بحار الحسنات في العشر الطيبات
يغوص في أعماقها/ أحمد زكريا


ما أسعد المسلمين بفيوضات الله التي لا تنقطع،ونفحاته المتعاقبة،ورحما ته المتوالية،التي تفتح الأبواب في وجوهنا جميعا،فلا ييأس مبتلى من عافية،ولا ييأس فقير من غنى،ولا ييأس محروم من عطاء،ولا ييأس مذنب من توبة، فكل الأبواب مفتوحة،
وبحار الحسنات معروضة،تبحث عن غواص ماهر يستخرج جواهرها،ويحسن التعامل مع أسرارها الكثيرة.
فمن فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات، يستكثرون فيها من العمل الصالح، ويتنافسون فيما يقربهم إلى ربهم، والسعيد من اغتنم تلك المواسم، ولم يجعلها تمر عليه مروراً عابراً، ومن هذه المواسم الفاضلة عشر ذي الحجة، وهي أيام شهد لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنها أفضل أيام الدنيا، وحث على العمل الصالح فيها؛ بل إن الله تعالى أقسم بها، وهذا وحده يكفيها شرفاً وفضلاً، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم.

وهذا يستدعي من العبد أن يجتهد فيها، ويكثر من الأعمال الصالحة، وأن يحسن استقبالها واغتنامها. وفي هذا المقال بيان لفضل عشر ذي الحجة وفضل العمل فيها، والأعمال المستحبة فيها.

وإليك قارئي الحبيب بعض مناقبها،فهل من مشمر؟
روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأياميعني أيام العشر - قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولاالجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).وروى الإمام أحمد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلىالله عليه وسلم قال : (ما من أيام أعظم ولا أحب إلى اللهالعمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).
وروى ابن حبان رحمه الله في صحيحه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى اللهعليه وسلم قال ): أفضل الأيام يوم عرفة.(
ما هي أفضل الأعمال الصالحة في العشر؟

الأول : أداء الحج والعمرة ، وهو أفضل ما يعمل ، ويدل على فضله عدة أحاديث منهاقوله صلى الله عليه وسلم:(العمرة إلى العمرة كفارة لمابينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).وغيره من الأحاديث الصحيحة .



الثاني : صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها – وبالأخص يوم عرفة – ولاشكأن جنس الصيام من أفضل الأعمال وهو مما اصطفاه الله لنفسه ، كما في الحديث القدسي :

(الصوم لي وأنا أجزي به، انه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله ، إلا باعد الله بذلك اليوموجهه عن النار سبعين خريفاً)متفق عليه . ( أي مسيرة سبعين عاماً ) .
وروىمسلم رحمه الله عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ) صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده).


الثالث : التكبير والذكر في هذه الأيام . لقوله تعالى :

) وَيَذْكُرُوا اسْم َاللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ (
وقد فسرت بأنها أيام العشر ، واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها لحديث ابن عمررضي الله عنهما عن أحمد رحمه الله وفيه:(فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد (
وذكر البخاري رحمه الله عن ابن عمر وعن أبيهريرة رضي الله عنهم أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر ، فيكبرون ويكبر الناسبتكبيرهم .

وروى إسحاق رحمه الله عن فقهاء التابعين رحمة الله عليهم أنهم كانوايقولون في أيام العشر : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد . ويستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها ، لقولهتعالى :
)وَلِتُكَبِّرُوا اللَّه َعَلَى مَاهَدَاكُمْ(
ويجوز الذكر بما تيسر من أنواع التكبير والتحميد والتسبيح ، وسائرالأدعية المشروعة .



الرابع : التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب ،حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة ، فالمعاصي سبب البعد والطرد ، والطاعاتأسباب القرب والود ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليهوسلم قال):إن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرمالله عليه)متفق عليه .



الخامس : كثرة الأعمال الصالحة مننوافل العبادات كالصلاة والصدقة والجهاد والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرونحو ذلك فإنها من الأعمال التي تضاعف في هذه الأيام ، فالعمل فيها وان كان مفضولاًفإنه أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيرها وان كان فاضلاً حتى الجهاد الذي هو منأفضل الأعمال ( إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).
.



السادس : يشرع في هذهالأيام التكبير المطلق في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد ويشرع التكبيرالمقيد وهو الذي بعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة ، ويبدأ لغير الحاج منفجر يوم عرفة ، وللحجاج من ظهر يوم النحر ، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق .



السابع : تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق ، وهو سنة أبيناإبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى الله ولده بذبح عظيم ، ( وقد ثبت أن النبي صلىالله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما ) متفق عليه .



الثامن : روى مسلم رحمه الله وغيره عن أم سلمةرضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضّحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) وفي رواية ( فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي)ولعل ذلكتشبهاً بمن يسوق الهدي ، فقد قال الله تعالى :

) وَلاتَحْلِقُوا رُءُوسَكُم ْحَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي ُمَحِلَّهُ)
وهذا النهي ظاهره انه يخص صاحب الأضحية ولا يعم الزوجة ولا الأولاد إلا إذا كانلأحدهم أضحية تخصه ، ولا بأس بغسل الرأس ودلكه ولو سقط منه شيء من الشعر .



التاسع : على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلى ، وحضورالخطبة والاستفادة . وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد ، وانه يوم شكر وعمل بر، فلا يجعله يوم أشر وبطر ولا يجعله موسم معصية وتوسع في المحرمات كالأغانيوالملاهي والمسكرات ونحوها مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة التي عملها فيأيام العشر .



العاشر : بعد ما مر بنا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغلهذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات.

وليعلم المسلم أن هذه نفحة من نفحات الله العظيمة، ففي الحديث الذي رواه الطبراني قال صلى الله عليه وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدا".
فقد لا تتكرر هذه الفرصة،فربما يغيبنا الموت،أو يمنعنا العجز والمرض،فسبحانه وتعالى "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ".