التعليم ومناهجه في المملكة العربية السعودية

الحمد لله علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي قال له ربه ممتنًا عليه: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) [النساء: 111]، وعلى آله وأصحابه خير من تعلم وعلم، وبعد:
فإن أول معلم في الإسلام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى طلبة العلم هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين صاروا من بعده معلمي العالم كما قال صلى الله عليه وسلم: "وإن العلماء هم ورثة الأنبياء"، فكانوا يعلمون الناس أمور دينهم عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاقًا متدرجين معهم في التعليم شيئًا فشيئا عملًا بقول الله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران: 79]، ومن بعدهم التابعون لهم بإحسان ومن تبعهم ممن جاء بعدهم ساروا على هذا المنهج الرباني القرآني كل جيل يحمل العلم ويحمله من يأتي بعده.
كما روي عنه صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلق عدوله"، ففتحوا البلاد بالجهاد وفتحوا القلوب وبالتعليم حتى نشروا ذلك في المشارق والمغارب مما لم يعرف نظيره في أمة من الأمم قبلهم، وكان هذا العلم الغزير تحمله اللغة العربية التي نزل القرآن بها فتعلمها الناس عربًا وعجمًا فصارت هي اللغة العالمية وتخصص بها وبعلومها ألوف ومن العجم بحكم أنها لغة القرآن ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يمكن فهم هذا الدين إلا بفهمها وفهم مشتقاتها فتفجرت من الكتاب والسنة بحور العلم وامتلأت مكتبات العالم من كتب الإسلام مما لم يعرف في ديانة من الديانات وذلك معجزة لهذا الرسول ورحمة للعالم كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] وكان مهد هذا الخير ومنبع هذا النور من بلاد الحرمين مكة والمدينة وما جاورهما من بلاد الجزيرة العربية التي هي مهد الرسالة ومهبط الوحي وجزيرة الإسلام التي قال فيها النبي: "لا يبقى فيها دينان"، ومنها انطلقت جحافل المجاهدين وقوافل الدعاة والمعلمين وكانت هذه المملكة العربية السعودية هي الوارثة لهذا الخير والقائمة عليه تتجه لها القلوب والأبدان وتقصدها الوفود الغزيرة كل عام. آمين البيت الحرام ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام. يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانا. وتتسابق إلى جامعاتها أفواج الدارسين من كل صقع في العالم يفقهون في الدين ويحملونه إلى من حلفهم عملًا بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122].
إن كل دولة تضع مناهج التدريس فيها حسب النظام الذي تسير عليه في سياستها ولما كان النظام لدينا وفق تعاليم الإسلام ولا يمكن تعلم الإسلام ولا تعليمه إلا بتعلم لغته التي هي اللغة العربية فلا يبقى مسلم أعجميًا فترجمة علوم الإسلام إلى اللغات الأجنبية عجز من العرب وتعجيز للغتهم التي اختارها الله لحمل هذه الرسالة إلى العالم وتمويت لها.
ولما كانت الجزيرة العربية عموما والبلاد السعودية خصوصًا بصفتها مهبط الرسالة وبلاد الحرمين الشريفين هي قلب العالم الإسلامي ومهوى أفئدة المسلمين فإنها يجب أن تكون جامعاتها ومناهجها هي التي تصدر الإسلام وعلومه إلى العالم. ومن ثم لما مكن الله للملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله في هذه البلاد المباركة قام بفتح المدارس والمعاهد التي هي نواة الجامعات ووكل إلى العلماء وضع مناهجها المتضمنة لعلوم القرآن والسنة والفقه واللغة العربية وعلومها وواصل أبناؤه من بعده دعم هذه المؤسسات العلمية لتؤتي ثمارها لا للمملكة فحسب وإنما للعالم الإسلامي كله.
فالتعليم مربوط بالعلماء من حيث وضع خططه ومناهجه ومتابعته وتنميته. ومتى انفك التعليم عن العلماء ضاع وتغير وحل محله الجهل وفساد العقائد وهذا ما يريده الأعداء حينما دسوا على الإسلام فرقة الخوارج والمعتزلة الذين اعتزلوا العلماء ووضعوا لأنفسهم مناهج خاصة نتج عنها الضلال والانحلال وتعددت الفرق الضالة التي ما زال المسلمون يعانون منها ويحاربون أفكارها. وإننا نسمع في هذا الوقت أصواتاً تنعق بالمطالبة بتغيير المناهج التعليمية ونزعها من أيدي العلماء وجعلها بيد الجهلة المسمين التربويين حتى تصبح المناهج الإسلامية أسمًا بلا مسمى وحتى يكون الإسلام إسلامًا علمانيًا لا إسلامًا محمديا منهجًا لا يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال ويفرق بين المسلم والكافر والمؤمن والمنافق والبر والفاجر على ما جاء به الإسلام الذي جاء لإخراج الناس من الظلمات إلى النور وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها وأظهره الله على الدين كله.
يراد له أن يكون كغيره من الأديان المحرفة والمنحرفة. إنه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لا دين إلا الدين الذي جاء به (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85]، ولا يعرف هذا الدين على الوجه الصحيح الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا إذا درست أحكامه وتعاليمه ضمن المناهج الدراسية في مختلف المراحل. ولن يقوم بهذا إلا العلماء تعليمًا وإشرافًا ومتابعة. وإذا كانوا يقولون إن الناس بحاجة إلى الدراسات العصرية وعلوم التقنية الحديثة فنقول هذا لا يتعارض مع ذلك. بل هو يحث عليه لكن بعد العناية بتدريس علوم الإسلام بأن يتعلم المسلم قبل ذلك ما يستقيم به دينه. فهناك قدر مشترك من العلوم الدينية لا بد أن يعرفه كل مسلم. وما زاد عليه من علوم الشريعة فهو تخصصي يقوم به من عنده أهلية لتلقيه.
لأن الأمة بحاجة إليه فيكون تعلمه فرض كفاية. كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122] والنوع الأول تعلمه فرض عين على كل مسلم، وهذا ما تيسر عليه مناهجنا الدراسية منذ تأسست المدارس باختلاف مراحلها، والتعليم عندنا شامل – ولله الحمد – لكل ما يحتاجه المجتمع المسلم مما يجب على الفرد بخاصة نفسه، وما يجب على المجتمع تعلمه وتعليمه. وما تدعوا الحاجة إلى تعلمه من علوم التقنية فلا يعتني بجانب ويترك الجانب الآخر حتى تقوم على ذلك مصالح العباد في المعاش والمعاد، ولا نكون كمن قال الله تعالى فيهم: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 7]، فنقبل على العلوم الدنيوية ونترك العلوم الأخروية، وكما في الأثر: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا). ولذلك كان من أعظم اهتمامات المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله الاهتمام بجانب التعليم فأولاه عناية خاصة وأسنده إلى علماء البلاد وسار على نهجه أبناؤه ولن تبقى هذه الدولة إلا ببقاء الأساس الذي قامت عليه وهو الاهتمام بالتعليم بجميع تخصصاته وأن يتولاه أهله من علماء البلاد فيقوموا بوضع مناهجه الدراسية واختيار المدرسين الأكفياء واختيار الكتب المناسبة مما ألف قديمًا أو ما يؤلف حديثًا. ولا أعرف وجهًا للضجة الصحفية حينما ظهر اسم بعض أهل العلم على غلاف بعض المقررات الفقهية إلا أن تكون هذه الضجة ناشئة عن فكرة نزع التعليم من أهل العلم وإسناده إلى غيرهم وهذه فكرة يأباها ولاة الأمور ويأباها المسلمون لأنها فكرة نشاز ليست في صالح المسلمين. والدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم. نسأل الله أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ويصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا. ويصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه:

صالح بن فوزان الفوزان

عضو هيئة كبار العلماء

8/11/1431هـ