة والعافية .

    وقسم نزع بنوع من أنواع الأدلة وترك النوع الآخر، وربما تأوله على غير تأويله وهذه أيضا ضلالة عن الهدى واتباع للهوى .

    أما أهل الحق فيعملون بجميع الأدلة ويحملونها على محاملها في مواضعها على ما يقتضيه النظر العلمي الشرعي المؤصل كما فعل سلفهم الصالح من الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان، فكانوا هم أسعد الناس بالعمل بالكتاب والسنة .

    والواجب على من نظر في نصوص الوحيين أن يحسن نظره فيهما وأن يظن فيهما ما يوافق الحق، وإن توهم التعارض فليكل العلم إلى عالمه ولا يضرب النصوص بعضها ببعض. فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه ) أخرجه ابن ماجه بسند صحيح. وأخرج أيضا مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال ابن خزيمة - رحمه الله - في كتابه " التوحيد " ، حين جمع بين عدة نصوص ظاهرها التعارض قال في خاتمة بحثه: ( فمعنى هذه الأخبار لم يخل من أحد هذه المعاني؛ لأنها إذا لم تحمل على بعض هذه المعاني كانت على التهاتر والتكاذب ، وعلى العلماء أن يتأولوا أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال علي بن أبي طالب : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه ) انتهى كلامه رحمه الله .

    وإنما يحمل الناس على ذلك اتباع الهوى، والله تعالى يقول: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة الجاثية الآية 23]

    ونقل ابن جرير عن ابن زيد قال: ( وجدت الهوى ثلاثة أثلاث، فالمرء يجعل هواه علمه، فيديل هواه على علمه، ويقهر هواه علمه، حتى إن العلم مع الهوى قبيح ذليل، والعلم ذليل الهوى غالب قاهر، فالذي قد جعل الهوى والعلم في قلبه، فهذا من أزواج النار، وإذا كان ممن يريد الله به خيرا استفاق واستنبه، فإذا هو عون للعلم على الهوى حتى يديل الله العلم على الهوى، فإذا حسنت حال المؤمن، واستقامت طريقته كان الهوى ذليلا، وكان العلم غالبا قاهرا، فإذا كان ممن يريد الله به خيرا، ختم عمله بإدالة العلم، فتوفاه حين توفاه، وعلمه هو القاهر، وهو العامل به، وهواه الذليل القبيح، ليس له في ذلك نصيب ولا فعل، والثالث: الذي قبح الله هواه بعلمه، فلا يطمع هواه أن يغلب العلم، ولا أن يكون معه نصف ولا نصيب، فهذا الثالث، وهو خيرهم كلهم ) [ جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري ( سورة الواقعة، آية رقم 7 )] .

    ومن الأسباب أيضا: إساءة الظن بالعلماء من جهة وبالولاة والأمراء من جهة أخرى : فينظرون إلى تصرفات الأمير ويحملونها على أسوأ المحامل ثم يحكمون عليه بأهوائهم بالبدعة أو الكفر والعياذ بالله، ويترتب على هذا عندهم جواز الخروج ووجوب إنكار المنكر بالقوة، وينظرون إلى أن العلماء ساكتون عن المنكر مداهنون للسلطان فيضلونهم ولا يقبلون كلامهم، فيبقى الشاب بعد ذلك بلا خطام ولا زمام فلا أمير يسمع له ويطيع ويسير تحت قيادته، ولا عالم يثق فيه ويأخذ من علمه ويقبل توجيهه، فتتلقفه أيدي المفسدين من أعداء الدين ويستغلونه في تحقيق مآربهم ضد أمة الإسلام باسم الدين، وهذا الأمر لم يكن في وقتنا هذا وليس هو وليد العصر، بل حصل منذ عهد الخليفة الراشد ذي النورين أحد المبشرين بالجنة إمام المسلمين في وقته وأفضلهم في زمانه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد عاب عليه سفهاء الأحلام بعض تصرفاته في الحكم واستحلوا دمه، ولم يقبلوا من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علماء وقتهم، لم يقبلوا توجيههم ونصحهم، فقتلوا خير البشر في زمانه رضي الله عنه وأرضاه ووضعوا السيف وكانت بسببهم الفتنة بين أهل الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

    والواجب على شباب الأمة وعلى عامتها وخاصتها إحسان الظن بالمسلمين وبعلمائهم وولاتهم، يقول الله تعالى في حق الأنصار مع المهاجرين ومن جاء بعدهم من المسلمين : ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة الحشر : 9 -10]

    وليعلموا أن السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين في غير معصية الله واجبة لا خيار لمسلم فيها ومن عصى الأمير فقد عصى الله تعالى، ولا يجوز الخروج عليهم وإن جاروا وإن ظلموا، وأدلة ذلك مبسوطة في كتب الحديث والعقائد فإن السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين من عقائد أهل السنة والجماعة التي فارقوا بها أهل البدعة والضلالة من المعتزلة والخوارج ونحوهم. ومن الأدلة في ذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [سورة النساء الآية 59]

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العمل لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم )) . أخرجه الترمذي وابن ماجه .

    ومن أقوال السلف في هذا قول الفضيل بن عياض - رحمه الله - : ( لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد ). قال ابن المبارك : ( يا معلم الخير، من يجترئ على هذا غيرك ) .

    وقد سبق أن ذكرنا أثر أبي أمامة رضي الله عنه في الحرورية الخوارج وما قاله فيهم وما أمر أتباعه به من السمع والطاعة ، وبيان فضل ذلك .

    وكذلك علماء السلف يجب احترامهم وتوقيرهم والأخذ عنهم . يقول الطحاوي - رحمه الله - في أواخر عقيدته: ( وعلماء السلف السابقين، ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ) .

    قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : ( فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ، إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم : فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ) . وهم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر .

    وليتفطن شبابنا لمخططات أعداء الدين وليسألوا أنفسهم من المستفيد من التفريق بين المسلمين وولاة أمورهم وقادة بلدانهم ؟

    من المستفيد من زعزعة أمن البلاد المسلمة ووضع السيف عليهم وإراقة دمائهم ؟

    من المستفيد من نزع الثقة من علماء المسلمين وترك العامة يهيمون لا يدرون من يسألون ولا من يوجههم ويدلهم على الحق ؟

    إن من تأمل هذا حقا علم أن الأمة إنما تصاب مصيبة عظيمة حين تنزع الثقة من ولاة أمرها ومن علمائها ، وتكون الأمة هائمة يقودها كل ناعق ويزج بها في أودية الهلاك كل مفسد تحت شعارات وروايات الله أعلم بما ورائها .

    ومن الأسباب أيضا : الغلو في الدين :

    إما في فهمه وإما في تطبيقه، والغلو آفة عظيمة مهلكة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين )) أخرجه الإمام أحمد .
    يقول محمد بن نصر المروزي - رحمه الله - : ( وهكذا عامة أهل الأهواء والبدع إنما هم بين أمرين غلو في دين الله وشدة ذهاب فيه حتى يمرقوا منه بمجاوزتهم الحدود التي حدها الله ورسوله، أو إحفاء وجحود به حتى يقصروا عن حدود الله التي حدها ودين الله موضوع فوق التقصير ودون الغلو ) اهـ[ تعظيم قدر الصلاة، لمحمد نصر المروزي ( 2/ 645)]. والله تعالى يقول : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾[سورة المائدة الآية 77 ] وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو وبين عاقبته الوخيمة يقول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون قالها ثلاثا )) أخرجه مسلم .

    هذا وإن من تعلم دين الله على الحقيقة علم أنه دين السماحة والرفق واللين دين الرحمة والعدل فهو الدين الذي وضع الله به الآصار والأغلال عن العباد ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [سورة الأعراف الآية 157 ]

    وكان من دعاء المؤمنين الذي استجاب الله له : ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [سورة البقرة الآية 286 ]

    والأصل في هذا الدين السماحة والرفق ولم يأت بالعنف، فيجب على المسلم أن يعي هذا ويفهم دينه وفق هذا الأصل العظيم. يقول الله سبحانه: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [سورة البقرة الآية 185 ]

    ويقـول الـنبي صلى الله عـليه وسـلم : (( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )) أخرجه البخاري .

    ويقـول صلى الله عـليه وسلم : (( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه )) أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له، ويقول النبي صلى الله عليه وسـلم: (( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )) أخرجه مسلم .

    فالواجب على الشاب المسلم وعلى عموم أهل الإسلام أن يعوا هذا الأصل وأن يطبقوه في حياتهم ويدينوا الله به ويعلموا أن طريق الإصلاح لا يكون بالعنف أبدا، فالإسلام ليس دين عنف بل دين الرحمة بالإنسان بل والحيوان. يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )) أخرجه أبو داود والتـرمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح، وجاء وصف النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن بالرحمة : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[سورة التوبة الآية 128] والله سبحانه رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف .

    ومـتى تصـور المسلمون الإسلام بغير هذا التصور أو طبقوه على خلاف هذا الأصل فإنهم سيحرمون الخير. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من يحرم الرفق يحرم الخير )) أخرجه مسلم .

    والنبي صلى الله عـليه وسـلم مـا خـير بـين أمرين إلا اخـتار أيسرهما مـا لم يكـن إثمـا؛ فعـن عائشة رضي الله عنها قالت: (( ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل فينتقم لله بها )) متفق عليه واللفظ للبخاري .

    والغـلو في فهم الدين ينتج عنه أمور تجر عواقبا سيئة وخيمة منها الغـيرة غـير المنضـبطة بضابط الشرع، فتجر على صاحبها وعلى مجتمعه بلاء عظيما، لا شـك أن المؤمن يجب عليه أن يغضب لله عز وجل ولا يرضى أن تنتهك محارمه، لكن يجب عليه أيضا أن يكون عمله وإنكاره وفق شرع الله، فإنه إن زاد عن الحد المشروع فقد وقع في منكر ومحرم من حيث يريد الإصـلاح، فيجب عـلى المسـلم ألا تخرج به غيرته عن الضوابط الشرعية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) أخرجه مسلم .

    فالـنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتغيير ولم يأمر بالإزالة، ولو أمر بالإزالـة لكـان فيـه حـرج شـديد، والـتغيير يـنظر فيه إلى قاعدة الشرع العامـة وهـي الـنظر في المصـالح والمفاسـد اجـتماعا وافتراقـا، وأيضـا يجـب على من تصدى لتغيير المنكر أن يكون عنده علم بأن هذا منكر وعـلم بأسلوب التغيير المناسب بحيث لا يعقبه منكر أشد منه، أو يفوت مصلحة أعظم، وأيضا يكون رفيقا حليما حال إنكاره صبورا على ما يصيبه من الأذى ولا ينتقم لنفسه .

    وقـد ذكـر شيخ الإسـلام ابـن تـيمية في إنكـار المنكر كـلاما جامعا يحسن إيراده حيث يقول - رحمه الله - :

    ( القـاعدة العامـة: فـيما إذا تعارضـت المصـالح والمفاسـد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمـت المصالح والمفاسـد وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والـنهي وإن كـان متضـمنا لتحصيل مصـلحة ودفع مفسدة فينظر في المعـارض لـه، فـإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكـثر لم يكـن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصـلحته، لكـن اعتـبار مقاديـر المصـالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قـدر الإنسـان عـلى اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد بـرأيه لمعـرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام .

    وعـلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومـنكر بحيث لا يفـرقون بيـنهما بـل إمـا أن يفعـلوهما جميعـا أو يتركوهمـا جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهـوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المـنكر. ولم ينه عـن منكر يستلزم تفويـت معـروف أعظم منه، بل يكون الـنهي حينـئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعـته وطاعـة رسـوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهـي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف؛ ويكون الأمر بذلـك المعـروف المسـتلزم للمنكر الزائد عـليه أمـرا بمنكر وسعيا في معصـية الله ورسوله. وإن تكافـأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما .

    فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيـث كـان المعـروف والمـنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة .

    وأمـا من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا، وفي الفـاعل الواحـد والطائفـة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عـن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فـوات أكـثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه .

    وإذا اشـتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم عـلى الطاعـة إلا بعـلم ونيـة، وإذا تركـها كـان عاصيا، فـترك الأمر الواجـب معصـية، وفعـل مـا نهي عـنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) [ مجموع فتاوى ابن تيمية ( 28/ 129 - 131) ] .

    ثم قال - رحمه الله- : ( وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا، وكراهته لهذا: موافقة لحـب الله وبغضه، وإرادته وكراهته الشرعيين، وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقد قال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾[سورة التغابن الآية 16] فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان .

    وأمـا فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كـانت إرادة القلب وكراهـته كاملة تامة وفعـل العـبد معهـا بحسـب قدرته: فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل ) [مجموع فتاوى ابن تيمية( 28/131 ) ] .

    وقـال - رحمـه الله تعـالى - : ( فـلا بـد مـن هـذه الثلاثة: العلم، والـرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كـان كـل من الثلاثة مستحبا في هذه الأحوال: وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف وروي مرفوعا؛ ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: ( لا يأمر بالمعـروف وينهى عـن المنكر إلا من كان فقيها فـيما يأمر بـه فقيهـا فـيما يـنهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه ) [ مجموع فتاوى ابن تيمية ( 28/ 137) ].

    ومما ينتـج عن الغلو في فهم الدين ما يثار حول الجهاد في سبيل الله وتصـوره عـلى غير وجهه الصحيح، فهناك من استغل حال الأمة وما ابتليت به من الأعداء فرفـع شعار الجهاد ليجلـب إليه شباب الأمة وليس الجهاد الذي يقصده هو الجهاد في سبيل الله، وذلك يتضح من أمور نص عليها أهل العلم .

    أولا : الأصل في الجهـاد أنـه فـرض كفايـة، وأن أمره موكل للإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته في ذلك .

    ثانيا : أنه للإمام أن يؤخر الجهاد لعذر، كأن يكون بالمسلمين ضعف في عددهـم أو عتادهم أو غير ذلك من الأعذار، أو يكون في تأخيره مصلحة لأهل الإسلام أو رجاء إسلام من يراد جهادهم .

    ثالثا : أن الجهاد لا يتعين، أي لا يكون فرض عين إلا في ثلاثة مواضع نص عليها أهل العلم وهي بإجمال:

    1 - إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان فحينئذ يحرم على من حضر الانصراف ويتعين عليه المقام، يقول الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [سورة الأحزاب الآية 41]

    2 - إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهل البلد قتالهم ودفعهم .

    3 - إذا استنـفر الإمام قومـا لـزمهم النفير معـه لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ الآية [سورة التوبة الآية 38 ].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا استنفرتم فانفروا )) متفق عليه .

    رابعا : أن لإمام المسلمين عقد الذمة مع الكفار وله أن يعقد عقد أمان وعهد ولا يجوز لأحد أن يخفر تلك العقود بقتل أو اعتداء على مال أو عرض ومن فعل ذلك فهو آثم مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وليس هذا الفعل من الجهاد في سبيل الله، بل ولا هو من سبيل المسلمين الذين يخافون الله ويخشون عذابه، وقد حذرنا الله عز وجل من اتباع غير سبيل المؤمنين فقال : ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [سورة النساء الآية 115 ]

    والمشـاهد أن من تجرأ على هذا العمل فإنه لا بد وأن يصيب المسلمين في أنفسهم وأموالهم .

    والنبي صلى الله عليه وسلم قد برئ ممن هذا فعله ، يقول صلى الله عـليه وسـلم : (( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبته أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى لمؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه )) أخرجه مسلم .

    فالأمر خطـير، والواجـب على المسـلم أن يوطن نفسه على معـرفة شرع الله بالأدلـة والعمـل به على بصيرة والأخذ عن العلماء الراسخين فإن هذا هو دأب السلف، قال بعضهم : ( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ) .

    ثـم إن هـناك أسـبابا للعقوبات والمصائب التي تحل بالمجتمعات منها :

    أولا : الذنوب والمعاصي : يقول الله تعالى : ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [سورة الشورى الآية 30] ويقول سبحانه : ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [سورة الروم الآية 41] ويقول سبحانه : ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [سورة فاطر الآية 45]

    والنصوص في هذا الباب كثيرة متنوعة وهذا الأصل مقرر عند المسلمين أنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة . يقول الله تعالى : ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾[سورة النور الآية 31 ] ومهما تعاظم الذنب فإن الله يتوب على من تاب ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [سورة الزمر الآية 53]

    وثاني الأسباب العامة: ترك القيام بحقوق الله ونسيان الآخرة وعدم الاستعداد لها بالعمل الصالح : يقول الله تعالى : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [سورة الأنعام الآية 44]

    يقـول النـبي صـلى الله عـليه وسـلم : (( إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج )) . وقرأ هذه الآية. أخرجه الإمام أحمد .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: في ضمن حديث له : (( فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم )) متفق عليه .

    وثالث الأسباب العامة:

    الركون إلى الدنيا والرضا بها والدعة وكثرة الترفه وظهور الفسق :

    والمراد بالـتـرف : التـرف الزائد عن الحد، الصارف عن القيام بحقوق الله، الحامل على ظهور الفسق والجهر به .

    وقـد أخرج أبـو داود في سننه عن بعض أصحاب رسول الله صـلى الله عـليه وسـلم قـال : (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه )) .

    يقول الله تعالى : ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾[سورة الإسراء الآية 16 ] ومعنى أمرنا مترفيها أي أكثرنا فساقها، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما .

    ويقـول الـنبي صـلى الله عـليه وسلم فيما أخرجـه ابن حبان في صـحيحه وغـيره مـن الأئمة : (( إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض )) والمطيطاء: مشية فيها اختيال .

    وعـن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلـم قـال : (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم )) أخرجه أبو داود .

    والمقصـود أن الانغمـاس في الـنعيم والترفـه الـزائد عـن الحـد الصـارف عـن القيـام بحقوق الله عز وجل سبب للذل والهلاك، والنبي صلى الله عليه وسـلم وأصـحابه لم يكونوا أهـل دنيا وإنما هم من عرف هـذه الدنيا وأنها إنما تكون مزرعة للآخرة وليست دار خلود وبقاء، يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ( اضطجع رسول الله صلى الله عـليه وسلم عـلى حصير فأثر الحصير بجلده فجعلت أمسحه عنه وأقـول : بـأبي أنـت وأمـي يـا رسول الله ألا آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه، فقال: مالي وللدنيا، فإنما أنا والدنيا كراكب اسـتظل تحـت شـجرة ثـم راح وتركها ) أخـرجه أبـو داود الطيالسي بسند صحيح. والترمذي وقال حديث حسن صحيح .

    فالدنيـا دار ممر وعبور لا دار قرار وخلود وهي دار الامتحان والابتلاء ودار الآخرة هي دار الجزاء .

    هـذه جملة مـن الأسباب العامة لحصول العقوبات والمصائب وإنمـا نذكرها هـنا للتحذير منها، فمن وقع فيها ليقلع عنها ومن لم يقع فيها ليحذرها فلا يقربها .

    هذا وإن العدل في الأقوال والأعمال والاعتدال في جميع الأحوال سبب لدفع النقم ورفعها وحصول النعم واستجلابها وهو مما أمر الله به وحث عليه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة النحل الآية 90]

    والله سبحانه قد من على أمة الإسلام بأن جعلها أمة وسطا أي عدولا خيارا، يقول الله سبحانه : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [سورة البقرة الآية 143 ]

    فأمـة الإسـلام وسـط بـين الأمم، وسط بين من غلا في الدين وتشدد فيه فشدد الله عليهم، وبين من تساهل وجفا فضلوا عن سواء الصراط، وأهل السنة والجماعة وسط بين أهل النحل، كما أن أهل الإسلام وسط بين أهل الملل .

    والوسطية هي: اتباع دين الله والقيام به عقيدة وشريعة، فمن قام بهذا فهو المتبع لكتاب الله، ومن اتبع كتاب الله حقا كان على الطريق الأقوم : ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [سورة الإسراء الآية 9 ]

    والوسطية هي دين الله الحق الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أمرنا بسؤال الله الهداية إليها، أصل ذلك قوله تعالى في سورة الفاتحة : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾[سورة الفاتحة الآية 6 ]

    قـال شيـخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- : ( فـأمر سبحانه في " أم الكتاب " التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفـرقان مثـلها، والـتي أعطيهـا نبيـنا صلى الله عليه وسلم من كـنـز تحـت العـرش، التي لا تجزئ صلاة إلا بها: أن نسأله أن يهدينا الصـراط المسـتقيم، صـراط الذيـن أنعم عليهم غير المغضوب عليهم: كاليهود، ولا الضالين كالنصارى .
    وهذا ( الصراط المستقيم ) هو دين الإسلام المحـض، وهو ما في كتاب الله تعالى، وهو " السنة والجماعة " فإن السنة المحضة هي دين الإسـلام المحـض، فـإن الـنبي صلى الله عليه وسلم روي عنه من وجـوه مـتعددة رواهـا أهل السنن والمسانيد كالإمام أحمد وأبي داود والـتـرمذي وغيرهـم أنـه قـال : (( ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة )) وفي رواية : (( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) .

    وهـذه الفـرقة الـناجية ( أهل السنة ) وهم وسط في النحل، كـما أن ملة الإسلام وسط في الملل ) [ مجموع فتاوى ابن تيمية (3/ 369- 370) ] .

    فـأهل السـنة والجماعـة وسط في جميع أبواب السنة والعقيدة؛ لأنهـم متمسكون بكـتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسـلم، ومـا اتفـق عـليه السـابقون الأولـون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .

    يقول شيخ الإسـلام ابـن تـيمية - رحمه الله - : ( وهكذا ( أهل السـنة والجماعـة ) في الفـرق. فهـم في ( بـاب أسمـاء الله وآياتـه وصفاته )، وسـط بين ( أهل التعطيل ) الذين يلحدون في أسماء الله وآياتـه، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه؛ حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين ( أهل التمثيل ) الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات .

    فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه بـه رسوله صلى الله عليه وسلم؛ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف وتمثيل .

    وهم في ( باب خلقه وأمره ) وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا : ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾[ سورة الأنعام الآية 148 ]
    فيؤمـن أهل السـنة بـأن الله عـلى كـل شيء قدير، فيقدر أن يهـدي العـباد ويقلب قـلوبهم، وأنـه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات .

    ويؤمنون أن العـبد لـه قـدرة ومشيئة وعمـل، وأنه مختار، ولا يسمونه مجبورا؛ إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العـبد مخـتارا لمـا يفعلـه فهـو مخـتار مريد، والله خالقـه وخـالق اخـتياره، وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله .

    وهـم في ( بـاب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد ) وسط بين الوعيديـة، الذيـن يجعـلون أهـل الكـبائر من المسلمين مخلدين في الـنار، ويخـرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عـليه وسـلم. وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنـبياء، والأعمـال الصـالحة ليسـت مـن الديـن والإيمـان ويكذبـون بالوعيد والعقاب بالكلية .

    فيؤمن أهـل السـنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمـان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجـنة، وأنهـم لا يخـلدون في الـنار، بل يخـرج منها من كان في قلبه مثقال حـبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر لأهل الكبائر من أمته .

    وهـم أيضا في ( أصحاب رسول الله ) صلى الله عليه وسلم ورضي عـنهم وسط بين الغالية الذين يغالون في علي رضي الله عنه، فيفضـلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصـوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلـك، وربما جعلوه نبيا أو إلها، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره، وكفـر عـثمان ونحوهمـا، ويقدحـون في خلافـة علي رضي الله عنه وإمامته .

    وكذلـك في سـائر ( أبـواب السـنة ) هـم وسـط؛ لأنهـم متمسكون بكـتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اتفق عـليه السـابقون الأولون مـن المهاجـرين والأنصـار والذيـن اتبعوهم بإحسان .[ مجموع فتاوى ابن تيمية ( 3/ 373 - 375 ) ] .

    والذي يجـب التنبيه له أن الوسطية في الإسلام ليست أمرا مكتسبا، أي أنها لم تتـرك لأهواء الناس ومقاييسهم وما يراه كل طائفة من الناس أنه هو الوسط، ولو كلفنا بذلك لكان فيه أشد الضيق والعنت إذ كيف يصل المرء إلى الوسطية وكل طائفة من الناس لها من الآراء والأهواء ما يحصل به التعارض بل والتناقض، ومن رحمة الله أن دلنا على طريق الوسطية، فنحن لم نؤمر بوسطية مطلقة، بل أمرنا باتباع الصراط المستقيم الذي هو شرع الله ودينه، فمن اتبـع دين الله الحق الموافق للكتاب والسنة وفق فهم سلف الأمة فهو المتبع للصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه. ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [سورة الأنعام الآية 153 ] ويقول سبحانه : ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الجاثية الآية 18]

    فمن استقام على الصراط المستقيم الذي أوضحه الله بأجلى بيان وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم أعظم بلاغ ، من استقام عليه فقد استحق وصف الوسطية ودخل في عموم قول الله تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾[سورة البقرة الآية 143]

    ومجانبة صراط الله المسـتقيم والحيـدة عن وسطية هذا الدين سـبب للضـلال والعيـاذ بـالله، والعـدول عن الصراط المستقيم يكون بالغـلو في الديـن أو الجفـاء عنه، وكـلا الطريقين من مطايا إبليس ولا يبالي بأيهما ظفر من العبد،
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : ( فصـل وقـد تقـدم أن ديـن الله وسط بين الغالي فيه، والجـافي عنه . والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهمـا ظفـر: إمـا إفـراط فيـه، وإمـا تفـريط فيه. وإذا كان الإسلام الـذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرا ممن ينتسـب إليـه؛ حـتى أخـرجه عـن كـثير من شرائعه، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه، حتى مرقوا منه كـما يمرق السهم من الرمية .

    وأمـر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين منه، فثبت عنه في الصـحاح وغيرهـا مـن روايـة أمير المؤمنين ( علي بن أبي طالب وأبي سـعيد الخـدري، وسـهل بن حنيف، وأبي ذر الغفاري، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، وابن مسعود ) رضي الله عنهم، وغير هؤلاء، أن النـبي صـلى الله عـليه وسلم ذكـر الخـوارج فقال : (( يحقر أحدكـم صلاته مع صلاتهم وصيامه مـع صيامهم وقراءته مـع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )) . وفي روايـة : (( شر قتيل تحت أديم السماء، خير قتيل من قتلوه )) وفي رواية : (( لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوى لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل )) .

    وهؤلاء لما خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عـنه - قاتلهم هو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتحضيضه على قتالهم، واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام .

    وهكـذا كل من فارق جماعة المسلمين وخرج عن سنة رسول الله صـلى الله عـليه وسلم وشـريعته من أهل الأهواء المضلة والبدع المخالفة ) [ مجموع فتاوى ابن تيمية (3/ 381 - 383) ].

    وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم خطورة العدول عن الصراط المستقيم؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي عنه قال :
    (( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا فقال : هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله فقال : وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [سورة الأنعام الآية 153 ].)) أخرجه الإمام أحمد .


    هذا ما قصدنا إلى بيانه إبراء للذمة ونصحا للأمة وإني لأسأل الله العـلي العظيـم بمـنه وكـرمه وبعـزته وقدرتـه أن يصـلح أحـوال المسـلمين ويبصـرهم في ديـنهم ويهـدي ضـالهم ويثـبت عـلى الحـق مطيعهـم ويزيد الجميـع هدى وتوفيقا وبرا، وأن يعز الإسلام وأهله، ويرفع من في رفعته عز للإسلام والمسلمين، ويضع من في ضعته وذله وهوانـه عـز للإسـلام والمسـلمين، كمـا أسـأله سبحانه أن يحول ذل المسـلمين عـزا، وضـعفهم قـوة، وتفـرقهم اجـتماعا على الحق، وأن يـرهب بهـم أعـداءه أعـداء الديـن، وأن يصـلح ولاة أمر المسـلمين وقـادتهم، ويدلهم على الخير، ويوفقهم للحكـم بكتابه وسنة نبيه محمد صـلى الله عليه وسلم، وأن يجعلهم هـداة مهـتدين غـير ضالين ولا مضـلين وأن يجعلهم رحمـة عـلى رعايـاهم أعوانا على البر والتقوى، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولي أمرنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وإيـاه مـن المـتعاونين عـلى الـبر والتقوى، ويرزقـنا الـبطانة الصالحة، ويصلح لنا جميعا العقب والعاقبة إنه سبحانه سميع مجيب .

    وصـلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين .



    المصدر : ((مجلة البحوث الإسلامية )) ع : 69 ص6



    أخوكم المحب
    سلمان بن عبد القادر أبو زيد

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    86

    افتراضي

    جزاك الله خيراً ونفع بما نقلت

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي

    [align=center]الموقر / صالح السويح -حفظه الله - :

    جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا ورَعَاك .
    [/align]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •