يا أهل مصر، هذا أوان الانعتاق والتحرر من التمحور حول ثنائية بالية جامدة إما مع أو ضد، أو حتى ضد السلطة وضد الإخوان، وفي بلاد الجزيرة عبر لمن يفتح ذهنه ويوسع مداركه، هل فيه جمود أكثر مما عرفته السعودية، سواء على مستوى المؤسسة الدينية الرسمية أو الجماعات والأفكار المهيمنة على الساحة، وهل فيه انغلاق أكثر مما كبر عليه النشء هناك، لكن حباهم الله في الفترات الأخيرة بعقول أثقل من رسوخ التيارات المتعارف عليها وتجذرها، وقدرت على المزاحمة في عالم الأفكار وصناعة التأثير، فتحولت في فترة قياسية إلى رقم صعب ليس في المعادلة الإسلامية في البلد، وإنما في المشهد الثقافي العام
بقلم خالد حسن
أكبر إنجاز حققه نظام مبارك إلى الآن، هو تفننه في قمع الإخوان ومحاولات ضرب بنيتهم التحتية المالية والتنظيمية.


فلا يسمع إلا ما يفتح شهيته الأمنية القمعية، ولا يرى إلا ما يهدد عرشه وكراسيه، كل ما في مصر، من تاريخ عريق وأصالة وحواضر وميراث وحالات نهوض على مستوى الوعي والإدراك الشعبي، لا يعدل في قيمته وثقله ومركزيته، مركزا للشرطة أو مباحث أمن الدولة.


مصر تحولت بفعل هشاشة المعارضة السياسية وانغلاق الإخوان على أسلوب قديم موروث في إدارة صراعها مع السلطة، إلى مستنقع سياسي آسن، لا حراك فيه.


صغرت مصر كثيرا، وأصبحت تقتات على أدوار هامشية.


والناظر إليها من الداخل أو من الخارج لا يرى تناطحا وتصادما بين سلطة قمعية بالية وجماعة الإخوان المعارضة، تعودت على الضرب، وأكسبها طول المطاردة قدرة على الامتصاص والتعامل مع فنون التضييق والمحاصرة والاعتقال. وهكذا اختُزلت مصر في ثنائية الأمن والإخوان.


الضربة الموجعة والعميقة التي تعرض لها الإخوان خلال الأيام الأخيرة، حيث تم اعتقال القيادات المحورية التنظيمية، لن تثنيهم عن بغيتهم، وربما تمهد الأجواء السياسية لتقبل ما هو قادم على مصر من آل مبارك، أو على الأقل تهيئ له الأرضية وتخفف من حدة رد الفعل السياسي.


بدا النظام المصري اليوم، مرتبكا فاقدا لعقله وصوابه، ومن الواضح أن تيارا في النظام يقود الحكم إلى حتفه بطريقة جنونية، فكلما أمعن في القسوة، كلما ازداد نظام الحكم هشاشة. لكن هل تساءلوا مرة: أليس ثمة سبيل آخر لانتزاع "الولاء" غير القمع؟


إنه وهن البلد ككل وفقدان القدرة على الفعل المؤثر، إيذانا بحالة الشلل العام. أليس في مصر غير الإخوان وآلة القمع الأمنية؟


أين هي حركة كفاية؟ أين هي وقفة القضاة الأحرار؟ أين هو ضمير مصر وعقلها ونبض الحياة فيها؟ أين هم مصلحوها ومفكروها ودعاتها؟ مشهد سياسي وأمني يتكرر أكثر من عقدين من الزمن، من دون أي إضافات أو تجديد أو تنويع؟


لن ألوم الإخوان أكثر مما فعلت وفعل غيري، فهم أكثر الجماعات تعرضا للنقد، وأقلها تجديدا واستجابة لدعوات المراجعات، يكفيهم ما هم فيه من محن ومآسي وضربات، وليس في كل مرة يتعرضون فيها لقمع، نستعرض عضلاتنا الفكرية ونطلق العنان لشهوة النقد والكلام، ولعلهم راضون عن أدائهم وأقنعتهم مواقفهم وصبرهم، ليفتش معارضيهم في مصر من الإسلاميين وغيرهم عن صيغ أخرى للحراك وتقديم خيارات للنهوض بمصر غير ما قدمه الإخوان، ليبحثوا لهم وليفكروا في إنقاذ الوضع.


وإذا لم يتغير الإخوان، فهل نفني أعمارنا في نقدها وترقب أفعالها وصنيعها، لنوجه له سهامنا، ننصح لهم وندعو لهم ونشد على أيديهم ونعمل على التخفيف من محنتهم ونتلاحم معهم في ساحات التدافع، ولنتجاوز "عقدة" الإخوان.


أليس منا وفينا من عقله أكبر من عقل جماعة حركية؟ هل أعلنت العقول إفلاسها؟ فلنتجاوز منطق الجماعات والتنظيمات، ولنؤثر في توجهات البلد وتياراته بعيدا عن المعلقات العشرين والمرثيات وآهات التحسر وزفرات التوجع.


يا أهل مصر، هذا أوان الانعتاق والتحرر من التمحور حول ثنائية بالية جامدة إما مع أو ضد، أو حتى ضد السلطة وضد الإخوان، وفي بلاد الجزيرة عبر لمن يفتح ذهنه ويوسع مداركه، هل فيه جمود أكثر مما عرفته السعودية، سواء على مستوى المؤسسة الدينية الرسمية أو الجماعات والأفكار المهيمنة على الساحة، وهل فيه انغلاق أكثر مما كبر عليه النشء هناك، أو بالأحرى الأجيال السابقة، حتى طال عليهم الأمد، وكادت الأمة أن تئس من وضعهم، لكن حباهم الله في الفترات الأخيرة بعقول أثقل من رسوخ التيارات المتعارف عليها وتجذرها، وقدرت على المزاحمة في عالم الأفكار وصناعة التأثير، فتحولت في فترة قياسية إلى رقم صعب ليس في المعادلة الإسلامية في البلد، وإنما في المشهد الثقافي العام.


ليس هناك وضع ثابت إلا إذا عملنا ـ بشكل أو بآخر ـ على تثبيته، وإن بدا منا التذمر والسخط، فمن أبطأ به عقله لم يسرع به نقده.





2 تعليق حتى الآن ( اضف تعليقك على المادّة فوراً )

--------------------------------------------------------------------------------
العقل أساس المشكلة | هاني فؤاد يقول...
في الحقيقة أرى المشكلة الحقيقية في العقل المتعرض للإعتداء من قبل النظام الحاكم منذ أكثر من عقدين من الزمان في الخليج على الرغم منوجود العقليات المنغلقة إلا أنها نحت نحو تطور العملية التعليمية [إرسال أبنائها إلى الخارج فعادو حاملين أسس التفكير العلمي المنطقي
مجلة العصر قضية واراء