الشدة بين السلف..: بين ضوابط ومقاصد التطبيق - ومفاسد التشقيق والتفريق!
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الشدة بين السلف..: بين ضوابط ومقاصد التطبيق - ومفاسد التشقيق والتفريق!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    49

    افتراضي الشدة بين السلف..: بين ضوابط ومقاصد التطبيق - ومفاسد التشقيق والتفريق!

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه وآله وصحبه ومن والاه وبعد:


    « فإن أولى ما يتنافس به المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلاً، وعلى طريق هذه السعادة دليلاً، وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلاَّ بهما، ولا نجاة له إلاَّ بالتعلق بسبهما، فمن رُزِقهما فقد فاز وغنم، ومن حرمهما فالخير كله حرم، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البَّر من الفاجر، والتقي من الغوي، والظالم من المظلوم »"1"


    وإنّ من المسائل التي حريُُ بطالب العلم، والداعية إلى الله أن يتعلمها، وأن يحسن فهمها وتطبيقها؛ فهم مقصود الوحيين الشريفين، ومن ثًَمّ فهمُ مراد ومقاصد أهل العلم في كلماتهم ووقائعهم وتطبيقاتهم، وإنزالها منازلها - حفظاً من الغلط - وتحرزاً من الخلط واللغط .


    إذ الغلط في فهم كلام العلماء وتطبيقاتهم، ليس كالغلط في فهم كلام غيرهم من عامة الناس؛ فذلك يُوقع في فتن ومهاوي، ويُورد أصحابه موارد آسنة من فساد الاعتقاد، الذي يناقض المعتقد الرجيح، والمنهج الصحيح، لا سيّما وقد حذر العلماء من كل فتنة دهياء، ومعصية بلهاء، تذهب رونق الدين، وتكدر ما يحليه من بهاء وصفاء .


    وقد وقع كثير من الناس في الإساءة - بسوء فهمهم- من حيث لا يشعرون، كترويج لفكر ينادي به قوم


    ما، أو تقرير لفتوى تخدم غرضاً من أعراض الدٌّنيا، أو غلوٍ في رجل ما!، أو إسقاط لرجل ما!!؛ فمن


    هؤلاء أُتي العلم وأهله، وكثر الشقاق بين طلبته وحملته ، وتسرب إلى عوام المسلمين من سوء الظن


    ما أفقدهم أو قلل – عندهم - معرفة قدر العلماء وفضلهم.


    وكأني بالإمام ابن القيم - رحمه الله - يتحدث عن زماننا حينما يقول: « ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم، وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم؛ بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وابدأنهم والله المستعان » اهـ من إعلام الموقعين (3/ 78)


    وقال أيضاً :« وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة » مدارج السالكين (2/ 431)


    وللأسف تُمَر هذه الأغاليط، وتروج هذه الأكاذيب، دونما حسيب أو رقيب!! بل تعدى الأمر إلى جعل هذه المواقف من المسلمات، ومن الأمور المحتمات!!.



    أسباب الغلط على الأئمة




    وقد وضع شيخ الإسلام ابن تيمية النقاط على الحروف، مبيناً وموضحاً أسباب الغلط والانحراف عن الأئمة، سواء كان في "الأصول" أو "الفروع" فألخص كلامه دون أن أتصرف في عبارته.


    قال - رحمه الله- : « 1- قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ الْإِمَامُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْمَعْرُوفَيْن ِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْعِلْمِ


    2-قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَغَلِطَ فِيهِ


    3- قَوْلٌ قَالَهُ الْإِمَامُ فَزِيدَ عَلَيْهِ قَدْرًا أَوْ نَوْعًا كَتَكْفِيرِهِ نَوْعًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كالْجَهْمِيَّة فَيَجْعَلُ الْبِدَعَ نَوْعًا وَاحِدًا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّة ُ، أَوْ ذَمَّهُ لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ بِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ وَالْإِرْجَاءِ فَيَخْرُجُ ذَلِكَ إلَى التَّكْفِيرِ وَاللَّعْنِ أَوْ رَدِّهِ لِشَهَادَةِ الدَّاعِيَةِ وَرِوَايَتِهِ، وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ فِي بَعْضِ الْبِدَعِ الْغَلِيظَةِ، فَيَعْتَقِدُ رَدَّ خَبَرِهِمْ مُطْلَقًا مَعَ نُصُوصِهِ الصَّرَائِحِ بِخِلَافِهِ...


    4- أَنْ يَفْهَمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا لَمْ يُرِدْهُ أَوْ يَنْقُلَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ.


    5- أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَهُ عَامًّا أَوْ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ فِي اللَّفْظِ إطْلَاقٌ أَوْ عُمُومٌ فَيَكُونُ لَهُمْ فِيهِ بَعْضُ الْعُذْرِ وَقَدْ لَا يَكُونُ كَإِطْلَاقِهِ تَكْفِيرَ الْجَهْمِيَّة الْخِلْقِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطِ انْتَفَتْ فِيمَنْ تَرَحَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الَّذِينَ امْتَحَنُوهُ وَهُمْ رُءُوسُ الْجَهْمِيَّة


    6- أَنْ يَكُونَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ فَيَتَمَسَّكُون َ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ


    7- أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ قَالَ أَوْ نُقِلَ عَنْهُ مَا يُزِيلُ شُبْهَتَهُمْ مَعَ كَوْنِ لَفْظِهِ مُحْتَمِلًا لَهَا.


    8- أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى خَطَأٍ..»


    ثم قال : " فَالْوُجُوهُ السِّتَّةُ تُبَيِّنُ مِنْ مَذْهَبِهِ نَفْسِهِ أَنَّهُمْ خَالَفُوهُ وَهُوَ الْحَقُّ. وَالسَّابِعُ خَالَفُوا الْحَقَّ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَذْهَبَهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَالثَّامِنُ خَالَفُوا الْحَقَّ وَإِنْ وَافَقُوا مَذْهَبَهُ . فَالْقِسْمَةُ ثُلَاثِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا خَالَفُوا الْحَقَّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ خَالَفُوهُ أَيْضًا أَوْ وَافَقُوهُ أَوْ لَمْ يُوَافِقُوهُ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ لِانْتِفَاءِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا وَافَقُوا الْحَقَّ فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقُوهُ هُوَ أَوْ يُخَالِفُوهُ ؛ أَوْ يَنْتَفِيَ الْأَمْرَانِ .. » اهـ. من مجموع الفتاوى 20/ 185-186


    وحتى أزيل الستار أكثر، وأوضح المراد والمقصد..


    أقول : إن من المسائل التي وقع فيها الغلط والخلط بل واللغط ماجاء عن إمام أهل السنة أبي عبدالله أحمد بن حنبل - رحمه الله - من مواقف ظاهرها التغليظ والتشديد، والهجر والتقريع لبعض أئمة أهل السنة في زمانه، كأبي زكريا يحي بن معين، وعلي ابن المديني، وغيرهما..


    فأخذ أناسُُ! هذه المواقف مجردة دون النظر إلى المقصد والمراد، فأخطاؤا خطأً واضحاً ،وغلطوا غلطاً فادحاً، جــرهم إلى فتن وعواصف ، وتقويلٍ لمن لم يقله، ممن نقلت عنه، وتحميلٍ لما لم يرده ويقصده.


    حتى عدها بعضهم من المسلمات، ونافح عنها بشديد المقال والعبارات، زاعماً ومدعياً "أن السلف كان يسقط بعضهم بعضاً بالزلة الواحدة........"!!


    فواغوثاه بالله!.


    والأسباب التي أوصلت هؤلاء إلى هذا الفهم السقيم، والشر الوخيم هو ما تقدم نقله عن شيخ الإسلام ـ


    والسبب في نظري يزداد ويتأكد بأمرين هما أصل هذا البلاء- ذكرهما شيخا الإسلام ابن تيمية وابن


    القيم رحمهما الله..


    قال ابن تيمية:« ومنشأ الباطل من سوء القصد ــ وسوء الفهم » كما في كتابه "درء التعارض" 3/ 374


    وقال ابن القيم - رحمه الله- : «سوء الفهم وفساد القصد وقد يجتمعان وقد ينفردان؛ وإذا اجتمعا تولد من بينهما جهل بالحق ومعاداة لأهله واستحلال ماحرم الله منهم.
    وإذا تأملت أصول المذاهب الفاسدة رأيت أربابها قد اشتقوها من بين هذين الأصلين، وحملهم عليها منافسة في رياسة أو مال أو توصل إلى عرض من أعراض الدنيا تخطبه الآمال، وتتبعه الهمم، وتشرئب إليه النفوس، فيتفق للعبد شبهة وشهوة وهما أصل كل فساد ومنشأ كل تأويل باطل.» اهـ من "الصواعق المرسلة"2/ 510


    ولو أتعب هؤلاء أنفسهم قليلاً، فطالعوا كتاب ربنا سبحانه، وسيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم- في


    معاملاته ومخالطاته، لزال الإشكال وبان، ولاتضح المقصود واستبان.


    والعجب كل العجب أن يقع في هذا الفهم المغلوط، والحال المنكوس، ممن تخصص! في "السنة


    النبوية" وتحصل على أعلى الشهادات الجامعية! ، فصار حالهم كحال بعض الجماعات الفكرية


    المعاصرة التي تخصصت!! في "السياسة الشرعية" ثم ورطت شباب الأمة في فتن رديّة، ومحن رزية؛


    فمن عين الباب الذي يزعمون التخصص فيه دخل عليهم الخلل! ـ وعظم عندهم الخطأ والخطل!




    ولربما جهل الفتى سبل الهدى *** والشمس بازغة لها أنوار




    ومن المتقرر في شرعنا أن التغليظ والتشديد في حق بعض الأقارب والأفاضل والأكابر، هو المنهج القرآني، وهو هدي النبي العدناني- صلى الله عليه وسلم- وهو ما سار عليه أئمة الإسلام، وطبقوه في الحال والمأل.


    وها أنا ذا أسوق بعضاً من ذلك ، وأوضح بنقلي لكلام أهل العلم شيئا من هنالك.


    "قد أنزل الله تعالى من الآيات القرآنية ما فيه تقريع لبعض الصالحين، وتأديب لبعض الأنبياء


    والمرسلين، وقد قال الله تعالى لخيار المهاجرين والأنصار { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ


    عَذَابٌ عَظِيمٌ } وأنزل الله في أول سورة الممتحنة في شأن حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - وشدّد


    فيها على من والى أعداء الله تعالى، فقال تعالى: ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا


    عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ولم يكن ذلك جرحاً في حاطب، فقد عذره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولما


    قَالَ عُمَرُ دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ « إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ


    عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ». أخرجاه في الصحيحين


    وقد ثبت في صحيح مسلم مرفوعاً: أن حاطباً يدخل الجنّة ـ رضي الله عنه..


    وقد نزل الوعيد في رفع الأصوات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فأشفق بعض أصحابه -


    رضي الله عنهم- من ذلك، وكان جهوري الصوت، ولم يكن شيء من ذلك جرحاً في أحد أولئك.


    وقد أنزل الله تعالى سورة " عَبَسَ " في تأديب صفوته من خلقه صلى الله عليه وسلم.
    وأنزل في أول أنبيائه أدم عليه السلام: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ » الروض الباسم 1/ 127- 128 لابن الوزير
    وقال شيخ الإسلام في تــفسير سورة " تبت" : « "سُورَةُ تَبَّتْ" نَزَلَتْ فِي هَذَا وَامْرَأَتِهِ وَهُمَا مِنْ أَشْرَفِ بَطْنَيْنِ فِي قُرَيْشٍ وَهُوَ عَمُّ عَلِيٍّ وَهِيَ عَمَّةُ مُعَاوِيَةَ وَاَللَّذَانِ تَدَاوَلَا الْخِلَافَةَ فِي الْأُمَّةِ هَذَانِ الْبَطْنَانِ : بَنُو أُمَيَّة وَبَنُو هَاشِمٍ وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَمِنْ قَبِيلَتَيْنِ أَبْعَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّفِقَ فِي عَهْدِهِمَا مَا لَمْ يُتَّفَقْ بَعْدَهُمَا . وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذَمُّ مَنْ كَفَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمِهِ إلَّا هَذَا وَامْرَأَتَهُ فَفِيهِ أَنَّ الْأَنْسَابَ لَا عِبْرَةَ بِهَا بَلْ صَاحِبُ الشَّرَفِ يَكُونُ ذَمُّهُ عَلَى تَخَلُّفِهِ عَنْ الْوَاجِبِ أَعْظَمَ ..» اهـ. الفتاوى (16/602)


    وقال الله سبحانه: ﴿ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾
    وقوله تعالى في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم- : ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾


    وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾


    قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله- في تفسيره: « وهذا الذي دلت عليه هذه الآية ﴿ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ.. ﴾ من أنه إذا كانت الدرجة أعلى كان الجزاء عند المخالفة أعظم، بينه في موضع آخر. كقوله: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾.
    ولقد أجاد من قال:


    وكبائر الرجل الصغير صغائر *** وصغائر الرجل الكبير كبائر


    .. »


    وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ » رواه أحمد في المسند
    وعاتبه مــرة وقال لّه: « إنّك إمرؤُ فيك جاهلية »!!


    وقال لــمعاذ : « يا معاذ ! والله إني لأحبك » رواه أبو داود وهو في صــحيح الترغيب(1596)
    وعــاتبه مــرّة ـ وقال له : « أفتان أنت يا معاذ » !!،متفق عليه.


    وقد كان لمن شهد بدراً مــزيةً لم يشاركهم أحــد فيها ـ فقد قال النّبي - صلى الله عليه وسلم- لــعمــر: « وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم » رواه البخاري ومسلم.


    وإن كانت ذنوبهم مغفورةً؛ فإن ذلك لم يمنع من إقامة الحدود على من استوجبه منهم..


    وقد ذكرت شيئاً من ذلك في مقالي "شرح الصدرـ بفوائد حديث :« لعلّ الله قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ» . فراجعه.


    وقد عايش ســلفنا الصّالح هذا المنهج وطبقوه في حياتهم..


    فهذا الإمام أبي عبدالله محمّد بن إدريس الشافعي - رحمه الله تعالى- كان محبّاً لشيخه الإمام مالك بن أنس- رحمه الله تعالى- حتى كان يقول عنه: « مالك بن أنس أستاذي، ومنه تعلمنا العلم، وإذا ذكر العلماء فمالك النّجم، وما أحد أمنّ عليّ من مالك ، وعنه أخذت العلم.»
    وكان يقول:« جعلت مالكاً حجّة بيني وبين الله » "ترتيب المدارك" 1/ 514
    قال يونس بن عبد الأعلى، سمعت الشافعي يقول : « لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز » كما في "الحلية" (9/ 70)


    ومع هذا لما قدم الشافعي إلى مصرـ ورأى من أتباع مالك ما رأى- فقال: « قدمت مصر، ولا أعرف أن مالكاً يخالف من أحاديثه إلاّ ستة عــشر حديثاً، فنــظرت، فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل » "توالي التأسيس" ص(76)



    أمّا مــا كان بين الإمام أحمد وابن المديني ويحي بن معــين فمن أعجب العجب!


    فقد قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: « كان أعلمنا بالرجال يحيى بن معين.. وأحفظنا للطوال علي.» السير (11/ 87)


    وقال عبدالله بن الإمام أحمد : « قال أبي: كان علي"ابن المديني" علماً في الناس في معرفة الحديث والعلل» السير(11/ 54)


    ومع هذا قال سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي: يقول: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب..» السير 11/ 56


    قال المروذي: « سمعت رجلاً من أهل العسكر يقول لأبي عبد الله: ابن المديني يقرئك السلام، فسكت.!!» السير (11/ 55)


    وقد كانت للإمام الــذهبي تعليقات حسان، بأسلوب خلاّب، ؛ حيث قال رحمه الله :« قلت: هذا أمر ضيق ولاحرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملاً بالآية.
    وهذا هو الحق.
    وكان يحيى -رحمه الله- من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية » "السير" (11/ 87)


    وقد كان لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم تأصيلات عظيمة، وتوضيحات مهمة سديدة..


    قال شيخ الإسلام - يرحمه الله - : « ولهذا فضل الخلفاء الراشدون على سائر الناس، وفضل من فضل من أمهات المؤمنين على سائر النساء، لأن الله أمر الخلفاء بما لم يأمر به غيرهم، فقاموا من الأعمال الصالحة بما لم يقم غيرهم بنظيره، فصاروا أفضل وكذلك أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال الله لهن : ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴾ وهن ولله الحمد قنتن لله رسوله، وعملن صالحاً، فاستحققن الأجر مرتين، فصرن أفضل لطاعة الأمر، لا لمجرد الأمر، ولو قدّر والعياذ بالله أن واحدة تأتي بفاحشة مبينة لضوعف لها العذاب ضعفين.. » اهـ من "منهاج السنة" (4/ 368)


    وقال أيضاً : « وتعلمون أيضاً أنّ ما يجرى من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان، فليس ذلك غضاضةً ولا نقصاً في حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ولا بغض، بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين، أرفع قدراً وأنبه ذكراً وأحب وأعظم.. وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإنّ المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلاّ بنوع من الخشونة، لكن ذلك يُوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين .. » اهـ. من مجموع "الفتاوى"( 28/ 53)


    وقال ابن القيم -يرحمه الله-:« فإن الرجل كلما كانت نعمة الله عليه أتم، كانت عقوبته إذا ارتكب الجرائم أتم.. » إعلام الموقعين (2/ 129)


    وقال أيــضا.:" فقواعد الشرع تقتضي أن يسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم، وأنه يغفر له مالا يغفر للعالم، فإن حجة الله عليه أقوم منها على الجاهل، وعلمه بقبح المعصية، وبغض الله لها، وعقوبته عليها، أعظم من علم الجاهل، ونعمة الله عليه بما أودعه من العلم أعظم من نعمته على الجاهل، وقد دلت الشريعة وحكم الله على أن من حبي بالإنعام، وخص بالفضل والإكرام، ثم أسام نفسه مع ميل الشهوات، فأرتعها في مراتع الهلكات، وتجرأ على انتهاك الحرمات، واستخف بالتبعات والسيئات، أنه يقابل من الانتقام والعتب بما لا يقابل به من ليس في مرتبته.. ولهذا كان حدّ الحر ضعف حدّ العبد في الزنا، والقذف وشرب الخمر لكمال النعمة على الحر!!.» اهـ. من "مفتاح دار السعادة" (1/ 176)


    وقال أيضاً: « يحتمل من الجاهل مالا يحتمل من العارف، وإذا عوقب الجاهل ضعفاً عوقب العارف ضعفين، وقد دلّ على هذا شرع الله وقدره. ولهذا كانت عقوبة الحر في الحدود مثلي عقوبة العبد!.. فإذا كملت النعمة على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان، كانت عقوبته أعظم؛ فدرجته أعلى وعقوبته أشد..» اهـ. من "مدارج السالكين" ( 3/ 344)


    السؤال الذي يلح بطرح نفسه:


    كيف نــجمع بين شدة المعاتبة والمعاقبة" وبين قاعدة " المسامحة" و"المعاذرة"..؟


    قال ابن القيم - رحمه الله - : « فإن قيل : قد ذكرتم : أن المحب يسامح بما لا يسامح به
    غيره، ويعفى للولي عما لا يعفى لسواه، وكذلك العالم أيضاً يغفر له ما لا يغفر للجاهل.. فهذا الذي ذكرتم صحيح، وهو مقتضى الحكمة والجود والإحسان، ولكن ماذا تصنعون بالعقوبة المضاعفة التي ورد التهديد بها في حق أولئك، إن وقع منهم ما يكره..؟


    فالجواب: أن هذا أيضاً حق ولا تنافي بين الأمرين، فإن من كملت عليه نعمة الله، واختصه منها بما لم يختص به غيره في أعطائه منها ما حرمه غيره فحبي بالإنعام وخص بالإكرام وخص بمزيد التقريب وجعل في منزلة الولي الحبيب، اقتضت حاله من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص: بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش وقاطع؛ فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم، ونعمه عليه أكمل، والمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذا غفل وأخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد البراني مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك أيضاً، فيجتمع في حقه الأمران، وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدم تناقضهما فالواقع شاهد به فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم، ويأخذهم ويؤدبهم بما لم يأخذ به غيرهم؛ وقد ذكرنا شواهد هذا وهذا، ولا تناقض بين الأمرين، وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أو زوجتان أحدهما : أحب إليك من الآخر وأقرب إلى قلبك وأعز عليك : عاملته بهذين الأمرين واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك وحبك له وعزته عليك فإذا نظرت إلى كمال إحسانك إليه وإتمام نعمتك عليه : اقتضت معاملته بما لا تعامل به من دونه من التنبيه وعدم الإهمال وإذا نظرت إلى إحسانه ومحبته لك وطاعته وخدمته وكمال عبوديته ونصحه: وهبت له وسامحته وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره فالمعاملتان بحسب ما منك وما منه، وقد ظهر اعتبار هذا المعنى في الشرع حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزوج إذا تعداه إلى الزنا : الرجم وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه، وأتم عليه نعمته، ولم يجعله مملوكاً لغيره وجعل حد العبد المنقوص بالرق الذي لم يحصل له هذه النعمة نصف ذلك ، فسبحان من بهرت حكمته في خلقه وأمره وجزائه عقول العالمين وشهدت بأنه أحكم الحاكمين..



    لله سر تحت كل لطيفة *** فأخو البصائر غائص يتملق


    »اهـ. من"مدارج السالكين (1/ 333)



    أسباب ومقاصد هذه الشدة؟




    وقد يقول قائل، ما هي أسباب ومقاصد هذه الشدة التي حصلت من بعض أهل العلم ؟
    أقول: ممكن تخريج هذه الأفعال والأقوال بما يلــي:



    الحجة نصّ أوإجماع في مسائل النزاع




    1-منها ما هو اجتهاديُ محــض، وهذا لا تقوم به حجة إلاّ إذا وافق الدليل ، قال شيخ الإسلام..:"وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص والإجماع ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية" مجموع الفتاوى 26/ 202



    وقائع الأعيان لابدّ أن يثبت حكمها بنظيرها



    2-أن بعضها وقائع أعيان . وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« وَكَثِيرٌ مِنْ أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ قَدْ عَلِمَ الْمَسْئُولَ حَالَهُ أَوْ خَرَجَ خِطَابًا لِمُعَيَّنِ قَدْ عَلِمَ حَالَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَضَايَا الْأَعْيَانِ الصَّادِرَةِ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي نَظِيرِهَا ..» اهـ. الفتاوى (28/ 213)




    التوسع من الأتباع





    3-أن كثيراً من هذه المسائل خرجت وأُنزلت غير منازلها، وقد قال شيخ الإسلام :« فَمَا أَكْثَرَ مَا يُحْكَى عَنْ الْأَئِمَّةِ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ يُخَرِّجُهَا بَعْضُ الْأَتْبَاعِ عَلَى قَاعِدَةٍ مَتْبُوعه، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى أَنَّهَا تَقْضِي إلَى ذَلِكَ لَمَا الْتَزَمَهَا، وَالشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ..» "بيان الدليل" 115



    الإمام أحمد ألزم نفسه بالهجر ولم يلزم النّاس ويأمرهم




    4-أنّ الإمام أحمد وإن عاقبهم بالهجر وعدم الرواية ـ لكن ما أمر الناّس بذلك،إضافة إلى أنّه ما طعن في عدالتهم وصدقهم!! قال أبو أحمد المروزي قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيمن أجاب في المحنة؟ فقال: « أما أنا فما أحب أن آخذ عن أحد منهم..» "المقصد الأرشد" (2/ 550)



    من المقاصد هو الزجر والتوبيخ لا..




    5- أن أكثر هذه المواقف كان المقصود منها الزجر والتغليظ ،لا- الإسقاط والتنفير!.
    قال عبدالله بن الإمام أحمد :« ولم يحدث أبي عنه "ابن المديني" بعد المحنة بشئ. !! »
    قال الذهبي معلقاً:« قلت: ويروى عن عبد الله بن أحمد، أن أباه أمسك عن الرواية عن ابن المديني، ولم أر ذلك!!، بل في " مسنده " عنه"ابن المديني" أحاديث،!! وفي " صحيح البخاري " عنه جملة وافرةالسير( 11/ 57)
    وقال أيضاً :« قلت: يريد عبد الله بهذا القول أن أباه لم يحمل عنه بعد المحنة شيئاً، وإلاَّ فسماع عبد الله بن أحمد لسائر كتاب " المسند " من أبيه كان بعد المحنة بسنوات في حدود سنة سبع وثمان وعشرين ومئتين، وما سمع عبد الله شيئاً من أبيه ولا من غيره إلاَّ بعد المحنة، فإنه كان أيام المحنة صبياً مميزاً ما كان حله يسمع بعد والله أعلم.» السير( 11/ 181)



    مذهب العالم لا يؤخذ من مجرد فعله!




    5-أن الواجب تجاه العالم هو العمل بعلمه - لا تقليد فعله؛ قال ابن القيم: « ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله؛ إذ لعله فعله ناسياً أو ذاهلاً أو غير متأمل،! ولا ناظر، أو متأولاً أو ذنباً يستغفر الله منه ويتوب، أو يصر عليه وله حسنات تقاومه فلا يؤثر شيئاً، قال بعض السلف: " أضعف العلم علم الرؤية يعنى أن يقول: رأيت فلاناً يفعل كذا وكذا، إذ لعله قد فعله ساهيا " وقال إياس بن معاوية: " لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك".» "إعلام الموقعين" ( 3/ 169)



    كلام الأقران




    6- أن كــثير من هذه الشدّة خرجت مخرج كلام القرين في قرينه!، قال الذهبي:« فلسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيراً من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به، ولا سيما إذا وثق رجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف"السير"(7/ 40-41)


    وقال في ترجمة "أبي نُعيم"- وما كان بينه وبين "ابن منذه": « وكلام ابن مندة في أبى نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان، لا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها..كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلاّ من عصم الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . » "ميزان الاعتدال" (1/ 111)



    كفّ الأتباع عن شدة اللزوم والإتباع!




    7- من المقاصد ما قاله العلامة الناقد عبد الرحمن بن يحي المعلمي: « لهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم اتباعه فيه، إما لأنّ حالهم غير حاله، وإمّا لأنه يراه أخطأ - أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على إتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه ، فمن هذا ما في ( المستدرك ) ( 2 ص329 ) (( .. عن خثيمة قال : " كان سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في نفر فذكروا علياً فشتموه فقال سعد: مهلاً عن أصحاب رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فقال بعضهم: فوالله إنه كان يبغضك وسميك الأخنس ، فضحك سعد حتى استعلاه الضحك ثم قال أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا تبلع ذلك أمانته .. يحتاج تدقيق )) قال الحاكم : (( صحيح على شرط الشيخين )) وأقره الذهبي .
    وفي الصحيحين وغيرهما عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: « ما سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع أبويه إلا لسعد بن مالك ( هو سعد بن أبي وقاص ) فإني سمعته يقول يوم أحد : يا سعد ارم فداك أبي وأمي » .
    وتروى عليّ كلمات أخرى من ذا وذاك، وكان سعد قد قعد عن قتال البغاة فكان علي إذا كان في جماعة يخشى أن يتبعوا سعداً بالقعود، ربما أطلق غير كاذب كلمات توهم الغض من سعد وإذا كان مع من لا يخشى منه القعود فذكر سعداً ذكر فضله . ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي تخالف فيها مالكاً من إطلاق كلمات فيها غض من مالك مع ما عرف عن الشافعي من تبجيل أستاذه مالك ، وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: « مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين » كما يأتي في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى .
    ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري.
    وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد .» "التنكيل" (1/ 12)



    شدة زائدة!




    8- قد كان ووجد من بعض أهل العلم توسعاً =تضيقاً في نقد بعضهم!..
    قال الذهبي في ترجمة الإمام "علي بن الجعد": « وقد كان طائفة من المحدثين يتنطعون في من له هفوة صغيرة تخالف السنة، وإلاَّ فعلي إمام كبير حجة..» (10/ 466)
    وذكر الذهبي -رحمه الله- في ترجمة "أحمد بن عبد الملك" الذي خرج له البخاري وغيره، وروي عنه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم؛ قال أحمد : « رأيته حافظا لحديثه ، صاحب سنة» فقيل له : أهل حران يسيئون الثناء عليه؟!، فقال : أهل خراسان قلّ ما يرضون عن إنسان !!، هو يغشـــى السلطان بسبب ضيعة له » ."سير أعلام النبلاء"( 10/ 262)



    الغضب الشديد




    9- أن بعض هذه المواقف كان ما دعاه "الغضب الشديد" جراء أساءة بعضهم لبعض – سواء كانوا طلبة أو شيوخاً!، فقد عقد الخطيب في كتابه "الجامع"1/ 216 فصلاً قال فيه..: .{من أضجره أصحاب الحديث فأطلق لسانه بذمّهم}!
    ثم نقل عن شعبة انّه قال لأصحاب الحديث.. « قوموا عني ، مجالسة اليهود والنصارى أحب إلي من مجالستكم ، إنكم لتصدون عن ذكر الله وعن الصلاة »!!
    قال سويد: « كان الفضيل بن عياض إذا رأى أصحاب الحديث قد أقبلوا نحوه وضع يديه في صدره وحرك يديه ، وقال : أعوذ بالله منكم »
    قال سلمة بن شبيب ..:« رأيت عبد الرزاق وهو بمكة فقلت له : كيف أصبحت ؟ قال : » بشر ما رأيت وجهك ، فإنك مبرم »!!
    "فقول شعبة هذا ، وما جاء بعده من أقوال أئمة الحديث، إنّما قالوها في حالة الغضب الشديد، بسبب إساءة الطلبة إساءة بالغة، وهي حالات نادرة تعرض لهم ولكل إنسان إلاّ الإنبياء عليهم الصلاة والسلام...}"2"


    هم بشرُُكالبشر


    !


    10- أنّ السلف بشر كالبشر فقد تصدر منهم الهفوات التي لا تنفك عن سائر البشر.


    فمن ذلك ما ذكره الفسوي، عن يحيى بن معين أنّه قال.:"من فضل عبد الرحمن – يعني ابن مهدي – على وكيع فعليه اللعنة "!


    قال الذهبي معلقاً.." : كان غير هذا أشبه بكلام أهل العلم !!, ومن حاسب نفسه ، لم يقل مثل هذا !!،وكيع خير فاضل حافظ} (سير أعلام النبلاء 9/153)


    وقال الإمام الذهبي في ترجمة "إسماعيل بن ابراهيم بن مقسم" المشهور "بابن علية"..{ وكان فقيها، إماما، مفتيا، من أئمة الحديث، وكان يقول: من قال: ابن علية، فقد اغتابني.!!
    قلت: هذا سوء خلق رحمه الله!، شئ قد غلب عليه، فما الحيلة ؟ قد دعا النبي صلى الله عليه وسلم غير واحد من الصحابة بأسمائهم مضافا إلى الامّ، كالزبير ابن صفية، وعمّار ابن سمية.} (سير أعلام النبلاء 9/ 107)



    فعل وقول أحاد السلف ليس حجة على كل السلف




    11- قال العلاّمة الألباني رحمه الله..:" الأثــار السلفية اٍذا لم تكن متضافرة متواترة ، لا ينبغي أن يؤخذ عن فرد من أفرادها ، لاينبغي أن يؤخذ من ذلك منهــج...)كما في شريط"الفرق بين البدعة والكفر".



    قد يعاقب الصالح التقي ويترك الفاجر البغي




    12-لا يلزم من الهجــر عند المصلحة الراجحة الحكم على المهجــور بالبدعة أو الفسوق، قال شيخ الإسلام رحمه الله ..{(( ومن هذا الباب هجر الاٍمام أحمد الذين أجابوا في المحنة قبل القيد ، ولمن تاب بعد الاٍجابة ، ولمن فعل بدعة ما ،مع أن فيهم أئمة في الحديث والفقه والتصوف والعبادة ، فاٍن هجره لهم والمسلمين معه لايمنع معرفة فضلهم كما أن الثلاثة الذين خلفوا لما امر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم ، لم يمنع ذلك ماكان لهم من السوابق ، حتى قيل أن اٍثنيين منهما شهدا بدراً- وقد قال الله لأهل بدر ( اٍعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم ) وأحدهم كعب بن مالك شاعر النبي صلى الله عليه وسلم وأحد أهل العقبة ، فهذا أصل عظيم أن عقوبة الدتيا المشروعة من الهجران اٍلى القتل لايمنع أن يكون المعاقب عدلاً أو رجلا صالحأ..)) الفتاوى 10 / 375



    ختاماً




    وأخــيراً..: أقول متمثلاً قول ابن الوزير اليماني:




    ومهما رأيتم في "مقالي" قصوره *** فستراً وغفراً فالقصور معيب


    ولكنّ عــذري واضــح وهو أنّني *** من الخلق أُخطي تارة وأصـيبٌ


    وقد ينثني الصـمصام وهو مجــردُ *** وينكسر الــمرّان وهو صــليب


    ولكنّني أرجوه إن حلّ داركــم *** حلا منه وردُ بـــالأجــــاج مشــوب


    يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهى *** إلـــيكم تلقّى طـــيبـــكم فيطــــيب



    ""3"


    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
    ـــــــــــــــ ــ


    "1" اعلام الوقعين 1/ 6
    "2" من تعليق الدكتور محمود الطحان محقق كتاب"الجامع" للخطيب.
    "3" خاتمة"الروض الباسم 2/ 595"

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    49

    افتراضي رد: الشدة بين السلف..: بين ضوابط ومقاصد التطبيق - ومفاسد التشقيق والتفريق!

    للــرفع والتذكــير!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    49

    افتراضي رد: الشدة بين السلف..: بين ضوابط ومقاصد التطبيق - ومفاسد التشقيق والتفريق!

    من باب التذكير

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    في مكان ما
    المشاركات
    122

    افتراضي رد: الشدة بين السلف..: بين ضوابط ومقاصد التطبيق - ومفاسد التشقيق والتفريق!

    بحث طيب مبارك

    رفع الله قدر صاحبه

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •