صدى المنبر
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: صدى المنبر

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    4

    افتراضي صدى المنبر

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


    عنوان الخطبة :

    أهمية التوحيد



    الحمد لله أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله تركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد... فاتقوا الله عباد الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى.

    أيها المسلمون:
    قريش أناس يتعبّدون ويحجّون ويعتمرون ويتصدقون ويصِلون الرحم ويكرمون الضيف ويذكرون الله كثيرًا ويعترفون أن الله وحده هو المتفرد بالخلق والتدبير ويخلصون لله العبادة في الشدائد لكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويذبحون لهم وينذرون لهم ويستغيثون بهم ليشفعوا لهم ويسألون الله لهم زعمًا أنهم أقرب منهم إلى الله وسيلة. فبعث الله محمدًا يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ـ عليه السلام ـ ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله وأن فعلهم هذا أفسد جميع ما هم عليه من العبادة وصاروا بذلك كفارًا مرتدين حـلالي الـدم والمال وقاتلهم رسول الله ليكون الدعاء كله لله والذبح كله لله والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله والتحاكم وجميع أنواع العبادة كلها لله.

    أيها المسلمون: قسم العلماء رحمهم الله التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

    الأول : توحيد الربوبية
    و هو العلم والإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبّر لهذا الكون قال عز وجل ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال سبحانه ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وقال تعالى﴿ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ﴾ وقد نفى سبحانه أن يكون له شريك في الخلق والرزق قال تعالى ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ وقال تعالى﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ وقد فطر الله جميع الخلق على الإقرار بربوبيته حتى إن المشركين الذين جعلوا له شريكًا في العبادة يُقرون بتفرده بالربوبية قال تعالى﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.

    الثاني من أقسام التوحيد: توحيد الأسماء والصفات
    وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من صفات الكمال ونعوت الجلال من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل.قال عز وجل﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَ ذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وكل اسم من أسماء الله فإنه يتضمن صفة من صفاته فالعليم يدل على العلم والحكيم يدل على الحكمة والسميع البصير يدلان على السمع والبصر وهكذا كل اسم يدل على صفة من صفات الله تعالى وقد أخبر سبحانه أن له وجهًا فقال تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَ الْإِكْرَامِ﴾ وأن له يدين، قال تعالى﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وأهل السنة والجماعة من السلف الصالح وأتباعهم يثبتون أسماء الله وصفاته كما وردت في الكتاب والسنة على ظاهرها وما تدل عليه ألفاظها من المعاني ولا يؤوّلونها عن ظاهرها ولا يحرفون ألفاظها ودلالتها عن مواضعها وينفون عنها مشابهة صفات المخلوقين كما قال تعالى﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ

    الثالث من أقسام التوحيد: توحيد الإلهية
    وهو إفراد الله بالعبادة ويتعلق بأعمال العبد وأقواله الظاهرة والباطنة كالدعاء والنذر والنحر، والرجاء والخوف والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة وهذا النوع من التوحيد هو أول دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم قال تعالى﴿وَلَقَدْبَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ وكل رسول يبدأ بالأمر بإفراد الله في ألوهيته كما قال نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ وأنزل على نبينا محمد ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾. وهذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل لأنه الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأعمال وبدون تحققه لا تصح جميع الأعمال فإنه إذا لم يتحقق حصل ضده وهو الشرك وقد قال الله عز وجل ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ وقال تعالى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وأقسام التوحيد الثلاثة متلازمة كل نوع منها لا ينفك عن الآخر فمتى أتى المرء بنوع ولم يأت بالآخر لم يكن موحدًا.

    أيها المسلمون:
    خلق الله عز وجل الثقلين الجن والإنس لحكمة عظيمة وهي عبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه قال تعالى﴿وَمَاخَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: يوحدون، وفي الآية بيان عظم شأن التوحيد إذ أنّ الخلق كلهم لم يخلقوا إلا له.وقال تعالى ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ لا يُؤمر ولا يُنهى وقال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ أي:وحدوه، فقد أمرهم بما خلقوا له وأرسل الرسل بذلك وقد أخبر أنه سبحانه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحولهم قال تعالى ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ وأمر الله الناس بعبادته وحده لا شريك له وترك ما سواه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ
    قال ابن القيم: [ الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.فالمعبود كالأصنام والمتبوع كالكهان والسحرة والمطاع كالأمراء إذا أمروا بمعصية الله ]
    وأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة وقرن وجيل من الـناس رسولاً منذ حدث الشرك في قوم نوح إلى أن ختمهم بمحمد يأمرهم﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ أي: وحدوا الله بالعبادة واتركوا وفارقوا عبادة ما سواه ولهذا خُلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب وفي قوله تعالى﴿اعْبُدُواْ اللّهَ﴾ الإِثبات وقوله ﴿وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ النفي وهذه طريقة القرآن يقرن النفي بالإِثبات فينفي ما سوى الله ويثبت عبادة الله وحده والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات وهذا هو حقيقة التوحيد.وفي الآية عباد الله بيان عظم شأن التوحيد وإقامة الحجة على العباد فمَن عبد الله ولم يكفر بالطاغوت فليس بموحد وما أكثر الجهل بذلك في هذا الزمان.وقال عز وجل في الآية الأخرى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوَالِدَيْن ِ إِحْسَانًا﴾أي: أمر ووصى وأوجب على ألسن رسله أن يُعبد وحده دون ما سواه والمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي الديني واشتملت هذه الآيات على جُملة الشرائع وابتُدِئت بالتوحيد؛ فدل على أنه أوجب الواجبات إذ لا يُبتدأ إلا بالأهم فالمهم، وخُتمت الآيات بالنهي عن الشرك فدل على أنه أعظم المحرمات وثنت بالإِحسان إلى الوالدين فقد قرن الله سبحانه الإحسان إليهما بعبادته جل وعلا للتنبيه على فضلهما وتأكيد حقهما وأنه أوجب الحقوق بعد حق الله تعالى فالبر بهما من أسباب دخول الجنة ولم يخص سبحانه نوعًا من أنواع الإِحسان إليهما ليعم جميع أنواعه من لين الكلام والدعاء لهما وغير ذلك.وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ أمرٌ من الله سبحانه لعباده بعبادته وحده لا شريك له فإنه الخالق الرازق المنُعم المتفضل على خلقه وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا وقرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فأعمال العبد من صلاة وزكاة واستغفار وغير ذلك لا تقبل إلا إذا وحّد الله سبحانه وتعالى وأفرده بالعبادة وتُسمى هذه الآية: آية الحقوق العشرة وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق وابتدأت بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك فدلت على أن التوحيد هو أوجب الواجبات وأن الشرك أعظم المحرمات وفيها تفسير التوحيد وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم


    الخطبة الثانية:


    الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر أما بعد
    أيها المسلمون:
    قال ابن مسعود رررمن أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى:﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَاحَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْالْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَتَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَلاَتَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ أمر الله نبيه محمدًا أن يقول لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله ﴿تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَاحَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾وقد ذكر سبحانه في هذه الآيات جملاً من المحرمات ابتدأها بالنهي عن الشرك فدل على أنه أعظم المحرمات ومما يدل على عظم شأن هذه الآيات: أن ابن مسعود ررر يرى أنها اشتملت على الدين كله فكأنها الوصية التي ختم عليها رسول الله وأبقاها لأمته. وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ررر قال: كنت رديف النبي على حمار، فقال ليَّ: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟» قلت:الله ورسوله أعلم. قال :«حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» قلت: يا رسول الله أَفلا أُبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا».
    أيها الناس:
    حق العباد على الله أن يوحدوه بالعبادة ويفردوه ويتجردوا من الشرك صغيره وكبيره ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيًا بعبادة الله وحده بل هو مُشرك قد جعل لله ندًا في عبادته.وفضل الله على أهل التوحيد عظيم وعطاؤه جزيل فقد أراد معاذ ررر أن يُبشر الناس بفضل التوحيد وفضل من تمسك به عند الله فنهاه عن إخبارهم مخافة أن يعتمدوا على هذه البشارة فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة اعتمادًا على ما يتبادر من ظاهر الحديث.


    فاتقوا الله عباد الله؛ وراقبوه وأخلصوا العبادة له وحده دون ما سواه تفلحوا. هذا وصلّوا رحمكم الله على من بعثه الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، فقد أمركم الله بذلك فقال عز من قائل﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا



    للتحميل اضغط هنا : أهمية التوحيد

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: صدى المنبر


    عنوان الخطبة :


    فضل التوحيد وما يكفر الله به الذنوب



    الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون وبعدله ضل الضالون لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، أحمده سبحانه على هدايته وتوفيقه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا رب لنا سواه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين أما بعد:فاتقوا الله عباد الله حق التقوى فالتقوى جماع الخيرات وبها تحصل البركات.


    أيها المسلمون:
    التوحيد أوجب الواجبات وأعظم العبادات رتب الله لمن حققه الثواب العظيم والأجر الجزيل في الدنيا والآخرة. قال شيخ الإسلام:[ ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول والدعوة إلى غير الله ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك في نفسه عمومًا وخصوصًا ]. قال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام:﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَ لَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ أي أخلصوا العبادة لله وحده ولم يخلطوا توحيدهم بشرك ولَبْسُ الشيء بالشيء: تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإِيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر.ثم ذكر عز وجل ما أعد لعباده المخلصين من الجزاء:﴿أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَ هُم مُّهْتَدُونَ﴾ أي هم الآمنون في الدنيا والآخرة المهتدون إلى الصراط المستقيم ولما نزلت هذه الآية شق على أصحاب رسول الله ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فقالوا:يا رسول الله وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ قال:«ليس كما تقولون لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك أو لم تسمعوا إلى قول لقمان﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» فبين أن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان أيضًا من أهل الاصطفاء في قوله - تعالى-: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَالْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه ومنه سمُي الشرك ظلمًا والمشرك ظالمًا لأنه وضع العبادة في غير موضعها وصرفها لغير مستحقها. وهو على ثلاثة أنواع:

    الأول منها: ظُلم العبد نفسه بالشرك وهو أعظم أنواع الظلم وسُميّ الشرك ظلمًا والمشرك ظالمًا لأنه وضع العبادة في غير موضعها أو صرفها لغير مستحقها، قال تعالى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
    الثاني: ظُلم العبد نفسه بالمعاصي كما في قوله تعالى﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْيَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا
    الثالث: ظُلم العبد في نفس أو مال أو عرض.

    فمن سلم من أنواع الظلم الثلاثة كان له الأمن التام والاهتداء التام في الدنيا والآخرة، ومن سلم من الظلم الأكبر ولم يسلم من النوعين الآخرين حصل له من نقص الأمن والاهتداء على قدر ظلمه لنفسه، وظلمه للعباد، ومن لم يسلم من الظلم الأكبر لم يكن له أمن ولا اهتداء في الدنيا والآخرة وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عُبادة بن الصامت ررر قال: قال رسول الله : «من شهد أَن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». إشتمل هذا الحديث العظيم - عباد الله - على أربعة أمور مهمة:

    الأمر الأول: شهادة أن لا إله إلا الله: ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله ولا تنفع قائلها إلا إذا كان عارفًا معناها عاملاً بمقتضاها سالمًا مما ينافيها أمَّا من تلفظ بها فقط ولم يعمل بما دلت عليه لم تنفعه. والحاصل أن لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا واعتقد ذلك وقَبِلْه وعمل به وأما من قالها من غير علم بمعناها ولا اعتقاد ولا عمل بمقتضاها من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل لله وحده فغير نافع بالإِجماع بل تكون حجة عليه، والمشركون الأوّلون جحدوها لفظًا ومعنى فإنه لما قال لهم: «قولوا: لا إله إلا الله تُفلحوا» قالوا:﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ومُشركوا زماننا قالوا بها لفظًا وجحدوها معنى فتجد أحدهم يقولها ويأله غير الله بأنواع العبادة بل يخلصون العبادة في الشدائد لغير الله فهم أجهل من مشركي العرب ومن زعم أن من أقر بأن الله وحده خالق كل شيء فهو الموحد فليس الأمر كذلك حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنه سبحانه وحده هو المستحق للعبادة، ويلتزم بها.

    الأمر الثاني: شهادة أنَّ محمدًا عبده ورسوله:الرسول موصوف في هذا الحديث بصفتين هما:

    ـ الأولى: أنه عبد لله ليس له شيء من خصائص الإلهية وفي هذا رد على من غلا فيه وتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده.
    ـ الثانية: أنه رسول من عند الله: أرسله الله إلى جميع الخلق فالواجب علينا طاعته وفي هذا رد على من ترك طاعته واتبع هواه.ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع.

    الأمر الثالث: الوارد في حديث النبي : «أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه».وصف عيسى ـ عليه السلام ـ في هذا الحديث بأربعة أوصاف:

    أنّه عبد الله: وفي هذا رد على النصارى الذين زعموا أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. وأنّه رسوله: وفي هذا رد على اليهود الذين كذبوا برسالته ووقعوا في عرضه.وكلمته ألقاها إلى مريم: أي خلقه الله بكلمة (كُنْ) أرسل بها جبريل ـ عليه السلام ـ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه.«وروح منه»: فعيسى ـ عليه السلام ـ روح من الأرواح التي خلقها الله كسائر الخلق وإضافة الروح إلى الله عز وجل إضافة تشريف وتكريم.

    الأمر الرابع: وأنَّ الجنة حق والنار حق: الإيمان بالجنة والنار من جملة الإيمان باليوم الآخر ولكن خصهما الرسول في هذه الشهادة بالذكر؛ لأنهما مستقر ونهاية الأبرار والفجار، فالجنة دار الأبرار، والنار دار الفجار. وثمرة الشهادة بالأمور الأربعة السابقة التي اشتمل عليها الحديث: دخول الجنة على ما كان من العمل.
    فالموحد في دخول الجنة على أحد أمرين:
    إما أن يلقى الله سالمًا من جميع الذنوب فيدخل الجنة من أول وهلة.
    أو أن يلقى الله وهو مصر على ذنب دون الشرك فهو تحت المشيئة إن شاء سبحانه عفا عنه بفضله وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بعدله ثم أدخله الجنة.

    عباد الله:
    في البخاري ومسلم من حديث عتبان: «فإنه حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».من تلفظ بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ولم يعمل بها لم تنفعه وقد حرم الله عز وجل على النار من أتى بها مخلصًا من قلبه ومات على ذلك، كما دل عليه حديث عتبان ررر الذي قيَّد حديث عبادة المطلق بقوله: «يبتغي بذلك وجه الله».
    قال شيخ الإسلام وغيره: قالها بصدق وإخلاص ويقين ومات على ذلك فإن حقيقة التوحيد: انجذاب القلب إلى الله جملة بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحًا فإذا مات على تلك الحال نال ذلك فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال (لا إله إلا الله) وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة وما يزن خردلة وما يزن ذرة وتواترت الأحاديث بأن كثيرًا ممن يقولها يدخل النار ثم يخرج منها وتواترت بأنه يحرم على النار من قال(لا إله إلا الله) ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


    الخطبة الثانية:


    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.


    عباد الله:
    لا بد في شهادة (أن لا إله الله) من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها.
    أحدها: العلم، أي العلم بمعناها المراد منها وما تنفيه وما تثبته وهو العلم المنافي للجهل بذلك. الثاني: اليقين بأن يكون قائلها مستيقنًا بما تدل عليه، فإن كان شاكًا بما تدل عليه لم تنفعه. الثالث: القبول لما اقتضته هذه الكلمة من عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.
    الرابع: الانقياد لما دلت عليه قال تعالى﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ والعروة الوثقى: لا إله إلا الله ومعنى يُسلم وجهه أي: ينقاد لله بالإخلاص له.
    الخامس: الإخلاص وهو تصفية العمل من جميع شوائب الشرك بأن لا يقصد بقولها مطامع الدنيا ولا رياء ولا سمعة.
    السادس: الصدق وهو أن يقول هذه الكلمة مُصدقًا بها قلبه.
    السابع: المحبة لهذه الكلمة ولما تدل عليه ولأهلها العاملين بمقتضاها. وركنا كلمة التوحيد: النفي والإثبات نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله وحده.


    عباد الله:
    هناك من الناس من يظن أن التشديد في أمر التوحيد يختص بفئة من العلماء قالت بذلك، وقد ورد عليهم الشيخ عبد الله أبابطين رحمه الله بقوله: قولكم إن الشيخ تقي الدين ابن تيمية شدَّد في أمر الشرك تشديدًا لا مزيد عليه فالله سبحانه هو الذي شدَّد في ذلك لقوله سبحانه ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ في موضعين من كتابه وقال على لسان المسيح لبني إسرائيل:﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ وقال الله تعالى لنبيه : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وقال سبحانه ﴿ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ وفي السُنَّة الثابتة عن النبي من التحذير عن الشرك والتشديد فيه ما لا يُحصى وغالب الأحاديث التي يذكر فيها الكبائر يبدأها بالشرك ولما سُئل : أي الذنوب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك».


    هذا وصلوا وسلموا على رسول الله ...







  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: صدى المنبر

    عنوان الخطبة :

    فضل كلمة لا اله إلا الله



    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعملنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَتَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنتُم مُّسْلِمُونَ أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله.

    عباد الله:
    في الحديث الذي رواه ابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري ررر عن النبي قال: «قال موسى ـ عليه السلام ـ : يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به قال: قل يا موسى لا إله إلا الله قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا قال: يا موسى لو أَن السموات السبع وعامرهن غيري والأَرضين السبع في كفه ولا إله إلا الله في كفه مالت بهن لا إله إلا الله».
    طلب موسى ـ عليه السلام ـ من ربه أن يُعلمه ذكرًا يُثني عليه ويتوسل إليه به فأرشده به إلى قول(لا إله إلا الله) إذ هي أفضل الأذكار وأعظمها معنى ولأجلها خلق الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب فهي ذكر ودعاء وهي الكلمة التي ورّثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة وجردت سيوف الجهاد وهي محض حق الله على العباد وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من تعلق بسببه وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار الكفر عن دار الإسلام وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهي العمود الحامل للفرض والسنة و«من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»

    عباد الله:
    كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) عظيمة المعنى ثقيلة الوزن ولكنه يختلف وزنها بحسب من صدرت عنه.فالمنافق يتلفظ بها ولكنها لا تزن عند الله شيئًا لأنه كاذبٌّ في قولها والمؤمن يتلفظ بها ولها وزن عظيم عند الله لصدقه مع الله فيها
    فلو وضعت السموات السبع ومن فيهن من العمّار غير الله والأرضين السبع وما فيها في كفه الميزان (ولا إله إلا الله) في الكفة الأخـرى لرجـحت بهن هذه الكلمة. وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال وأساس الملة والدين ولما يجتمع لقائلها من الذكر والدعاء وما يحصل له من تكفير الذنوب والخطايا، فمن قالها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها واستقام على ذلك دخل الجنة، فإن هذه الحسنة لا يوازنها شيء.

    عباد الله:
    إن روح هذه الكلمة وسرَّها: إفراد الرب جل ثناؤه بالمحبة والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة فلا يُحب سواه المحبة المقتضية للذل والخضوع بل كل ما كان يُحب فإنما هو تبع لمحبته ووسيلة إلى محبته ولا يخاف سواه ولا يتوكل إلا عليه ولا يرغب إلا إليه ولا يرهب إلا منه ولا يحلف إلا باسمه ولا ينذر إلا له ولا يتاب إلا إليه ولا يطاع إلا أمره ولا يحتسب إلا به ولا يستعان في الشدائد إلا به ولا يلتجأ إلا إليه ولا يركع إلا له ولا ينحني إلا له ولا يذبح إلا له وباسمه ويجتمع ذلك في عبارة واحدة وهي: أن لا يُعبد بجميع أنواع العبادة إلا هو سبحانه.

    واعلموا عباد الله أن (لا إله إلا الله) لا تنفع قائلها إلا بعد معرفة معناها والعمل بمقتضاها والسلامة مما يناقضها. قيل للحسن البصري رحمه الله أن أناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟! فقال: [ من قالها وأدى حقها وفرضها دخل الجنة] . وقال وهب بن منبه رحمه الله لمن قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: [ بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فـإن جئت بمفـتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك ].

    أيها المسلمون:
    أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله : «أن نوحًا ـ عليه السلام ـ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله» وهي أفضل الذكر ففي الحديث الصحيح:«أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»وللنسائي وابن ماجه وغيرهما: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» وللترمذي وغيره:«دعوة أخي ذي النون:لا إله إلا أنت» وللترمذي أيضًا وحسنه وصححه الذهبي:«يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر ثم يقال أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب فيقال ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظُلم عليك فيخرج له بطاقة فيها:أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة»
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:[ ليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المثابة لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحًا على هذه السيئات]. وقال ابن القيم رحمه الله: [الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العملين واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض وتأمل حديث البطاقة] قال: [ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة والكثير منهم يدخل النار بذنوبه بل اليهود أكثر من يقولوها والذي يقولها ويخالفها أعظم كفرًا ممن يجحدها أصلاً فإن الكافر الأصلي أهون كفرًا من المرتد ]. وللترمذي وحسنه عن أنس ررر قال: سمعت رسول الله يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أَتيتني بقراب الأَرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأَتيتك بقرابها مغفرة» أي: ثم مت حال كونك لا تشرك بي شيئًا وهذا شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره صغيره وكبيره ولا يسلم من ذلك إلا من أتى الله بقلب سليم.«وقراب الأرض» أي: ملء الأرض، فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة فإن أكمل العبد توحيده وأخلصه لله وقام بشروطه أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب ومنعه من دخول النار فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب ولو كانت قراب الأرض وفيه سعة كرم الله وجوده وكثرة ثواب التوحيد وتكفيره الذنوب.

    عباد الله:
    مالم يتحقق التوحيد وإخلاص العبادة وتمام الخضوع والانقياد والتسليم فلا تقبل صلاة ولا زكاةٌ ولا يصحُّ صومٌ ولا حجٌّ ولا يزكو أيُّ عمل يُتقرب به إلى الله قال سبحانه ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّاكَانُواْ يَعْمَلُونَ وقال تعالى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا وإذا لم يتحقق التوحيد ويصدق الإِخلاص فلا تنفع شفاعة الشافعين ولا دعاء الصالحين حتى ولو كان الداعي سيد الأنبياء محمدًا اقرءوا إن شئتم ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ فاتقوا الله عباد الله وحققوا إيمانكم وأخلصوا أعمالكم يهدكم ربكم ويصلح بالكم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَيُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ * قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

    الخطبة الثانية


    الحمد لله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون،أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبد الله ورسوله حَمى حِمى التوحيد وسدَّ كل طريق يوصل إلى الشرك فأظهر الله به دينه على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

    إن إسلام الوجه لله وإفراده بالعبادة يرتقي بالمؤمن في خُلقه وتفكيره ينقذه من زيغ القلوب وانحراف الأهواء وظلمات الجهل وأوهام الخرافة ينقذه من المحتالين والدجالين وأحبار السوء ورهبانه ممن يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً، التوحيد يحفظ الإنسان من الانفعالات بلا قيد أو ضابط.

    عباد الله:
    توحيد الله هو العبودية التامة له وحده سبحانه تحقيقًا لكلمة الحق:لا إله إلا الله محمد رسول الله : في لفظها ومعناها والعمل بمقتضاها يقيم المسلم عليه حياته كلها صلاته ونسكه ومحياه ومماته.توحيد في الاعتقاد توحيد في العبادة وتوحيد في التشريع والتحكيم تحكيم شرع الله الذي قلل كثير من المسلمين من أهميته إلا من رحم ربي توحيد تُنّقى به القلوب والضمائر من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله وتنّقى به الجوارح والشعائر من أن تصرف لأحد غير الله وتنقى به الأحكام الشرائع من أن تتلقاها من أحد دون الله عز وجل. والتوحيد هو أول الدين وآخره وظاهره وباطنه وقطب رحاه وذروة سنامه قامت عليه الأدلة ونادت عليه الشواهد وأوضحته الآيات وأثبتته البراهين نصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة ووجبت به الذمة وعصمت به الأنفس وانفصلت به دار الكفر عن دار الإسلام وانقسم به الناس إلى سعيد وشقي ومهتد وغوي. فحققوا التوحيد عباد الله وأخلصوا له العبادة تفلحوا. ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين...



    للتحميل اضغط هنا : فضل كلمة لا اله إلا الله

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •