قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال،، للشيخ عقيل المقطري
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال،، للشيخ عقيل المقطري

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    173

    افتراضي قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال،، للشيخ عقيل المقطري

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال

    تمهيد

    الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته الراشدين ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين ، أما بعد :
    فيقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [ المائدة : 8 ]
    فهذه الآية الكريمة تُعدّ قاعدة في الجرح والتعديل ، إذ فيها المنهج القويم الذي يجعل العدل لازماً من لوازم الإيمان ، وهذا المنهج الدقيق الذي يمثل جميع صور القسط والعدل مع البعيد والقريب ، وينهى عن كل صور الجور والظلم مع القريب والبعيد والصديق والعدو .
    قال الحافظ بن كثير في تفسيره عند الآية السابقة : ( قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ } أي كونوا قوّامين بالحق لله عز وجل لا لأجل الناس والسمعة وكونوا { شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ }أي بالعدل لا بالجور ، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال : ( نحلني أبي نحلاً فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه ليشهده علي صدقتي فقال ( أكل ولدك نحلت مثله ؟ ) قال لا ، فقال ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) وقال : إني لا أشهد على جور قال : فرجع أبي فردّ تلك الصدقة )
    وقوله تعالى { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً ولهذا قال : { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه كما في نظائره من القرآن وغيره كما في قوله { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم )
    وقوله { هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء كما قوله تعالى { أصحاب الجنة يومئِذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً } وكقول بعض الصحابيات لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ثم قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيراً فخير وأن شراً فشر ) . اهـ . المراد
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الاستقامة – ج2 ص 247 - :
    ( وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم ، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.
    ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام .
    وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أُقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق ، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة ). اهـ.
    ونحن في زمن قَلَّ فيه العدل والإنصاف ، لذلك فالحاجة ماسة إلى أن تكون عندنا قواعد عامة في الحكم على الآخرين من أجل أن يكون هذا الحكم بعلم وعدل وإنصاف ؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في – منهاج السنة النبوية - :
    ( ......... لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ، وإلا يبقى في جهل وكذب في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم ) . اهـ .
    فمنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب فيه العدل والإنصاف فيحتاج إلى أن يُبَيَّن للناس – { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } – نظراً لكثرة من يتكلم في زماننا هذا جَرْحاً وتعديلاً ونقداً وتقويماً من دون مراجعة هذا المنهج ، فأدى بذلك إلى جرح الآخرين – وخاصة العلماء وطلبة العلم – بدون جارح ، وإلى التكلم في أعراضهم ، وأعراض المؤمنين محرمة ولحوم العلماء مسمومة .
    ولقد ترتب على ذلك الانحراف عن منهج السلف آثار سيئة من غمط الناس واغتيابهم وفشو الفرقة والبغضاء .... إلخ . وواقعنا أكبر دليل على هذا .
    ولهذا قبل أن يتكلم الإنسان بكلمة لا بد من مراقبة الله تبارك وتعالى ، وليعلم أن كل لفظ يلفظه بلسانه مسجل عليه ومجزي به إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، قال سبحانه { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }
    وعلى كل فرد منا قبل أن يتكلم في أي قضية ما : أن يحيط بها من جميع جوانبها ، وأن يتثبت كل التثبت امتثالاً لقول الله عز وجل : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }
    ولهذا فأكثر الناس يكبون في جهنم على مناخرهم بسبب ألسنتهم التي لا تتورع .
    ففي الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى اله عليه وآله وسلم قال له : ( ... كُفَّ عليك هذا ) – وأشار إلى لسانه – فقال معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم : وهل نحن مؤآخذون بما نتكلم به يا رسول الله ؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : ( ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار – أو قال على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم ) .
    وفي حديث آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) .
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه ( الجواب الكافي ) :
    ( .... ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ) (
    ,صدق رحمه الله فكم من الناس من هو بهذه المثابة .
    والواجب على كل إنسان منا قبل أن يصدر أي حكم في فرد أو جماعة لا بد من تذكر بعض الأمور :

    الفصل الأول :

    ضوابط الحكم على الأفراد والجماعات


    1- التجرّد عن الهوى :
    من الأمور المهمة قبل أن يصدر الإنسان حكمه في الآخرين أن يكون متجرداً عن الهوى ، من أجل أن يكون التقويم والحكم صواباً لأن التجرد عن الهوى يجعل المتكلم لا ينسى ما للمتكلم فيه من محاسن .
    قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين َ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا )
    فالهوى أمر خفي يتسلل إلى قلب المرء بالتدريج حتى يسيطر عليه وهو لا يشعر ، ولذلك قال عز وجل لنبيه داود : ( ... وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) فجعل اتباع الهوى ضلالاً عن سبيل الله القويم.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في كتابه ( منهاج السنة النبوية ) : ( ... وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصم ، فلا يستحضر ما لله ولرسوله في ذلك ولا يطلبه ولا يرضى لرضى الله ورسوله ولا يغضب لغضب الله ورسوله ، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ، ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة وأنه الحق وهو الدين فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً أو لغرض من الدنيا ، لم يكن لله ولم يكن مجاهداً في سبيل الله ، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره معه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة ؟ ) اهـ.
    فعُلِم بهذا أن التجرد عن الهوى أصل مهم لمن أراد تقويم الأفراد أو الجماعات.
    2- الخوف من الله سبحانه وتعالى :
    قال الله عز وجل في وصف المؤمنين : ( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ) وقال : ( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ) وقال : ( إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) وقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ).
    فإذا اتصف المسلم بهذه الصفات العظيمة فإنه لن يقع في الظلم ولن يقع في الغيبة والنميمة – بحجة التقويم والإصلاح – بل إذا قوم شخصاً أو جماعة كان خائفاً أن يقع في الإثم الذي حذّر الله منه حيث قال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ )
    ففي هذه الآية حرم الله سبحانه وتعالى الغيبة ، والغيبة هي : ذكرك أخاك بما يكره ، ففي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتدرون ما الغيبة ؟ ) قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( ذكرك أخاك بما يكره ) فقيل له : أرأيت إذا كان في أخي ما أقول ؟ فقال : ( إذا كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ).
    ولهذا ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في خطبة حجة الوداع بأن أعراض المسلمين محرمة فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ... ألا هل بلغت ؟ ) فقالوا : نعم . فقال : ( اللهم اشهد ...) الحديث.
    ومن أجل ذلك كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يخافون على أنفسهم من الوقوع في الغيبة حتى قال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى – كما في ترجمته من ( سير أعلام النبلاء ) - : أرجوا أن ألقى الله و لا يحاسبني أني اغتبت أحداً.
    وقال : ما اغتبت أحداً منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها .
    فقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى معلقاً على كلامه هذا : ( صدق رحمه الله ، ومن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه ، حتى إنه قال : إذا قلت فلان في حديثه نظر فهو متهم واه وهذا معنى قوله:لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً. وهذا والله غاية الورع ) اهـ.
    3- تقديم حسن الظن :
    إذ الأصل هو إحسان الظن بالمسلمين حتى يتبين خلافه بدليل قاطع لا شك فيه ، قال الله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ )
    ففي هذه الآية المباركة يأمرنا الله عز وجل أن نجتنب كثيراً من الظن – و لاحظ معي لفظة ( كثيراً ) _ لأن بعض هذا الظن الكثير إثم ، ثم نهى سبحانه بعد ذلك عن التجسس إشارة إلى أن التجسس لا يقع في الغالب إلا بسبب سوء الظن . والمتدبر لكلام الله عز وجل يجد أنه سبحانه وتعالى بَيَّن هذا الأصل عندما تكلم عمن تكلم في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقال سبحانه : ( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات ُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ) ثم أوضح عز وجل أن نقل هذا الكلام والخوض فيه من دون بيّنه من الذنوب العظيمة فقال : ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُم ْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )
    ثم حذر سبحانه من العود لمثل ذلك فقال : ( يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ).
    4- التثبت والروية قبل إصدار الحكم :
    يجب علينا جميعاً أن نتثبت في كل ما ينقل إلينا عن إخواننا خاصة،و لا نعتمد على ( قيل لي ) و ( زعموا ) و ( بلغني ) ... الخ.
    قال الله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) ونقل الكلام في الآخرين من دون تثبت فيه إثم عظيم على صاحبه ، قال عز وجل – في حق الذين خاضوا في اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة – ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وقد أنكر الله عز وجل على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وقد لا يكون لها صحة فقال عز وجل : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا )
    قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية : .فيه إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وقد لا يكون لها صحة ، وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه :
    حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة حدثنا على بن حفص حدثنا شعبة عن حبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع )
    وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نعى عن قيل وقال ) أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبيّن.
    وفي سنن أبي داود أن رسول الله عليه وسلم قال : ( بئس مطية الرجل زعموا ) وفي الصحيح ( من حدَّث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبيين )
    ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه ، فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك فلم يصبر حتى استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فاستفهمه : أطلقت نساءك ؟ فقال : ( لا ) فقلت : الله أكبر وذكر الحديث بطوله.
    وعند مسلم : أطلقتهن فقال : ( لا ) فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، ونزلت هذه الآية : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) فكنت انا استنبطت ذلك الأمر.
    ومعنى ( يستنبطونه ) : أي يستخرجونه من معادنه يقال : استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها ) اهـ.
    5- أن يُعِدَّ الجواب ليوم العرض على الله عز وجل :
    يجب على من أراد أن يقوم فرداً أو جماعة أن يعد الجواب لمسائلة الله إياه يوم القيامة إذا قال له : لماذا قلت كذا ؟
    وذلك أن كل قول يصدر من أي إنسان مكتوب عليه قال عز وجل : ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) وفي الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع – وذكر منها – وعن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أفناه ) وهذا يدل على أنه يسال عن أوقاته هل قضاها في الغيبة والنميمة ؟ هل قضاها في التنفير عن العلم والعلماء برميهم بما ينفر الناس عنهم وهم عنه براء ؟
    وعلى كل فرد أن يكون متذكراً لقول المولى عز وجل : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ).
    6- الإنصاف والعدل :
    قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )
    قال الإمام ابن جرير رحمه الله :
    ( يعني بذلك جل ثناؤه يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم و لا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم ، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم ، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي واعلموا فيه بأمري ) .
    وأما قوله : ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ) فإنه يقول : و لا يحملنكم عداوة قوم أن لا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم من العداوة ) اهـ.
    قال الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله في ترجمة الفضيل بن عياض من ( سير أعلام النبلاء ) : (...وإنما الكلام في العلماء مفتقرة إلى وزن بالعدل والورع ).
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة : ( ... والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم كحال أهل البدع ).
    والخلاصة في مبحث الإنصاف والعدل : أنه لا يجوز تقويم الغير– إن احتيج إلى ذلك شرعاً – إلا بشرطين :
    الأول : العلم .
    الثاني : العدل والإنصاف .
    فإن تكلم بغير علم فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وطريقة سلفنا الصالح لقول الله عز وجل : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا )
    وإن تكلم بغير عدل وإنصاف – بحيث كان ظالماً جائراً – فقد خالف قول الله عز وجل : ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)
    ونتج عن ذلك الشحناء والبغضاء ، واختلاف القلوب وتمزق الصفوف ، فيؤدي هذا كله على الفشل المحقق ؛ وكان المتكلم بغير علم ولا عدل ولا إنصاف خادماُ لأعداء الإسلام من حيث لا يشعر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    7- اعرف الحق تعرف أهله :
    اعلم أخي في الله أننا مأمورون باتباع الكتاب والسنة منهيون عن التقليد العمى ، وأهل السنة والجماعة لا يقدمون كلام أي إنسان مهما كان على كلام الله وكلام رسوله ولا يقلدون أحداً في دين الله بدون حجة بل هم ينفرون أشد التنفير عن التقليد الأعمى .
    إلا أننا نجد في هذه الأيام من يقلد من هو دون الأئمة الأربعة في الفضل والعلم والتقوى والورع ، فإذا قلت له : قال الله وقال رسوله ، قال لك : قد قال الشيخ فلان كذا وأفتى الشيخ فلان بكذا لا وذكر في كتابه كذا . .. فإن حاولت إقناعه بالحجة لا يقتنع ولا يزيدك بأكثر من : قد قال الشيخ فلان كذا وذكر الإمام فلان كذا . وإن وجدت معتدلاً منهم فيقول لك : أقنعوا الشيخ فلاناً فإن اقتنع اقتنعنا معه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
    والتقليد كما ذكره الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول )هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة ).
    والمتتبع لما يدور بين المسلمين من الخلافات والكلام في بعضهم البعض أكثره ناتج عن هذا الداء العُضال ألا وهو : التقليد ؛ فهذا يتعصب لقول شيخه وذاك يتعصب لمنهج جماعته .
    فلسان حالهم يقول : الحق ما عليه الشيخ الفلاني ، أو الجماعة الفلانية . وإن خالف الدليل ، والباطل ما خالف قول الشيخ الفلاني أو منهج الجماعة الفلانية ولو دل عليه الدليل .
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله كما في ( إعلام الموقعين ) : ( ... اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله ، فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة ) انتهى المراد .
    فالانحراف هنا هو انحراف في منهج التلقي وما لم نتحرر من تقليد أقوال الرجال فإننا و لا شك سنجني الكثير من الأسقام التي تضعف جسم هذه الأمة حتى تصير أمة هزيلة يستهين بها أعداؤها ، والله المستعان.
    هذا وقد حذر الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء من تقليدهم الأعمى ، وبالرغم من اشتهار ذلك عنهم إلا أن كثيراً من الناس تعاموا عن تلك الأقوال فوقعوا في هذا الداء العضال وإليك أقوالهم :
    • الإمام الشافعي :
    قال رحمه الله ( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة للنبي صلى الله عليه وسلم أو تعزب عنه ، فمهما قلت من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله خلاف ما قلت فالقول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي وجعل يردد هذا الكلام ) إعلام الموقعين 2/286 .
    • مالك بن أنس إمام دار الهجرة :
    قال رحمه الله تعالى : ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فإن وافق الكتاب والسنة فخذوا به وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ) جامع بيان العلم وفضله 2/ 32 .
    • الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة :
    قال رحمه الله : ( من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال ) الفتاوى 2./212 .

    • الإمام أبو حنيفة رحمه الله :
    قال : ( لا يحل لمن يفتي من كتبي حتى يعلم من أين قلت ) الانتقاء ص145 .
    • أبو حامد الغزالي :
    قال رحمه الله ( وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال لا الرجال بالحق ، والعاقل يقتدي بسيد العقلاء:علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال : لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله).
    8- كل بني آدم خطاء :
    اعلم – أخي في الله – أن الخطأ صفة ملازمة للبشر لا ينجوا منها أحد إلا الأنبياء المعصومون عليهم الصلاة والسلام ففي الحديث : ( كل بني آدم خَطّاءُ وخير الخطائين التوابون ) فهؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم قد أخطئوا في بعض المسائل ، كما هو مدون في كتب أهل السنة.
    و لا يلزم من تخطئة الصحابة أو التابعين أو الأئمة تأثيمهم ، إذ لا تلازم بين الأمرين ، فالمجتهد المصيب له أجران والمخطئ له أجر ولا إثم عليه ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ).
    قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في كتابه ( الاتباع ) : ( والقول قد يكون مخالفاً للنص وقائله معذور ، فإن المخالفة بتأويل لم يسلم منها أحد من أهل العلم ، وذلك التأويل – وإن كان فاسداً – فصاحبه مغفور له لحصوله على اجتهاد ، فإن المجتهد إذا اجتهد وأصاب فله أجران : أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق ؛ وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر على اجتهاده وخطأه مغفور له ، فمخالفته النص إن كانت عن قصد فهي كفر وإن كانت عن اجتهاد فهي من الخطأ المغفور ) اهـ.
    وقال ابن القيم رحمه الله في ( مدارج السالكين ) : ( وكيف يُعصم من الخطأ من خُلق ظلوماً جهولاً ، ولكن من عُدَّت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته ).
    9- الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات :
    تقدم أن تكلمنا أن كل بني آدم خطّاء ، وأنه لا يسلم من الخطأ أحد سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإذا عُلم ذلك فلا يجوز أن نطرح أرضاً كل ما عند ذلك الفرد أو تلك الجماعة بل يجب علينا أن نقارن بين السلبيات والإيجابيات ، فأما السلبيات فتجتنب ، وأما الإيجابيات فيؤخذ بها ، فإذا فعلنا ذلك فقد عَدَلْنا وأنصفنا ، قال الله تعالى ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )
    فذمّ سبحانه وتعالى اليهود عموماً ثم بيَّن أن بعضهم لا يخون الأمانة بل يؤديها إلى أصحابها.
    ولذا قال سبحانه (ِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) وفي الحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري في صحيحه : أن رجلاً كان كثيراً ما يشرب الخمر ثم يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقيم عليه الحد فجيء به مرة فجُلد فقال رجل : لعنة الله عليه ما أكثر ما يؤتى به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تلعنوه إنه يحب اله ورسوله ) او كما قال عليه الصلاة والسلام.
    فهذا الصحابي رضي الله عنه وقع في هذا المنكر وتكرر منه ، ولكن لا يعني هذا أنه صار فاسداً بالكلية .
    وفي حديث حذيفة الطويل أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ... وهل بعد ذلك الشر من خير . قال : ( نعم وفيه دخن ... ) الحديث.
    فأثبت النبي عليه الصلاة والسلام الخيرية لبعض القوم مع وجود الدخن بينهم .
    فالعبرة إذاً بكثرة المحاسن وهذا هو عين العدل والإنصاف .
    ومن كان همه تتبع الأخطاء والبحث عن الهفوات مع تغافله عن الحسنات ، فهذا يدل على سوء قصده ونيته ، والله المستعان .

    الفصل الثاني :
    منهج المحدثين في نقد الرجال

    بنى المحدثون رحمهم الله منهجهم في النقد على أمور , أهمها :
    1- العدل والإنصاف .
    2- الدقة في التثبت .
    3- معرفة ضبط الراوي
    4- عدالة الراوي .
    ومن قرأ في كتب التراجم عرف ذلك , ولم يمنعهم رحمهم الله أن ينصفوا أعداءهم ومخالفيهم : أفراد وجماعات .
    قال ابن حيان رحمه الله في كتابه ( الثقات) : لسنا ممن يوهم الرعاع ولا يستحله , ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان وإن كان لنا مخالفاً بل نعطي كل شيخ حظه مما كان فيه ونقول في كل إنسان ما كان يستحقه من العدالة والجرح ). اهـ .المراد
    وانظر إليهم رحمهم الله كيف أنه لم يمنعهم من قبول رواية المبتدع إذا كان صدوقاً, قال الإمام الذهبي رحمه الله في ( ميزان الاعتدال ) في ترجمة أبان بن تغلب : ( لنا صدقه وعليه بدعته ) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في ( منهاج السنة ) : (... والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم , وأمرنا بالعدل والقسط فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني – فضلاً عن الرافضي – قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من
    الحق ) .اهـ
    فمن هنا يجب علينا ألا نغمط أعمال الناس- وإن كانوا من المبتدعة – فنشهد لهم بما عندهم من الفضل
    ولا ننسف فضائلهم بسبب مخالفة واحدة مثلاً .
    وقد كان شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله لا يمنع من الاعتراف للمبتدعة بفضائلهم إذا ثبت عنهم فاسمع إليه وهو يقول كما في ( الفرقان بين الحق والباطل ) :
    ( وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفاراً, وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثماً بذلك ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين , وذلك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير ، وأكثر المتكلمين يردون باطلاً بباطل وبدعة ببدعة لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين فيصير الكافر مسلماً مبتدعاً , وأخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدع الرافضة ببدعة أخف منها وهي بدعة أهل السنة ).
    وأهل السنة ينصفون المبتدعة أكثر من إنصاف المبتدعة بعضهم لبعض , ذلك لأن منهج أهل السنة مربوط بالشرع ومنهج أهل البدعة مربوط بالأهواء .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في منهاج السنة :
    ( والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء ، فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأدين والكذب والفجور فيهم أقل منه في الرافضة ، والزيدية من الشيعة خير منهم وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم ، وليس في أهل الأهواء اصدق ولا اعبد من الخوارج ، ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم ، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض ، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض ، وهذا مما يعترفون هم به ويقولون : أنتم تنصفونا ما لا ينصف بعضنا بعضاً ؛ وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد مبني على جهل وظلم وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين ، فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض ) . اهـ.
    ثم إن منهج أهل السنة كما تقدم الموازنة بين السلبيات والإيجابيات فعلى ذلك فالخطأ اليسير بجانب الصواب الكثير مغفور .
    ومن ذا الذي رضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
    ومن نظر في منهج المحدِّثين وجد أنهم يقبلون رواية المحدِّث وإن وجد في روايته بعض الخطأ إلا أن ذلك الخطأ ليس فاحشاً ، فإذا فحش خطأ الراوي وكثرت مخالفته لرواية الثقات رُدّت روايته .
    قال الإمام عبدالرحمن بن مهدي كما في ( الكفاية ) للخطيب :
    ( الناس ثلاثة : رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه ، وآخر يَهِم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يُترك حديثه ، وآخر يَهِم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه )


    الفصل الثالث :
    أدلة مشروعية الجرح والتعديل من
    الكتاب والسنة وآثار السلف

    وبعد أن قدمنا تلك القواعد التي ينبغي لكل من أراد أن يجرح أو يعدّل أن ينظر فيها ويتذكرها ، أودّ أن أنبِّه إلى أن الجرح والتعديل مشروع ، وقد دلّ عليه الكتاب والسنة وآثار السلف ، ولا يمنع منه إلا مبتدع أو جاهل ؛ حتى قال بعضهم منكراً على الإمام يحي بن معين إذ تصدى لهذا الأمر :
    و لا بن معين في الرجال مقالة *** سيسأل عنها والمليك شهيد
    فإن يك صدقاً فهو في الحكم غيبة *** وإن يك كذباً فالحساب شديد

    أولاً : ولنبدأ بذكر الأدلة من كتاب الله تعالى :
    1- قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } وفي قراءة : ( فتثبتوا )
    قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله : ( ... يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً فيكون الحاكم قد اقتفى وراءها وقد نهى الله عز وجل عن اتباع سبيل المفسدين ) .اهـ
    قلت : فالآية دلت على وجوب تفحص الأخبار ومعرفة أحوال رواتها , فإن كان عدلاً مرضياً قُبِل خبره , وإن كان فاسقاً تثبت في روايته وفي الأمر بوجوب التثبت في روايته دليل على أنه يقبل خبره إن صدق بعد التثبت .
    قال العلامة القاضي الشوكاني في فتح القدير : ( والمراد من التّبين التعرف والتفحص ومن التثبت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر ).
    وقال الإمام القرطبي : في هذه الآية دليل على قبول خبر الفاسق إذا كان عدلاً لأنه غنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً ، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها ) .
    2- قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
    ففي الآية أمر منه تعالى لعباده المؤمنين أن يكون من صفاتهم القيام لله والشهادة بالعدل في أحبابهم وأعدائهم ، وأن لا يجوروا في حكمهم فيهم .

    3- قوله تعالى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ }
    قال الإمام الطبري رحمه الله : ( يعني من العدول المرتضى دينهم وصلاحهم ) . اهـ
    فالآية تدل على قبول شهادة من يرتضى دينهم وصلاحهم وبمفهوم المخالفة دلت على ردَّ شهادة من طعن في دينه وصلاحه .
    4- قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ }
    دلت الآية على رد شهادة الفاسق وهو الذي يرتكب أمراً محرماً كقذف المحصنات .
    الخلاصة :
    والخلاصة أن هذه الآيات الكريمة أمرت بعدة أمور :
    1- التثبت فيما ينقل من الأخبار.
    2- لزوم العدل والإنصاف عند إصدار الأحكام .
    3- عدم قبول خبر الفاسق المطعون في دينه وصلاحه .
    فقبول شهادة المرضي دينه تعديل له ، ورد شهادة المطعون تجريح له . وهناك أدلة أخرى من القرآن اكتفينا بهذه النبذة المباركة.

    ثانياً : الأدلة من السنة المطهرة :
    1- حديث فاطمة بنت قيس الذي رواه مسلم في صحيحه وفيه : ( .... أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ، ولكن انكحي أسامة بن زيد ........ ) الحديث
    ففي الحديث دلالة على مشروعية الجرح والتعديل فقد تكلم النبي عليه الصلاة والسلام في ابي جهم ومعاوية وعدل أسامة .
    2- قول النبي عليه الصلاة والسلام في أبي بكر : ( ألستم تاركين لي صاحبي ).
    3- قول النبي عليه الصلاة والسلام في عثمان : ( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم )
    4- قول النبي عليه الصلاة والسلام في عبدالله بن عمر : ( نعم الرجل عبدالله لو أنه يقوم الليل )
    5- قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي استأذن للدخول : ( بئس أخو العشيرة ، ائذنوا له ) فلما دخل ألان له الكلام فقالت عائشة رضي الله عنها : قلت فيه ما قلت ثم لما دخل ألنت له الكلام ، فقال : ( يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من يتقى لفحشه ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام . والحديث متفق عليه .
    قال الإمام القرطبي في الحديث كما في الفتح : ( في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق او الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤدّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى .
    ثم قال تبعاً لعياض – وهو القاضي – والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً وهي مباحة وربما استحبت ، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله ، فإن قوله فيه قول حق وفعله معه حسن عشرته والرفق في مكالمته فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد لله تعالى ).
    قلت : فانظر إلى هذا الكلام الذي هو درر وقارنه بواقعنا اليوم والله المستعان .
    وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في موضع آخر : ( قال العلماء : تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعاً حيث يتعين طريقاً إلى الوصول إليه بها : كالتظلم ، والاستعانة على تغيير المنكر ، والاستفتاء ، والمحاكمة ، والتحذير من الشر ، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود ، وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده ، وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود ، وكذا من رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق ويخاف عليه الاقتداء به ، وممن تجوز غيبتهم : من يتجاهر بالفسق أو بالفسق أو الظلم أو البدعة . ومما يدخل في ضابط الغيبة وليس بغيبة ما تقدم تفصيله ( في باب ما يجوز من ذكر الناس ) فيستثنى أيضاً والله أعلم ) . اهـ كلامه.
    والمواضع التي تجوز فيها الغيبة ولا تكون محرمة يجمعها قول بعضهم :
    القدح ليس بغيبة في ستة *** متظلم ومعرف ومحذر
    ومجاهر فسقاً ومستفت ومن *** سأل الإعانة في إزالة منكر

    ثالثاً : آثار السلف :
    وأما آثار السلف فأكثر من أن تحصر ونكتفي منها بما يلي :
    1- محمد بن سيرين :
    قال رحمه الله كما في مقدمة ( صحيح مسلم ) : ( لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم ) . اهـ
    2- الحسن البصري :
    قال رحمه الله : ( ليس لأهل البدع غيبة ).
    3- شعبة بن الحجاج :
    قيل له : يا أبا بسطام كيف تركت علم رجال وفضحتهم فلو كففت فقال : أجلوني حتى أنظر الليلة فيما بيني وبين خالقي هل يسعني ذلك ، قال : فلما كان من الغد خرج علينا على حمير له فقال : قد نظرت فيما بيني وبين خالقي فلا يسعني دون أن أبين أمورهم للناس والسلام

    ****

    خطر الطعن في المسلمين من دون تثبت :

    من الناس من يطعن في بعض الأفراد أو الجماعات - سواءً كان عبر الكتب أو الأشرطة أو الجلسات الخاصة – من دون تثبت ولا روية اعتماداً منه على ناقل الخبر إليه متجاهلاً للقواعد الذي قدمناها آنفاً ، ومن ثم يشيع هذا الطعن بين الناس لثقتهم بهذا الشخص فيقومون هم بدورهم كذلك بنشر الخبر من دون تثبت ولكن كالببغاوات يرددون ما يسمعون ، فإذا كان الذي يقتدي به لم يثبت فالعوام والأتباع المقلدون من باب أولى .
    ولكن قد يتبين بعد حين من نشر ذلك الكلام الذي قُدح فيه بذلك الرجل أو بتلك الجماعة أنه لا أساس له من الصحة ، فينشأ عن ذلك إعادة الحساب ومراجعة الضمير فيحاولون التثبت في الأمر فيتبين لهم أنهم كانوا خاطئين فيؤدي الأمر إلى سحب ثقتهم بمن كان سبباً في إيعاز الصدور من ذلك الفرد أو الأفراد بل قد يؤدي الأمر إلى أن يُطعن فيه من قبل العوام ولكن ( وعلى نفسها جنت براقش ).
    الفصل الرابع :
    مشروعية العمــل الجماعــــــي
    وذكر بعض السلبيات


    مشروعية العمـل الجماعـي :
    من القواعد المعروفة عند الأصوليين قاعدة ( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) وعلى هذا فأي عمل من الأعمال لا يتم إلا جماعياً فإقامة الجماعة فيه واجبة ، مثال ذلك : تغسيل الميت ، ودفنه ، وبناء المساجد ، ونشر العلم إلخ ... وذلك من فروض الكفايات .
    والذي ينظر إلى جميع العبادات والقربات يجد أنها مبنية على النظام الجماعي كالحج والصلاة والزكاة وغير ذلك ، ولهذا وجب على المسلمين أن يتخذوا لهم أميراً يقودهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتتم جميع الأعمال على وفق النظام الجماعي ، أما بدون أمير فإن الموازين ستختل .
    من أجل ذلك أوجب الله تعالى الطاعة للأمير فقال سبحانه : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } الآية
    والخلاصة :
    أن ديننا الحنيف دين نظام جماعي يقوم على التعاون والتآزر في كل أموره ولا ينكر ذلك إلا جاهل بكتاب الله وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن أودّ أن أنبّه على أنه يجب أن يكون هذا العمل ينهج نهج السلف الصالح في جميع أموره حتى لا يترك لأحد مجالاً للتشكيك والطعن فيه ، ولذلك يجب أن يكون المتصدرون في العمل من العلماء والدعاة إلى الله من أجل أن لا يقدموا على أي عمل إلا بعد عرضه على منهج السلف ، أما إذا كان المتصدرون ممن يعلم بالسياسة ويجهل الشرع – كما هو مشاهد اليوم – في بعض الجماعات القائمة فإنه سيحصل الخلل ، وستحدث المخالفات للكتابة والسنة ، والواقع أكبر دليل على ذلك والله المستعان .




    وجود السلبيات في بعض الجماعات لا يلزم منه وجودها في غيرها :
    إن ارتباط هذا الموضوع في كلامنا على مسألة التقويم والجرح والتعديل بينة وهي أن أكثر الكلام الحاصل من البعض في الجماعات والأفراد نتيجة تلك السلبيات الموجودة في منهج الجماعة أو سلوك الأفراد .
    وأنا لا أنكر أن بعض الجماعات عندها سلبيات وأخطاء في منهجها أو في سلوك بعض أفرادها ، وقد تكون هذه الأخطاء عقديه ، ولذلك لزم على الدعاة إلى الله أن ينصحوا قادة هذه الجماعات بترك تلك السلبيات والأخطاء ، ويجب أن يكون النصح بالتي هي أحسن وبالطرق المشروعة حتى لا يصير تشنيعاً وتغييراً وإشفاءً لصدور أعداء الإسلام.
    فإن أبْوا قبول النصح وجب أن يحذر المسلمون من تلك المخالفات وبحسب ما يقتضيه الشرع ، مع عدم إغفال الإيجابيات والتشجيع في الاستمرار بذلك ، ومع وجود هذه المخالفات عند بعض الجماعات والتنظيمات فإنه لا يقدح في مشروعية التنظيم والعمل الجماعي خاصة إذا كان خالياً من هذه المخالفات وكان سائراً على منهج السلف الصالح ، والذي يجب على كل مسلم أن يتبع ذلك المنهج فإذا حصل ذلك فمن المستحيل أن تجد من يتكلم في منهج تلك الجماعة وما يتكلم في منهج السلف إلا من سفه نفسه .
    ومن المؤسف جداً أن البعض إذا رأى أي تنظيم قائماً فإنه ينسفه من أساسه وذلك قياساً على ما رأى من المخالفات في الجماعات والتنظيمات الأخرى ، وينسب إلى هذا التنظيم ما لم يحصل فيه كما قلنا قبل كالولاءات الضيقة مثلاً .
    والواجب هو أن يُنمي ذلك التنظيم ويشجع أصحابه وتمد إليهم يد العون من المسلمين المخلصين ، فإن حصل خلل وجب الأخذ بأيديهم وإعادتهم إلى جادة الصواب .

    ذكر بعض السلبيات وتقويمها :
    أ – البيعة :
    من السلبيات الموجودة في بعض الجماعات : إلزامها لكل فرد من أفرادها الواعين – على حد زعمهم – بالبيعة التي تكون على أساس السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر وعلى النصر والولاء .... إلخ.
    ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لمن تكون البيعة ؟
    هل تكون للشيوخ المعلمين ؟ أو تكون لأرباب الطرق الصوفية ؟ أم تكون لرؤساء الجماعات ؟ أم تكون لإمام المسلمين ؟
    وللجواب على هذا السؤال أقول :
    إن البيعة تنقسم إلى قسمين :
    القسم الأول : يكون من قبيل التعاهد وفعلها جائز وليس على تاركها إثم .
    القسم الثاني : وهي البيعة التي يأثم المسلم بتركها مع القدرة عليها وهذا تكون لإمام المسلمين .
    والناظر اليوم إلى واقع المسلمين يرى أنه لا يوجد السلطان المسلم الذي يحكم شرع الله في كل نواحي الحياة ، والذي تجب له البيعة على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر ويأثم كل مستطيع إن ترك مبايعته .
    بل إننا نرى تنظيمات وجماعات قائمة تدعو إلى الله تعالى وتنافس على فعل الخير ويوجد منها من يكثر من ذكر أحاديث البيعة ويرهب بها الناس أن يموتوا ميتة جاهلية فيحاولون بذلك إقناع الآخرين بضرورة الإلتحاق بصفوف تلك الجماعة وإعطاء البيعة .
    والحق أن هذا فهم غير صحيح لمدلولات أحاديث البيعة .
    ولهذا لما سئل إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه اله عن حديث : ( من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية ) قال : ( تدري ما الإمام ؟ الذي يجتمع المسلمون عليه ، كلهم : هذا إمام فهذا معناه )
    وقال صاحب ( فيض الباري ) ( 4/59 ) :
    عند كلامه على حديث حذيفة في الفتن أثناء شرحه لقوله ( تلزم جماعة المسلمين ) ،
    قال : ( ... ثم اعلم أن الحديث يدل على أن العبرة بمعظم جماعة المسلمين ، فلو بايعه رجل واحد أو اثنان أو ثلاثة فإنه لا يكون إماماً ما لم يبايعه معظمهم أو أهل الحل والعقد ).اهـ.
    ومن هنا يعلم أن الوعيد الوارد في ترك البيعة في قوله عليه الصلاة والسلام : ( من خرج من الطاعة وفرق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة فقتل فقتلته جاهلية ... )
    وقوله : ( ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) لا ينطبق إلا على إمام اجتمع عليه السلمون ، أما في مثل أيامنا هذه حيث لا إمام فلا ينطبق هذا الوعيد ويدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حذيفة بن اليمان في حالة عدم وجود الإمام والجماعة أن يعتزل تلك الفرق كلها ، فهل من المعقول أن يرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يموت ميتة جاهلية ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
    ومن هنا يعلم خطأ المتمسكين بهذه الأحاديث فيوجبون على الناس مبايعة أميرهم أو مرشدهم أو قائدهم قبل أن يقوم بالدعوة والبيان وقبل أن يستتب له الأمر وقبل أن يمسك بزمام الأمور ، هذا إذا كان موجوداً فكيف إذا كان وهمياً ؟
    وبهذا يتبين لمن تكون البيعة العامة وشوطها .
    وأما القسم الأول من أقسام البيعة العامة وهو ( العهد ).
    فهذا الأمر يختلف بحسب ما تعوهد عليه ، فإن كان لأمر منكر فهو منكر ، وإن كان لأمر حث عليه الشرع فهو مشروع ، بل قد يكون واجباً ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أخرجه عنه ابن إسحاق في السيرة بإسناد جيد : ( لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت )
    وكان هذا التعاهد على أن لا يجدوا في مكة مظلوماً إلا نصروه ويدل على مشروعية ذلك ايضاً قوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } وقوله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }
    قال الإمام القرطبي في تفسيره عند الآية الثانية :
    ( قال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض وهذا راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب , قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) وقال : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) , فتبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله فإن ظهر فيها ما يخالف رد كما قال عليه الصلاة والسلام : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) .... ).اهـ
    ومن هذا القسم ما قام به الإمام أحمد بن نصر المروزي حيث بايع الناس على مباينة من يقول بخلق القرآن وهذه القصة أشهر من نار على علم فلتراجع في ترجمته من سير أعلام النبلاء ( 11/166) وغير ذلك .
    وعلى كل فحيث اجتمع قوم على طاعة الله ورسوله ينصر بعضهم بعضاً على ذلك فعملهم مشروع كما مر معنا بأدلته.
    وأما إذا كان التعاهد على النصرة في كل شيء ، أو كان على السمع والطاعة في المنشط والمكره في كل الأمور , أو موالاة من كان معنا ومعاداة من كان خارجاً عنَّا – على حد قول البعض : من لم يكن معنا فهو ضدنا – فهذا مخالف للكتاب والسنة.

    ب- اعتقاد كل فرقة أنها جماعة المسلمين أو أنها هي الفرقة الناجية :

    إن من الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم على ظهر الأرض من تدعي أنها هي جماعة المسلمين ، وأنها هي الفرقة الناجية ، ويؤثِّمون أو يُضلِّلُون من لم يلتحق معهم ، بل قد يغالي البعض من رؤوس أو أفراد هذه الجماعات فيكفرون من كان خارجاً عن جماعتهم .
    والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن معنى الجماعة التي يأثم بالخروج عنها إنما هي جماعة المسلمين التي اجتمعت على إمام كما تقدم معنا عند ذكر البيعة .
    وأما هذه التنظيمات القائمة اليوم على شكل جماعات فكل جماعة منها تعتبر جماعة من المسلمين ، وليست بجماعة المسلمين لا مجتمعة ولا متفرقة وذلك لأنها ليست مجتمعة على إمام كما سبق بيانه .

    ج- الولاءات الضيقة :

    سبق أن وضحنا ما هي الجماعة التي يأثم المسلم بمفارقتها إن كان مستطيعاً , ونظراً لانتشار المفاهيم الخاطئة عند كثير من أفراد التنظيمات والجماعات الإسلامية نشأت الولاءات الضيقة التي تجعل الولاء لمن كان في إطارها ولهذا وجب علي أن أنبه المسلمين إلى أن الولاء للمؤمنين إنما يكون لأصل الإيمان الذي يحمله المسلم , وذلك لقول الله تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ } ولقوله عز وجل : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }

    ومخطىءٌ مخطىءٌ من جعل الأخوة والولاء لأجل الانتماء للجماعة أو التنظيم , فإذا فهمنا هذا الفهم الصحيح فإننا سنحب ونوالي كل من شهد له الشرع بأنه من المسلمين سواءً كان داخلاً في التنظيم أو خارجاً عنه .
    وعندئذ لن توجد هذه الولاءات الضيقة المقيتة التي نراها اليوم وإن مما ينبغي تصحيحه من المفاهيم أن العمل الإسلامي يجب أن يكون مرتبطاً بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح رضي الله عنهم لا بالتنظيمات ولا بالجماعات ولا بالأشخاص ، ذلك أن منهج الله ( الكتاب والسنة ) معصوم وغيرها معرضة للخلل والزلل والأهواء الخفية والجلية .
    فإن حصل السير على منهج الله وتقديمه على جميع المناهج فسوف ينمحي من الأذهان تمجيد الأفراد والتعصب لهم وللجماعات ، ولن تجد أحداً من المسلمين يقتدي بغير المعصوم صلى الله عليه وسلم فيما خالف منهج الله سبحانه وتعالى كائناً من كان ، ولن تجد من ينظر إلى القضايا الإسلامية من خلال الأشخاص أو التنظيمات أو الجماعات ويجعل ( القول ما قالت حذام ) ، بل ينظر إليها من خلال النظر إلى المنهج الحق فيدور معه حيث دار ويولِّي وجهته حيث اتجه .
    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلم شمل المسلمين ، وأن يهيئ لهم أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته ، وأسأله سبحانه أن يغفر لي خطئي كله دقه وجله ، صغيره وكبيره ، وعلانيته وسره ، إنه سميع مجيب .
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
    سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

    *******
    وكتبه
    أبو عبدالرحمن عقيل بن محمد بن زيد المقطري
    وكان الفراغ منه في يوم الأحد
    التاسع والعشرين من شهر صفر
    1412هـ الموافق 8/9/1991
    ملتقى المذاهب الفقهية والدراسات العلمية
    www.mmf-4.com

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    173

    افتراضي رد: قواعد الاعتدال لمن أراد

    هذا العنوان (قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال)الشيخ عقيل المقطري

    ممكن الأخ المشرف يعدل العنون
    ملتقى المذاهب الفقهية والدراسات العلمية
    www.mmf-4.com

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال،، للشيخ عقيل المقطري

    جزاك الله خيرا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •