بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ اشرحْ لي صدري ويسّرْ لي أمري


اللهم لك الحمد حمدا طيبا مباركا فيه حمدا كما ينبغي لجلال وجهك وعظبم سلطانك, سبحانك ربنا لا نحصي ثناءً عليك , أنت كما أثنيت على نفسك المجيدة والجليلة, وأشهد أن لا اله الا الله الحليم الغفور ذي الطول والانعام الكبير المتعال الها واحدا لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم وروحً منه, الله اني أشهد أنّ الجنة حق والنار حق, أما بعد أخوتي وأخواتي في الله,


لأنّ المنافقون أشدُّ خطراً على المجتمعات من الكفار فقد أغلظ الله فيهم وجعلهم في الدرك الأسفل من النار, والمنافقون أساساً فئة دخلت الاسلام وتغلغلت بين المسلمين ثم انحرفوا عن العقيدة السويّة لأطماعٍ دنيوية, فتسلق المنافق جدار الاسلام حتى صار منافقا , لأجل هذه الفئة المريضة فئة المنافقين, فانّ الكفار عند الله عزوجل يُصنفون في ثلاثة تصنيفات:


المشرك, الكافر, والمنافق, والمنافقون أشدّ خطرا على الاسلام والمسلمين والمجتمعات الاسلامية, لأجل ذلك كانوا أشدّ عذاباً يوم القيامة , ذلك أن الله عزوجل قال في محكم تنزيله الكريم في سورة النساء 145


ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم من دون الله نصيرا


أقسام النفاق


واالنفاق ينقسم الى ثلاثة أقسام


النوع الأول نفاق العقيدة وهو أخطر هذه انواع النفاق اطلاقا, وهذا هو النوع هو الذي يُخلّدُ صاحبه في النار, ذلك لأن صاحبه يضمُر في قلبه الكفر , ويُظهر الايمان للناس كي يأمنوا جانبه ويقولوا فيه ما يقولون , وقد كان هذا النوع من النفاق سائد ومتفشي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بصورة كبيرة ولأجل هذا النفاق فقد أنزل الله عزوجل سورة التوبة والتي تناول فيها المولى تبارك وتعالى يما يقربُ من خمسين آية وصفت خصالهم وأعمالهم وسلوكهم , وكان عبد الله بن أُبَيُّ بن سلول زعيم المنافقين, وقد نزل فيه سورة كاملة سُمّيت بسورة المنافقين, الى جانب آيات كثيرة سنتاناولها في بحثنا هذا ان شاء الله.


النوع الثاني من النفاق يُطلقُ عليه نفاق السلوك, وهذا النفاق سائد في أيامنا هذه بشكل منقطع النظير, وهو على ثلاث شعب أو أربع شعب, وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صفات هذا النوع من النفاق بحديثين صحيحين احدهما برواية البخاري ومسلم وأحمد رحمهم الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم


آيةُ المنــــافقِ ثلاثةً وانْ صلى وصــأمَ وادّعى أنه مسلم, اذا حدّث كذب, واذا وعدَ أخلف, واذا أؤتمن خان.


وهناك حديثٌ آخر رواه البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:


أربعُ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقا خالصاً, ومن كان فيه خصلة منها كان من النفاق حتى يدعها: اذا حدّث كذب, واذا وعد أخلف, واذا أؤتمن خان, واذا خاصم فجر.


والنوع الثالث من النفاق هو الرياء, والرياء هو مراءاة الناس بالعمل, لعدم الاخلاص فيه لله عزوجل ويظهر ذلك من خلال التعامل مع العبادات خاصة الصلاة والزكاة والحج .


والآن هيّا بنا نتناول الأقسام الثلاثة بايجاز بسيط كي نكون على حذر شديد من الوقوع في براثن أحد هذه الأقسام فنخسر الدارين الدنيا والآخرة, وبحثنا هذا ليس فيه اتهام لأحد , بل كل منا يعرف قدر نفسه, وفي أي خط يسير,فان وجد نفسه في معية الله عزوجل ورضاه حمد الله عزوجل واثنى عليه أن هداه لأن يسلك السلوك القويم الموصل لمرضاة الله عزوجل, ومن رضي الله عنه أدخله حصنه وجعله من أصحاب الجنة هم فيها خالدون, نسأله تعالى أن يجعلنا برحمته من المؤمنين الصادقين المخلصين والمرضي عنهم في الدنيا والآخرة, ومن وجد في نفسه خصلة من خصال النفاق فليبادر الى التوبة منها توبة نصوحا لا يعود اليها ابدا, والتوبة النصوح نوعان: النوع الأول من التوبة تتعلق بحق الله عزوجل وشروطها ثلاث: الاقلاع عن الذنب, والندم على ما فعل, وعدم العودة للذنب الذي تاب منه


والنوع الثاني من التوبة يتعلق بحق العباد وهو أربعة شروط, الثلاثة السابقة اضافة لاعادة حق العباد من دَيْنٍ وحقٍّ مسلوب, وقذفٍ بالزنا, وغيبة ونميمة , وما الى ذلك من سلوكيات مشينة تفسد بين المسلمين, وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم بأنّ حف العباد لا يغفره الله يوم القيامة واستشهد لنا صلوات وسلامه عليه بالشهيد في سبيل الله يغفر الله له كل ذنب مع أول قطرة دم تسيل ما عدا الدّيْن , وهناك حديث صحيح سنأتي على نصّه بين سطور البحث ان شاء الله تعالى.


القسم الأول - نفـــــــــــاق العقيــــــــــ ـــــــدة


وهذا النفاق من أخطر أنواع النفاق لأنه موجب للخلود في نار جهنم وتحديدا في الدرك الأسفل من النار لقوله تعالى في سورة النساء145


ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم من دون الله نصيرا


النفاق أحبتي في الله من أشد وأخطر الآفات التي تواجه الدعوة الاسلامية, وهو من أشد المعوقات لسيرها قدما نحو الامام , وهو من أشد البلاءات التي تبتلى بها الفئة المؤمنة, وبمجرد أن تظهر لها فعالية في الأرض يتظاهر بعض المافقين بالاسلام مبطنين الكفر في قلوبهم ومظهرين الاسلام على ألسنتهم فيجدون لهم مكانا مناسبا بين المسلمين بلسانهم الذي يقطر عسلا فيطمئن اليهم اهل الايمان وهم لا يعلمون انهم يوجهون ضرباتهم الموجعة والمؤلمة لدعوة الاسلام, وانهم يسترون مكائدهم وخططهم ومؤامراتهم ضده، منهزين الفرص لنيل المكاسب الدنيوية بهدف محاربة الاسلام وأهله, لذا كان جهادهم من ألزم الجهاد على المؤمنين، واتخاذ الحيطة منهم أوجب من اتخاذها من غيرهم, ولا أدلّ على هذا من ذلك


الحيز الكبير الذي تناوله الحديث عنهم في كتاب الله الكريم, فانه لا تكاد تخلو سورة مدنية من القاء الأضواء الكاشفة على هذا الصنف من أعداء الاسلام , حتى فضحهم الله تبارك في عقر دارهم في سورة كاملة هي سورة التوبة بما يقرب من خمسين آية , والتي سماها الصحابة رضوان الله تعالى عنهم بالفاضحة.


وقد أجمع أهل العلم على أن المنافقين أشد خطرا على الاسلام والمسلمين من الكفار أنفسهم وأشد منهم خبثا , ومن أحسن من الله عزوجل قولا فيهم اذ جعلهم في الدرك الأسفل من النار كما في قوله في سورة النساء 145
إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً



ولخطورتهم على الاسلام فقد أمر الله عزوجل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بجهادهم والتضييق عليهم كما في الآية 73 من سورة التوبة:


يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير


والآن سأعرض عليكم أحبتي في الله بعضاً من صفات المافقين التي ذكرها القرآن الكريم في بعض السور المدنية الكريمة , وذلك بهدف أخذ الحذر والحيطة منهم كي نتمكن تجنبهم , وعدم التعامل معهم , ومن صفاتهم :


1. موالاة المسلم للكافر من دون المؤمنين, واستهزاءهم بآيات الله يقول المولى تبارك وتعالى فيهم في سورة النساء 38- 40


بشرالمنافقين بأنّ لهم من الله عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فانّ العزة لله جميعا * وقد نزّل عليكم في الكتاب أنْ اذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم اذاً مثلهم انّ الله جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعا.


هذه الآية الكريمة تخبرنا أنّ كل من يُوالي الكفار على حساب المؤمنين هو منافق معلوم النفاق, ولعلّ قصة الصحابي الجليل حاطب بن بلتعة رضي الله عنه في مستهل سورة الممتحنة لأكبر دليل على ذلك, ولولا انّ الله عزوجل منّ عليه بالتوبة وبرحمة منه لمات على النفاق


2. ومن صفات المنافقين أيضا غيرتهم من فرحة المؤمن ونجاحه , وفرحهم لمصيبة تصيبه


كما في قوله تعالى في سورة التوبة 50


ان تُصبْكَ حسنةٌ تسؤْهُمْ , وانْ تُصبك مُصيبةٌ يقولوا قد أخذنا أمرَنا مِنْ قبلُ ويتولَّوْا وهُمْ فرحون


انّ الانسان اذا فرح لمصيبة أخيه أو حزن لفرحة او نجاحٍ منّ الله به عليه يكون قد دخل في خندق النفاق , لماذا؟ لأنّ هذا يسمى حسداً, ولا اقصد هنا الحسد المحمود بل المذموم منه فهو يأكل الحسنات كما تاكل النار الهشيم’ لمارواه ابو داوود رحمه الله من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ولما رواه ابن ماجة رحمه الله من حديث انس بن مالك رض الله عنه , أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: اياكم والحسد, فانّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.


وروى ابي الدنيا رحمه الله من حديث ابي هريرة رضي الله عنه, أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا ينجو منهنّ وقلّ من ينجو منهنّ: الظنّ والطيرةَ والحسد.


3. ومن صفاتهم اتخاذهم الصلاة عادة وليس عبادة ولا ينفقون الا كارهين


كما في قوله تعالى في سورة التوبة 53


وما منعهُمُ أن تُقبل منهم نفقاتهم الا أنهم كفروا بالله وبرسوله, ولا يأتون الصلاة الا وهمْ كُسالى ولا يُنفقون الا وهم كارهون


ولعلّ هذه السلبية موجودة عندنا نحن مسلمي اليوم, ونميزهم من خلال صلاتهم للفروض فقط دون النوافل, واذا صلوا الفروض لا يتمون ركوها ولا سجوها ولا قيامها, فيصلون بسرعة وينقرون صلاتهم كما الديك ينقر الحبة دون خشوع أو تدبّر, واذا سألتهم لم لا تصلون النوافل يقولون انها سنن, الا يعلمون بأنّ النوافل تجبر نواقص الفروض يوم القيامة؟


4. جدالهم في القرآن الكريم دائما يكون من باب الاستهزاء


لقوله تعالى في الايات 65- 68 من سورة التوبة



ولئن سألتَهُمْ ليقولُنّ انما كنا نخوضُ ونلعبُ, قل أباللهِ وآياتهِ ورسولهِ, كنتمْ تستهزئون* لا تعتذروا اليومَ قد كفرتُمْ بعد ايمانكم, انْ تعفُ عنْ طائفةٍ منكمْ نُعذبُ طائفةً بأنهم كانوا مُجرمين* المنافقونَ والمنافقاتِ بعضهُم مِنْ بعضٍ يأمرونَ بالمنكرِ وينهوْنَ عن المعروفِ ويقبضون أيديَهُمْ, نسُوا الله فنسيَهُمْ, انّ المنافقينَ همُ الفاسقون* وعَدَ اللهُ المنافقينَ والمنافقاتِ والكفارَ نارَ جهنمَ خالدينَ فيها, هيَ حسبُهُمْ, ولعنُهُمْ اللهُ, ولهمْ عذابٌ مُقيمٌ


فالاستهزاء بالقرآن الكريم الكريم هو استهزاء بالله عزوجل وبالرسول الذي أنزل عليه القرآن, ومن يستهزىء بآيات الله فقد كفر وان صلى وصام وادعى أنه مسلم.


5. وجوب مجاهدة المنافقين ومعاملتهم معاملة الكفار تماما قولا وعملا


لقوله تعالى في سورة التوبة 73


يا أيها النبيُّ جاهدِ الكُفّارَ والمنافقينَ واغلظْ عليهِمْ, ومأواهمْ جهنَّمُ, وبئس المصير


6 . . من حلف بالله كذبا وهم يعلم اي عامدا متعمدا فهو منافقا بنص القرآن


يقول الله تعالى في سورة التوبة 56:


ويحلفونَ بالله انهم لمنكمْ وما هم منكمْ ولكنهم قومٌ يفرَقُون


ويقول تعالى في سورة التوبة 74 ايضا


يحلفونَ باللهِ ما قالوا ولقدْ قالوا كلمةَ الكفرِ وكفروا بعد اسلامهِمْ وهمُّوا بما لم ينالوا


ويقول المولى عزوجل في نفس السورة الكريمة 96- 97


سيحلفون بالله لكم اذا انقلبتم اليهم لتعرضوا غنهم, فأعرضوا عنهم, انهم رجسٌ , ومأواهم جهنم جزاءً بما كانوا يكسبون* يحلفون لكم لترضوا عنهم, فانْ ترضوا عنهم فانّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين


7. نقض العهد مع الله عزوجل علامة بارزة من علامات النفاق الموجب للنار ان لم يتاب منه قبل الموت توبة صادقة نصوحاً


لقوله تعالى في سورة التوبة 75- 77


وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولنكونن من الصالحين *فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ


هذه الآيات الكريمات نزلت في احد المنافقين الذي عاهد الله عزوجل لئن اغناه الله من فضله ليتصدّق وليكون من الصالحين, فأعطاه الله عزوجل من تعيمه ثمّ نقض العهد مع الله وبخل وما وفّى عهده مع الله, وان كانت هذه الآيات نزلت فيه فهي عامة لكل من يعمل عمله الى يوم القيامة, ذلك حقّ الله وعهده وميثاقه أحقّ أن يوفى خاصةً اذا تعلق الأمر بالبخل في الانفاق في دفع الصدقات المستحقة عليه, حتى أنه مال الزكاة رفض أن يدفعه عندما أرسيل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا طالبه بدفع الزكاة, فحكم الله عليه بالنفاق الى يوم القيامة, ومات على النفاق بعد أن كانت لا تفوته تكبيرة الاحرام خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.


8. كل من يتقاعس عن الجهاد في سيبيل الله سواءً بالمال أوبالنفس دون عذر فهو منافق


لقوله تعالى في سورة التوبة 81


فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يُجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.


وان كانت هذه الآية الكريمة نزلت بعد غزوة تبوك الا أنها عامة الى يوم القيامة, وتشمل كل من يتقاعس عن الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله وهو قادر على ذلك ولا يمنعه عذر.


9. النهي عن الصلاة على المنافقين ان ماتوا


لقوله تعالى في سورة التوبة 83


ولا تُصلِّ على أحدٍ منهمْ ماتَ أبداً ولا تقمْ على قبرِهِ , انهم كفروا بالله ورسوله, وماتوا وهم فاسقون


وان كانت هذه الآية نزلت في ابن سلول رأس الشرك والنفاق , الا أنّ هذا حكمٌ عامٌ على كل من عُرفَ نفاقه الى يوم القيامة.


10. . عطاء الله عزوجل للمنافق والكافر ليس نعمة, وانما استدراج


لقوله تعالى في سورة التوبة 85



فلا تُعجبكَ أموالهُمْ ولا أولادهُمْ انما يُريدُ الله ليُعذبهُمْ بها في الحياة الدنيا وتزهقَ أنفسهُمْ وهُمْ كافرون



فالله تبارك وتعالى لا ينظر الى صور عباده ولا الى اجسامهم وانما ينظر الى قلوبهم ذلك ان التقوى محلها القلب, والمال ليس مال العباد وانما مال الله تعالى لذا وجب على من يملك المال ان ينفق في سبيل الله ما استطاع الى ذلك سبيلا.


11. كل من يبني مسجدا ليغيظ به اخوانه المسلمين ويشتت به شملهم فهو منافق


كما في قوله تعالى في سورة التوبة 107


والذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكُفراً وتفريقاً بين المؤمنين وارصاداً لمنْ حاربَ اللهَ ورسولَهُ من قبل, وليحلفُّنَ انْ أردْنَ الا الحسنى , والله يشهدُ انهمْ لكاذبون


وبهذه الآية الكريمة نكون قد أتينا على معظم آيات سورة التوبة والتي نزلت في المنافقين نفاق العقيدة الموجب للخلود في النار, نسالك اللهم أن لا تكتبنا منهم وان ترحمنا برحمتك انك على كل شيء قدير.


النوع الثاني من النفاق يُطلقُ عليه نفاق السلوك


وهذا النفاق هو النفاق السائد في أيامنا هذه وبشكل منقطع النظير, وهو على ثلاث أو أربع شعب, حيث في هذا النوع من النفاق روايتين صحيحتين عن النبي صلى الله عليه وسلم’ , احدهما برواية البخاري ومسلم وأحمد رحمهم الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم


آيةُ المنــــافقِ ثلاثةً وانْ صلى وصــأمَ وادّعى أنه مسلم , اذا حدّث كذب, واذا وعدَ أخلف, واذا أؤتمن خان.


وهناك حديثٌ آخر رواه البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:


أربعُ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقا خالصاً, ومن كان فيه خصلة منها كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها (أي يتوب منها توبةً نصوحاً):


اذا حدّث كذب, واذا وعد أخلف, واذا أؤتمن خان , واذا خاصم فجر.


وهذه الصفات الثلاث او الاربع ان اجتمعت في سلوك ابن أدم اهلكته وحولته من مسلم الى منافق والعياذ بالله وان صلى وصام وادعى انه مسلم, ذلك أن الكذب يهدي الى الفجور والفجور يهدي الى النار, وما سمي مسيلماً كذابً الا لأنه فجر بكفره, ولا يوجد في الاسلام كذباً اسودا أو كذبا أبيضاً, فالكذب في دين الله عزوجل كله كذب, ومن يتعود الكذب فقد تجرد من الايمان كما في الحديث: المؤمن لا يكذب


وكان احد الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم قد تعرّض من اصحابه الى سؤال قالوا له: صفْ لنا أبيك, فقال في ابيه كلمة لخصّت حياة ابوه كله ليعطي عنه انطباع المؤمن الحق فقال: ما كذب ابي قط.


فالكذب حرام، ولا يرخص فيه إلا لضرورة أو حاجة، ويجب أن يكون ذلك في أضيق الحدود،بحيث لا توجد وسيلة أخرى مشروعة تحقق الغرض.


وقد صح في الحديث جواز الكذب لتحقيق مصلحة أو دفع مضرةلما روىالبخاري ومسلمرحمهما الله من حديثأمكلثومبنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس فيُنَمِّي خيرا أو يقول خيرا ,ولم أسمعه يُرخص في شيءٍ ممّا يقول الناسإلا في ثلاث: تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأةزوجها


والنوع الثالث من النفاق هو الرياء, والرياء هو مراءاة الناس بالعمل, واي عمل لأجل الناس فلا ثواب له لأنّ العمل المتقبل يحتاج الى اخلاص مطلق لله عزوجل.


نسأله تعالى أن يجعلنا برحمته من المؤمنين الصادقين المخلصين والمرضي عنهم في الدنيا والآخرة, ومن وجد في نفسه خصلة من خصال النفاق فليبادر الى التوبة منها توبة نصوحا لا يعود اليها ابدا, والتوبة النصوح نوعان: النوع الأول من التوبة تتعلق بحق الله عزوجل وشروطها ثلاث: الاقلاع عن الذنب, والندم على ما فعل, وعدم العودة للذنب الذي تاب منه


والنوع الثاني من التوبة يتعلق بحق العباد وهو أربعة شروط, الثلاثة السابقة اضافة لاعادة حق العباد من دَيْنٍ وحقٍّ مسلوب, وقذفٍ بالزنا, وغيبة ونميمة , وما الى ذلك من سلوكيات مشينة تفسد بين المسلمين.


وإذا مات الإنسان وعليه دين لغيره وجب أن يقوم ورثته بسداد الدين قبل توزيع التركة كما في قوله تعالى في آية المواريث النساء 114


من بعد وصية يوصي بها او ديْن


هذا اذا كان للميث ميراث ما يفي به سد الدين, فان لم يوجد فليس على الورثة من شيء, وان كان الأولى على الورثة سداد دينه حتى تنزل عليه الرحمة فروحه لا تزال محبوسة عنه حتى يُسدُّ الدين, ويمكن لأهله أن يتصدقوا بسداد دينه عنه حتى يرحمه الله, واذا كان الميت قد نوى قبل موته بأن يسد ديونه ومات قبل أن يوفي فالله عزوجل يوفي عنه, وان لم ينوي ومات قبل أن يوفي فعلى الورثة الوفاء عنه لما رواه الامام البخاري رحمه الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال


من أخذ أموال الناس يريد آداءها ادّى الله عنه, ومن أخذها يريد اتلافها أتلفه الله.


وروي الامام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين
فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فان حدث أنه ترك وفاء صلى عليه, والا قال: صلوا على صاحبكم, فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم, فمن توفي وعليه دين فعليّ قضاؤه, ومن ترك مالا فهو لورثته.


والميت ان وضع بباله أن يفي بدينه تكتنفه رحمة الله لما روى الطبراني رحمه الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:


من دان بدين في نفسه وفاؤه ومات تجاوز الله عنه وأرضي غريمه بما شاء.


ولما رواه الامام احمد وابونعيم والبزار والطبراني رحمهم الله ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُدعى صاحب الدين يوم القيامة حتى يُوقف بين يدي الله عزوجل فيقول له: يا اين آدم! أخذت هذا الدين وفيما ضيّعت حقوق الناس؟ يقول: يا رب! انك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضع, ولكن أتى عليّ اما حرْق واما سرق واما وضيعة, فيقول: صدق عبدي, وأنا أحق من قضى عنك, فيدعو الله بشيء فيوضع في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته.


أما الميت الذي مات ولم يكن بباله وفاء الدين يكون محجوب يوم القيامة عن رحمة الله عزوجل لما رواه الامام احمد وابن ماجة والترمذي رحمهم الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:


نفس المؤمن معلقة بدينه حتي يقضي عنه


حتى الشهيد الذي يقتل في سبيل الله يغفر له كل شيء الا الدين لأنه من حق العباد, وحق العباد لا يغفر يوم القيامة الا بعد القصاص, لما رواه الامام مسلم رحمه الله, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:


يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدّيْن


فاذا كان هذا حال الشهيد في سبيل الله, فكيف بغير الشهيد أمثالنا؟


ولعلّ حديث المُفلسُ المشهور لأبلغ مثال على اهمية ايفاء حقوق العباد قبل الموت , لما رواه الامام مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انّ المُفلسُ من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة , ويأتي وقد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا , فيُعطى هذا من حسناتهو وهذا من حسناتهو حتى اذا فُنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه, أخذ من خطاياهم فطرحت عليه فطرح في النار.


وللامام البخاري رحمه الله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:


مَنْ عند أخيه مظلمة فليتحلله منه اليوم قبل الا يكون لا دينار ولا درهم, وان كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته , وان لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمِّلّ عليه.


لأجل ذلك كان الديْن أمر خطير تجب المبادرة الفورية بسداده قبل الموت (وجميع حقوق العباد تندرج تحت مسمى الديْن) , وقبل ان تكون المواجهة بين المدين واصحاب الحقوق يوم القيامة , فربما لا يُسامحونه في يوم يفر المرء من أمه وأبيه, وصاحبته وأخيه, وروىالبخاري رحمه الله أن النبي صلي الله عليه وسلمتذكر وهو في الصلاة أن في بيته بعض الأموال لم تسلم إلي أصحابها فتوجه بعد الانتهاءمنها بسرعة لافتة للنظر. وأمر بدفعها إلي أصحابه وعاد إلي المسجد ولما سألوه , فقال عليه الصلاة والسلام:
تذكرت مالا فخشيت أن يحبسني
وعليه وفي واقعة السؤال يجب علي الورثة أن يقوموا بسداد الدين عن ميتهم قبل تقسيم التركة , وإن لم توجد له تركة فلا يجب علي الورثة شيء وإن كان السنة أن يقوموا هم بذلك ويجب علي صاحب الدين أن يترك ما حدث من خلاف وأن يعمل بقول الله تعالى في سورة البقرة 280: وان تصدفوا خير لكم ان كنتم تعلمون


والله تعالى أعلم بغيبه.


نسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة.


سبحان ربك ربّ العزة عمّا يصفون* وسلامٌ على المرسلين* والحمد لله ربّ العالمين