مايدل علي صفة الحلم من كتاب الله عز وجل للشيخ أبي إسحاق الحويني
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: مايدل علي صفة الحلم من كتاب الله عز وجل للشيخ أبي إسحاق الحويني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,073

    Arrow مايدل علي صفة الحلم من كتاب الله عز وجل للشيخ أبي إسحاق الحويني

    الدرس الخمسون

    فلا زلنا مع حديث أبي هريرة رضي الله عنه والذي رواه الإمام البخاري في كتاب الرِقاق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أعذر الله إلى امرئ بلغه ستين سنه "وتكلمنا في المرة الماضية عن معنى الإعذار وعن اعذار الله للعبد.
    وأن الله تبارك وتعالى لا يعذب أحداً ولا يؤاخذه إلا إذا بلغه كلام: كما قال تعالى: ﴿لأنْذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ (الأنعام:19)أي لينذركم بالقرآن ومن بلغه القرآن ، وكذلك قول الله سبحانه وتعالى :﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾(الإسراء : 15). ورأيت أن أتكلم عن معنى العذر من خلال حديث رواه ابن مسعود وهو في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :" لا أحدٌ أغير من الله لذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحدٌ أحب إليه العذر من الله لذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ، ولا أحدٌ أحب إليه المدح من الله ولذلك أثنى على نفسه " وفي لفظ " ولذلك وعد الجنة " وتكلمنا عن معنى الغيرة وأن الغيرة: هي خلق حميد وهي حرارة القلب الذاتية مثل حرارة الجسم الغريزية وإذا فقد الجسم هذه الحرارة فإنه يموت وكذلك غيرة القلب وهي عبارة عند هيجانه في مزاحمته بما يختص به والغيرة كما قلنا في المرة الماضية منها محمود ومنها مذموم ، ثم جاء بعد الغيرة ذكر العذر ، وكنت وعدتكم في المرة الماضية أن نتكلم عن صفة الحلم ، حلم الله سبحانه وتعالى ، لأنه جل جلاله لو لم يحلم على عبده لأخذه عند أول معصية وقد قال الله سبحانه وتعالى :﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾(فاطر:45) فهنا يتجلى حلم الله سبحانه وتعالى ، وأنه لا يعجل كما يعجل أحدنا .
    حيثما وجدت صفة الحلم في القرآن فاعلم أن العبد مستحق للعقوبة:، ارتكب ذنبا ولذلك حلم الله تبارك وتعالى عليه .
    مايدل علي صفة الحلم من كتاب الله عز وجل:ونأخذ معنى الحلم من عدة آيات :
    1-منها مثلا قول الله تبارك وتعالى :﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾(البقرة:263) فمعنى الآية أنك لو سئلت نوالاً أو سئلت عطاءً ولم يكن معك هذا العطاء فقلت قولاً معروفاً فهذا خير لك عند الله عز وجل وعند الناس من أن تقدم المعروف ثم تمن به ،لأن الأيام دول ، هذا الذي يمن ، بشيء وهب له كما قال الله عز وجل : ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾(الحديد:7) مستخلفين فيه : أي سيسأل كل إنسان عن هذا المال ، من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، كما في الحديث المشهور ، فهذا المال الذي وهبنا الله عز وجل إياه ، وفضل بعضنا على بعض بهذا المال ، لأجل أن يبتلينا فيما آتانا فهذا المال الذي فضلك الله سبحانه وتعالى به وحرم منه آخر ، جعل الآخر يأتيك ليسألك نوالاً أو عطاءً ، فقال الله سبحانه وتعالى : ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾(البقرة:263) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره ، :" يقول ابن آدم مالي ، مالي ، "
    يتفاضل الناس في الدنيا بأشياء من أهمها المال :حتى أن كثيراً من الناس يزن غيره بالمال على قدر ما معك من المال يكون لك وزن ، وهذا لعمري من الموازين المختلة عند البشر عندما يفتقر ذلك الإنسان ولا يكون عنده مواهب ذاتيه يحصل له حالة اكتئاب ، ويفقد الثقة في نفسه ، للذي له رمز الدنيا كما قال القائل :
    الدنيا إذا أقبلت بلت *** وإذا أدبرت برت
    وإذا أدبرت برت : تهلك صاحبها لماذا ؟ لأنها إذا أقبلت عليه الدنيا خلعوا عليه من صفات الكمال ما ليس فيه أصلا ، فإذا أدبرت عنه الدنيا لا يسأل عنه سائل والذي يعرف هذه الحقيقة ، أصحاب المناصب الكبيرة الذين عزلوا أو انتهت مدة رئاستهم هؤلاء يشعرون بحسرة كبيرة جدا ، لماذا ؟ لأنه كان يضع حارسا على المكتب ، من كثرة الطالبين له ، وكثرة المتصلين به ، ولا يكاد يفتر ساعة من عن الاتصالات والمواعيد , يخلعون عليه من صفات الكمال ما ليس فيه ، فإذا عزل أو استقال أو انتهت مدة ولايته يرى نفسه وحيداً فريداً، ينظر أحيانا إلى الهاتف ، ذلك الهاتف الذي كان لا يكف عن الرنين أين ذهب رنينه ، يحصل له نوع من الاكتئاب والحزن الدفين ويعلم الدنيا على حقيقتها ورأى أن الدنيا كلها مصالح وأن كل الذين كانوا يكلمونه ويتصلون به ويقدمون له الهدايا وغيره كان كل ذلك من أجل مصالحهم وليس لأجل أنه محترم ،
    فإذا أعطال الله عز وجل نعمة من النعم فلا تحجبها : قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :" عبدي أنفق أ ُنفق عليك " وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما من صباح ينشق فجره إلا وينادي ملكان ، يقول أحدهما اللهم أعط ممسكا تلفا ، وأعط منفقا خلفا " الذي يعطي الله عز وجل يخلف عليه ،﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾(سبأ:39) فأعلمنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن الذي يمسك ما أعطاه الله إياه ولا يعطيه للناس ، من باب المواساة والحاجة كقرض ونحوه أن الله غني عن عطاء هذا .
    وأصل الغنى:ألا تحتاج إلى أحد ، كما قال النبي عبيه الصلاة والسلام ،قال :" ليس الغنى عن كثرة العرض "( العرض) الشيء المملوك ليس الغنى أن يكون عندك مكاتب وأراضي ، الغنى ، " إنما الغنى غنى النفس " الشاهد من الحديث :نفهم من هذا الحديث أنك فقير ما احتجت درهما ، لو عندك مليارات واحتجت إلى مائة لتكمل الشيك أو البضاعة أو غيره فأنت فقير، إذا الفقر هو الحاجة ، طالما أنك محتاج فأنت فقير ولذلك قال الله :﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ (فاطر:15) أي المحمود .
    الغنى الحقيقي هو غنى الله عز وجل : أما كل عبد ففقير ، إما هو مفتقر إلى ربه ، وإما مفتقر إلى غيره من الخلق ، إذا فأنت فقير ما احتجت درهماً .
    لفته جميلة:في الحديث الذي فيه أن فاطمة رضي الله عنها مجلت يدها من الرحى وعلي بن أبي طالب وهذا الحديث من حديث علي رضي الله عنه عند أحمد وغيره وهو في الصحيحين من طريق آخر من حديث آخر ، أن علي بن أبي طالب قال :" لقد سنوت حتى مرض صدره ، (والسانىة) : هي الناقة التي يستقى عليها الماء ، كان يحمل الماء من البئر على كتفيه ، ويضعه على الناقة ويوصله ، حتى تعب صدره وكانت فاطمة رضي الله عنها أيضا تعمل بالرحى حتى مجلت يدها ،( المجل) : هو انتفاخ الجلد من العمل الشاق ويكون له قبة مليئة بالماء ، ، فعلم علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أعبدٌ وسبايا من البحرين ، فقال لفاطمة رضي الله عنها اذهبي لأبيك فقد مجلت يدك وقد سنوت ، فنستعين بخادم يخدمنا في حياتنا ، فذهبت فاطمة رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآها ، قال : ماذا تريدين يا ابنتي ، أو لماذا جئت ، قالت جئت لأسلم عليك ، واستحيت أن تذكر حاجتها ، فلما رجعت إلى علي رضي الله عنه قالت : استحييت أن أطلب شيئا ، فذهب علي مع فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له لقد سنوت وفاطمة مجلت يدها فأعطنا خادماً فقال والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة لا شيء لهم ، بل أبيع هؤلاء وأنفق أثمانها عليهم ،.
    ماسبب امتناع النبي صلي الله عليه وسلم من إعطاء فاطمة وعلي خادماً؟ فانصرف علي وفاطمة رضي الله عنهما ، وفي الليل طرق عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الباب ودخل فقال :" ألا أدلك " وفي لفظ قال لفاطمة لما ذهبت إليه ،:" ألا أدلك ِ على خير من خادم ، إذا أويت إلى فراشك ، تسبحين الله ثلاثا وثلاثين وتحمديه ثلاثا وثلاثين وتكبريه أربعا وثلاثين ، فذلك خير لك من خادم " من الحقائق المعروفة أن فاطمة رضي الله عنها كانت جزءًا من النبي عليه الصلاة والسلام ، كانت بضعة منه ، حتى قال :" يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " وكانت أحب الناس إليه ، طيب ، كان من الممكن أن يعطيها خادماً يكفيها مؤنه العمل ولكنه أرشدها إلى ما هو أفضل من ذلك ألا وهو تسبيح الله سبحانه وتعالى وتحميده وتكبيره.
    ما هي النكتة في أنه صلي الله عليه وسلم دلهما علي ذكر الله عوضاً عن الخادم؟ النكتة فيها أن الذكر أعلى المراتب وأن العبد إذا انشغل عن حاجته بالذكر ، أعطاه الله أفضل مما يعطي السائلين .ومما يدل على هذا: حديث دعاء الكرب ، حديث علي بن أبي طالب لما علمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء الكرب :" لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات والأرض وما بينهما ورب العرش الكريم " هذا ليس دعاء هذا ثناء على الله سبحانه وتعالى ، فانشغل العبد عن حاجته بالرغم من أنه مكروب و في ورطة يحتاج إلى رفعها ، فانشغل عن ورطته بالثناء على ربه سبحانه وتعالى ، فهذا يعطيه أفضل ما يعطي السائلين .
    وسئل سفيان بن عيينة رحمه الله عن هذا الحديث : (قيل له يا أبا محمد هذا ثناء وليس دعاء ، قال له ألم تسمع إلى عبد الله بن جدعان لما مدح أمية بن الصلت فقال له :
    أأذكر حاجتي أم قد كفاني
    حياؤك إن شيمتك الحياء
    إذا أثنى عليك المرء يوما
    كفاه من تعرضه الثناء

    يقول بلغ من حيائك أنك لا تعطي أحدا فرصة ليسألك ، بل بمجرد أن ينظر إلى ملامح وجهه يعرف ماذا يريد ، فلا يحوجه إلى إراقة ماء وجهه فيقول أنا أريد قرضاً ، أو أريد إحساناً ، أو أريد شفاعة ، لا ، بلغ من إحسانه أنه لا يحوج الطرف السائل أن يقول أريد كذا ، بل يعطيه من غير سؤال ، قال سفيان بن عيينة فهذا المخلوق فكيف بالله عز وجل .
    فإذا انشغلت بالثناء على الله سبحانه وتعالى عن حاجتك ، والله يعلم حاجتك ، ويعلم ماذا تريد ، أعطاك أفضل مما يعطي سائل الحاجة ،
    إذا فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى علي وفاطمة رضي الله عنهما وندبهما أو أرشدهما إلى الذكر ، فإن من عاقبة هذا الذكر أن يهب الله عز وجل العافية للذاكر فلا يحتاج إلى خادم ، فيكون أعفاه من ذل الحاجة إلى الخادم ، إذا الحاجة إلى الخادم ، أو إلى الناس عموما ذل .
    فإذا أعفاك الله من الحاجة للناس استطعمت معنى العز : إذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما دلها على الذكر ، فهذه هي النكتة في الحديث ، وهي أن الله عز وجل لا يحوجه أو يحوجها إلى طلب الخادم إذا هذا معنى الفقر ، ليس الغنى عن كثرة العرض ، وإلا فإنا رأينا أناس كانوا على قمة هرم الغنى ثم سقطوا إلى قاع جب الفقر ، وهناك أناس كانوا في قاع الفقر رفعهم الله جل وعلا إلى قمة هرم الغنى ، قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾(آل عمران:140)يوم لك ويوم عليك ، فإياك أن تغتر ، يكفي أن الله عز وجل جعل يدك العليا ،عندما يأتي أي إنسان يطلب منك نوالا أعطه ،لأن هذا نوع من العز ،أن تكون قبلة للناس ،كل من أرادك يذهبوا إليك وأيضا لا تخيب رجاء من رجا فيك ، فهذا من تمام حشمتك ورأس مالك .
    سفيان بن عُيينه وقضاء حوائج الناس:دخل بعض التلامذة مرة على سفيان بن عُيينة رحمه الله ، فوجدوه يبكي ، فقالوا ما يبكيك يا أبا محمد ، قال : ( جاءني فلان يطلب حاجة فلم يجدها عندي ، فقالوا له وما الضير إذا ؟ قال : وأي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك إنسان فلا يجد أمله )، هؤلاء هم النبلاء .
    إياك أن تكنز وتقول أنا محتاج والله قد يكون العطاء الذي أعطيته هذا المحتاج هو باب الغنى ، وهو باب الفرج ,وكان بلال رضي الله عنه يقول (أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا ) لأن الإنسان الكريم تلبس بصفة من صفات الله سبحانه وتعالى ، فيوشك أن تأخذه هذه الصفة حتى تدخله على ربه .
    ومن صفات الله عز وجل أنه كريم : قال صلى الله عليه وسلم :" يد الله ملئ سحاء لا يغيضها الليل ولا النهار انظر إليه كم أنفق منذ خلق السماوات والأرض" ، والله عز وجل يقول :﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ﴾(ص:54)فجعل الله عز وجل يدك العليا بهذا المال وقال صلى الله عليه وسلم في وصف المنفق: كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال :" المكثرون ( أي في الدنيا ) هم الأقلون يوم القيامة إلا من فعل هكذا وهكذا وهكذا ( أي أنفق ذات اليمين وذات الشمال وأعطى كل إنسان سؤله )" فإذا جاءك إنسان يطلب نوالا إياك أن تحجب عنه ما فضل عن حاجتك ، ثم تريد أن تمن عليه ، لا ، اعلم أن الله غني ، وأنه سيغنيه ، وقد يغنيه ويعزه بدون أن تدركه الحاجة ، .
    يقول سفيان الثوري رحمه الله : (إن استطعت أن تعيش بالخبز والملح لم يستعبدك أحد) لأنك غني ، لا أقول عزيز ، بل غني ، إذا صبرت نفسك على هذا كنت الغني فعلا من بين الناس فإذا صفة الغني جاءت من أجل هذا تهديد ، إذا لم تعط المحتاج فاعلم بأن الله هو الغني ، وأنه سيعطيه وربما أفقرك ، حليم عن المن ، في قوله تعالى :﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾(البقرة:263) الأذى هو المن .
    وحسبك بعقوبة المنان :يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ( أول واحد في هؤلاء )" المنان"
    الذي إذا أعطى من ،" والمنفق سلعته بالحلف الكاذب "( يحلف بأن السلعة تقف عليه بالسعر الفلاني وهو كذاب وأنه سيخسر وهو كذاب وهذا من جحد نعم الله ومؤذن بذهاب النعم إذا استمر على ذلك ، فهذا الإنسان المنان يستعجل الخراب والحديث واضح غاية الوضوح ،المنان الذي يمن على الناس فالله عز وجل لو عاجله بمقتضى ما يفعل لخسف به الأرض لكنه حليم ، حلم على هذا المنان ، ووعد ذاك المحتاج الذي حجز عنه الغني هذا المال أن يغنيه من فضله ، فالحليم هنا جاءت من أجل قوله تعالى : ﴿ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾(البقرة:263)
    الآية الثانية التي تجلت فيها صفة الحلم قول الله عز وجل : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾(آل عمران:155)هذه الآية نزلت في الذين فروا يوم أحد بعد أن خالف الرماة عبد الله بن الزبير وكان قائد الرماة على قمة الجبل ولما رأوا أول النهار الدولة للمسلمين قالوا الغنائم يا قوم ، ذكرهم عبد الله بن الزبير بوصية النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يتركون الجبل حتى لا يجعلوا ظهورهم مكشوفة ولو رأيتم الطير تتخطف العسكر ، فنزل هؤلاء جرياً على الغنائم ، كما قال تعالى : ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ﴾ (آل عمران:152) الدنيا هي الغنائم ، وكما هو معروف فإن خالد بن الوليد رأى الجبل خالياً من الرماة فطوق المسلمين وجاءهم من الخلف فكانت المشكلة الكبرى وقتل نفر من المسلمين كثير بل كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول :" كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم " فنزل قوله تعالى :﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ (آل عمران:128) فبعض المسلمين فروا ، ونحن نعلم أن من الموبقات السبع الفرار من الزحف : فيقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي فروا ﴿ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ يعني في أحد ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا حتى وإن كانوا فضلاء ، لأن المرء مهما كان فاضلا لا يخلوا من ذنب ،كل إنسان منا مدين بذنب أو ذنوب ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كل ابن آدم خطاء " ﴿ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا أي بذنب
    ،﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ يعني عفا الله عنهم.
    في صحيح البخاري قال من حديث عثمان بن عبد الله بن وهب قال : "كنا جلوسا فجاء رجل من أهل مصر قد حج البيت فرأى قوما جلوسا ، فقال من هؤلاء ؟ فقالوا هؤلاء قريش ، قال من الشيخ فيهم _، يعني المقدم والمعظم فيهم الذين يجلسون حوله ويلتفون _ قالوا عبد الله بن عمر ، فتوجه الرجل إلى عبد الله ابن عمر ، فقال يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه ، قال نعم ، قال ألم تعلم أن عثمان فر يوم أحد ؟_يقصد عثمان بن عفان_ ، قال نعم ، قال : ولم يشهد بدرا ؟ قال نعم ، قال ولم يشهد بيعة الرضوان ؟ قال : نعم ، فقال الرجل : الله أكبر "، هذا رجل كان ينتقص عثمان فكأن هذه الزلات ، وأنت تعلم أن في فتنة عثمان جاء وفد من مصر حتى يقتلوا الخليفة الراشد عثمان بن عفان ، واشترك بعض المصريين مع بعض العراقيين وبعض أهل الشام اشتركوا جميعاً في قتل عثمان رضي الله عنه ، وكان الرجل ينتقص عثمان فاعتبر هذه زلات " فقال الله أكبر_ووقف فرح لأنه اعتقد أن ابن عمر أقر بأن عثمان زل ،_" فقال له ابن عمر : تمهل حتى أبين لك _ يعني لا تفرح لأنك أخذت بعض زلات عثمان ، لا ليست زلات ،" أما فراره يوم أحد ، فأنا أشهد أن الله غفر له ، وتلي هذه الآية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ فلا يجوز لأحد أن يعير إنسان بذنب غفره الله له ، قال :" وأما قولك لم يشهد بدراً فإنه كان يمرِّض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم له بسهم ولا يضرب لأحد بسهم إلا إذا شهد الغزوة" ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان قم على رقية ولك سهم رجل ، وهذا يعني أنه شهد بدرا ، وأما الزلة الثالثة التي تصورها المصري أن عثمان تخلف عن بيعة الرضوان ونحن نعلم بيعة الرضوان وفضلها وفضل من شهد هذه البيعة المباركة ، فقال له :" أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عثمان إلى مكة وتمت بيعة الرضوان بعد ذهاب عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع المسلمين ، قال ورفع يده اليمنى هذه عن عثمان وضرب بها على يده اليسرى " ( ويد النبي صلى الله عليه وسلم أشرف من يد عثمان ) فعندما يضع النبي عليه الصلاة والسلام يده مكان يد عثمان فهذا أشرف من يد عثمان ، لو كان هذا المعترض يفهم ،"قال ابن عمر انصرف بها " أي أن ابن عمر بعد أن وضح له كل شيء قال له اذهب بها كل مذهب واذهب وتكلم كما تريد ، .
    وفي مسند الإمام أحمد بسند قوي عن شقيق بن سلمة قال :" لقي عبد الرحمن بن عوف عقبة بن الوليد فقال له عقبة : ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان_كان بينهم كلام كما يحدث بين البشر وكان بينهم نوع من الغضب والوجد _، قال عبد الرحمن بن عوف : اذهب إلي عثمان فقل له أنا لم أفر يوم عينين_ أي يوم أحد _، ولم أخالف سنة عمر ، ولم أتخلف يوم بدر ،" فكأن عبد الرحمن بن عوف من وجده على عثمان رضي الله عنه قام فذكره بهؤلاء الثلاثة ، وهذا يشبه ما كان المصري يقوله لابن عمر منذ قليل ، فذهب الوليد بن عقبة إلى عثمان رضي الله عنه وحكي له كلام عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، فقال عثمان:" أما فراري يوم أحد فإن الله غفر لي ولا يجوز أن أعير بذنب وقد غفره الله وأما قوله إنني لم أشهد بدرا فقد كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم سهم الرجل _كما قال ابن عمر_ وأما قوله أنني خالفت عمر فقل له أنا لا أستطيعها ولا أنت" ، لأن عمر كان يأخذ نفسه وأهله بالشدة ولكن عثمان رضي الله عنه كان حييا كريما ، حتى لما قال له قائل مرة أن عمر كان يقصي أرحامه عن المناصب وأنت أعطيت أرحامك المناصب فقال له عثمان رضي الله عنه :" كان عمر يشتد عليهم في ذات الله وأنا وصلت رحمي في ذات الله "وكان هذا كما قلت يتناسب مع التركيبة النفسية لعثمان بن عفان رضي الله عنه لأنه كان شديد الحياء ولكن لا يتصور شديد الحياء بمعنى أنه يقرب من ليس بأهله ،حتى لو رأيته أنت ليس بأهله ، لكن كان يقرب من يتقي الله سبحانه وتعالى ، وسيرة عثمان فوق الشبهات عند المنصفين : أما الذين لا يعرفون الإنصاف فعثمان رضي الله عنه متهم عندهم بل عمر أيضا متهم عندهم ، فيقول له أنا لا أقدر على سنة عمر ولا هو يقدر على سنة عمر ، فما معنى أن يأخذ علي شيئا هو لا يستطيعه أيضا ,فحلم الله عز وجل أنهم فروا وارتكبوا كبيرة وموبقة من الموبقات ومع ذلك غفر الله عز وجل لهم ومحا ذنبهم ولم يأخذهم في الدنيا ولا يؤاخذهم في الآخرة لأن هذا وعد من الله تبارك وتعالى بأنه إذا عفر للعبد فإنه لا يؤاخذه بالذنب ولا يردد الذنب عليه مرة أخرى الآية الثالثة التي فيها معنى الحلم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾(المائدة:101) في الحقيقة أن الأحاديث التي رواها أئمة الحديث تحت هذه الآية ليس فيها السبب المباشر في الصحيحين وغيرهما ولكن ورد هذا السبب في بعض الروايات الأخرى في كتب التفاسير المسندة وأظن أيضا في مسند الإمام أحمد ورد شيء من هذا ، وورد في سنن الترمذي من حديث علي شيء آخر في سبب نزول هذه الآية ،.
    فمن أسباب نزول هذه الآية: ما رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه" أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم يوما وأقبل على الناس وهو مغضب محمار وجهه عليه الصلاة والسلام وفي القوم أبو بكر وعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" والله لا تسألوني في مقامي هذا شيئا إلا نبأتكم فقام رجل فقال يا رسول الله أين أبي ؟ قال : أبوك في النار ، وقام رجل كان يسمى عبد الله بن حذافة السهمي وكانوا يشككون في نسبه وكانوا إذا تلاحوا معه أي حصل بينهم مشاجرة كانوا ينسبوه إلى غير أبيه ، فأراد أن يتأكد على رؤوس الأشهاد والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يقرر ،"فقال يا رسول الله من أبي ؟ حتى يقطع الألسنة وحتى لا يناديه أحد وينسبه إلى غير أبيه ، قال : أبوك حذافة"، انتهى لا يستطيع أحد بعد ذلك أن ينسبه إلى غير أبيه بعد ما أثبت النبي صلى الله عليه وسلم نسبه إلى حذافة ، فجعل يقول اسألوني ، اسألوني وهو مغضب ، "فبرك عمر على ركبتيه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فكف النبي صلى الله عليه وسلم وقال : والله لقد رأيت الجنة والنار في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر "
    وعند الترمذي من حديث علي بن أبي طالب كما قلت سبب آخر ، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله فرض عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل أكل عام ؟ فسكت فكررها ثلاث مرات والنبي صلى الله علي وسلم يسكت حتى قال في الأخيرة لو قلت نعم لوجبت وما استطعتم فنزلت الآية :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ فهذا الرجل الذي قال أين أبي ألم يسئه أن يقول النبي صلي الله عليه وسلم في على رؤوس الأشهاد أبوك في النار طيب إذا لماذا هذا السؤال ، من الأفضل أنه لا يسأل لأنه ساءه أن يسمع ذلك ، عبد الله بن حذافة السهمي ساء أمه أن يقول ذلك كما في رواية مسلم ، لما رجع عبد الله بن حذافة البيت قالت أمه"والله ما رأيت أعق منك ، أفأ منت أن تكون أمك اقترفت ما اقترفه أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الأشهاد "افترضوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبوك ليس حذافة إذا من أين جاء ؟ جاء من الزنا طيب الله سترني ولا يوجد أي إنسان عنده خبر أن المرأة زنت ، هي تقول له افترض أن أمك فعلت ذلك تفضحها على رؤوس الأشهاد ، قال:"والله لو نسبني إلى روثة لانتسبت إليها" ولكن أريد أن أعرف نسبي حتى أستقر وأهدأ نفسيا ،وكما قلت.
    بعض التفاسير المسندة كتفسير ابن جرير وتفسير بن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه كلها أحاديث مسندة ، في بعضها أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا النبي الآيات ، يعني مثل ما كان اليهود يطلبون الآيات ، نريد أن ينزل لنا ملك من السماء النصارى تنزل مائدة من السماء ، فهذه كلها آيات ، فمعنى أن الله ينزل الآية ولا يؤمنوا فهذا معناه الهلاك ، لأنهم كانوا يعجزون الأنبياء يقولوا نريد كذا وكذا ، هذه كلها المعجزات .
    فبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سأل النبي الآيات: ولذلك قال الله عز وجل بعدها : ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴾(المائدة:102) ففي قصة المائدة لما طلب النصارى من عيسى عليه السلام المائدة وسميت السورة بهذه الواقعة فهل آمنوا ؟ لم يؤمنوا ، اليهود أكثر الناس سؤالاً للآيات فهل آمنوا بعد أن رأوا الآيات ؟ أبداً ، بل بلغ من سفاهتهم أنهم لما ذهب بهم موسى عليه السلام إلى ميقات ربه أرادوا أن يروا الله تعالى عيانا والذين طلبوا ذلك كانوا أفضل بني إسرائيل ولذلك قال الله عز وجل : ﴿ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ ﴾(الأعراف:155) ليس من قومه لأنه لو قال من قومه فمعناه أنه ترك خلفه من الفضلاء ، لم يترك من الفضلاء إلا هارون عليه السلام ، أو ترك الأقل أو المفضول ، وأخذ أفضل بني إسرائيل هؤلاء السبعين ، وأول ما ذهبوا قالوا :﴿ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾(البقرة:55) فأخذتهم الصاعقة ، فانظر ماذا يقول موسى عليه السلام ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾ ( الأعراف : 155) إذا كان الخيرة الذين أخذهم قال عنهم أنهم سفهاء إذا فالباقي ماذا فعلوا ؟ عبدوا العجل ، هؤلاء الذين تركهم موسى خلفه عبدوا العجل ، فالآيات كانت كثيرة عند اليهود ولم يؤمنوا ، عذبهم الله عز وجل عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين ، يكفي التيه غابوا أربعين سنة تائهين لا يعرفون لهم قرار .
    موجب غضب النبي صلي الله عليه وسلم من الصحابة حين سألوه: فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام بعض الصحابة يسأله الآيات غضب ، وهذا موجب غضبه عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس ،"أقبل على الناس وهو مغضب محمار الوجه" ، هذا هو سر الغضب ، إذا نزلت الآيات وكفر بعض الناس بها أو لم يصل إلى المرتبة التي ينبغي أن يصل إليها بعد رؤية الآيات فبذلك سيعرض نفسه للعذاب فكان غضب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ، أي لو أن الله عز وجل أعطاه الآيات وأي أحد انحرف كان يعاقبه ولكن من لطف الله تبارك وتعالى أنه حلم عنه ولذلك قال :﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
    الآية الرابعة في حلم الله عز وجل : ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ ( الإسراء: 44)
    ما هو موجب الحلم في هذه الآية؟ موجب الحلم أن المكلف بالتسبيح غافل ، والذي لم يكلف بالتسبيح بكتاب أو بآية أو برسول يسبح ، ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِمن الغافل ؟ من أمروا بالذكر من أُرسل إليهم رسول وأُنزلت الكتب من أجلهم ، الإنس والجن لكن كل شيء في الكون يسبح ، وهذا واضح من قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍوإن هنا نافية بمعنى( ما) ،﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ ،كل ما في الكون يسبح لا يفتر عن ذكر الله ، بخلاف الإنس والجن كله منتظم في التسبيح ، لا يفتر أبدا لا سيما الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون ،طيب.
    ما فائدة التسبيح ؟ حتى نفهم معنى الحلم ، في مسند الإمام أحمد وفي كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري بسندٍ قوي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن نوحاً عليه السلام أوصى ابنه أو ابنيه روايتان ، فكان من جملة الوصية أن نوحاً عليه السلام قال لولديه أو لولده "، آمرك أو آمركما باثنتين وأنهاك أو أنهاكما عن اثنتين"فكان من جملة ما أمر به ، قال : وآمركم بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء و بها يرزق الخلق " الشاهد من الحديث: وضح الآية ووضح معنى( الحليم )في الآية ، فإذا كان التسبيح ( سبحان الله وبحمده) صلاة كل شيء وبها يُرزق الخلق ، حسب القانون إذا لم تسبح لا ترزق طيب أنت ترزق وغني ومعك أموال وتتمتع بخيرات الله سبحانه وتعالى وتجوب الأرض في أمان كان المفترض أن يذهب كل ذلك للذاكر المسبح ، ومع ذلك ومع تقصير العبد في هذا الذكر حلم الله عز وجل عليه ورزقه ، إذا كانت السموات والأرض والجمادات تسبح الله سبحانه و تعالى ، وكل شيء يسبح بحمده ، كل شيء .
    هذه الآية فيها رد على من فسر وضع الجريد على القبر بأنها تخفيف على الميت إلى أن تيبس : بسبب أنه إذا يبست انقطع ذكرها ، فبعض الناس علل ذلك ، وحديث ابن عباس في الصحيحين لما مر النبي عليه الصلاة والسلام على قبرين فقال:" هذانيعذبان وما يعذبان في كبير أي لا يعذبان في أمر كان يشق عليهما أن يحترزا منه لكنه أمر يسير"أما أحدهما فكان لا يستبرأ من بوله وأما الآخر فكان يمشي في الناس بالنميمة"ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم بجريدة ثم شقها نصفين ووضع نصفها على هذا القبر ونصف الجريدة على القبر الآخر وقال:" لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا فبعض العلماء حاول أن يصل إلى معنى تحت اللفظ : لماذا ما لم ييبسا؟ قالوا لأنه إذا يبست الجريدة انقطع ذكرها وهذا الكلام مردود عليهم بالآية ، بقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ فلذلك قولهم أنها ما لم تيبس هذه علة لا ينبغي أن يُعلل المعنى بها ،لأن الآية صريحة ، إنما هذا كان شفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام كما ورد في حديث جابر الطويل في آخر صحيح مسلم ,، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال:"يرفه عنهما بشفاعتي " فإذا هذه الجريدة مجرد شفاعة فالنبي صلى الله عليه وسلم استعمله ، ولكن أصل الترفيه عن هذين بشفاعته صلى الله عليه وسلم ، وإلا عندنا دليل عقلي لا يرد ، إذا أردت أن تجعل الجريدة تيبس بسرعة هل إذا تركتها أو إذا قسمتها نصفين أكيد إذا قسمتها نصفين أو أكثر ستيبس بسرعة لكن طالما الجريدة متماسكة مع بعضها تكون النداوة فيها أطول مده ممكنة ، فهل يعقل أن يشقها النبي صلى الله عليه وسلم نصفين وهو أسرع في يبوسها وهو يطلب لهما المغفرة والشفاعة ، كان على الأقل تركها كما هي حتى تظل أكبر مدة ممكنة خضراء ، فهذه المسألة تدل على أنه ليس المقصود ما ذهب إليه بعض العلماء ،.
    فالآية إذا : ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ ، ﴿ لَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ لا تعرفون كيف يسبح الرمل ، كيف يسبح الجماد ، كيف يسبح الطير كيف يسبح الشجر ، والمدر والحجر ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، أنت لا تدري كيف تسبح ولكنها تسبح ، ﴿ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ لو عاقبنا الله سبحانه وتعالى بترك الذكر ما رزق أحدا بفلس .
    الخلاصة: إذا حيثما وجدت صفة الحلم في القرآن المجيد فهنا يستحق العبد العقوبة لكن الله عز وجل حلم عنه ونحن كما قلنا هذا كله في باب الإعذار .
    نأتي إلى حديث ابن مسعود الذي ذكرناه في البداية ،( لا أحد أغير من الله ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ،) يوجد من الناس من لا يقبل عذر المعتذر وتحمله الحمية على أن يوقع به العقوبة ، وقد يكون للمقصر عذر فعلاً ، لو هذا العذر معتبر شرعاً وعرفاً ، لكن لحميته وغيرته يوقع العقوبة به ، ولا يستمع إلى عذره ، هذا بخلاف الله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلى وكل أفعاله حكمه ،.
    لا أحد أغير منه على الإطلاق ومع ذلك إذا اعتذر إليها العبد قبل عذره بل هو يحب أن يعتذر العبد إليه : ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:" الندم توبة " من حديث ابن مسعود وغيره ،.
    شروط التوبة: اشترط العلماء لصحة التوبة , ثلاثة أركان لا تتم التوبة إلا بها1- الندم 2-والإقلاع ،3- والعزم على عدم العودة ، هذا فيما يتعلق بحق الله عز وجل ، 4- أن يرد المظالم إلى أهلها ، فأول شيء الندم ، ولذلك مثلا ولدك يخالفك في أمر ما ثم تأتي لتعاقبه يقول لك آسف أنا لست بمخطئ ،إذا لا تريد أن تعترف بخطئك؟ إذا أنا المخطئ ، هذه تكون مكابرة ، تحملك على أن تزيد في عقوبته ، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لعائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك ، قال يا عائشة : "إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب ، تاب الله عليه "، فانظر إلى الكلام (اعترف بذنبه ،) قال : أنا مخطئ فبذلك قد انتهت القضية كلها أو ثلاثة أرباعها ، حتى على الأقل إذا جاء ليعاقبك ، انتهي الأمر,، ولذلك عندما يكون الإنسان مذنب و يعترف بذنبه برجولة إما يسقط العقاب كله أو يسقط أغلبه ، فانظر حتى عند رب العالمين سبحانه وتعالى ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة رضي الله عنها :" إن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه " إذا لا بد من الاعتراف ، (فالندم توبة )كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ، فإذا مع ذنوب العبد وشدة غيرة الله تعالى على محارمه كما في حديث النعمان بن بشير :"ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه " كل ملك له حمى ، فكل ملك من ملوك الدنيا له حمى يحميه ، له حدود يحميها ، ولله المثل الأعلى رب العزة والذي يمتلك الدنيا والآخرة له حمى ، حماه في الأرض محارمه ، له خط هذا حرام لا تتخطى ، أنت تعديت وتخطيت فأنت دخلت حمى الملك الذي لا يُضام ، فأنت تعرض نفسك للعقوبة إذا تعديت حدود الله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : " ألا وإن لكل ملك حمى" ،أي يحميه ،" ألا وإن حمى الله محارمه " مع انتهاك العبد لهذا الحمى مرة واثنين وعشرة وعشرين وقد يغيب عدة سنوات ، ينتهك الحمى ومع ذلك لم تنزل العقوبة ، ممكن العبد بعد ذلك أدركته رحمة الله عز وجل وشعر برقة في قلبه فتوجه إلى الله سبحانه وتعالى ، واعتذر إلى الله أنه تخطى الحدود ، يقبل منه ولا يحاسبه ، هذا هو .
    غاية المجد والكمال والإحسان ، أن تقبل عذر المعتذر وتعطيه الفرصة: حتى يقول أنا مخطئ أو وجه نظري كذا وكذا ، إذا ظهر أنه غير متعمد أو أنه بذل وسعه ليصل إلى المعنى أو إلى الحقيقة ، فيعذر ، أما إذا ظهر غير ذلك ، فيكون له عقوبة مناسبة .
    فالله عز وجل أشد غيرة من كل أحد ، ومع ذلك يقبل عذر المعتذر إذا اعتذر منه :، في الوقت نفسه بعض الناس يتوسع في باب العذر حتى يدخله في باب الدياثة ، يرى زوجته تمشي مع رجل فيقال له انظر ، فيقول لماذا أنت سيء الظن هل كل شيء يجب أن يكون وراءه شيء أو عندما تقول له أن الاختلاط لا يجوز ، مثل رجل يخرج في الجريدة ليتكلم بأننا أول من حرم الاختلاط ، وأنه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانت المرأة تسقي المرضى وتداوي الجرحى وغير ذلك ، وكان مجتمع الصحابة مختلطين فيما بينهم، الرجل يقف مع المرأة والمرأة مع الرجل ، طيب نحن لو سلمنا بهذا فرضا فمجتمع الصحابة الذي لا يوجد أحد مثلهم ، يأتي على مجتمع الشهوات قد أكلته والشبهات وقد ربي على القنوات الجنسية والهواء الملوث ، وتأتي لتقول العفة ، طيب إإتني بمجتمع مثل مجتمع الصحابة ثم اختلط كما تشاء ، هناك أناس تبلغ بهم الدياثة بأن يتوسع في باب العذر لدرجة أنه ليس لديه خطوط حمراء ، .
    علام يدل مجيء العذر بعد الغيرة في الحديث؟فانظر عندما جاء العذر بعد الغيرة ، لبيان كمال الله سبحانه وتعالى ومجده وعزه وإحسانه على العبد ، مع شدة غيرته تبارك وتعالى إلا أنه يقبل عذر المعتذر ، ليس هذا فقط ، بل يمكن أن يرفعه من جب العصيان ، فينعم عليه بالولاية والقرب ، ولذلك نقول وضع العذر متوسطاً ما بين الغيرة وما بين المدح ، ولذلك كان الذي يقبل عذر هذا المذنب مع شدة غيرته ، هو المستحق للمدح دون غيره .
    لماذا جاء المدح متأخراًًَ؟ ولذلك جاء المدح متأخرا لأن هذا هو الممدوح حقا تبارك وتعالى ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ، لذلك أثنى على نفسه لأنه لا يستطيع أحد أن يثني على الله بما هو أهله ، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه يقول :" لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك " مهما أتيت برائع الكلام وأفضله وأجله فإنك لن تبلغ أبدا أن تمدح الله عز وجل بما يناسب عظمته وبما يناسب جلاله تبارك وتعالى ولذلك جاء المدح متأخرا لأن من هذا شأنه فهو الممدوح حقا .
    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللحديث بقية إن شاء الله إن جمعنا الله تبارك وتعالى بكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الدرس الخمسون من فك الوثاق للشيخ أبي إسحاق الحويني



    ﴿ ﴾ ()















    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    283

    افتراضي رد: مايدل علي صفحة الحلم من كتاب الله عز وجل للشيخ أبي إسحاق الحويني

    جزاك الله خيرا يا أختنا ( محبة الحويني)
    درس جيد فيه فوائد جمة ..
    لكن ملاحظة بسيطة :
    العنوان فيه : ما يدل على صفحة الحلم ... والصواب صفة الحلم .

    واستغربت ما ذكر في الدرس أن قائد الرماة في غزوة أحد هو : عبدالله بن الزبير !!!

    عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما كان يومها عنده سنة واحدة فقط !
    الصواب :
    عبدالله بن جبير .. الأنصاري رضي الله عنه .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    283

    افتراضي رد: مايدل علي صفحة الحلم من كتاب الله عز وجل للشيخ أبي إسحاق الحويني

    وللتو انتبهت لهذا :
    (وسئل سفيان بن عيينة رحمه الله عن هذا الحديث : (قيل له يا أبا محمد هذا ثناء وليس دعاء ، قال له ألم تسمع إلى عبد الله بن جدعان لما مدح أمية بن الصلت فقال له ..)

    الصواب : العكس , أمية بن أبي الصلت هو الذي مدح ابن جدعان فالممدوح هو ابن جدعان لا غير .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,073

    افتراضي رد: مايدل علي صفة الحلم من كتاب الله عز وجل للشيخ أبي إسحاق الحويني

    جزاك الله خيرا ونفع بك كل يؤخذ منه ويرد واكيد أنا المخطئة بس والله أنا أراجع وأراجع حتي أحفظ الدرس من كثرة المراجعة طيب سأضع لك المادة الصوتية اسمعها وتأكد بنفسك
    http://www.alheweny.org/aws/play.php?catsmktba=1368
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •