من شروح كتاب الأصول الستة للشيخ محمد بن عبد الوهاب

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب


الأصل الثاني:
أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه، فيبين الله هذا بيانًا شافيًا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه، ويزيده وضوحًا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون‏.‏


شرح الشيخ ابن عثيمين :
قوله‏:‏ ‏"‏أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه ‏.‏ ‏.‏ إلخ‏"‏
الأصل الثاني من الأصول التي ساقها الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق فيه، وهذا الأصل العظيم قد دل عليه كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعمل الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح رحمهم الله تعالى‏:‏
....
أما عمل السلف الصالح‏:‏ فإن من أصول السنة والجماعة في المسائل الخلافية أن ما كان الخلاف فيه صادرًا عن اجتهاد وكان مما يسوغ فيه الاجتهاد فإن بعضهم يعذر بعضًا بالخلاف ولا يحمل بعضهم على بعض حقدًا، ولا عداوة، ولا بغضاء بل يعتقدون أنهم إخوة حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف، حتى إن الواحد منهم ليصلي خلف من يرى أنه ليس على وضوء ويرى الإمام أنه على وضوء، مثل أن يصلي خلف شخص أكل لحم إبل وهذا الإمام يرى أنه لا ينقض الوضوء، والمأموم يرى أنه ينقض الوضوء فيرى أن الصلاة خلف ذلك الإمام صحيحة وإن كان هو لو صلاها بنفسه لرأى أن صلاته غير صحيحة، كل هذا لأنهم يرون أن الخلاف الناشئ عن اجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس في الحقيقة بخلاف، لأن كل واحد من المختلفين قد تبع ما يجب الحقيقة بخلاف، لأن كل واحد من المختلفين قد تبع ما يجب عليه إتباعه من الدليل الذي لا يجوز له العدول عنه، فهم يرون أن أخاهم إذا خالفهم في عمل ما إتباعًا للدليل هو في الحقيقة قد وافقهم، لأنهم يدعون إلى إتباع الدليل أينما كان، فإذا خالفهم موافقة لدليل عنده فهو في الحقيقة قد وافقهم، لأنه تمشى على ما يدعون إليه ويهدون إليه من تحكيم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.


أما ما لا يسوغ فيه الخلاف فهو ما كان مخالفًا لما كان عليه الصحابة والتابعون، كمسائل العقائد التي ضل فيها من ضل من الناس، ولم يحصل فيها الخلاف إلا بعد القرون المفضلة .. فالقرون المفضلة انقرضت ولم يوجد فيها هذا الخلاف الذي انتشر بعدهم في العقائد، فمن خالف ما كان عليه الصحابة والتابعون فإنه عليه ولا يقبل خلافه‏.‏
أما المسائل التي وجد فيها الخلاف في عهد الصحابة وكان فيها مساغ للاجتهاد فلا بد من أن يكون الخلاف فيها باقيًا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر‏)‏ فهذا هو الضابط‏.‏
هذا الشاهد من شرح الشيخ ابن عثيمين


وأما ما أورده الشيخ الفوزان فهو التالي :
شرح الشيخ الفوزان
لا يجوز لأمة محمد أن تتفرق في عقيدتها وفي عبادتها وفي أحكام دينها هذا يقول حلال وهذا يقول حرام بغير دليل , لا يجوز هذا . لا شك أن الاختلاف من طبيعة البشر كما قال الله سبحانه : ( وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) هود
لكن الاختلاف يحسم بالرجوع إلى الكتاب والسنة فإذا اختلفت أنا وأنت فإنه يجب علينا أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) النساء
أما ما يقال : كل يبقى على مذهبه وكل يبقى على عقيدته والناس أحرار في آرائهم ويطالبون بحرية العقيدة وحرية الكلمة هذا هو الباطل الذي نهى الله عنه فقال : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) آل عمران
فيجب أن نجتمع في عرض اختلافنا على كتاب الله حتى في مسائل الفقه إذا اختلفنا في شيء نعرضه على الأدلة فمن شهد له الدليل صرنا معه ومن أخطأ الدليل فإننا لا نأخذ بالخطأ



إن الله – جل وعلا – لم يتركنا نختلف ونتفرق دون أن يضع لنا ميزانا بين الصحيح من الخطأ بل وضع لنا القرآن والسنة ( فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ) يعني القرآن ( وَالرَّسُولِ ) يعني السنة , والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله وسنتي
فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم موجود بيننا بوجود السنة مدونة ومصححة وموضحة وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة أنه لم يتركها في متاهة بل تركها وعندها ما يدلها على الله سبحانه وتعالى ويدلها على الصواب أما الذي لا يريد الحق ويريد أن كل واحد يبقى على مذهبه وعلى نحلته ويقول : نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه . هذا لا شك أنه كلام باطل
فالواجب أن نجتمع على كتاب الله وسنة رسوله وما اختلفنا فيه نرده إلى كتاب الله وسنة رسوله , لا يعذر بعضنا بعضا ونبقى على الاختلاف بل نرده إلى كتاب الله وسنة رسوله وما وافق الحق أخذنا به وما وافق الخطأ نرجع عنه هذا هو الواجب علينا فلا تبقى الأمة مختلفة وربما يذكر الذين يدعون إلى البقاء على الاختلاف حديث اختلاف أمتي رحمة وهذا الحديث يروى ولكنه ليس صحيحا


الاختلاف ليس رحمة الاختلاف عذاب

قال تعالى : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) فالاختلاف يشتت القلوب ويفرق الأمة ولا يمكن للناس إذا صاروا مختلفين أن يتناصروا ويتعاونوا أبدا بل يكون بينهم عداوة وعصبية لفرقم وأحزابهم ولا يتعاونون أبدا
إنما يتعاونون إذا اجتمعوا واعتصموا بحبل الله جميعا وهذا هو الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا و يكره لكم ثلاثا فيرضى لكم : أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا و أن تعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا و أن تناصحوا من ولاه الله أمركم . هذه الثلاث يرضاها الله لنا والشاهد منها قوله : وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وليس معنى هذا أنه لا يوجد اختلاف ولا يوجد تفرق

طبيعة البشر وجود الاختلاف ولكن معنى هذا أنه إذا حصل اختلاف أو تفرق يحسم بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وينتهي النزاع وينتهي الاختلاف , هذا هو الحق
وليس تحكيم القرآن أو تحكيم السنة مقتصرا على مسألة النزاع في الخصومات بين الناس في الأموال حيث يسمون الحكم بما أنزل الله أنه الحكم بين الناس في أموالهم ونزاعاتهم في أمور الدنيا فقط
لا بل هو الحكم بينهم في كل اختلاف وكل نزاع والنزاع في العقيدة أشد من النزاع في الأموال والنزاع في أمور العبادات وأمور الحلال والحرام أشد من النزاع في الخصومات في الأموال إنما الخصومات في الأموال جزء أو جزئية من الاختلاف الذي يجب حسمه بكتاب الله عز وجل
والصحابة رضي الله عنهم كان يحصل بينهم خلاف لكن سرعان ما يرجعون إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فينتهي اختلافهم ......
" إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " النور ....

فلا يسع المؤمنين أن يبقوا على اختلافهم في جميع الاختلافات لا في الأصول ولا في الفروع كلها تحسم بالكتاب والسنة وإذا لم يتبين الدليل مع أحد المجتهدين وصار لا مرجح لقول أحدهم على الآخر ففي هذه الحالة لا ينكر من أخذ بقول إمام معين ومن ثم قال العلماء لا إنكار في مسائل الاجتهاد أي المسائل التي لم يظهر الدليل فيها مع أحد الطرفين ......

قوله : " وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه .. "
قال تعالى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) الشورى
أي لا يصير كل واحد له دين لأن الدين واحد ليس فيه تفرق
قوله : " ويزيده وضوحًا ما وردت به السنة .. "
نعم ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحاديث ما يحث على الاجتماع وينهى عن التفرق والاختلاف مثل حديث : فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين

قوله : " ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه .. "
صار الأمر مع السلف عند المتأخرين أن الاختلاف في الأصول والفروع هو الفقه مع أن الواجب العكس أن الاجتماع هو الفقه في الدين
هم يقولون إن التفرق وإعطاء الحرية للناس وعدم الحجر عليهم هذا هو الفقه
ونحن نقول الفقه هو الاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
وبعضهم يقول هذا سعة من سعة الإسلام أنه إذا حرم علينا أحد شيئا نجد من يفتي بحله
اتخذوا الناس هم المشرعين فعلى رأي هؤلاء إذا قال فلان هذا حلال صار حلالا لنا ولو كان حراما في كتاب الله وسنة رسوله
فنقول نرجع إلى كتاب الله فمن شهد له بالحق أخذنا به ومن شهد عليه بالخطأ تركناه , هذا هو الواجب
. اهـ


وملخص الكلام :
أن من قال بأن اختلاف العلماء رحمة فقوله مردود عليه إذ أن كل اختلاف صغيرا كان أم كبيرا في أصل أو في فرع فإنه يحسم بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن كان معه الدليل أخذنا بقوله وإلا فنتركه ونأخذ بما وافق الدليل

وهذا الاختلاف يكون في أمور يسوغ فيها الاجتهاد فليس من العقل أن يأتي أحد فيجتهد في حكم واضح البيان في الكتاب أو السنة كمن يجتهد في حكم الموسيقى ويحاول إيجاد أسباب ومسوغات لتحليلها للناس كقوله سبيل للدعوة أو غيرها – ونحن لا ندعوا إلى الله بمعصية - ولسنا هنا بصدد التكلم عن حكمها أو الاستفاضة فيه
ولكن الناس يظنون أن الحرام إذا سُوّغ له سبب صار حلالا كمن تنمص تزينا لزوجها أو لمجرد أنها تراه ثخينا وحكم النمص ظاهر واضح جلي في حديث رسول الله وفاعلته ملعونة
ولكن ظهر علينا من يقول يجوز إذا كان تزينا للزوج أو إذا كان كثيرا أو إذا كان للتنظيف فتأخذ القليل فقط أو أو أو
حتى صار حاجب المرأة أرق من الشعرة وتتعنت وتقول ( هـــــــذا تنــــظــــــــ ــيف فقـــــــط والعلماء قالوا ومنهم من أحل ومنهم من قال ومنهم ومنهم .. )
والله لا أدري ما هو التنظيف الذي يجعل الحاجب مثل الشعرة وإلى الله المشتكى
ولا أدري ما هذه الأقوال والاجتهادات التي لا تمت للاجتهاد الشرعي بصلة


وأما ما يسوّغ فيه الاجتهاد أي حين لا يكون هناك دليل واضح على الشيء بحيث إذا عدنا للكتاب والسنة لم يبدو لنا رجحان قول على قول أو بمعنى آخر لم نجد دليلا ينفي قولا أو يؤيد قولا - إن صح التعبير - فإن بعضنا لا ينكر على بعض في الأخذ بشيء منه كما فعل الصحابة في فهم حديث لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة فمنهم من فهمه على أنه أمر فعلي عليهم أن يقوموا به ومنهم من فهمه على أنه الحث على التعجيل والإسراع في الوصول وكلا الفريقين لم ينكر على الأخر .


فالواجب على المسلم أن يتبع الدليل حيث هو ونضيف من الكلام فنقول بما قال الإمام الشافعي في كتاب "الأم " - وحق لكلامه أن يسطر بماء الذهب :
" مَا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إلَّا بِاتِّبَاعِهِمَ ا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ صِرْنَا إلَى أَقَأوِيلِ أَصْحَابِ الرَّسُولِ أَوْ وَاحِدِهِمْ ، وَكَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَحَبَّ إلَيْنَا إذَا صِرْنَا إلَى التَّقْلِيدِ ، وَلَكِنْ إذَا لَمْ نَجِدْ دَلَالَةً فِي الِاخْتِلَافِ تَدُلُّ عَلَى أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَتَّبِعُ الْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُ الدَّلَالَةُ ، لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ مَشْهُورٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ النَّاسَ وَمِنْ لَزِمَ قَوْلُهُ النَّاسَ كَانَ أَظْهَرُ مِمَّنْ يُفْتِي الرَّجُلَ وَالنَّفَرَ ، وَقَدْ يَأْخُذُ بِفُتْيَاهُ وَقَدْ يَدَعُهَا ، وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ يُفْتُونَ الْخَاصَّةَ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ ، وَلَا يَعْنِي الْخَاصَّةَ بِمَا قَالُوا : عِنَايَتُهُمْ بِمَا قَالَ الْإِمَامُ . ثُمَّ قَالَ : فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ الْأَئِمَّةِ فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ ، وَكَانَ اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ بَعْدِهِمْ "



وبقوله رحمه الله نختم وسدد الله خطانا وخطاكم