السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

اعتاد السادة القراء أن يروا من قلمي سرد القصص التي يكتبها الواقع، ويخطها القلم، وينقحها الخيال،،
ولكنني اليوم أكتب ما خطه الواقع وفقط...
في "قصص أكتبها بدمي" عن مآسي المسلمين الجدد مع النصارى في مدينتي، وهي قصص عشت بعض فصولها بنفسي، فأنا أسطرها للتاريخ كشاهد على الأحداث،،



"المأساة الأولى: الخدعة"

اتصل بي هشام عبر الجوال، وما أن سمعت صوته حتى اعتراني القلق، وسألته على الفور:
ماذا حدث ولماذا أنت مضطرب بهذا الشكل؟؟
فأجابني ونشيج البكاء في صوته:
أريد مقابلتك على الفور،،
اجبته بسرعة واقتضاب:
أنا بانتظارك حالًا بالمنزل،،
ولم تمض سوى دقائق قليلة، إلا وضمتنا غرفتي الخاصة، وبدأ يسرد الأحداث:
منذ ما يقارب الشهر اتصلت بي فتاة تدعى مريم، وقالت:
"أنا احتاجك يا شيخ هشام في أمر هام وخطير، فهل لي أن ألتقيك في مكتبك الخاص بعد ساعة؟؟ على فكرة أنا منتقبة"، وانتهت المكالمة.
وفي الموعد المحدد كنت بمكتبي، وظننت أنها قضية عادية مثل سائر القضايا التي أتولاها لزبائني، وبينما أنا مستغرق في أفكاري طرق باب المكتب بصوت خفيض، فقمت ونظرت من شوّافة الباب فإذا امرأتان إحدهما منتقبة، فقلت: من؟؟ وأتاني الصوت بأخفض من الطرقات:
أنا مريم يا شيخ.
فتحت لهما الباب، مرحبًا:
تفضلا، ودخلا على الفور يتخالسان النظر، واستقر بي المقام خلف منضدتي، ولا حظت الاضطراب البالغ من كليهما، والمنتقبة بالأخص، فقلت مداعبًا ومحاولًا تلطيف حدة الموقف:
هل أنتما فارتين من الحكومة؟؟ فأجابتني مريم:
لأ.... من الكنيسة،،
ولدهشتي انتفضت من الجواب، ثم استجمعت جأشي وسألتها:
ما الخبر؟؟ فقالت: أصغي لي من فضلك...
وبدأت المأساة...

***

كل هذا وأنا أستمع لهشام، وتوتره يتضاعف حتى جف ريقه تمامًا عند هذه الجزئية من الحديث فقمت لأسعفه ببعض الماء، ومشروب ساخن، في هذا الزمهرير الذي لم تفلح مدفأتي المتواضعة في دفعه،،
ولما سكن قليلًا بدأت أستحثه ليتابع حديثه، فشرع يكمل:
لقد كانت الفتاة (مريم) أسلمت سرًا، ثم هربت من أهلها، وتريد من يحميها حتى تشهر إسلامها، وتلك التي معها جارة مسلمة لها، وهي التي دلتها على هشام بحكم أنه محام مُلتحي معروف بالتزامه..
ومريم تخاف أن يشعر أهلها بإسلامها فيقتلونها على الفور..
عاجلت بسؤاله:
وأين هي الآن؟؟ فقال بضيق:
سأخبرك بكل شيء،،
لقد استعنت ببعض أصدقائي ليخفيها عند مسن وزوجه في بني سويف؛ حتى تكون أبعد عن العيون، فلم أتمالك فضولي فقلت:
وهل أشهرت إسلامها أم..
فقاطعني بضيق بالغ:
من فضلك يا سيدنا انتظر قليلًا، وسأخبرك بكل التفاصيل، وتابع:
لم يمر سوى أسبوعان فقط، على ذلك وقلبت الدنيا رأسًا على عقب، وفتش في مدينتينا كل شبر..حتى جحر الفأر وشق الثعبان، حتى أمسك أهلها بطرف القضية؛ بجارتها المسلمة، ودفعوها للأمن الذي أجبرها على الاعتراف بمن أخذها،،
ووصلت إلي أيدي الخطر،،
وفجأة كلمني ظابط أمن الدولة:
أين أنت يا هشام؟؟ الدنيا هنا ملتهبة، والكل يبحث عنك،،
ثم أتبع بهذه الجملة - وكأنه يخشى أحدًا، أوشيئًا، أو أنه... لا أدري!! - فقال بتوتر بالغ:
هشام لا تسلم مريم لمكتب الأمن؛ أهلها لو ظفروا بها سيقتلونها، ومكتب الأمن سيسلمها لهم لا محالة..
أعدك إذا بقيت عندك أسبوع آخر أن أكون أنهيت لك أوراق إسلامها، وساعتها لا يمكن لأحد أن يؤذيها، و..
وانقطع الخط...
وتنهد هشام باغتمام بالغ وهو يقول:
ويا ليتني فعلت ذلك،،
فقاطعته بهلع:
ماذا تعني؟؟ هل سلمت الفتاة المسكينة للظلمة الغشمة؛ حتى يفتنها النصارى عن دينها؟؟
أجابني ودموعه تنهال:
خدعوني والله يا سيدنا، والله خدعوني،،
ظل يبكي بعض الوقت...
ثم قال وهو يكفكف دموعه، ويبين كيف كانت الخدعة:
لقد ذهبت إلى مكتب الأمن فإذا هو ثكنة عسكرية من الداخل، وكاتدرائية النصارى من الخارج..
تصور من الذي كان موجودًا بهذا المكتب المتواضع، السيد/ مساعد وزير الداخلية ومدير أمن القاهرة بنفسه،،
وما أن دلفت إلى المكتب حتى قام لاستقبالي مرحبًا:
أهلًا يا شيخ هشام، أنا أول ما عرفت أنك ملتح، قلت: شاب غيور على أخواته ودينه، وكذلك عاقل يزن الأمور،،
حاولت أن أتكلم فبادرني قائلًا:
اسمع يا بني، هل ترى هذا الشيب برأسي؟؟
فجاوبته بإشارة من رأسي، فتابع:
أنت في سن ولدي، ومريم كذلك بل هي أصغر منك،،
ولعلك رأيت قطيع الخنازير الذي يقبع أمام مكتب الأمن بملابسهم السوداء وقلوبهم الأسود، وصليبهم المرفوع الذي أفلح أن يحضرني من القاهرة إلى هنا و..
قاطعه طرق الباب، ودخل رئيس المكتب - وهو برتبة عقيد - ليقول له:
سعادة اللواء، كبير القساوسة يريد أن يساوم الأستاذ هشام،،
أجابه اللواء بإشارة من يده فخرج بعدها وأغلق الباب خلفه، فقلت أنا على الفور:
ماذا يقصد سيادة العقيد بهذه الجملة؟؟
أراد اللواء أن يتابع كلامه دون أن يجيب عن سؤالي، فكررت السؤال:
ماذا يقصد سيادة العقيد بهذه الجملة؟؟
فأجابني بتحرج:
يعني.. الأنبا - كما تعلم يعني عندهم الدين يباع لحفنة من المال- فيعني يظن أنك ستسلمهم الفتاة، وتأخذ مبلغًا من المال في المقابل، و..
انتفضت من مجلسي، وتوجهت تجاه الباب وأنا أوقول:
والذي يعبده المسلمون، وكل معبود غيره باطل لن أسلمها لهذا الوقح، ولو دخل فلن أسلمها لمخلوق على وجه الأرض، بل سأخرج لأبصق على سحنته المقيتة،،
قلت ذلك، وأنا قابض على رتاج باب الغرفة، فتشبث بي اللواء وقال ضارعًا:
أرجوك يا ابني لا تفعل، أرجوك الأمر قد يصل للسيد رئيس الجمهورية شخصيًا، وأرجوك لا تتسبب في إيذاء نفسك وإيذائي.
اسمع: سلمني البنت، ولن أسلمها لهم سأجعلها أمانة عندي حتى تخمد الفتنة، ثم تشهر إسلامها وتنتهي القضية،،
نظرت إليه بتشكك فإذا هو قد أخرج مسبحة من جيبه وبدأ يسبح بها، وجلس على المقعد ونكس رأسه في صورة ما رأيت مثلها من الخشوع من قبل في هذا الوسط...
ثم رفع رأسه إلي وقال مستنكرًا:
هو أنا أسلم مسلمة للنصارى؟؟ طبعًا لأ، وأشاح بالمسبحة:
أنا مسلم وموحد بالله....
ثم زفر هشام زفرة حركت بعض الأوراق من على مكتبي، بل أحرقتها وقال:
الجبان الوغد... ثم صرخ:
خائن خائن... وأنا أيضًا خائن...
وانهار وهو يقول:
سلمتها له بعد يومين فسلمها للنصارى بعد ساعة واحدة..
وبكى بحرقة وهو يقول:
آه آه يا أختي!!
آه آه يا مريم أين أنت؟؟
أين أنت يا مريم؟؟
أين أنت؟؟
وبكيت لبكائه،،
وبكيت لها وعليها..
على مريم المسكينة التي سلمت للكفار دونما ذنب،،
بكيت على قطعة من جسد المسلمين حبيسة في أديرة النصارى بغير جريرة...


" وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِين َ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ".

"وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ"



ولم تنته الأحداث بعد، فكونوا معي في الجزء الثاني بإذن الله،،

ودمتم بحفظ الرحمن،،