(من لزم بابا من العلم وانقطع له فإنه يفتح) - لشيخ البلاغة العلامة محمد محمد أبو موسى
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: (من لزم بابا من العلم وانقطع له فإنه يفتح) - لشيخ البلاغة العلامة محمد محمد أبو موسى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    145

    افتراضي (من لزم بابا من العلم وانقطع له فإنه يفتح) - لشيخ البلاغة العلامة محمد محمد أبو موسى

    الحمد لله ..
    أقدم إليكم إخواني الفضلاء هذا المقال الذي كتبه الأخ أبو فهر السلفي مع تصحيح للأخطاء التي وقعت قدر الإمكان, والله -تعالى- المستعان !


    قال أبو فهر: (( هذه درة مضية وشذرة ذهبية انتزعتها من مقدمة الشيخ العلامة محمد محمد أبي موسى لكتابه الجديد : (( مراجعات في أصول الدرس البلاغي)).


    والحق أنها مقالة ضافية، وتحفة تستحق الإشادة والإعجاب؛ فلم أجد والحال هذه أعز علي من إخواني في ملتقى أهل الحديث لأتحفهم بها راجيا انتفاعهم بها.


    يقول -حفظه الله ورعاه- في كلام شريف يستحق أن تنتبه لألفاظه وتستيقظ لمعانيه:


    (( إنه من أهم ما يجب أن يكون هو أن نبذل فى دراسة علومنا القدر الذى بذله كل جيل من أجيال علمائنا الذين سبقونا بإحسان مع زيادة فى المجهود ، وزيادة فى التحرير والتدقيق وزيادة فى إتقان الوسائل وتجويد العمل تتعادل هذه الزيادة مع التقدم السريع الذى تحققه الأجيال فى سباقها المحموم نحو التقدم والسبق والغلبة .


    وكانت أجيالنا من العلماء الذين سبقونا يبذلون كل وقتهم وكدهم وجهدهم فى تقريب علم الأمة الى أجيالها وخلق السبل الميسرة للتواصل بين أهل الزمان الذى يعيش فيه العالم وبين العلم الذى شغل به ، إيمانا منهم بضرورة أن تُقَارب هذه العلوم عقول الأجيال وأن تساكن نفوسهم وهم يمارسون ما يمارسون من بناء وتقدم؛ لأن روح الأمة وماهيتها وما تمتاز به بين الناس من خصوصية إنما هو فى هذه العلوم ، وما تتضمن من قيم وأفكار ومعان ومبادئ وليس تقريب العلم من روح العصر بالأمر الهين ولا هو بتغيير فى أسلوب العلم ولغته وإنما تقريب العلم من روح العصر وأهل الزمن عمل أبعد من ذلك ، ولا يقف أبداً عند اللغة لأنه إعمال العقل فى جوهر المعرفة، وتحوير فى هذا الجوهر وتعديل فى البناء الفكري حتى يتلاءم جوهر العلم مع الزمن الجديد وهذا جهاد آخر لا يقل عن جهاد الذين أسسوا، واستنبطوا، ثم هو نفسه تطوير للفكر وتجديد له وتحديث له ، لأن إعمال العقل لا يكون أمر معتداً به ما لم ينفذ هذا العقل إلى حقائق العلم وينفث فيها من روحه ، فيستحسن ما يستحسن من أفكار، ويطيل الكلام فيه ويكشف وجها من وجوه حسنه كان مغشى فى كلام من سبق، ويستهين بفكرة، ويغمض الكلام فيها وكانت بارزة فى كلام من سبق، وبذلك وغيره كثير يصير هذا العلم مصبوغاً بعقل هذا الباحث الذى درسه وقربه وأحضره لعصره ولهذا نري كل كتاب فى العلم الواحد والذى له ثوابت واحدة يتميز بتميز مصنفه، ويحمل روح كاتبه هذه الروح التى تصر على أن تظهر من وراء الثوابت الكثيرة والضوابط المطردة .


    ولا يكون تقديم العلم إلى الزمن الذي نحن فيه تغييراً في الأسلوب فحسب إلا عند الملخصين للمعرفة والذين يأخذون ظواهرها ولا تتولج قلوبهم وعقولهم في حقائقها وجوهرها.
    وقد قالوا: إن كتاب سيبويه مع جودته وأنه لم يشذ عنه شيء فى بابه حتى إن أبا الطيب اللغوي كان يسميه قرآن النحو، أقول: هو مع هذا قالوا فيه إنه كتب على شريطه زمانه قال بن كيسان : (نظرنا فى كتاب سيبويه فوجدناه فى الموضع الذى يستحقه ، ووجدنا ألفاظه تحتاج إلى عبارة وإيضاح لأنه كتاب ألف فى زمان كان أهله يألفون مثل هذه الألفاظ؛ فاختصر على مذهبهم) انتهى كلام ابن كيسان . وقوله: (وجدنا ألفاظه تحتاج الى عبارة وإيضاح) لا أفهم منها غرابة الألفاظ لأن كتاب سيبويه ليس فيه ألفاظ غريبة وإنما الألفاظ هنا المراد بها صياغة الأفكار وتركيب الأفكار وأن الإيضاح المقصود هو إعادة تركيب الأفكار على الوجه الذى يفهمه أهل الزمان وإن سرَّ وروده فى كتاب سيبويه هو أن أهل زمانه كانوا يألفون هذه الأبنية أعنى أبنية الأفكار, ولذلك نجد أن الغموض الذى ذكره العلماء فى كتاب سيبويه وسأل فيه الأكابرُ الأكابرَ لم يكن راجعاً الى لفظ غريب وإنما كان راجعاً الى بيان مراد سيبويه من عبارته وراجع شروح سيبويه فى الأزمنة المتتابعة تجد كل شرح كأنه صناعة جديدة لعلم سيبويه أعني وعياً جديداً للمادة النحوية وبناء جديداً لها وهذا هو الذى يفسر لنا ولع أهل العلم بقراءة الكتاب حتى إن أحد نحاة الأندلس وهو عبد الله بن محمد بن عيسي كان يختم كتاب سيبويه فى كل خمسة عشر يوماً وهذا قاطع فى أن المراد ليس هو تحصيل المادة العلمية كما هى فى الكتاب وإنما المراد التدسس فى أعطاف هذه المادة لإستخراج ما خفى من علم الرجل وكان أبو جعفر النحاس يقول: ( إن سيبويه جعل من كتابه شروحاً وجعل فيه مشتبهاً ليكون من استنبط ونظر فضل وعلى هذا خاطبهم الله عز وجل بالقرآن) .


    الذى أريده هو أن اللاحقين من علمائنا بذلوا من الجهد فى مزاولة وتحرير وتدقيق علم من سبقوهم الشيء الكثير حتى أنك لو قلت إنهم أكثر كدا وكدحاً ومزاولة وصبراً لم تتجاوز, وإن كانوا دائماً يعترفون بالتقصير وتقديم من سبق لأن هذا من خلق وطبع أهل العلم .


    لا شك فى أن من شراح سيبويه وممن قرؤوا كتابه وعقبوا عليه من لا يقل فضلاً وعلماً عن سيبويه، ولا أتردد فى أن أبا سعيد السيرافي كان من طبقة سبويه فى عمله، وذكاءه ووعيه باللسان, وربما كان أوسع ميداناً من سيبويه لأنه كان مفسراً وفقيهاً ومفتياً, وقد وصفه أبو حيان بقوله: (كان أبو سعيد أجمع لشمل العلم وأنظم لمذاهب العرب وأدخل فى كل باب وأخرج من كل طريق وألزم للجادة الوسطى فى الدين والخلق وأقضى فى الأحكام وأفقه فى الفتوي).


    أردت أن أؤكد أن الذين عالجوا نقل المعرفة من جيل الى جيل على الوجه الأفضل والأشمل والأمكن هم الذين طوروها من خلال هذه المعالجة وقد بذلوا فى ذلك جهوداً لا تقل عن جهود الذين استنبطوا واستخرجوا وأنهم كانوا يعانون التغلغل فى أعطاف المعرفة وفى جوهر المعرفة تغلغلاً يكشف لهم خبايها وسرها وفقهها وأن زماننا حرم من هذا الصبر والانقطاع وطول الملازمة وكل ذلك وما هو أكثر منه واجب فى تقريب العلوم واستمرار تيارها وتفاعلها وفعلها فى أجيال العامة والخاصة ومن الخطر أن يتوقف هذا التيار وخصوصاً بعد هجمات التغريب التى دخلت العلوم العربية والاسلامية وهى فى أحضان المخلصين لها .


    الأصل أن يجتهد المشتغلون بعلم البلاغة فى زماننا اجتهاد عبد القاهر والزمخشري والرازي وأبو يعقوب وابن الأثير وابن أبى الأصبع وغيرهم وأن يجتهد النحاة اجتهاد الخليل وسيبويه ويونس والأخفش والصرفي وأبى على وأبى الفتح وأن يجتهد الفقهاء اجتهاد مالك والشافعي وأحمد ومن فى طبقتهم ولا يكون ذلك إلا بالانقطاع والصبر وطول الملابسة والصدق والإخلاص وهذا هو الطريق الذى لا طريق للناس سواه فى تطوير المعرفة ونموها وازدهارها وليس باللغو الكاذب الذى تراه من حولك وتسمعه .


    وهذا الاجتهاد وهذا الصبر وهذا الإخلاص وهذا الصدق هو الذى تتخلق فى محيطه النقي الصادق عبقريات لا غنى لحياة الناس عنها وأن يكون ذلك فى كل ميادين المعرفة وإن لمن الشيء الذى يجب أن نتوقف عنده بحذر وخوف هو أن تنقطع سلسلة النجوم فى أى فرع من فروع المعرفة حتى لا نرى نابها مع كل عقد من الزمن فى كل باب من أبواب العلم.


    إنه لمن المخيف بل والمرعب أن تنسى حياتنا ظهور النوابغ, وأن تغفل عن صناعتهم وأن تكون جامعتنا كالأرض الخراب ليس فيها إلا أصداء أصوات الآخرين فى كل فروع المعرفة وليس لهذا كله علة إلا علة واحدة هى أننا نسينا مذاهب العلماء فى الانقطاع لطلب العلم والصبر على ملازمة الدرس والمراجعة والصدق النقي فى طلب وجه الصواب وتخليص النفس من كل شيء إلا لهذا ولم تضع يد لبنة فى بناء المعرفة فى أي باب إلا بالصبر وطول المراجعة وطول الانقطاع والصدق وهؤلاء فى تاريخنا هم الشراة الذين اشترى الله منهم أنفسهم .


    وهذا الانقطاع الواجب الذى لا بد أن يكون فى جمهرة الدارسين فى كل فرع من فروع المعرفة ليس من الترف وإنما هو من الواجب الذى لا سبيل إلى التخلي عنه وذلك لأن طبيعة المعرفة لا تكشف لنا عن جوهرها المكنون إلا بهذا الصبر وهذا الانقطاع وأن عبد الله بن محمد بن عيسي الأندلسي الذى كان يختم كتاب سيبويه كل خمسة عشر يوماً لم يكن عابثاً ولم يقتل فراغه بذلك وطول المراجعة لكتب العلماء تكشف جوانب؛ لأن مدد العلم لا ينقطع وشريعته دائماً زرقاء -كما يقول عبد القاهر- يعني فيها الجديد لكل من طلب العلم على وجهه ووجهه هو الانقطاع والصدق والصبر.


    ومعنى قولهم أن العلم لا يؤتيك بعضه إلا إذا أتيته كلك أن العلم إذا أعطيته بعضك لا يعطيك شيئاً وما طالت مراجعاتي لباب إلا تكشفت به وجوه من المعاني لم تكن قبل طول المراجعة وتحصيل العلم وحده هو الخطوة الأولى والدرجة الأولي التى يجب أن يقف عليها عامة الناس وخاصتهم ثم تأتي المراقى بعد ذلك مرقاة فوق مرقاة وتمتد بامتداد الحياة وامتداد المراجعة والانقطاع والصبر والصدق .
    هذا هو العاصم الذى يعصم عقل الأمة من الانزلاق فى مستنقع التبعية الفكرية التى تري كثيراً منا غارقاً فيها وهو مغتبط بتبعيته وعبوديته لعدوه الألد .
    ولله فى خلقه شئون )). )) انتهى الموضوع.
    ((فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول)) = ((ابن تيمية))

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    685

    افتراضي رد: (من لزم بابا من العلم وانقطع له فإنه يفتح) - لشيخ البلاغة العلامة محمد محمد أبو م

    السلام عليكم
    بارك الله فيكما وشكر لكما وأحسن إليكم أخوي الكريمين المفضالين: أبا الأزهر وأبا فهر ، على الموضوع الممتاز الممتع عن شيخنا المبارك محمد أبي موسى أمد الله في عمره بكل خير وبركة ونفعنا بعلمه، وجعلنا وإياكم ممن يخلفون فيحسنون حمل المشعل وإعلاء الراية لهؤلاء العلماء الأكارم..آمين
    وأعجب-حقا-من قلة الاطلاع على الموضوع، رغم أهميته العظيمة!!
    دمتم بفضل من الله ونعمة
    اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    685

    افتراضي رد: (من لزم بابا من العلم وانقطع له فإنه يفتح) - لشيخ البلاغة العلامة محمد محمد أبو م

    السلام عليكم
    موضوع مهم لطلبة العلم.. يحتاج الانتباه والتدبر الكافيين
    بوركتم
    اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون

  4. #4
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,594

    افتراضي رد: (من لزم بابا من العلم وانقطع له فإنه يفتح) - لشيخ البلاغة العلامة محمد محمد أبو م

    لما انتهيت من مقدمة الشيخ محمد لهذا الكتاب وقبل أن أشرع في قراءته
    لم أشعر إلا وقلمي يعلق في أسفل الصفحة:
    "لو لم يكن للشيخ إلا هذه المقدمة لكفت دليلا على فضله ونبوغه وهضمه للعلم الذي تخصص فيه".

    لا أدري لماذا عندما أقرأ للشيخ محمد أشعر بآهات المبدعين وأسمع صرخات الصادقين وألمس بيدي وأشم بأنفي رائحة حزن من وراء الحروف وبين السطور أثمره التدسس في أعطاف المعرفة وطول الانقطاع مع التأسف على حال ومآل أكثر المشتغلين بالعلوم اليوم ...
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    685

    Lightbulb رد: (من لزم بابا من العلم وانقطع له فإنه يفتح) - لشيخ البلاغة العلامة محمد محمد أبو م

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أمجد الفلسطيني مشاهدة المشاركة
    لما انتهيت من مقدمة الشيخ محمد لهذا الكتاب وقبل أن أشرع في قراءته
    لم أشعر إلا وقلمي يعلق في أسفل الصفحة:
    "لو لم يكن للشيخ إلا هذه المقدمة لكفت دليلا على فضله ونبوغه وهضمه للعلم الذي تخصص فيه".

    لا أدري لماذا عندما أقرأ للشيخ محمد أشعر بآهات المبدعين وأسمع صرخات الصادقين وألمس بيدي وأشم بأنفي رائحة حزن من وراء الحروف وبين السطور أثمره التدسس في أعطاف المعرفة وطول الانقطاع مع التأسف على حال ومآل أكثر المشتغلين بالعلوم اليوم ...
    أحسن الله إليك وبارك فيك أخي الكريم أمجد..ما أصدق -والله- ما كتبت وأجمله وأوجزه في التعبير عن "رؤية العالم" التي تلخص موقف شيخنا الأغر الكريم مما كان ومما هوكائن من رحلة المعرفة لأمتنا حتى وصلت إلى ما هي عليه وما نحن عليه الآن
    بارك الله في عمر شيخنا الكريم أبي موسى وعلمه وعمله ونفعنا به وجعلنا ممن يحسنون فيما أخذوا عنه...اللهم آمين
    دمتم بفضل من الله ونعمة
    اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •