بسم الله الرحمن الرحيم




أسمار- قصّةُ أُمِّ مَشْغُول!.



رَيانَةُ الأعْطافِ!؛ عَاطِرَةُ الأكْنافِ!، واسِعَةُ العَيْنَينِ!؛ ضامِرَةُ الخَصْرَين!، إنْ مالَتْ قُلْتَ غُصْنُ البانِ بان!؛ أو قامتْ عَزَفَتْ في النُفوسِ أَلْوانَ الألْحان!، تَفْتَرُّ عن ثَغْرٍ لا تُحاكِيهِ الثُّغُور!؛ وتَزْهو بِنَحْرٍ هانَتْ دُونَهُ النحُور!، تَسْعَى سَعْيَ غَيْداءٍ عَرُوب!؛ وتَسْتَميلُ القُلُوبَ اسْتِمالَةَ هَيْفاءٍ طَرُوب!.
بَعيدَةُ الغَورِ في التَاريخ!؛ ففي عام (1998) اكتِشِفَتْ واحدَةٌ من جُثَثِ أجدادها في الولاياتِ المُتحدَةِ الأمريكِيَّة؛ وذكر خُبَراءٌ مُخْتَصونَ أنّ عُمرَها يُقدرُ ب(92) اثنتينِ وتسعين مليون سنة!!؛ أي أنهم عاشُوا قي عصر (الديناصورات) المنقرضة!.
عَريقَةُ النسب!؛حَكَى خَبَرَ أجْدَادِها (هِيرُودُوتُ) و (المِجَسْطِيُّ) وأنّهم كانُوا خَيرَ عَونٍ لشُعُوبِ الهِندِ حِينَما اسْتَنْجَمُوا الذهبَ لأوَّلِ مَرة!. كما في مقدمة (وِلْ ديُورانَتْ) ل (قصةِ الحضارة)!.
وعَقدَ أبو عَمروٍ الجاحظُ فَصْلاً نَفيساً في بَعْضِ كُتُبِهِ تحدثَ فيه عن مَحاسِنِ أجدادِها!.
أما (رُويال دِيكنْسون) فقد صَنفَ كتاباً ذكرَ فيه أنه ظَلَّ يدرُسُ شَخصِيَّتَها وأحْوالَها مُدَّةَ عِشْرينَ عاماً في بِقاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ العالمّ!!.
والدكتور (Bill Hughes) قدمَ دراسَةً للأكاديميَّةِ الوطَنيَّةِ للعلومِ؛ أكد فيها أنها تتَمَتَّعُ بِنظامٍ فائقٍ في حياتِها المليئَةِ بالجدِّ والنشاط!.
وعَلماءُ الغرب عَكَفوا على دِراسَةِ عالَمِها أكثرَ مِن مائة سنة!؛ كانتْ كُلُّها مَلِيئَةً بالتجاربِ والدراساتِ والأبحاثِ حولَ عالَمِها الخَلاّب!.
والباحثُ ((Graham Currieأمضى عامين كاملين في مُراقَبَةِ ذهابِها وإيابِها؛ وكراهَتِها للفَوْضى وأسبابِ الهلاك!.
وقبل هذا وذاك فقدْ أَثْنَى عَلَيْها الكِتَابُ العَزيرُ؛ ونَهَى عنْ إيصَالِ الأَذى إِلَيْها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليهِ وسلَّم!.
ومِنْ قدرِها في الحياةِ أن اللهَ تعالَى سَلّط أجدادَها على أُمَةٍ من الأمم فَكانُوا سَبباً لهلاكِها؛ وتلك الأُمةُ على ماذُكرَ هي (جُرهم) الذين جاوَروا إسماعيلَ وأمهُ عليهما السلامُ بِمكَةَ المكرَّمة!.
ومِنْ كَرَمِها وكَرَمِ قَوْمِها ما ذكره معاصِرُونَ مِنْ أنَّهم شَاهَدُوا جَماعَةً من النساءِ في (النَّيْجَرِ) إذا اشتدَّ بِهِنَّ الفَقْرُ وعَضَّتْهُنَّ أنْيابُ الحاجَةِ لَجَأْنَ إلى مَخازِنِ الطعامِ في قُرَاهم فاسْتَخْرَجْنَ ما فيها؛ لا تَبْخَلُ بشيءٍ من ذلكَ هي ولا قَومُها!!.
بلْ وفي أخبارِ مكةَ للأزْرَقيِّ أن بِئْرَ زَمزمَ حُفِرَ في قَرْيَةِ قَوْمِهاّ!.
فهلْ مِنْ لومٍ بعد هذا كلِّهِ على مَنْ يَتِيهُ بِأم مَشغولٍ أو أو يُشَبِّبُ بِمَحاسِنِ أُمِّ ذَر؟!.
فألْقِ إليَّ السمعَ أحدِّثْكَ مَنْ هي!!.

في ساحَةِ النزالِ:
في غابَةٍ من أجملِ غاباتِ العالَمِ تَرْتَفِعُ عن سطحِ البحرِ آلافَ الأمتارِ؛ وقدْ مدَّ الربيعُ عليها أخْضَرَ النمارق؛ بعْدَ أنْ بَيَّضَ الزمانُ منها النواصِيَ والمفارِق؛ وبثَّ من الزرابِيِّ هنا وهُناكَ؛ حتّى لَيُخَيَّلَ للناظِرِ أنها في عَالَمِ الأملاكِ أو قِطْعَةٌ من الأفْلاك!...

وتَضاحَكَتْ أزْهارُها فَوقَ الرُّبى لما تَبَسّمَ عن ثَنايا الشمْسِ فَمْ


أَوَيْتُ هناكَ إلى رَوْضَةٍ فَينانَةٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ مُعَمِّرَةٍ من أشْجارِ الجَوز؛ أرقبُ أمّتينِ مِنْ أُممِ النملِ (وكل نَملةٍ من الأمتَيْنِ تُكَنّى بأمِّ مَشْغول!؛ وبأمِّ ذَر) تَدُورُ بَينَهما رحى حرْبٍ عوان!؛ وقد اختَلطَ الفريقانِ في دائرَةٍ قطْرُها نحوُ ذراعينِ؛ فإذا اشتَبكَ القرينُ بقَرينِهِ لم يُغادِرْهُ إلا صَريعاً طريحا؛ أو مُجَنْدَلاً جَريحا!؛ وقد قابلتِ الجموعُ الجموعَ؛ فلا نُكُوصَ ولا رُجُوع!؛ وفي ناحِيَةِ كلٍّ طائِفةٍ من الطائفَتَيْنِ سِرْبانِ غادٍ ورائحٌ؛ يَصِلانِ ساحَةَ النزالِ بِدارِ المَمْلكَةِ ومَقرِّ الدّولة، وقد غَصّتْ طُرُقُ الإمْدادِ بالجُنْدِ والعسكر؛ فَمُسْعِفٌ ومُنْقِذٌ؛ وناقلٌ لأسيرٍ وحامِلٌ لجِريح!؛ ووَراءَ ذلك رُسُلٌ تغُذُّ السَّيْرَ جِيئَةً وذهاباً؛ وفي جَوانِحِ كلٍّ مِنْهم عَزْمَةٌ من عَزَماتِ الدهر؛ وهِمَّةٌ من هِمَمِهِ!؛ فلا تَوانِيَ ولا تَقْصيرَ؛ ولا تَباطُؤَ ولا تأخيرَ؛ لا يَعْدُو واحدٌ طَوْرَه؛ ولا يُجاوزُ واجبَهُ ودَورَهُ!؛ فُسُبْحانَ من أعْطى كلَّ شيءٍ خلقَهُ ثم هدى.
حكايَةٌ نادِرة:
وقد ذكرْتُ بهذه القصّةِ قصةً أُخرى؛ وقعَتْ لِبَعْضِ من سَلفَ؛ وحكاها عن نَفْسِهِ، حاصِلُها أنه رأى نَمْلَةً تطُوفُ بشِقٍّ جرادَةٍ وتَحاولُ أن تُقِلَّهُ دون جدوى، فلما تَحَقَقَتِ العَجْزَ عن ذلك ذهبتْ غيرَ بعيد؛ فمكثتْ مليّا؛ ثم لم تَلْبَثْ أن عادتْ ومَعَها نَملَتان!؛ قال: فلما رأيتُ ذلك أخفيتُ الشِّقَّ عنهن، فجاءتْ وصُوَيْحِباتُها وجعلنَ يَطُفْنَ بالمكانِ يَبْحثْنَ عنه؛ ثم إنهنّ تَركْنها وذهَبْنَ!؛ قال: فأخرجتُ الشِّقَّ ووَضَعتُه حيثُ كان؛ فلم تَلْبَثْ أنْ جالَتْ حولَه قليلاً حتى ذهبتْ تَسْتَدْعِيهنَّ ثانِيَةً!؛ فلما حضرْنَ أخفَيْتُه عنهنَّ كما صنَعْتُ في الأولى، فبَحثْنَ معها في الموضعِ ثم خلّيْنَها وعُدْنَ أدْراجَهُنّ!؛ قال: فردَدْتُ الشقَّ مكانَهُ؛ فلما رأته ولّتْ إليهنّ ثالثَةً فجِئْنَ معَها؛ وصَنعتُ بالشقِّ ما صَنَعْتُهُ في الأولى والثانية، فلما لم يَجِدْنَ شَيئاً؛ اجتمَعْنَ عليها فلم يُغادِرْنَها إلا قَتِيلَةً صريعةً!.
وما دام الشيءُ بالشيءِ يُذكرُ فقدْ أثبَتَتْ أبحاثٌ علميةٌ معاصَرةٌ أن قرنَ الاستِشعارِ لدى النملِ يعمَلُ عملَ (الهوائي)؛ وأنّ النملةَ يُمْكِنُها من طريقِهِ تلقي المَعْلوماتِ وإرسالُها عن بُعد!.
ولَعَلَّ هذا يُفَسرُ لك ما ذكرهُ ابنُ سينا الطَبيب في المجلد الخامس من كتاب (القانون) من أنّ النملَ إذا جُعلَ على جُحْرِها المغناطيسُ فَرَّتْ منه، وهي فائدةٌ عِلميَّةٌ نادرة!!.
وثالثَةُ الحِكاياتِ:
أنْني ذكرتُ بالقصَّةِ السابِقَةِ – والتي تدلُّ على أن الكَذِبَ صِفَةٌ مذمُومَةٌ حتى عِندَ غير البشر – تَجْرِبَةً قامَ بها بعضُ الباحثينَ؛ وهيَ أنه أخذَ نَمْلةً من النّملِ وحبَسها في مَوضِعٍ مُدَّةً من الزمن؛ وجَعَلَ يُلقي لها في كلِّ يومٍ شيئاً من فُتَاتِ القَمْحِ؛ حتَّى إذا مَرّتْ مُدَّةٌ من الزمَنِ خَلاّها؛ فجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ ما يُلْقى إليها مِنَ القمْحِ؛ ولا تَسْعَى في تَحصيلِ الطعامِ سَعْيَ أَفْرادِ جِنْسِها من النمل!.
وشأنُ هذه النملةِ في هذا شَأنُ كلِّ ما يُرَوض!؛ تَفقِدُ مع الوَقْتِ الصفاتِ التي تَكُونُ في مَثِيلاتِها مِمَّا يَعيشُ في البِيئَةِ التي خُلِقَ فيها مِنَ الشجاعَةِ والاعْتِمادِ على النفسِ وغيرِ ذلك!.
الإنسانُ والمخْلُوقات:
هكذا الإنسانُ لا يَزالُ يتَعلّمُ من كلّ شيءٍ حولَهُ؛ فالكونُ كلُّه مُسَخّرٌ له مِنّةً من الله تعالى وتَفَضُّلا؛ حتى عُدَّ من الحِكْمَةِ ما يُنْسَجُ من الحكاياتِ على ألسنَةِ الكائناتِ الحيّةِ من حَوْلِهِ؛ بل وغَيْرِها من الكائنات!؛ فما أودِعَ مثلاً في كتابِ (كليلةَ ودِمْنَةَ) أو في غيرهِ من المنثورِ والمَنْظومِ وإن ظنّهُ كثيرٌ من الناسِ للمُتْعَةِ والتّسليَةِ فطالَما انْتُفِعَ به في قواعِدِ السياسَةِ والحِكَمَةِ العَمَليةِ في تَطبيقاتِها؛ ويُحْكى أن واضِعَ الكتابِ في الأصْلِ أرادَ به هذا المَعْنى، وهكذا ما يَنْسِبُهُ الناسُ إلى (لُقمانَ الحكيم) من القصصِ والحكاياتِ المَوْضوعَةِ على ألْسِنَةِ العَجْماوات!، وزِدْ عليْهِ ما تَعَلّمَه الناسُ من الصفاتِ الحسَنَةِ والصفاتِ المذمومةِ التي جَبَلَ الله المخْلوقاتِ عليها؛ كالشجاعةِ في الأسدِ؛ والأنفةِ والتحَمّل في الجمل؛ والصبرِ في الحمار؛ والحذرِ في الغرابِ؛ وحسنِ التدبيرِ في النملِ؛ ونحو ذلك، مما يدلُّ على أن كلّ شيءٍ في الكونِ يجريِ وَفْقَ نِظامٍ لا يَتَغيرُ ولا يتَبدل؛ وأن كل ما فيه قائمٌ على حكمَةٍ بالغَةٍ وإن قصُرَتِ العقولُ والهِمَمُ عن إِدْراكِها!.
وهل أتاكَ نَبأُ الباحثينَ من العلماءِ المُعاصرين وكيفَ أثبَتُوا بالطرقِ الحديثَةِ وُجودَ لُغةٍ يَتخاطَبُ بها النمل!؛ وأن النّمْلَةَ تستطيعُ حملَ عشرينَ ضِعفِ وزْنها؛ وأنها تستطيعُ القِتالَ والدفاعَ عن نَفْسِها كما تَستَطيعُ الأكل ومَضْغَ الطعام!؛ وأن لها دَماغاً ذا قدرةٍ عاليةٍ على التفكير؛ وقد زُوِّدتْ بالقدرةِ على إفرازٍ مواد كيميائيةٍ مِنها ما تَسْتَعْمِلُهُ لِتطهيرِ اليرقاتِ والبيوض؛ ومنها ما تَقْتُلُ به خُصومَها!!؛ وتستَطيعُ إفرازَ حمضِ النَّمْليك (acidformic) وهو مادَّةُ مُخدِّرةٌ للخصم أيضاً!.
ومن عجائِبِهَا أَنها تشقُّ الحبةَ من القَمْحِ قِطْعَتَيْنِ؛ لئلا تُنْبِتَ، وتَشُقُّ الحبةَ مِنَ الكُزْبَرَةِ أَربعَ قِطَعٍ؛ لأنَّها إذا قُطِعَتْ قِطْعَتَيْنِ أَنْبَتَتْ!!.
أما ما يقومُ به من هندسة لبِناءِ مُسْتعْمراتِه؛ ونظامِ السيْرِ والمُرورِ فيها؛ والدفاعِ عنها؛ وما يَضطلعُ به من تربيةِ صغارهِ والعنايَةِ بهم والشفقةِ عليهم فأمْرٌ يَفوقُ الوصف!.
أثبَتُوا أيضاً أنها أمم تَحتَرفُ القتالَ بمهارَةٍ وكفاءَةٍ عاليتَين!؛ وأن لديها (استراتيجياتٍ) في القتالِ تفوقُ بها عالمَ البَشَر!؛ نعم!؛ ورصَدَت أجهزَةُ تسجيلٍ حساسَةٌ أصواتاً تصدرُ عن معاركهم كتلكَ التي تُسمعُ في المعاركِ بينَ بني البَشر!!.
ومن وراءِ هذا كله أنه عالمٌ قد اجْتَمعَ في الخيرُ والشر!ِ؛ فالحسد والخِداعُ والغشُّ فيهم كما هوَ في بَنِي البَشَر!.
وفي كلِّ هذا رّدٌّ على ما زَعَمَهُ النَّمساوِيُّ المُهتَدي (L.weiss) أو محمد أسد بعدَ إسلامهِ من أنَّ (قصةَ سليمانَ مع النملةِ وفَهْمَهُ عليه السلام لما قالَتْهُ لزميلاتها من جماعةِ النَّمل بأنّها قصّةٌ خرافية قُصِدَ بها الإشارة إلى إِعْجَابِ سُلَيْمانَ بِعَالَمِ الطبيعَةِ وفَهْمِهِ لَهُ وعَطْفِهِ على أَحْقَرِ مَخْلُوقاتِ الله شَأْناً)!!.
والخلاصةُ أن مُجْتَمَعَ النملِ نُسْخَةٌ عن المُجْتَمَعَاتِ البَشريةِ والأمَمِ الإنسانية!.
هذا الذي تَوصلَ إليهِ الباحِثُونَ مُهمٌّ ولا رَيبَ!؛ وأهمُّ من هذا كُلِّهِ مَعْرِفَةُ السنَنِ القدَريةِ الكَوْنيّةِ التي قامَ عليها نِظامُ الكونِ والحياةِ؛ فهيَ تَحْكُمُ أمّةَ البَشَرِ كما تَحْكُمُ غيرَها من الأُمَم!؛ ويَشتَركُ الجَميعُ فيها كما أن البَشَرَ يُشارِكُونَ ِغيرَهم من الأمَمِ المَخْلوقَةِ في أسْبابِ البقاءِ والحياةِ وتَعاطِيها.
وإنما قُلتُ ذلك؛ لأَنَّه مِنَ الضروريٌّ أن تَعْلمَ أن كلّ دَعْوَةٍ تَصادِمُ قانُونَ الحياةِ وتَخْرِقُ السنَّةَ الكَونِيَّةَ القدرية فقدْ حَكَمَتْ على نَفْسِها بالفشلِ والفناءِ قبلَ أن تُولد!.
وأخْرى لا بُدّ مِنْها: أن جَميعَ أوامِرِ الشرعِ وتَكاليفِهِ قد جاءَتْ مُوافِقَةً للسنَنِ الكونِيّةِ القدريةِ؛ لا تُخالِفُها بِوَجْهٍ ولا تَخْرُجُ عنها بحال، وحَيثُ وُجِدَ التعارُضُ في الظاهِرِ بينَهما فهو راجِعٌ إما إلى اعِتِبارِ ما ليسَ من الشرعِ شرْعاً؛ أو إلى الخطأِ في الكشفِ عن السُّنَّةِ الكونِيّةِ.
وللعُلَماءِ في هذا البابِ أقْوالٌ كثيرَةٌ؛ ولولا بُعْدي عن المراجِعِ حينَ كتابَةِ هذه المُسامَرةِ لنَقلتُ منها؛ والذي بينَ يديَّ منها الآن قولُ العلاّمَةِ الأديبِ داودَ بِنِ عُمَرَ الأنطاكِيِّ المُتَوَفّى سنةَ (1008) في (تَزْيينِ الأسواقِ بِتَفْصيلِ أشواقِ العُشاق): جاء النامُوسُ الشرعيُّ بِمُطابَقَةِ القانُونِ الحِكَمِيِّ؛ كما هُو شأن الشارِعِ في غيرِ هذا أيضاً؛ لِيَكُونَ التطابُقُ بينَ الحِكْمَةِ والشرعِ في كلِّ شيءٍ؛ ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ بَعْضِ الأغْبِياء!!. انتهى
وإنما مَنَلُهُما معاً مَثَلُ القاطِرَةِ لا تَسيرُ إلى بالوَقُودِ الدافعِ وقُضْبانِ سِكّةِ الحديد؛ فالوَقودُ مثلُ الشرعِ والقضبانُ مثلُ السُّنَن؛ ولا تَسيرُ القاطِرَةُ إلا بِهِما!، فاعْقدْ على هذه الخناصر.
نَمْلَةُ سُلَيْمان:
ولِمَ نَذهبُ بعيداً والله تعالى يَقُولُ: إلاّ أُمَمٌ أمثالُكم!؛ وفي صحيحِ السنةِ قِصةُ الجَمَلِ الذي شَكى إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم أن صاحِبَهُ يُجِيعُهُ ويُدْئِبُهُ في العملِ!، وقصةُ البَقرةِ التي رَكِبَها صاحِبُها والتَفَتَتْ إليه وقالتْ: ما خِلِقْتُ لهذا!، وقصةُ الذئبِ الذي أخذَ شاةً من الراعِي وولّى هارباً؛ فلمّا لحِقَهُ الراعِي التَفتَ إليه الذئبُ وأقْعَى على رِجلَيْهِ وأنْكرَ على الراعِي طَلَبَه الشاةَ وهي رِزْقٌ ساقَهُ الله إليه!.
وفي القُرْآنِ الكَريمِ قِصَّةُ سُليمانَ عليه السلامُ لما حُشَرَ له جُنُودُهُ من الإنسِ والجنّ والطير؛ حتى أتَوْا على وادِ النملِ؛ فقالتْ نَمْلَةٌ منهن: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.
ولَيْسَتِ القِصَّةُ من نَسْجِ كاتِبٍ أو وَحْيِ خَيالٍ؛ بل هيَ قَوْلُ الخالِقِ سُبْحانَهُ وقولهُ وخَبَرُهُ حقٌّ وصِدْق، وما دامَتْ الهِدَايَةُ هدايَةَ الله (أعْطى كلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)؛ والخَلقُ خَلْقَ الله؛ فذلك عَظيمٌ لَعَظَمَةِ خالِقِهِ وهادِيهِ وما أَوْدَعَ فيه مِنَ الآياتِ وأَلْهَمَهُ مِنَ العِبَر، ولو أنَّ القصةَ كانَتْ بِقَلَمِ كاتبٍ من الكُتابِ في الأُمم الغَرْبِيّةِ لَعُدّتْ سَبْقاً في بابِها؛ ولَفْتَةً إنسانِيَّةً كريمَةً يستحقٌّ عليها الكاتِبُ التشْجِيعَ والتكريمَ!؛ ولَحُسِبَتْ مَفْخَرةً يَتَشدَّق بها دُعاةُ الحُقُوقِ هناك!.
ومُشْكِلَةُ الإنسانِ أنه كثيراً ما يُحاكِمُ الأشياءَ إلى فَهْمِهِ وتَصوُّره؛ ورُبما إلى إلْفِهِ وعادَتِه!؛ مع مَا هو عليهِ ويَعْتَريهِ من نَقْصٍ وَجَهالَةٍ؛ حتى يظنَّ العظيمَ حقيراً والحقيرَ عظيماً!.
البعوضُ والقاذفات!.
وبالأمسِ لما نزلَ القرآنُ غضاً طريّاً وضَربَ للناسِ الأمثالَ بما كانوا يُحَقِّرونَهُ من المخلوقاتِ تعرضَ له الطاعِنُونَ بالسخْرِيَةِ والاسْتِهْزاء!؛ لأن الطاعِنَ قاسَ حَجْمَهُ إلى حجمِ البَعُوضَةِ!؛ وغَفِلَ عَنْ أن السرَّ في دِقَّةِ الصنْعِ وإبداعِ الصانع!!؛ وقارِنْ إن شِئْتَ بينَ الآلاتِ المَصنُوعَةِ أولَ ما صُنِعَتْ وبينَ ما وَصلتْ إليهِ مع التقدمِ التِّقْنِيِّ والصناعِيِّ؛ كالحاسُوبِ مثَلاً أو غَيرِهِ من المَصْنُوعات!؛ ولذا جاءَ الجوابُ قاطِعاً حاسِماً لا مُدَارَاةَ فيه ولا غُمُوض: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...}؛ ولأنّ المُجْتَمَعَ الإنْسانِيَّ إذ ذاكَ لم يَزَلْ حَديثَ النشْأةِ؛ شأْنُهُ شأنُ الطفْلِ الوَليد؛ يُحاكِمُ كُلَّ ما يَراهُ وما يَسْمَعُهُ إلى فَهْمِهِ وتَصَوُّرِهِ!!؛ فهلْ يَصحُّ أن يُلْتَفَتَ إلى شيءٍ من أحْكامِهِ وتَقْريراتِه؟!؛ حتى إذا تَقدّمَتْ به السنُّ والخِبْرةُ في الحياةِ وازْدَادَ عِلْماً بما سَخّرَهُ الله لهُ إذا بهِ يُزيحُ الأستارَ عن خَلْقِ البَعُوضِ وما يَنْطَوي عليه من أسرار؛ لِيُصْبِحَ جِهازُ التّوْجِيهِ الحراريِّ في البَعُوضِ والذي يُصيبُ به فَريسَتَهُ حتى في حالِكِ الظلامِ أساساً عِلْميّاً للتوجيهِ الحراريِّ في القاذفاتِ الحربِيَّة!.
ونحنُ لم نَعْقِدْ هذهِ (المُسامُرَةَ) للحديثِ عما أفادَتْ البَشَريَّةُ كُلُّها - وليسَ المُسْلِمُونَ وَحْدَهمْ فَحَسْبُ- مِنْ مَفاتيحِ الكُنُوزِ المَعْرِفيَّةِ التي دَلَّ عليها الوَحيانِ الشريفان؛ فذاك حديثٌ يَسْتَغْرقُ مُسامَراتٍ ومُسامَراتٍ؛ لكنْ من الحكمَةِ أن لا نَدَعَ شيئاً في الحياةِ يَمُرُّ مُجَازَفَةً دُونَ اعْتِبار!.
كنْزُ الحِكْمَة:
عُدْنا وإياكَ إلى قصّةِ الفَرِيقَين؛ فقلْ لي:
- ما الحامِلُ لهاتين الأُمّتينِ على خَوْضِ حرْبٍ ضروسٍ تأتي على الأَخْضَرِ واليابِس؟!.
- أتُراهُنِّ يَتَنازَعْنَ على مِياهٍ إقْليمِيَّةٍ؛ أم حُقولِ نفطٍ؛ أم حُدُودٍ مُشْتَرَكَةٍ بينَ البلَدَينِ؛ أم على السيادَةِ الدُّوَليَّةِ لكلٍّ مِنْهما؟!.
- أليسَتْ المسألَةُ فيما يَبْدُو لنا لا تَعْدوا حباتٍ من القمحِ أوْ مَسْكَناً مِنْ مساكِنِهم؟!.
- وماذا عليهنّ لو شَرّقتْ أمةٌ وغَرّبتْ أُخْرى حتى تَباعَدَتْ الديارُ ونأتِ الأقطار وعِشْنَ في أمْنٍ وسلامٍ مِنْ نَكباتِ الحروبِ ووَيلاتِها؟!.
- وهل يُمْكِنُ أن يكونَ في الأُمتَينِ أمةٌ مَقهورةٌ مظلومةٌ يُنْتَقَصُ من أَطْرافِها الشيءُ بعدَ الشيءِ؛ وتُنْتزَعُ منها حُقُوقُها المادِّيَّةُ والمَعْنَويةُ؛ ثم تَطالَبُ بعدَ هذا كلِّهِ بِأنْ تَرْضى عن الظالِمِ وأنْ تُقاسِمَهُ الأرضَ والمالَ وحتى العِرْض؟!!.
بَناءُ الكَونِ والخلْقِ على النَّقصِ إلا ما شاءَ الله؛ والكمالُ لله وحده، وقد اقْتَضَتِ الحِكمَةُ أن تَكونَ الدنيا دارَ النصَبِ والتعبِ؛ بِحَيثُ لا يُنالُ منها شيءٌ مع رَاحَةِ الجسَد، حتى ما يَظُنُّهُ الناسُ بادِيَ الرأْيِ من الراحَةِ فَهُوَ على خِلافِ ما يَظنونَ عَندَ قليلِ التفَكُّرِ والتأَمُّل!؛ وطَلَبُ غَيرِ هذا مِن الدنيا هو طََلَبُ عالمٍ آخَرَ سِوى الذي نَعيشُ فيه!.
ثمَّ إن النفعَ والضررَ في هذه الحياةِ قلَّ ما يَنْفصلُ أحدُهما عنِ الآخر؛ ولذا اتفقتْ كلِمَةُ العُقلاءِ على أنَّ الحُكْمَ للراجحِ مِنْهما، فيَيُحْتَمَلُ الضررُ الأقلُّ تَحْصيلاً للغالِبِ من النفع؛ ويُدْفعُ الضررُ الأغْلبُ وإن فاتَ معه بعضُ المنافع، وإنما مثلُ ذلك كالشمسِ؛ فإن ما فيها من عِظيمِ المَنْفعَةِ للمَخْلوقاتِ بِضَوئها وحرارَتِها يَجْعلُ الضررَ الحاصِلَ مِنها أحياناً - كَكَوْنِها سبباً في إحياءِ بَعضِ الجراثيمِ مثلا؛ أو لإتلافِ شيءٍ من المحاصيل؛ أو الإصابَةِ بالحمّى؛ وغيرِ ذلك – عدماً أو كالعَدم.
هكذا سُنةُ التدافعِ؛ أو ما نَسْتَعِيرُهُ فِي هذا المَوْضِعِ للدلالَةِ عَلَى هذا المعْنَى مِمّا يُسَمّى بالصراعِ لأجْلِ البقاء!؛ فإن حكمةَ الله عز وجلّ قد اقتضتْ بقاءَ الحياةِ على هذه البسيطَةِ إلى ما شاءَ ٍسُبْحانه؛ يذهبُ جيلٌ ويَخْلفُهُ آخرُ!؛ وتذهبُ أمةٌ لِتَحلَّ مَحَلها أُخرى، ولولاَ ذلكَ لصارَ مَوضعَ القدَمِ ألفُ قدم!؛ وأصبَحتْ الحياةُ على وَجْهِ الأرضِ جحيماً لا يُطاقُ!.
جواهرٌ في فَمِ حَيَّةٍ!!:
والذي يُوصِلُ إلى المَطْلوبِ أن تَعلمَ أنّ الإنسانَ مركبٌ من جسدٍ وروح، فهو يَجْمَعُ بينَ الكثافَةِ في الأولِ واللطافَةِ في الثانِي، وتَبِعَ هذا التركيبَ من المادتينِ تَفاوتٌ بين الناسِ في الصفاتِ والطبائع!، والكثافَةُ يُناسِبُها الشدةُ والغلظةُ والغضبُ ونحو ذلك من الصفات؛ والأخرى يُناسِبُها الرقةُ والرحمةُ والحُلُمُ ونَحْوها!؛ وما غلبَ من المادتينِ لِتَمَكُّنِ تلكَ الطباعِ منها صارَتْ الثانِيةُ تَبَعا لها، والناس بعد ذلك مُتفاوِتُونَ في المراتب.
والاعْتِدَالُ هو الوَسَطُ من ذلك؛ بِحَيثُ تَجْتَمِعُ الصفاتُ في الإنسانِ على وجهٍ يَحْصلُ معَهُ التوازنُ فلا يَطْغَى جانِبٌ على آخر، والشرعُ جاءَ مُطابِقاً لهذا!؛ فتَراهُ يَنْهى عن الجزعِ والسَخَطِ عِندَ المُصيبَةِ ؛ ويأذنُ في دَمعِ العينِ وحُزْنِ القلب!، ويأمُرُ بالإكثارِ من الذكرِ عندَ القتالِ؛ لأنّ الأولَ سببُ الرقَّةِ؛ ومُخالَطَةَ السلاحِ سببُ القسوة!، ومِنْ أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: الضَّحُوك القتّال!؛ ونبيُّ الرحمَةِ ونبيُّ المَلْحمة!؛ وفي التنْزيلِ: {أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، وكان عليه الصلاةُ والسلامُ أَرْحَمَ خلْقِ الله بِعبادِ الله؛ ومِنْ وَصاياهُ: لا تَغْضَبْ؛ ومَعَ ذلك كانَ شديدَ الغَضَبِ إذا انْتُهِكَتْ مَحارِمُ الله!.
وهذا جارٍ في أعْمالِ الناسِ وحَياتِهمْ وأمثالِهم: فالطبيبُ والمُعلّمُ والتاجِرُ وغَيرهم يَبْنونَ مُعامَلاتِهم على اللينِ في مَوضِعِ اللينِ والحَزمِ في مَوضِع الحزم!؛ ومن الأمثال: لا تَكُنْ ليّناً فَتُعْصر ولا صلبا فَتُكْسَر!، وفي قواعدِ السياسَةِ: عِمَادُ المُلْكِ حَزْمٌ في لِين!.
وخُذْ مِثالاً من قواعِدِ الطبِّ وتَجارِبِ الحُكَماء: فإهمالُ مُعالَجَةِ ما يَقعُ للبَدَنِ من الأَمْراضِ يُعَرِّضُهُ للخَطَرِ ويَجْعَلُهُ ضَحيَّةً وفَريسَةً لها!، وعَكْسُ ذلكَ: المُبالَغَةُ في مُدَاوَاةِ كلِّ ما يُصيبُهُ من الأعراضِ - وإن كانَ الجِسْمُ قادِراً على دَفْعها والتخَلُّصِ مِنها - تُضْعِفُ مَناعَتَهُ وتُبيحُ ساحَتَهُ لِيَرْتَعَ فيها كلُّ مرضٍ وإن ضَعُفَ!، والتوسُّطُ هو المَطْلُوبُ؛ وفي قواعِدِ الشرعِ على هذا المِنْوَالِ ما لا حَصْرَ له.
ومنْ هذا البابِ الأمرُ بالتوسطِ بينَ الإسرافِ والبُخلِ؛ لأنَّ الأولَ يُؤدي إلى التَّنَعُّم والترفِ الذي هو علُّةُ التِّلَف!؛ والثانِي يُكسِبُ الخُشُونَةَ وجَفاءَ الأخلاقِ وغِلَظَ الطباع!.
ولذا كانَ الإسلامُ الدينَ الوسطَ الذي جمعَ مَحاسِنَ المدنِيَّةِ إلى مَحاسِنِ البدَاوَةِ!؛ وأخذَ من كلٍّ مِنهما أحسَنَ ما فيها؛ كما نَبذَ مساوئَ كلٍّ مِنْهما، والمُجْتَمَعُ المدنيُّ التي أُنْشئتْ فيه دَوْلةُ الإسلامِ الأولى كانَ مُجتمعاً مدنِيّاً لا بَدَويّاً كما يَظنُّهُ كثيرون!؛ ومِنْ الكُتُبِ في الباب: (مَنْشورُ الصوابُ في الردِّ على من زَعَمَ أنّ الصحابَةَ من الأعرابِ)!.
كذلك تَرْبِيَةُ الأفرادِ وتَربِيَةُ الأُمَم لا تكونَ بالرخاءِ وحده؛ ولا بالشدائدِ وحدها!، بل بِهِما معاً، وكمْ مِنْ عطِيَّةٍ في بَلِيَّةٍ!؛ وكمْ من مِنْحَةٍ في مِحْنَةٍ!.
ومِنَ المُتَرْجَمِ عنْ شِعْرِ بعضِ أدباءِ الأورُوبيينَ قولُ القائل:

إنّ النوَائِبَ حَيَّـةٌ رَقْطاءُ فِي أَنْيابِها السّمُّ الزُّعافُ السارِي


لكِنَّ في فِيها جَواهِرَ أُخْفِيَتْ تَزْهُو على التِّيجَانِ يَوْمَ فَخارِ


وقرأتُ في بَعْضِ الكتُبِ أن عُلَماءَ الألمانِ كانوا يُقُولُونَ قبل وُقوعِ الحربِ العالَمٍيَّةِ: إنّ الحروبَ سبَبٌ لإيقاظِ الأُمَمِ وإحياءِ الشعوبِ؛ والأُمَّةُ التي لا عَدُوَّ لها تَنامُ عنْ مَعايِبِها وتَغْفُلُ عن مَثالِبِها؛ وتَقْضي عليها حَياةُ اللهْوِ والترف!.
إن كلَّ شيءٍ في هذه الحياةِ يَجري وَفْقَ نظامٍ لا يَتَغيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ؛ شأنُهُ في ذلك شأنُ المُعادَلَةِ الكِيمْيائِيَّة ِ تترَكَّبُ مِنْ نِسَبٍ مُعَيَّنَةٍ ثابِتَة لا تَقبَلُ التغيير؛ وإلا كانتْ النتيجَةُ مُخْتلفَةً تماماً، {إَنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
وسنّةُ التدافُعِ بينَ أمَمِ البشَرِ (بين الحقّ والباطل) في هذه الحياةِ سنةٌ كونِيَّةٌ قدريِّةٌ لا مَفَرَّ مِنْها؛ وافْتِراضُ عالَمٍ مِنْ البَشَرِ خالٍ عن ذلكَ كافْتِراضِ أُمَمٍ مِنَ النمْلِ تَعِيشُ بلا حَربٍ ولا قِتال!.
ومِنَ المُقرَّرِ في عِلمِ الاجْتِماعِ أن الكشْفَ عن النوامِيسِ والقوانينِ التي تَحْكُمُ سَيْرَ الحياةِ الاجْتِماعِيَّة ِ لا بَدَّ فيه من التجرُّدِ عَنِ النوازِعِ النفْسِيَّةِ والمُيُولاتِ الشَّخْصيَّةِ؛ إذ المَطْلُوبُ مَعرفةُ النوامِيسِ على ما هيَ عليهِ في نَفْسِ الأمرِ بَعيدَةً عن أي تَأثيرٍ قلّ أو كَثُرَ؛ والصراعُ واحدٌ من هذه النوامِيس، ولذا رفضَ العُلَماءُ والباحِثونَ ما كانَ على غِرارِ (المدينَةِ الفاضِلَةِ) للفارابِيّ؛ لأنها ضَرّبٌ من الخَيالِ ولا مَكانَ لها من الحَقيقةِ.
والصراعُ بين الحقِّ (الإسلام) والباطل (كلُّ ما سِوَى الإسلام) جارٍ وفقَ هذه السننِ الكونِيّةِ أيضاً؛ والذين يُحاوِلُونَ تَجريدَ دَعْوةِ الحقّ عن قوةٍ تَحْميهِ وتُؤيدُهُ؛ وتَحفظُ له مَكانَتَهُ وسُلطانَهُ يَنْحَرِفونَ به عن هذه الجادّةِ، ويضعونَهُ في صدامٍ مُباشرٍ مع سُنَنِ الله في الكونِ والحياةِ يتعطلُ بِها سَيْرُهُ ويَتَعَوَّقُ تقدُّمُهُ!؛ كالقاطِرَةِ حينَ تخرجُ عن سكةِ الحديد!!.
وبالله التوفيق.
قال أبو سهل: لله درك أبا الوليد؛ ما أسمى بيانك معنى ومبنى!