تزببت وأنت حصرم !!


الحمد لله الذي بدَّد ظلماتِ الجهل ببَعْثَة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلم، وأَمَرَهُ في مُحْكَمِ التَّنْزِيل بقوله:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]
والقائل: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى:43]
والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائل:
«إنَّ من أشراط السَّاعة أن يُرفعَ العلمُ، ويَثبُتَ الجهلُ، ويُشربَ الخمرُ، ويظهرَ الزِّنَا»[متفق عليه]
والقائل: «إنَّ الله لا يَقْبِضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ من العباد، ولكن يَقْبِضُ العلم بقَبْضِ العُلَماءِ، حتَّى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتَّخذ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالاً، فسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْر عِلمٍ، فضَلُّوا وأَضَلُّوا» [متفق عليه]


وقد تعلَّم الصحابة الكرام - رضيَ الله عنهم - من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثمَّ علَّموا التَّابعينَ، وعلَّم التَّابعون أتباعَ التَّابعين، وحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلفٍ عُدُولُه، فنَفَوْا عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المُبطلِين، وتأويل الجاهلين
وما بلغوا ذلك إلا بنَفْيِ الاعتماد، والسَّيْر في البلاد، وصبرٍ كصبر الجماد، وبُكورٍ كبُكُور الغراب

كما وَرَدَ عن الشَّعْبِيِّ - رحمه الله تعالى - وكابدوا المشاقَّ الكِبار، وصارعوا الأهوال العظام، ولسانُ حالهم:
دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا *** جَهْدَ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَه الأُزُرَا
فَكَابَدُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ *** وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ صَبَرَا
لا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ *** لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا

وعَمِلوا بنصيحة الشافعيِّ - رحمه الله تعالى - إذْ يقول:

أَخِي، لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلاَّ بِسِتَّةٍ *** سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَةٌ *** وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ

وزاحمهم في ذلك أغمارٌ أصاغرُ، تَزَبَّبوا قبل أن يَتَحَصْرَمُوا، ورامُوا الطَّيران بغير ريشٍ، وأقحموا أنفسهم فيما لا يُحسنون، فأُسْمِعوا ما يكرهون، وكانوا عن هذا في غِنًى وعافية، لكنَّ حبَّ الظُّهور يقصِم الظُّهور، والجزاء من جنس العمل.
وزيَّنَتْ لهم أنفسُهم التلقُّبَ بِعظيم الألقاب، والتَّكنِّي ببديع الكُنَى، عسى أن تَرفعَ من خَسيسَتِهم، فَما أَغْنَتْ عَنْهُم شيئًا، وكانوا كمَن قيل فيه:
أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْر مَوْضِعِهَا *** كَالْهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صَوْلَةَ الأَسَدِ

ثُمَّ صار أمْرُهُمْ ضِغْثًا على إبَّالةٍ، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا على ما سَبَقَ، بَلْ رمَوْا غَيْرَهُمْ بِدَائِهِم، ونازَلوهم في ساحات المناظرة، منازلةَ العالِم للجاهل، والصَّبور على الجهول، وأَخْلِقْ بهم أن يكونوا على الضّدِّ من ذلك، وأن يُنْشِدَ رائيهم قولَ خلف الأحمر:

لَنَا صَاحِبٌ مُولَعٌ بِالْخِلافِ *** كَثِيرُ الْخَطَاءِ قَلِيلُ الصَّوَابِ
أَلَجُّ لَجَاجًا مِنَ الْخُنْفُسَاءِ *** وَأَزْهَى إِذَا مَا مَشَى مِنْ غُرَابِ!

وأن يتأسَّف على إفساح المجال لأمثالهم، ليقولوا في دين الله بغير علمٍ، في ظلِّ غياب - أو تغييب - الكفاءات المعتبَرة للحِسْبة الشَّرعيَّة، دون أن يؤخَذ على أيديهم، وأن يؤطَروا على الحقِّ أطْرًا.

ورحمة الله على القاضي عبدالوهَّاب المالكي، القائل:

مَتَى يَصِلُ العِطَاشُ إلى ارْتِوَاءٍ *** إِذَا اسْتَقَتِ البِحَارُ مِنَ الرَّكَايَا؟!
وَمَنْ يُثْنِي الأَصَاغِرَ عَنْ مُرَادٍ *** إِذَا جَلَسَ الأَكَابِرُ في الزَّوَايَا؟!
وَإِنَّ تَرَفُّعَ الْوُضَعَاءِ يَوْمًا *** عَلَى الرُّفَعَاءِ مِنْ إِحْدَى الرَّزَايَا
إِذَا اسْتَوَتِ الأَسَافِلُ وَالأَعَالِي *** فَقَدْ طَابَتْ مُنَادَمَةُ الْمَنَايا!!

ويا ليتهم إذْ خاضوا تلك اللُّجَّة خاضوها بمروءة الأحرار:

وَمِنْ مُبْكِيَاتِ الدَّهْرِ أَوْ مُضْحِكَاتِهِ *** لَدَى النَّاسِ حُرٌّ لَمْ يَكُنْ خَصْمُهُ حُرَّا

فنعوذ بالله من أناس تشيَّخوا قبل أن يشيخوا، ولعلَّهم لن يشَيَّخوا وإن شاخوا!!

وتراهم يتكلَّمون في كلِّ مسألةٍ كيفما اتَّفَق، فتجد قلَّة العلم، وقلة التأني والتأمل والنظر - أو عدمه - فليس عنده إلا الرَّغبة في اللجاجة والردِّ على الغَيْر! كما قال الشَّاعر:

تَرَاهُ مُعَدًّا لِلْخِلافِ كَأَنَّهُ *** بِرَدٍّ عَلَى أَهْلِ الصَّوَابِ مُوَكَّلُ

وقال الآخر:


رَقِيعٌ خَصِيمٌ فِي الصَّوَابِ كَأَنَّهُ *** بِرَدٍّ عَلَى أَهْلِ الصَّوَابِ مُوَكَّلُ

فالواجب على طلاب العلم فمن فوقهم إذا نَصحوا، فقوبلوا بأمثال هؤلاء، أن يسعهم الصمت والإعراض والصفح الجميل، وليتمثَّلوا قول الشافعي:

أَأَنْثُرُ دُرًّا بَيْنَ رَاعِيَةِ الْغَنَمْ *** وَأَنْشُرُ مَنْظُومًا لِرَاعِيَةِ النَّعَمْ
لَئِنْ كُنْتُ قَدْ ضُيِّعْتُ فِي شَرِّ بَلْدَةٍ *** فَلَسْتُ مُضِيعًا بَيْنَهُمْ غُرَرَ الْكَلِمْ
فَإِنْ فَرَّجَ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِلُطْفِهِ *** وَأَدْرَكْتُ أَهْلاً لِلْعُلُومِ وَلِلْحِكَمْ
بَثَثْتُ مُفِيدًا وَاسْتَفَدْتُ وِدَادَهُمْ *** وَإِلاَّ فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ
وَمَنْ مَنَحَ الجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ *** وَمَنْ مَنَعَ المُسْتَوْجِبِي نَ فَقَدْ ظَلَمْ

وَقَالَ أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ:

قَالُوا نَرَاكَ تُطِيلُ الصَّمْتَ قُلْتُ لَهُمْ *** مَا طُولُ صَمْتِيَ مِنْ عِيٍّ وَلا خَرَسِ
لَكِنَّهُ أَجْمَلُ الأَمْرَيْنِ مَنْزِلَةً *** عِنْدِي وَأَحْسَنُ لِي مِنْ مَنْطِقٍ شَكِسِ
قَالُوا نَرَاكَ أَدِيبًا لَسْتَ ذَا خَطَلٍ *** فَقُلْتُ هَاتُوا أَرُونِي وَجْهَ مُقْتَبِسِ
لَوْ شِئْتُ قُلْتُ وَلَكِنْ لا أَرَى أَحَدًا *** سَاوَى الْكَلامَ فَأُعْطِيهِ مَدَى النَّفَسِ
أَأَنْشُرُ البَزَّ فِيمَنْ لَيْسَ يَعْرِفُهُ *** وَأَنْثُرُ الدُّرَّ لِلْعُمْيَاِنِ فِي الْغَلَسِ؟!

وقال الشاعر:
فَمَنْ حَوَى الْعِلْمَ ثُمَّ أَوْدَعَهُ *** بِجَهْلِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ ظَلَمَهْ
وَكَانَ كَالْمُبْتَنِي الْبِنَاءَ إِذَا *** تَمَّ لَهُ مَا أَرَادَهُ هَدَمَهْ

وقال آخر:
أَقُولُ وَسِتْرُ الدُّجَى مُسْبَلٌ *** كَمَا قَالَ حِينَ شَكَا الضِّفْدَعُ
كَلامِيَ إِنْ قُلْتُهُ ضَائِعٌ *** وَفِي الصَّمْتِ حَتْفِي فَمَا أَصْنَعُ

لكنَّنا نسأل الله - تعالى - أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يزيدنا علمًا، وأن يقِيَنا شرَّ أنفسنا، وشرَّ الأشرار، وشرَّ كلِّ دابةٍ هو آخِذٌ بِنَاصِيتِها
وأن يُجَنِّبنا التقوُّلَ عليه - سبحانه - بغيْرِ عِلْم، فإنَّه من كبائر الذنوب، وأعْيَبِ العُيوب، وأمْوَتِ الأشياء لِلْقُلوب.

ويا لَيْتَ الْمَرْء منَّا يتأنَّى في تسطير كلِّ كلمةٍ يكتبها، لئلا يندم حين لا ينفع الندم، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا . اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:13-14]

وأن يَحْذَر من أن يرى تَقَوُّلَه على ربِّه في كتابٍ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ولاتَ حين مَنْدَم.
قال الجاحظ:

وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إلاَّ سَتَبْقَى *** كِتَابَتُهُ وَإِنْ فَنِيَتْ يَدَاهُ
فَلا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ *** يَسُرُّكَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ

هذا، وَقَدْ يظنّ ظانّ أنّي قسوتُ في العِبارة فِي النُّصْحِ
فَأَقُولُ ما قال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى 28/53]:

"إنَّ المُؤْمِنَ للمؤمِن كاليَدَيْنِ تَغْسِلُ إِحْداهُما الأُخْرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكنَّ ذلك يوجب من النظافة والنُّعومة ما نحمَد معه ذلك التخشين".

بقلم / خالد عبد المنعم الرفاعي

مما أعجبني فنقلته للتذكير والفائدة