تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 36

الموضوع: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

  1. #1
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,209

    افتراضي تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    كتب الشيخ محمد الحسن الددو - وفقه الله - مقالا بعنوان " التعايش مع الآخر حقيقة تاريخية وضرورة واقعية " ، نُشر في العدد ( 33 ) من مجلة الإسلام اليوم ، كانت للأخ أبي يحيى الليبي - وفقه الله - بعض التعقبات المهمة عليه ، خاصة إذا ما علمنا أن مصطلح " التعايش " معناه - كما جاء في المعاجم - " الاشتراك في الحياة على الألفة والمودة " ! ( يُنظر رسالة : التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم ، للباحث : سور هدايات ص 7 ) .
    وقد أحببت نقل تعقبات أبي يحيى هنا مع شيئ من الاختصار ، لأهميتها في موضوع حي معاصر ، يحتاج كثير من المسلمين معرفة حقه من باطله ، لاسيما وقد جاءت بأسلوب علمي رفيع .


    ******************************
    أما بعد : فقد رجّت نفسي رجاً شديداً حينما وقعت عيناي على أوراق تحوي مقالاً لشيخنا الكريم محمد الحسن ولد ددو بعنوان «التعايش مع الآخر حقيقة تاريخية وضرورة واقعية»،
    فما كان أغناك -شيخنا الفاضل- عن الدنو من هذه المدرسة الفكرية المنحرفة المخرِّفة، وما أحرى قلمك النـزيه أن يُصقَل ويُستلَّ لتفنيد أباطيلها، وتبديد دياجيرها، وتقويم اعوجاجها، وقطع لجاجها، في وقت اشتدت فيه غربة الإسلام، وتواطأت عليه أقدام مَن هم أضل من الأنعام، وقل الصادعون بالحق صدعاً لا مواربة فيه ولا مراوغة، واستنسر في أرضنا البغاث، حتى عز الذليل وذل العزيز، وائتمن الخائن، وخوِّن الأمين، وقيل للتافه الأحمق الغِر ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، واتكأ الطغاة على الآرائك يحلون ويحرمون، ويأمرون وينهون، فلم يرتضوا لا بكتاب ولا سنة بل ولا عقل سوي، فكانوا أعظم شراً وأشد ضرراً ممن قال فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم: [ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه]، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
    ولهذا فإني أدعوك -شيخنا الكريم المفضال- دعوة محب مواد وفيٍّ أن تنأى بنفسك بعيداً عن هذا المذهب الردي، من قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، ولعمر الله إن بقاءك أستاذا في محضرة ببادية نائية مطوية في رمال موريتانيا لهو خيرٌ لك، «وأحب» إلى ربك، وأنفع للمسلمين من تصدرك وتقديمك واستدراجك لتكون رأساً يُسار وراءه، ويُشار إليه، ويقتدى به في مدرسة «التطويع والتمييع» التي نشط دعاتها وذُللت العقبات أمامها في السنوات الأخيرة وفتحت على المسلمين أبواب شرور طالما كانت موصدة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
    عَنونَ فضيلة الشيخ مقاله بـ«التعايش مع الآخر حقيقة تاريخية وضرورة واقعية»، ولا شك أن مَن له أدنى إلمام بما يكتبه أصحاب مدرسة «التطويع والتمييع» سيربط العنوان بهم، وسينطبع في ذهنه تلقائياً ومن غير جهد بعضُ المعاني التي يحومون حولها، لا سيما وأن المقال قد نُشر في موقع من أشهر مواقعهم تبنياً لهذه الأفكار واستخداماً لمثل هذه المصطلحات، ولو كان الكاتب لهذا المقال هو سلمان العودة لما وجد القارئ في نفسه عجباً؛ فقد تخطى فيما يكتبه ويقرره مراحل التعجب؛ فبعد كل حين يخرج إلينا بباقعة هي أكبر من أختها، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
    فالعنوان وإن كان في ثوب جديد إلا أن مضمون المقال وما ينطوي عليه وَضَعَ أسسا لتكون ركائز يتم حولها التعايش بيننا وبين من أسماه فضيلة الشيخ بالآخر، وهذا المعنى الذي يريد فضيلة الشيخ الوصول إليه كان قد صدر مِن نوعه بيان قبل ست سنوات تحت عنوان «على أي أساس نتعايش؟» أي بعد أحداث أمريكا بأشهر قليلة، والذي كان رداً على بيان أصدره عدد من مثقفي ومفكري وقساوسة الكفرة تحت عنوان «على أي أساس نقاتل؟»، والمقابلة بين العنوانين تعطيك حقيقةَ نفسيةِ كل طائفة من فريقي المقالين، فطائفة أعدت نفسها للقتال، وهو عندها حتميٌ لا رجعة فيه، وتصرح به بوضوح وعلن وترفّع، وإنِّما حديثُها فقط عن دوافعه وأهدافه، وهؤلاء هم فريق الكفرة الضالين، وطائفة تبحث عن التعايش، وتنقب عن أسسه التي يقوم عليها، والقواسم المشتركة التي يلتقي عندها، وهي معاني تطبع في النفس صورة الحرص على الحياة، والركض وراء زهراتها، والبحث عن السكون والدعة، وهذا المعنى تكاد دلالة العنوان عليه تكون دلالة مستقلة، فكيف إذا قوبل بما عنون به النصارى بيانهم، والضد يظهر حسنه الضد، ويظهر قبحه أيضاً، ولهذا فقد صاح كثيرٌ من العلماء وطلبة العلم والمثقفين على أصحاب بيان التعايش صيحة واحدة، وبينوا ما فيه من التخاذل المقيت، والاستخذاء المهين، والتحريف لمسائل الدين، وتذليل النفس وتصاغرها مما لا يليق بمسلم يعتز بعقيدته ودينه.
    - ومن البدهي إن نظرنا إلى كلمة التعايش التي تصدرت العنوان نظراً ذهنياً مجرداً فإنها تشير لزوماً إلى تكافؤ المتعايشين ونديتهم لبعضهم وربما تساويهم أيضاً، فصيغتها صيغة تفاعل التي تدل على المشاركة من الطرفين في أمرٍ ما، كما نقول تقاتل فلان وفلان، وتصافحا، وتسامحا، فلا يُميز أحد الفاعلين عن صاحبه ويُخص بشيء من مناقب الفعل إلا بدليل وقرينة مستقلة، كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ آل عمران13.
    - وقد أكد فضيلة الشيخ هذا المعنى وأوضحه في قوله: [وبحكم الاختلاف الحتمي والطبيعي بين الناس فليس أمامهم من خيار غير التعاون في المتفق فيه الذي يفترض أن يتوصل إليه بواسطة حوار بناء أطرافه متكافئة ومتسامحة وبهذا يمكن التعايش بين الناس]، فهو يقرر أن هذه الأطراف التي يراد لها التعايش -وهم نحن والآخر!- لا بد أن تكون «متكافئة»، والكفؤ في اللغة هو المثل والنظير، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ الإخلاص4، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»، فهل التعايش الذي يريده الشيخ هنا هو تعايش الند لنده، والكفؤ لكفؤه، والمثل لمثله؟ وهل هذا النوع من التعايش هو مما جاء به دين الله عز وجل الذي فيه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِين َ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ ص28، وفيه: ﴿أَفَنَجْعَل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين َ*مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ القلم35-36،، وفيه: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ الجاثية21، قال الإمام السعدي -رحمه الله- في هذه الآية: [أي أم حسب المسيؤون المكثرون من الذنوب المقصرون في حقوق ربهم «أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات» بأن قاموا بحقوق ربهم واجتنبوا مساخطه ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى أنفسهم أي أحسبوا أن يكونوا «سواء» في الدنيا والآخرة ساء ما ظنوا وحسبوا وساء ما حكموا به فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين وخير العادلين ويناقض العقول السليمة والفطر المستقيمة ويضاد ما نزلت به الكتب وأخبرت به الرسل بل الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب في العاجل والآجل كل على قدر إحسانه وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة والعذاب والشقاء في الدنيا والآخرة](تفسير السعدي777)
    وقال عز وجل: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ﴾ السجدة18، وهذا المعنى أوضح ما يكون في كتاب الله عز وجل، والآيات التي تدل على انتفاء المساواة بين فريق الإيمان وفريق الكفر والخسران «الآخر» أكثر من أن تحصى، بل جعلها الله عز وجل مناقضة للعقول والفطر السيلمة، ومن الإشكالات والمعضلات توضيح الواضحات، فالتعايش الذي يقوم على أساس المساواة والمكافئة منقوض بكتاب الله عز وجل نقضا باتاً، ومرفوض بما جبل الله عليه العباد من التفرقة بين المختلفين رفضاً قاطعاً، فليس بين الفريقين -فريق الهداية وفريق الغواية- تساو ولا تكافؤ لا في العيش ولا في الحقوق ولا في الواجبات بل ولا حتى السير في الطرقات، وأحرى أن لا يكون بينهما تساو في أمر الآخرة وأثناء وبعد الممات.
    - ثم جعل فضيلة الشيخ -حسب العنوان- هذا التعايش حقيقة تاريخية، فأين هذا التعايش الذي حصل عبر تاريخ البشرية والذي جاء عن طريق حوار كانت فيه الأطراف متكافئة متسامحة، فهذا كتاب الله عز وجل ينطق بيننا، والذي حدثنا بقصص ضاربة في أعماق أعماق التاريخ - وهوأصدق قيلاً وأحسن حديثاً - يخبرنا خبراً لا ارتياب فيه، أن العداوة الظاهرة والبغضاء المعلنة لم تزل قائمة مترسخة بين الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم من جهة، وبين مناوئيهم من أقوامهم الكفرة من جهة أخرى، فأين ومتى وكيف عاش أهل الإيمان وأهل الكفر «الآخر» في بقعة على الأرض عيشاً متساوياً متسامحاً لم يغالب أحدهما الآخر ولم يدافع بعضهما بعضا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ البقرة253.
    فأول الرسل سيدنا نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الذي بقي في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ما إن دعاهم إلى ربهم وحثهم على التوحيد ونبذ الشرك حتى جاهروا له بالعداوة وحاكوا له المؤامرات وأجمعوا كيدهم وجمعوا شركاءهم للنيل منه وثنيه عما هو عليه من الهدى والحق كما قال عز وجل: ﴿قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴾ الشعراء116، وكما حكى عنه سبحانه وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ﴾ يونس71.
    ويلخص مسيرة الأنبياء المطردة قصة ورقة بن نوفل عند أول نزول الوحي: [يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا]متفق عليه، وهو موافقٌ لما أخبر الله به في كتابه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـك ُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ إبراهيم13، ولما أخبر الله به عن شعيب وقومه المستكبرين: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الأعراف88، وعن قوم لوط: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الأعراف82 والآيات في هذا المعنى متعددة.
    فأي تعايش هذا الذي سيكون وهو يناقض سنناً كونية راسخة ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ فاطر43، وهو أيضاً يخالف مخالفة تامة «الحقائق التاريخية»، ويصادم ويصادر قانون التدافع الذي جعله الله تعالى سبباً في صلاح الكون واستقرار الناس بعكس ما يظن البعض ويدعي من أن المسامحة والمسالمة والمعايشة هي التي يستقيم بها أمر الناس وتسكن حياتهم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ البقرة251، قال الإمام السعدي -رحمه الله- في هذه الآية: [أي لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى وإظهار دينه «ولكن الله ذو فضل على العالمين» حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها وأسباب لا يعلمونها](تفسير السعدي109).

    -وقال العليم الحكيم: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج40، قال الإمام القرطبي -رحمه الله-: [أي: لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك، وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال؛ ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون، ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: «ولولا دفع الله الناس» الآية أي: لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة](أحكام القرآن12/70).
    -وفي الحديث العظيم الذي يرويه الإمام مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: [ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا..وفيه..وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: يا رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك، وأغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك]، فأين التعايش الآمن، والتحاور الهادئ، والاحترام المتبادل، والأجواء المناسبة، والتسامح الرقيق، والله يأمره بإحراقهم واستخراجهم وغزوهم وقتالهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ محمد4.
    -وما هذا التعايش المتكافئ الممكن الذي اكتشفناه نحن أخيراً، وفات رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يدركه ويتفطن له، فلم يستطع أن يقيم بين أبناء قومه وعشيرته، حتى أخرج تاركاً أهله وولده وداره وهو يقول: [والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي والله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت]؟!
    - أما كون التعايش ضرورة واقعية، فهذه كلمة حمالة أوجه، وهو تعبير إنشائي أكثر من كونه تقريراً لمسألة شرعية عظيمة كهذه، خاصة إذا علمنا أن نفس معنى كلمة التعايش المستخدمة ليس محرراً -عند أصحابه- تحريراً يزول به الإشكال، فهم يطلقونه ويبهمونه ويقلِّبونه على معانٍ عدة، فلا يحجر المرء على عقله إذاً ويحصر صورة التعايش «الضرورية» في التجارات وأسباب المعاش، أو بمعنى أوضح في المجال الاقتصادي، فعباراتهم أوسع من ذلك بكثير، وعلى كل حال فللتجارة مع الكفار أحكامها، وللإقامة بين أظهرهم أو إقامتهم بين أظهرنا أحكامها، بل وفي ابتداء السلام ورده عليهم أحكامه، وفي ملاقاتهم في الطرقات أحكامها، وفي الزواج منهم أحكامه، فهذه الأمور كلها وغيرها كثير قد نظمها الشرع وأحكمها، وفصل حدودها، وأتم بيانها وإيضاحها، ويجمعها جميعاً كون كلمة الله هي العليا، وبناها على أسس تظهر بها عزة الدين وارتفاع أهله المستمسكين به، فالإسلام يعلو ولا يعلى، وهذا كله لا يناقض العدل والإحسان وحسن المعاملة، ولكن المقصود أن الإبهام والتعميم في مثل هذا الموضوع الخطير الكبير غير مستحب.
    - ومع ذلك فلم يشأ شيخنا الفاضل أن يضع في عنوان مقاله كلمة «الكافر» بدلاً من التعبير عنها «بالآخر» وحاد عن ذلك حيدة غير محمودة، وأنا متأكد لو كان عنوان مقاله بهذه الكيفية: «التعايش مع الكافر..إلخ»، أو التعايش مع «اليهود والنصارى والمجوس والهندوس والملحدين...إلخ» لاستهجنه ومجَّه ونفر منه بل واستعظمه كل من قرأه أو سمع به من عالم أو عامي، وحضري وبدوي، وإن شككتم فجربوا، وهذا ما يؤكد أن استخدام الألفاظ الشرعية كما هي بحروفها ومعانيها له وقعه الخاص المتميز على القلوب وله تأثيره البليغ في النفوس.
    فالذين يحاولون أن «يستدركوا» على الله تعالى بإحداث ألفاظ جديدة تحل محل الكلمات التي نص عليها القرآن والسنة وحددا تصاريف ألفاظها ومعانيها محتجين بأن هذا داخل في «الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة»، وأنه من باب «فقولا له قولا لينا»، هؤلاء يُسيئون إلى الإسلام من الباب الذي راموا منه الإحسان إليه، فالإحسان نعم مطلوب ولكن لا يقبل أن يكون دافعه هو «التحرج» النفسي الكامن خشية استقباح الكفرة واستثارتهم من استخدام الكلمات الشرعية واضحة ناصعة كما هي، وإننا حينما ندعو الناس إلى أمور تخيلناها واختلقناها ثم استحسناها فإننا -حينها- لا ندعوهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وإنما ندعوهم إلى فكر أرضي ابتكرته عقولنا وطابت به نفوسنا، فلا يلبث هؤلاء المدعوون أن يكتشفوا بوناً شاسعاً وفرقاً واسعاً بين ما كنا ندعوهم إليه ونموه به عليهم، وبين حقائق الإسلام الأصلية فماذا ستكون العاقبة آنذاك يا ترى؟: ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ البقرة140، ولهذا قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً *إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ الإسراء74-75 وعليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الحجر94.
    وعن أنس رضي الله عنه: [أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار]، وجاء في روايات لهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال له «إن أبي وأباك في النار» حينما رأى في وجهه الكراهية إذ أخبره أن أباه في النار.

    - ثم لو كان هذا الاستخدام المحدث لمثل هذه الكلمات عابراً لكانت المسامحة فيه واردة، والغض عنه يحتمل، ولكن أن تُبذل الجهود وتؤسس الأفكار ويعاد النظر كرة بعد كرة لاقتلاع المصطلح الشرعي والضرب في الآفاق للتنقيب عن البدائل المناسبة والملائمة فهذه هي المصيبة التي لا يطيق المرء عليها صبراً ولا يجد لها مستساغاً، ولهذا فإني أدعو الكتاب والباحثين والفقهاء أن يعتصموا بحبل الله وسنة نبيه لفظاً كما يستمسكون بهما أحكاماً وعملاً، خاصة التي جرى عليها اصطلاح الفقهاء الأولين ممن لم يمسهم شيء من خجل القلوب وانهزامها، فكانوا معتزين بالدين صادعين بحقائقه مستمسكين بكلماته وألفاظه، وأن ينبذوا عنهم هذه الترقيعات البالية التي كانت سبباً في التباس كثير من معاني الإسلام الثابتة، وجعلت معالمه البينة تدرس كما يدرس وشي الثوب، مثل مصطلح «الآخر»، و«غير المسلمين» ونحوهما.
    - إن كثيراً من المبهورين بحضارة الغرب الكافر، والذين قد يرون شيئاً من الأخلاقيات الحسنة التي قد يتصفون ويشتهرون بها، قد يغيب عن أذهانهم وينسون - وهم في غمرة الانبهار- أن هؤلاء هم أعداؤنا الذين قد حادوا الله ورسوله، وأتوا في معتقداتهم بالعظائم والدواهي التي يشيب لهولها الولدان، فكذبوا بكتاب الله تعالى، وكفروا برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل وكثيرٌ منهم قد تبرأوا من الانتماء لأي نبي أو دين، فيغلب على قلوب هؤلاء المبهورين مسحةُ احترام لهؤلاء الكفرة المجرمين تُكسى ثوب الرحمة والرفق، فتراهم لا يذكرونهم ولا يخاطبونهم إلا بمعاني التوقير والإعجاب، ويتعاظمون ويستثقلون وصفهم بما يستحقون، ويهولهم رمي هؤلاء الكفرة بما نعتهم الله به ومواجهتهم بحقيقتهم، ويذهب عن أذهان هؤلاء أن أولئك «المتحضرين» هم شر البرية ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ الفرقان44 فليتنبه لهذا الأمر ودخيلته.
    -وأتذكر في هذا الموطن القصة المشهورة، إذ استأذن على المأمون بعضُ الفقهاء، فأذن له، فلما دخل عليه رأى بين يديه رجلاً يهوديَّاً كاتباً، كانت له منـزلة، وقرَّبه لقيامه بما يصرفه فيه ويتولاه من خدمته، فلما رآه الفقيه قال -وقد كان المأمون أومأ إليه بالجلوس-: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إنشاد بيت حضر قبل أن أجلس؟ قال: نعم، فأنشده:
    إنَّ الَّذي شرِّفت من أجله ... يزعم هذا أنَّه كاذب
    وأشار إلى اليهوديّ، فخجل المأمون ووجم، ثم أمر حاجبه بإخراج اليهودي مسحوباً على وجهه.
    - والشيخ -حفظه الله- قد بين لنا في صدر مقاله مَن يقصد بالآخر، ولكنه لم يبين لنا لِمَ اختار لهم هذا الاسم الذي أصبح سارياً وجارياً على ألسنة الكثيرين ممن ينحون منحى مدرسة «التطويع والتمييع»، حتى يكاد يكون مصطلحاً خاصاً بهم، وهو يروق-بلا شك- لكثير ممن يقاربهم من المفكرين والمثقفين، وهنا أقول إن مَن اختار هذا الاسم وما شابهه لمحاولة دفن ما يثير ويهيج حفيظة الكفرة الفجرة قد حسب أن ذلك سيرضيهم ويقنعهم، وما درى المسكين -إن كان مسكيناً- أن رغباتهم لا تتوقف عند حدٍّ ولا يكتفون فيها بطلب: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ البقرة120، وللمساواة عندهم معنى واحد وهو أن نكفر كما كفروا: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ النساء89، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ البقرة109.
    ثم إذا كان الأمر كما قال الشيخ في مقاله المذكور: [اقتضت حكمة الله أن تكون هذه الأمة متميزة عن غيرها من الأمم وهذا التميز شامل لمناحي الحياة، عقدية واقتصادية وسياسية واجتماعية. إذ ليس مقبولاً شرعاً ولا مستساغاً عقلا أن تكون آخر أمة أخرجت للناس لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله تابعة لأمة أخرى مهما علا شأنها]، فما هذا التعاون والتعايش الذي يتحدث عنه والذي قال عنه إنه [يفترض أن يتوصل إليه بواسطة حوار بناء أطرافه متكافئة ومتسامحة]؟ فإذا كان تميز أمة الإسلام -خير أمة أخرجت للناس- شاملاً لمناحي الحياة كلها، وأنه غير مستساغ شرعا ولا عقلاً أن تكون تابعة لغيرها من الأمم، فما هو وجه التكافؤ الذي يقصده الشيخ في مقاله.
    إن الحقيقة الناصعة والمفهوم الراسخ الذي يجب أن نتكلم به بكل وضوح وجلاء، ونعززه في نفوسنا ونفوس أجيالنا: أن دين الإسلام لا يقبل له نداً ونظيراً ولا مكافئاً ولا مثلاً، والمسلمون أيضاً لا يرضون لأنفسهم مساوياً ولا قِرنا.
    -وأن التعايش المزعوم مع «الآخر» ليس له أرضية ثابتة يقوم عليها إلا أرضية واحدة، هي أرضية الدخول في دين الله تعالى أو الخضوع لأحكامه، ذلك المعنى الذي يجليه قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوه مْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الأنفال39، ويبينه أتم بيان -وخاصة مع أهل الكتاب- قوله عز وجل: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ التوبة29
    - ومما قاله فضيلة الشيخ في مقاله: [والفروق بين الفريقين (المسلمين وغيرهم)؛ عديدة لكنها لا تصل إلى التضاد والتناقض المطلق، ولا تمنع التعايش ولذا لزم البحث عن أرضية مشتركة يمكن أن يقف عليها الفريقان ليعيشا في سلام وأمان ويعملا لتعمير الأرض وسعادة الإنسان].
    سبحان الله! ألم يقل الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ المائدة3، فما لنا نذهب بعيداً ونتحسس أموراً وقضايا مشتركة يمكننا أن نجعلها أرضية للتعايش مع «الآخر» في أمان وسلام، وكأن طلب الأمان والسلام هو أكبر همنا وأعظم مقصدنا، ألم يبين لنا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء من بعده بل وطريقة المسلمين أجمعين أكتعين على مر التاريخ ما هي أسس وضوابط وأحكام التعامل بين الفريقين «المسلمين والكفار»، سواء في حال الحرب أم السلم، وفي حال التمكين أم في حالة الاستضعاف.
    فتخيل معي -أخي القارئ- أن خالد بن الوليد أو أبا عبيدة بن الجراح أو عمرو بن العاص قد جمع حزمة النقاط التي تمثل أرضية التعايش مع «الآخر» وانطلق بها إلى أرض الروم أو فارس، ليقول لهم تعالوا إلى حوار هادئ نبحث فيه عن أرضية مشتركة يمكن أن نقف عليها نحن وأنتم لنعيش في سلام وأمان ونعمل لتعمير الأرض وسعادة الإنسان!!!.
    فإن كان مثل هذا الكلام مستهجناً أشد الاستهجان في حق أولئك الأفذاذ، أفلا يسعنا ما وسعهم، ويكفينا من الحق والهدى و«التعايش» ما كفاهم؟!، أم أننا اكتشفنا أن في الإسلام من معاني الرحمة والمسامحة والتعايش والتعمير والسلام والأمان ما لم يكتشفوه؟
    أين التعايش المزعوم وأرضيته التي تحوم فوقها الخيالات وتفرزها الأماني من قول النبي صلى الله عليه وسلم: [من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فعليك إثم الأريسيين و«يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون»] متفق عليه.
    وأين تعايش الوهم الذي اطلعنا على أمكانيته أخيراً من قول النبي صلى الله عليه وسلم لقادة جيوشيه وسراياه: [وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم].
    - فتأمل هذا أخي المسلم، وغيره كثيرٌ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى أن التطويل في بيانه والتدليل عليه لإثباته وتقريره يعد عجباً عجاباً، ثم انظر إلى الأرضية المشتركة التي افترضها شيخنا الفاضل للتعايش مع الآخر.
    فأولها قوله: [أن ينطلق الجميع من حقيقة لا جدال فيها وهي أن الناس لا يمكن أن يكونوا نسخة مكررة؛ لأن الله لم يفطرهم على ذلك بل جعل الاختلاف سنة فيهم قال تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم...»الآية 118 و119 من سورة هود، أي لو شاء الله لجعل الناس كلهم مؤمنين مهتدين على ملة الإسلام ولكنه لم يفعل ذلك لحكمة.«ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك» أي ولا يزالون مختلفين على أديان شتى وملل متعددة ما بين يهودي ونصراني ومجوسي إلا ناسا هداهم الله من فضله وهم أهل الحق].
    فإذا كان الناس لا يمكن أن يكونوا نسخة واحدة مكررة، وأن الاختلاف الذي بينهم لا يتصور رفعه، وأنهم لذلك خلقهم ربهم، فما هي النتيجة المستخلصة من هذا التقرير - على الأقل بحسب ما يفهمها «الآخر» الذي يُباحث لإيجاد أرضية التعايش معه _ أليست هي أن يقنع كل إنسان بما عنده ويركن إليه، ويعذر غيره بما خالفه فيه؛ لأن اختلاف الناس شيء «فطرهم» الله عليه وهو لا بد واقع، ومن ذا الذي يعارض سنة الله، إذاً ما علينا إلا أن نرضى بقسمة الله «القدرية» ونطوِّع أنفسنا لها ونتأقلم معها تأقلماً ينسجم مع هذا الاختلاف لنعيش جميعاً في أمن وسلام!!!
    ولهذا فإن الإمام ابن جرير -رحمه الله- لما اختار ما اختار في معنى الآية والذي نقله شيخنا الفاضل، استدرك بدفع ما قد يتوهم من معنى غير مراد فقال: [فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم؛ إذ كان لذلك خلقهم ربهم، وأن يكون المتمتعون هم الملومين، قيل إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، إلا من رحم ربك فهداه للحق ولعلمه وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر والشقي والسعيد خلقهم، فمعنى اللام في قوله ولذلك خلقهم بمعنى على، كقولك للرجل أكرمتك على برك بي وأكرمتك لبرك بي](12/144).
    أوليس هذا احتجاجاً صرفاً بأمور قدرية على أحكام شرعية، فإن من بدهيات الإسلام أن نبين ضلال القوم، واعوجاج طرقهم، وقبح معتقداتهم، وفساد أديانهم، حتى نحذرها نحن أولاً، وليعلموا هم أنهم ليسوا على شيء فيؤوب من يؤوب منهم إلى الحق ويتمادى من حقت عليه الشقاوة: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ الأنعام55، وما أروع ما قاله الأستاذ سيد قطب عند هذه الآية: [إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح، واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات، ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشا وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم، فهما صفحتان متقابلتان، وطريقان مفترقتان.. ولا بد من وضوح الألوان والخطوط].
    وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ المائدة68.
    - فنحن نقول نعم إن الله عز وجل قد كتب وقدر أن يكون الناس مختلفين، ولكنا مطالَبون بدعوة هؤلاء المخالفين للحق، وكُتِب علينا قتالهم شرعاً، ونحن مأمورون بإعلان البراءة منهم ومن باطلهم وآلهتهم التي يعبدونها، وعدم جعْل هذا الاختلاف سبباً في التقاعس عن ذلك والتفريط في القيام به، فلا نكف عنهم ما دام في الأرض شركٌ وكفرٌ حتى يدخل من يدخل في دين الله طوعاً، ويخضع من خضع لأحكامه كرهاً، وعليه فإن جعل هذا الاختلاف القدري بداية انطلاق لتأسيس أرضية التعايش مع «الآخر» مردودة شرعاً، وقد قال الإمام القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات56: [الوجه الثالث -ويظهر لي أنه هو الحق؛ لدلالة القرآن عليه-: أن الإرادة في قوله:«ولذلك خلقهم» إرادة كونية قدرية، والإرادة في قوله:«وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» إرادة شرعية دينية، فبيّن في قوله:«ولذلك خلقهم» وقوله:«ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس»؛ أنه أراد بإرادته الكونية القدرية صيرورة قوم إلى السعادة، وآخرين إلى الشقاوة وبيّن بقوله:«إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» أنه يريد العبادة بإرادته الشرعية الدينية من الجن والإنس، فيوفق من شاء بإرادته الكونية فيعبده، ويخذل من شاء فيمتنع من العبادة.
    ووجه دلالة القرآن على هذا: أنه تعالى بيَّنه بقوله:«وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ» فعمَّم الإرادة الشرعية بقوله:«إِلاَّ لِيُطَاعَ»، وبيّن التخصيص في الطاعة بالإرادة الكونية بقوله:«بِإِذْنِ اللَّه» فالدعوة عامة، والتوفيق خاصٌ.](دفع إيهام الاضطراب56)
    - ثم جاءت الداهية الدهياء والفاجعة العقيم بذكر شيخنا لثانية أسـس التعايش مع «الحمر المستنفرة» وهي قوله -غفر الله له-: [احترام المعتقدات والمبادئ الأساسية لكل طرف:وهذه مسألة بالغة الأهمية ولها أثرها الطيب على العلاقات بين الأمم والمجتمعات، فلكل أمة عقيدة أو مبادئ تقدسها وتلتزم بها وتعتبرها أسمى من غيرها، ويدخل في هذا أركان الإيمان عند المسلمين، من إيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.. ولغير المسلمين ما يقدسونه ويحتفون به من آلهة يعبدونها، أو مبادئ يعتزون بها.. ومبدأ الاحترام مبدأ قرآني أصيل دل عليه قوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم..} الآية 108 من سورة الأنعام]!!
    والله إني لفي ذهول مما أقرأ، ولست أدري إن كانت هذه الفقرة تحتاج إلى مناقشة، أم أن ظهور بطلانها يغني عن إبطالها، فليس فضيلة الشيخ من تعوزه اللغة وتصاريفها ومفرداتها حتى لا يجد كلمة أدق وأوضح من كلة «احترام» المعتقدات، فنقول لشيخنا الكريم : نعم والله لقد صدقت: «فلكل أمة عقيدة أو مبادئ تقدسها وتلتزم بها وتعتبرها أسمى من غيرها» فحتى يقع الاحترام المتبادل بيننا وبين «الآخر» فعلينا إذاً أن نحترم الأبقار، والفئران، والنمل، والعناكب، والأحجار، والأشجار، والصلبان، بل -والمعذرة على هذه- وعورات النساء المغلظة، ونحترم الإلحاد أيضاً، وعدِّد من الآلهة والمبادئ ما شئت حتى لا يبقى شئ على وجه الأرض خسيس ولا شريف إلا ويلزمنا احترامه، لأن هناك من يقدسه ويلتزم به ويعتبره أسمى من غيره، والله المستعان وإليه وحده المشتكى.
    - أما الآية التي استدل بها الشيخ الكريم على هذا الباطل، فليس لها مما ذهب إليه نصيب، فمقصودها كما بينه العلماء وكما نقله هو أيضاً هو تعظيم الله عز وجل، وسد الذريعة عن سبه من قِبل هؤلاء السفهاء الأراذل، وليس فيها شيء من احترام «الدواب والهوام والأحجار»، فكف السب عنهم لأجل هذه المصلحة لا يعني احترامها ولا تلازم بين الأمرين ألبتة، ومن هنا قال الإمام البغوي-رحمه الله-: [ظاهر الآية، وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقته النهي عن سب الله، لأنه سبب لذلك.](تفسير البغوي3/176). فمن أين جاءنا هذا «المبدأ القرآني الأصيل»؟ ولهذا فالعلماء يستدلون بهذه الآية على سد الذرائع، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: [فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين -مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم- لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سبباً في فعل ما لا يجوز.](إعلام الموقعين3/345).
    فكل أحد يدرك أنه ليس هناك أي تلازم بين النهي عن السب لآلهة المشركين وبين احترامها واحترام مبادئ عبّادها، فالسب شيء ظاهر معلن مسموع من قِبلهم، ومع ذلك فليس النهي عنه على كل حال، بل إذا كان يدفعهم إلى سب الله عز وجل، وإلا فما أكثر الآيات التي تعيبهم وتعيب آلهتهم، وتظهر سفاهة عقولهم وسخفها في عبادتهم إياها وهي لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، فكيف يجتمع هذا والاحترام لها ولهم؟!، وهم يودون أن يكف النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما قال الإمام السعدي رحمه الله: [ومن مقاماتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يسعون أشد السعي أن يكف عن عيب آلهتهم، والطعن في دينهم، ويحبون أن يتاركهم ويتاركوه، لعلمهم أنه إذا ذكر آلهتهم، ووصفها بالصفات التي هي عليه من النقص، وأنه ليس فيها شيء من الصفات يوجب أن تستحق شيئاً من العبادة، يعرفون أن الناس يعرفون ذلك، ويعترفون به، فلا أحب إليهم من التزوير، وإبقاء الأمور على علاتها من غير بحث عن الحقائق؛ لأنهم يعرفون حق المعرفة أن الحقائق إذا بانت ظهر للخلق بطلان ما هم عليه: وهذا الذي منه يفرون، وهذا المقام أيضا ذكره الله في آيات متعددة مثل قوله: «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» ونحوها من الآيات، وأما: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ»، فهذا إذا ترتب على السب المذكور سبهم لله، فإنه يترك لما يترتب عليه من الشر](خلاصة تفسير الأحكام2/10).

    - فأين احترام المعتقدات والمبادئ الأساسية لكل طرف من قول الله عز وجل: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ الأنبياء67.
    وأين احترام المعتقدات والمبادئ الأساسة لكل طرف من قول الله عز وجل: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّ هُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ طه97.
    وأين احترام المعتقدات والمبادئ الأساسية لكل طرف من قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الحج73.
    وهذا الأمر غاية في الوضوح، ولولا بيان حقيقة آلهة كل طائفة شردت عن الحق، وتعريتها عما يكسوه بها عابدوها من التبجيل والتوقير والتعزير، وتضليلهم وتكفيرهم بعبادتهم إياها، وكشف سخف عقولهم إذ اتخذوها آلهة من دون الله، لولا ذلك لما كانت هذه العداوة الراسخة ولما تنافر الفريقان -فريق الحق وفريق الضلال- هذا التنافر التام الدائم، والذي أراد له الشرع أن يبقى لئلا يلتبس الحق بالباطل، فشرعت مخالفة الكفار في سيماهم وخصائصهم، وكان جنس مخالفتهم مقصوداً شرعاً كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-، بل حتى اغتاظ اليهود من كثرة ما شرع من الإسلام وهو مخالفٌ لما كانوا عليه فقالوا: [ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه] رواه مسلم وغيره.
    - وها نحن اليوم نرى مثل هذه الدعوات التي تجعل أمة الإسلام و«الآخر» يستقلون «مركبا واحدا يجمعهم وأي خلل فيه سيدفع الجميع ثمنه غالياً»، ثم ماذا بقي من معاني التمايز والمفاصلة التي حثت الشريعة عليها وحذرت من التهاون فيها، فاسم الكفر سُلب عنهم وحل محله وصف «الآخر»، والبراءة منهم ومن آلهتهم أميتتْ ودفنت تحت ركام «احترام معتقداتهم ومبادئهم الأساسية»، والاختلاف معهم أمرٌ متحتمٌ لا محيد عنه يلزمنا الاعتراف به والتعامل معه تعامل التعايش والتسامح، والاجتماع يقوم على أساس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فماذا بقي من الإسلام إذاً، وما للمسلمين يرهقون أنفسهم، ويزهقون أرواحهم، ويعادون القريب والبعيد، ويفرقون بين الأخ وأخيه والابن وأبيه ما دامت مظلة التعايش القائمة على هذه الأسس وغيرها يمكن أن تشملهم جميعاً وتسعهم بحنانها وعطفها؟!.
    ولهذا فإني أقول لك -شيخنا الكريم- إن كنت تترقب من «الحمر المستنفرة» و«شر البرية» و«الصم البكم الذين لا يعقلون» و«المغضوب عليهم والضالين» احتراماً لدينك ولعقائدك ولمبادئك الأساسية فمَسُّ الشمس أيسر من ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ آل عمران118-119، وقال عَزَّ مِنْ قائِل: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ الممتحنة1-2.ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
    - ومن الأسس التي دعّمها الشيخ الكريم قوله: [احترام المبادئ الإنسانية المشتركة كالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان فهذه قيم إنسانية سامية إن لم تتخذ مطية للإساءة إلى الغير والتهجم عليه بحجة حرية التعبير... ويؤخذ على الغرب ترسيخه لهذه القيم في دوله وتشجيعه للاستبداد والظلم في الدول الأخرى، وخاصة في بلاد المسلمين وهو أمر له ضرره البين على الجانبين].
    ولست أدري إن كان الشيخ -حفظه الله- قد نسي أنه داعية للإسلام والتوحيد الذي لا يقبل الله من أحدٍ ديناً سواه والقائم على أساس: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الأنعام153، فارتضى لنفسه أن يكون داعية للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، حتى أنه يعاتب الغرب هذا العتاب الناعم لأنه استأثر بهذه «القيم» وخص بها نفسه، وحرم منها بلاد المسلمين.
    - إن الشيخ -غفر الله له- لم يترك مجالاً لأن نحمل معاني هذه «القيم» التي يدعو إليها محملاً ترقيعياً يساير شيئاً مما يدعو إليه الإسلام، وذلك لما لام الغرب على ترسيخهم لهذه «القيم» في بلدهم، وهذا يعني أن هذه القيم التي يريد منا أن نحترمها وعدّها قيما سامية هي عين ما يدعو إليه الغرب ويتفاخر ويتبجح به من معاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
    - وإن كل كلمة من هذه الثلاث -الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان- لتحتاج إلى مقال مستقل ينسف مفاهيمها الزائغة التي فُتن بها الناس، وظلوا عليها عاكفين عكوف بني إسرائيل على عجلهم الذي بهرهم خواره، وأعماهم عن حقيقته ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ طه89، وأنساهم نعمة الله العظمى عليهم بالهداية كما أنست هذه الشعارات البراقة خلقاً كثيراً من المسلمين ما أكرمهم ربهم به من نعمة الإسلام ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يونس58، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
    - إنه لو لم يكن في هذه المصطلحات سوى استعمال الغرب لها وإدمانه على الدندنة حولها لكفانا نفرة منها ونأياً عن التفوه بها، فضلاً عن الدعوة إليها، فكيف إذا علمنا علماً قاطعاً أن معانيها التي يقصدونها تصادم دين الإسلام مصادمة تامة، وتبنيها -حسب المفاهيم التي وضعها لها أصحابها- يأتي على الدين من أساسه، وما قد تكون حوته من معنى صحيح ففي لغة الإسلام ومفراداته التي عبر بها عن تلك المعاني ما يكفي ويغني عن التشويش عليه بمشاركة هؤلاء الأراذل في كلماتهم التي تمتلئ بمعانيها الباطلة ومفاهيمها المنحطة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ البقرة104، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها السب، يقصدون فاعلا من الرعونة، فنهى المسلمين عن قولها سدا لذريعة المشابهة؛ ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون](إعلام الموقعين3/137).
    وأختم بما رواه الحاكم من طريق ابن شهاب قال: [خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنـزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله].
    - وعلى كلٍ فإن ما كتبه شيخنا الكريم إثمه أكبر من نفعه، بل لا يكاد يكون فيه نفع أصلاً، وقد خرج فيه عن نَفَس الفقهاء والعلماء الذي كان يلزمه السير عليه والتشبث به، وجارى في أفكاره ومصطلحاته وتعبيراته من يُسمون بالمفكرين، فإن كنت -شيخنا الكريم- تخاطب بمقالك هذا سوائم الغرب فمالهم وللاستدلال بالآيات وذكر تفسير ابن جرير وآثار ابن عباس، وإن كنت تريد بها المسلمين فهم في غنية تامة عن التسويق والترويج والدعوة والدعاية لمناهج الغرب وأفكاره ومصطلحاته وإن طُليت أحياناً بشيء من المسحة الشرعية فهذا لا يغير من مضمونها وحقيقتها، بل لا يكون إلا سببا في زيادة التباس أمرها وتداخله على الناس فيغتر من يغتر بها لا سيما إن جاءت ممن هو مثلكم.
    عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: [أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي]رواه أحمد وغيره.
    ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ العنكبوت51.
    - فصوِّر نفسك -شيخنا الكريم- وقد دونت مقالك «التعايش» على حاله الذي نشرته به بين الأمة، ثم قدّمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لواحد من الخلفاء الراشدين، فيا ترى ماذا سيكون الجواب ؟! وإن شئت أن تعرف وتستيقن فاتلُه على من شئت من آحاد الناس كلمةً كلمةً ثم سلهم هذا السؤال واستمع لما يجيبونك به لتعلم أن ما خططته لا تستسيغه حتى فطر عوام المسلمين فضلاً عن عقلائهم وعلمائهم.
    - وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب أشد الغضب بمجرد أن يرى رقعة من التوراة بيد أحد أصحابه، فكيف به إذا سمع هذه الأفكار التي أنتجتها عقول لا صلة لها بدينٍ ولا عقيدة، وإنما هي محض الأهواء أو خلاصة تجربة، وكيف به إذا رأى علماء أمته وهم يروجون لها، ويمدحونها، ويزينوننها، ويدعون للاجتماع حولها وعليها.
    - والعجب من شيخنا الكريم -وكل مقاله عجائب- أنه ختمه موقعاً باسم المسلمين يمثلهم [التيار الوسطي العقلاني المعتدل]، والجميع يدركون مَن هم المتشبعون بهذه الألقاب، والذين طالما توددوا للغرب وتذللوا بين أيديهم، ظانين أن ذلك يشفع لهم ليجدوا إليهم مدخلاً، ويحظوا من جهتهم بنظرة قبولٍ وتقدير، فالوسطية والاعتدال أدركنا معناهما، فما هو المدلول السليم والدقيق لكلمة العقلاني التي أقحمت في هذه العبارة، ولقد رأينا آثار الافتتان بالعقل ودعاوى النظر والفكر كيف جرت أصحابها إلى مهاو قاتلة، وأصبح تقديس العقل سمة بارزة في تحليلاتهم ومصطلحاتهم بل حتى فتاويهم، وكم من الأمم والطوائف التي ضلت وهامت وتاهت في سباسب لا نهاية لها حينما ركنت إلى عقولها وفتنت بدقة نظرياتها، حتى أصبحت في وادٍ وشرع الله في وادٍ، واضطر العلماء «العقلاء» أن يصنفوا المصنفات المطولة والمختصرة لبيان تهافت تلك الفتنة العقلانية وشدة جنايتها على الشرع، فهلا قنعتم بما قنعوا به، وكفاكم ما كفاهم، ووقفتم عند ما وقفوا عنده، ولفظتم شر الدواب الذين لا يعقلون ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ الأنفال22
    وكتبه نصحاً وتذكيراً/ أبو يحيى الليبي
    20/رجب/1428هـ ) .
    قلت : ولمعرفة خطأ استدلال الشيخ الددو بآية ( ولا يزالون مختلفين ) ، وفهمها على غير وجهها ، يُنظر الرابط التالي :
    http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/m/36.htm
    والله الموفق ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    329

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    حفظك الله يا شيخ سليمان، ونفع بكم، لا زلت- بارك الله فيكم- مسددا .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    329

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    قال المعلمي رحمه الله تعالى في (الأنوار الكاشفة) ص 25 :
    "إن أضرّ الناس على الإسلام والمسلمين هم (المحامون الاستسلاميون) ، يطعن الأعداء في عقيدة من عقائد الإسلام ، أو حكم من أحكامه ، ونحو ذلك ، فلا يكون عند أولئك المحامين من الإيمان واليقين والعلم الراسخ بالدين والاستحقاق لعون الله وتأييده ما يثبتهم على الحق ويهديهم إلى دفع الشبهة ، فيلجأون إلى الاستسلام بـ(نظام) :
    1-ونظام المتقدمين : (التحريف) .
    2-ونظام المتوسطين : زعم أن النصوص النقلية لا تفيد اليقين ، والمطلوب في أصول الدين اليقين ، فعزلوا كتاب الله ، وسنة رسوله عن أصول الدين .
    3- ونظام بعض العصريين : (التشذيب). "انتهى.

    وقال الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله في (الإسلام والحضارة الغربية) ص 47 :
    "أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود [بين المسلمين والمستعمرين] وعمل على تنفيذها فهي أبطأ ثماراً من الوسيلة الأولى [تربية العلمانيين] ، ولكنها أبقى آثاراً ، كما لاحظ اللورد لويد ، وهي تتلخص في : تطوير الإسلام نفسه ، وإعادة تفسيره ؛ بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية ، أو قريباً منها ، وغير متعارض معها على الأقل ، بدل أن يبدو عدواً لها ، أو معارضاً لقيمها وأساليبها ."انتهى .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    96

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    جزاك الله خيراً

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    604

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    بارك الله فيك شيخ سليمان على هذا التنبيه!

    لا أدري حقيقة لو كان الشيخ الددو حفظه الله بالفعل يقصد ما رمى إليه المعلق أم لا.

    فالتاريخ الإسلامي يشير كله إلى الصراع والإقتتال بينا وبين ملل الكفر، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهدنا.

    وبغضهم للحق (الإسلام) ظاهر للعيان. ولا يكادون يفوتون فرصة إلا ويستهزئون بالله عز وجل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

    لكن لعل الشيخ الددو قصد التعايش بيننا وبين أهل الذمة، بحيث تركناهم على قيد الحياة وتعايشنا معهم. والتعايش ليس معناة الحب والمودة، فلا أدري من أين أتى المعلق بهذا الفهم؟!

    لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهذا إذا رضوا بالعيش تحت ظل دولتنا دولة الإسلام.

    أما كوننا نستعمل كلمة الآخر في مقام الدعوة، فالأمر لا عيب فيه. وأصله موجود في كتاب الله، فالله في مقام دعوة اليهود يسميهم ببني إسرائيل وفي مقام دعوة النصارى يسميهم بأهل الكتاب.
    وليس من الحكمة أن تقول للكافر: تعال يا كافر لأحدثك عن بطلان معتقدك، أو يا فاسق تعال أحذرك من فسقك، أو يا مبتدع .. إلخ.
    لإن هذا الأسلوب لا يؤتي أكله، ولا يزيد المدعو إلى نفورا.

    أنا لست ضد إستعمال كلمة الكافر أو الفاجر، فقد ورد كتاب الله بذلك ولابد من وضع النقاط على الحروف. لكن يستعمل هذا في مقامه.
    فإذا سألني الكافر قائلا: هل تراني كافرا؟
    أجيب: نعم، أنت كافر لكذا وكذا، وإن لم تغث نفسك لتكونن من الخاسرين!!

    ثانيا/ أنا أواقف على ما ألمح إليه المعلق من ضرورة إظهار عزة المؤمن، فلابد من إظهار العين الحمراء لبني الكفر حتى يرتدعوا ولا ينتهكوا حرمات الله.

    أخيرا وليس ختاما، الشيخ الددو من الراسخين في العلم وبهذا شهد له الشناقطة ـ والله أعلم ـ

    ختاما، أسأل الله أن يسدنني وإياكم والشيخ الددو على الحق وأن يثبت خطانا عليه.
    كلام النبي يُحتَجُ به، وكلام غيره يُحتَجُ له
    صلى الله عليه وسلم
    ليس كل ما نُسِبَ للنبي صلى الله عليه وسلم صحت نسبته، وليس كل ما صحت نسبته صح فهمه، وليس كل ما صح فهمه صح وضعه في موضعه.

  6. #6
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,209

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    جزاكم الله خيرًا جميعًا ..
    أخي أباهارون :
    قلتم : ( والتعايش ليس معناة الحب والمودة ) . هذا ليس بصحيح . راجع مانقلته في مقدمة المقال بالأزرق .

    قلتم : ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهذا إذا رضوا بالعيش تحت ظل دولتنا دولة الإسلام ) !
    وهذا ليس بصحيح . فهذه العبارة - لهم ما لنا .. - باطلة كما بين العلماء ؛ وعلى رأسهم العلامة المُحدّث الألباني رحمه الله الذي أوضح تهافتها في مواضع كثيرة من السلسلة الصحيحة والضعيفة ، وأنها مخالفة للنصوص الشرعية الصحيحة المفرقة بين المسلم والكافر في الأحكام وفي الحال والمآل ( انظر مثلا : الضعيفة 5 /195-197) .

    وفقكم الله ..
    وهنا مقال متعلق بالموضوع :
    http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/m/59.htm

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    105

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    بارك الله فيك
    لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله & عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    146

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    بارك الله فيكم يا شيخ سليمان، نقلٌ موفق.


    ملحوظة: حبذا لو نسقتم الموضوع من ناحية العرض لأنه _ كما يبدوا لي _ مضغوط ويتعب نظر القارئ. ذلك أن المقال متين ومن يقرأه لا يكاد يخرج قبل إنهائه.
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله في الشيخ أبي يحيى الليبي
    فلم يمنعه وجوده في الثغور أن ينصح لأمة محمد ويجاهد بقلمه ولسانه ويده

    أسأل الله أن يجزل له المثوبة وأن يحفظه ذخرا لأمة الإسلام
    اللهم آمين
    الشكر موصول للشيخ سليمان الخراشي

    أخوكم
    أبو الصمصام النجدي
    الحـقُ لا يُعرَفُ بالرجـالِ
    اعرفْ الحـقَ تعرِفْ أهلـهُ
    أخـوكم أبو الصمصام النجـدي

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    42

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    أثابك الله يا شيخ سليمان ...

    *حرر *
    وهنا سؤال يا شيخ سليمان - وهو خارج الموضوع -:
    ما رأيكم في الترقيع لحزب العدالة التركي ورئيسه, والقول بأن ما قام به لا يعدو كونه مناورةً سياسية, وأنه معذورٌ بذلك شرعاً, وأنه يُدعَى له بالتمكين؟

  11. #11
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,209

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    بارك الله فيكم جميعًا ..
    أخي أباهاجر : تقول : ( وأنه معذورٌ بذلك شرعاً ) .
    في ظني أنه غير معذور في ارتكاب ( الكفر ) ؛ ولم يُكرهه أحد عليه . وكثير من دعاة السنة في تركيا - ولله الحمد - يُمارسون دعوتهم دون مضايقات . فالبديل الشرعي موجود ، لكن بعض المولعين بالحكم والسياسة يستهينون بأمور عظام في سبيل تحقيق أهدافهم . والله المستعان .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    36

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    الأخ الكريم سليمان الخراشي حفظه الله
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سليمان الخراشي مشاهدة المشاركة
    ويلخص مسيرة الأنبياء المطردة قصة ورقة بن نوفل عند أول نزول الوحي: [يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا]متفق عليه، ..
    لا أخفيك، كلما قرأت هذه العبارات في الصحيحين أتذكر شيخنا العلامة محمد الحسن الددو، نفع الله بعلمه، فمن عرفه عن قرب، فإنه قد اطلع على حجم ما يتعرض له من اعتداء داخل المملكة و خارجها، نسأل الله أن ييسر له طريق الحق. و إن أسعفني الوقت، فإني سأقف على بعض الأخطاء المنهجية التي أوردها الكاتب وفقه الله لرضاه. لكني، و مع ذلك، سأبذل جهدي في إيصال هذه الملاحظات للشيخ، لعله ينتفع بها، و يأخذ ما فيها من صواب، و لن يعدم الصواب عند أمثالك إن شاء الله.

    ملاحظة:
    قريبا إن شاء الله سينزل شرحه لكتابي بدء الوحي و الإيمان من صحيح البخاري في مائة شريط و الجهود قائمة على تفريغها، و فيها أتى بالدرر الثمينة حتى أنك تظن أنه يحفظ الفتح عن ظهر قلب

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الدولة
    فوق ثرى الأرض..وتحت أديم السماء
    المشاركات
    10

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    لن يستطيع كائناً من كان أن يمحي صراع الحق و الباطل..
    و أن يُغيّر مفهوم الكره و البغض..
    فإن دعواه دعوى مخالفة لأصل العروة الوثقى..
    و هي المحبة في الله و الكره في الله..
    و الكره يقتضي جميع صنوف البغض و العداء..
    و ما يرنو إليه.. هو مخالفة ظاهرة لصريح العقل و الشرع و الفطرة..
    سدد الله خطاك على الحق إيها الشيخ الجليل.
    تلميذك/أبو معاوية الغامدي
    يقول أبو معاوية الأزدي :
    سيدي الصدّيق و الثانيْ عمرْ *** من رماهم بقبيحٍ قد كــفرْ
    و ابنة الصديّق تلكم عائشٌ *** زوجة المختار ذي الوجه الأغرْ

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    9

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    مسند الأمام أحمد مشكلاً ومخرجًا
    هُــنــا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    10

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    بارك الله فيك شيخنا الفاضل

  16. #16
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,209

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    جزاكم الله خيرًا ...
    الأخ الكريم : مغترب : لا أحد يُنكر فضل وعلم الشيخ الددو . ومن سمو أخلاقه أن يستفيد من ملحوظات من هم أقل منه علمًا وقدرًا . فليتك تعطيه هذا المقال . وأيضًا تنبهه على خطئه في إدخال الأشاعرة والماتريدية في أهل السنة - كما في شرحه لكتاب التوحيد - . ومثلها كلامه غير المؤصل في حديث الافتراق .
    وفقكم الله ..

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    202

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    حفظك الله ياشيخ " سليمان " وجمعنا بك في الجنة .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    تعليقات الإخوة على مقال الشيخ العلامة الددو يلاحظ عليها مايلي : 1/ الاستهانة بتصنيف الناس والقدح في نواياهم 2/ الخلط الكبير بين البراء القلبي الذي لا يقبل المزايدة وبين المقتضى الظاهر للبراء الذي يخضع لأحكام الشرع المختلفة 3/ التسوية في تطبيق البراء مع الكافر بين المحارب وغير المحارب مع أن النصوص قد فرقت بينهما بشكل جلي فهذه الأمور تحتاج إلى دراسة علمية ولايجوز أن يكون الانفعال والحماس الغير منضبط بأحكام الشرع هو المتصرف في طروحاتنا العلمية والله أعلم

  19. #19
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,209

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    الأخ الكريم الطالبي : البراء لابد منه مع كل الكفار ، فلا تخلط بينه وبين البر .

    ===========
    السؤال :الرجاء من فضيلتكم توضيح الولاء والبراء لمن يكون؟ وهل يجوز موالاة الكفار؟
    الجواب :
    الولاء والبراء معناه محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين ومعاداتهم، والبراءة منهم ومن دينهم، هذا هو الولاء
    والبراءكما قال اللهسبحانه في سورة الممتحنة: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ من دون الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [1] الآية.

    وليس معنى بغضهم وعداوتهم أن تظلمهم أو تتعدى عليهم إذا لم يكونوا محاربين، وإنما معناه أن تبغضهم في قلبك وتعاديهم بقبلك، ولا يكونوا أصحابا لك، لكن لا تؤذيهم ولا تضرهم ولا تظلمهم، فإذا سلموا ترد عليهم السلام وتنصحهم وتوجههم إلى الخير، كما قال الله عز وجل {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [2] الآية. وأهل الكتاب هم اليهودوالنصارى وهكذا غيرهم من الكفار الذين لهم أمان أو عهد أو ذمة، لكن من ظلم منهم يجازى على ظلمه، وإلا فالمشروع للمؤمن الجدال بالتي هي أحسن مع المسلمين والكفار مع بغضهم في الله للآية الكريمة السابقة، ولقوله سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ} [3]، فلا يتعدى عليهم ولا يظلمهم مع بغضهم ومعاداتهم في الله، ويشرع له أن يدعوهم إلى الله، ويعلمهم ويرشدهم إلى الحق لعل الله يهديهم الى طريق الصواب
    ولا مانع من الصدقة عليهم والإحسان إليهم لقول الله عز وجل: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [4]، ولما
    ولما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن تصل أمها وهي كافرة في حال الهدنة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة على الحديبية.
    ( الشيخ ابن باز رحمه الله ) .

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    621

    افتراضي رد: تعقيب على مقال : ( التعايش مع الآخر ) للشيخ الددو .. بقلم أبي يحيى الليبي

    جزاكم الله خيرا شيخ سليمان.
    سبحان الله ! رد الأخ يقطر أدبا مع الشيخ الددو ، ولكن المتعصبين للشيخ الددو يأبون إلا أن يقولوا بلسان حالهم : " صلى الله عليه وسلم " !!
    وماذا عليكم لو قلتم أخطأ ؟!!!
    إن العجب لا ينقضي لمن يدعو إلى السلفية ، ثم يأتي ويقدم حرمة زيد أو فلان على حرمة الشريعة الغراء!!
    الحمد لله الذي جعلنا سلفيين.

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •