اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

  1. #1
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,594

    افتراضي اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟!

    لماذا نجد الطالِبَ المبتدئ كثيرًا ما ينكر على الشيخ المتمَرِّس دليلَه قائلاً: إنه لا حجة فيه؟

    أو يقول له: لا دليل عليه؟

    السبب في ذلك أنَّ الشيخ المتمرس ينظر إلى الصورة الإجمالية، والطالب المبتدئ ينظر إلى التفاصيل منفردةً!

    هل تَعرف لُعْبَةَ تكوين الصورة (puzzle)؟
    تخيَّلْ أنَّ هناك صورةً كبيرةً تتكون مِن آلاف القطع الصغيرة، وأنَّ وضْع هذه الأجزاء الصغيرة في أماكنها الصحيحة يُعْطِي الصورةَ الكاملة.

    هل تخيَّلْتَ ذلك؟
    الآن اعلَمْ أنَّ الفرْقَ بين الشيخ المتمرِّسِ والطالب المبتدئ: أنَّ الأول يَرى القِطَعَ مرتَّبةً ترتيبًا صحيحًا، والثاني يَراها أجزاءً منفردةً لا رابطَ بينها.
    فإذا كانت الصورةُ - مثلاً - لمنظر طبيعيٍّ به بَحْرٌ وشمس وشجر وسحاب، فبإمكان الشيخ المتمرس أنْ يعْرِف أنَّ الشمس أعلى من السحاب، وأنَّ السحابَ أعلى من الشَّجر، وأن الشجر أعلى من البحر، وهكذا.

    ولكنك تجد الطالبَ المبتدئ يسارع متحفِّزًا فيقول: ما الدليلُ على أنه يوجد سحاب تحت الشجر؟ أتحدَّاك أن تعطيَنِي دليلاً على ذلك، وهاك الأدلةَ كلَّها (أي قِطَع الصورة منفردةً) فأتني بدليل واحد يدل على ما تقول.

    ولا شك أنه لا توجد قطعةٌ منفردةٌ تدل على ذلك دلالةً واضحةً؛ وإنما جاءت الدلالة مِن النظرة الإجمالية للقِطَع كلِّها إذا رُتِّبت في مكانها الصحيح.


    الآن ننظر من جهة أخرى، فنقول:
    تخيل أن الشيخ المتمرس لم يَضَعْ كلَّ القطع في مواضعها؛ وإنما وضع 75% منها فقط، فإنه من المعقول أن نفترض أنه يمكنُه تخمينُ كثير من الباقي، إن لم يكن جميعَه؛ لأن القطع الموجودة تدلُّ على المفقودة، وكذلك فإنه مِن المعقول أن نفترض أنَّ الشيخ بإمكانه معرفةُ أن هذه القطعةَ موجودةٌ في غير مكانها الصحيح؛ لأنها نشَازٌ في موضعها، ولا تتماشَى مع ما حولها، مع أن المبتدئ سيسارع ويقول: هذا ليس دليلاً.

    مفهومُ الدليلِ عند الطالب المبتدئ معناه ما يمكنه هو أن يفهمه بعقله القاصر! ولا شك أنَّ هذا خلَلٌ كبير جدًّا في المنهجيَّة العلمية؛ لأنه من أسهل الأمور أن تقول: هذا ليس بدليل!

    ولكن ما أدراك أن كلامك صحيح؟ وكيف تثق في صحة فَهْمِك أنه ليس بدليل، يعني إذا كان كبارُ العلماء، وفُحولُ العقلاء، وأئمةُ الحكماء يقولون: بل هو دليل، فما الفَيْصَلُ بين كلامك وكلامهم؟! ولماذا رَكَنْتَ إلى عقلك القاصر هنا، ولم تنظر إلى عقولهم التي هي - باعترافك - أكبرُ من عقلك؟!


    لا تقل لي: إنَّ الفيصل بيننا هو الدليل؛ لأننا حينئذٍ نرجع من حيث بدأنا.


    الشيخ المتمرس قد ينظر إلى القطعة في غير موضعها فيزيلها، ثم ينظر نظرةً كليَّةً إلى الصورة، فيرى أن الجهة اليمنى - مثلاً - تَميل ألوانها إلى الأصفر في الغالب، وكذلك القطعة التي في يده، فيضعها موضِعَها، فيَنْتَظِم الشكل في سلاسة.

    وهكذا الناقد المحدِّث يقول: هذا الحديث مقلوبٌ، أو هو بالوَقْفِ أشبه، أو نحو ذلك مما يعرفه بنظرته الإجمالية، أما المبتدئ فيسارع إلى الإنكار، زاعمًا أن هذا الكلام لا دليل عليه، أو أنَّ فيه توهيمَ الثقاتِ بغير حجة!

    نعم، ليس عليه دليل يمكنك أن تفهمه بعقلك الضعيف، وعِلمك القاصر، وهذا لا نُنَازِعُك فيه؛ ولكن النِّزاع في أنك تحصر الدليل في هذا.


    وننظر من جهة أخرى، فنقول:
    المتخصص في علم من العلوم يمكن أن نشبِّهه بمن تكون القطعُ المفردة عنده - في بعض أجزاء الصورة - أكثرَ من الباقي، فهو يستطيع أن يُعطي أحكامًا جيِّدةً في هذا الجزء دون غيره، أما العالِم المتفنِّن، فهو الذي يكون توزيع التحصيل لديه متقاربًا في الجميع، فتكون أحكامُه المتخصصةُ أقلَّ دقةً، وإن كانت أحكامه الإجمالية أدقَّ؛ لأنَّ رؤيتَه أوسع.

    أما مقدار تَمَكُّن العالِم، فيُقاس بمدى قربه من الاكتمال التام للصورة، وهو ما لا يصل إليه أحد من الناس، ولكن من المتوقَّع أنَّ العالم لا ينبغي أن يُسَمَّى عالمًا، حتى يكون ما حصَّله من قطع الصورة أكثرَ مما لم يحصِّله؛ بحيث تتَّضِح له المعالِمُ الإجمالية.


    وننظر من جهة أخرى، فنقول:
    ينبغي للعالم ألاَّ يكون واسعَ الجهل بأحد الفنون؛ لأنَّ هذا قد يمثِّل فجوةً كبيرةً في الصورة، تُخِلُّ ببعض التصورات المهمة، بخلاف ما إذا كان يجهل كثيرًا من قطع الصورة المتناثرة؛ فإنه يستطيع توقُّعَها لما يَحْتَفُّ بها من قرائن.

    يستطيع العالِمُ أنْ يحكم بأنَّ فلانًا لم يَلْق فلانًا؛ لأنَّ الأول في يمين الصورة، والثاني في يسارها، أما المبتدئ فيسارع بأن هذا لا دليل عليه، واللقاء ممكن، وقد اجتمعا في صورة واحدة، فلا مانع من لقائهما.

    العالم يستطيع أن يستنبط الترتيب المنطقي لما في الصورة، فيقول: إن هذه القطعة قبل هذه القطعة، وهذا مقدَّم على هذا، وتلك أولى من هذه، ولكن المبتدئ يسارع فيقول: هذا لا دليل عليه.

    العالم يستطيع أن ينفي وجود شيء في الصورة؛ لأنه ينظر نظرةً إجماليةً، فيعرف أن الصورة ليس فيها هرم مثلاً، وليس فيها سياراتٌ، وليس فيها أفيال، ونحوُ ذلك، أما المبتدئ فلا يمكنه ذلك إلا بالاستقراء التام لكل قطعة على حدَةٍ، وأيضًا لا يستطيع بَعدها الجزم؛ إذ لعل ما نفاه موجود مقسمًا بين قطعتين أو أكثر، أو لعله يسارع فينكر على من نفى قائلاً: هل أحطت علمًا بكل القطع؟!

    العالم يستطيع أن يستنبط أنَّ هذا الرأس يستلزم جسمًا ويدين وقدمين، وأن تلك الكرةَ تستلزم تكملةً من اليمين واليسار، وأن هذه الشجرة تستلزم جذعًا وأصلاً، أما المبتدئ فهو بمعْزِل عن كل هذا.

    العالم يستطيع أن يفهم المغزى الذي قَصده صاحبُ الصورة؛ لأنه ينظر إلى جملتها، فيعرف أنَّ الجزء الفلاني يُقصد به كذا، وغيره يُقصد به كذا، كما قال الخليل بن أحمد في الرجل الحكيم الذي دخل دارًا، أما غيره فيسارع بالإنكار، ويقول: ما دليلكم القطعي المنقول بالتواتر نصًّا لصاحب الصورة - أنه أراد هذه العلة؟!


    وننظر من جهة أخرى، فنقول:
    أما العالم المبتدع فهو يضع - ابتداءً - بعضَ القطع المتناثرة مقلوبةً، ثم بعد ذلك يجد نفسه مضطرًّا لوضع القطع الملاصقة لها مقلوبةً أيضًا؛ لتتلاءم مع البقية، فتجده يؤصِّل البدعةَ تِلْوَ البدعة، ويَحمله القولُ الفاسد على القول الفاسد، حتى يصيرَ إلى صورة مقلوبة تمامًا، أو مشوَّهة لا تمثِّل الحقيقة، ولذلك لا جَرَم يَظنُّ أنَّ الناس هم الذين يقلبون الحقيقة!

    وإذا تخيلنا أنَّ كل عالم من العلماء اجتهد اجتهادَه الخاصَّ في تكوين الصورة، حتى وصل إلى رؤيته المتكاملة، فيمكننا أنْ نتخيَّل أن كلَّ هذه الصورِ اجتمعت كطبقاتٍ شفَّافةٍ فوق بعضِها، حتى نَرى مدى التَّواؤُمِ والتوافق بينها، وحينئذٍ فمِن المتوقَّع أننا سنَرى كثيرًا مِن الأماكن متطابقةً بين هذه التصوُّرات، وكذلك سنرى بعضَها مختلفًا، ويتفاوتُ الاختلاف من مكان إلى مكان، إلا أنه من المعقول أن نفترض أن الأجزاء المتَّفَقَ عليها صحيحةٌ ولا شك.


    ويلوح لي أنَّ بعض قُرَّاء هذا المقال سيقولون: وما الدليل على أنَّ اتفاقَ هؤلاء صحيح؟


    فإن ضحكْتَ الآن من هذا الكلام فقد فَقِهْتَ مقالي وفهمتَه على وجهه، أما إنْ قلتَ هذا القولَ، فأنصحك بإعادة قراءة المقال مرَّةً أخرى!

    والله الموفِّق.

    مصدر مقال الأستاذ أبي مالك على الألوكة الأم مع تعليقات ونقاشات الأعضاء والزوار:
    http://www.alukah.net/Social/0/24923/
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    92

    افتراضي رد: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    السلام عليكم ورحمة الله
    بارك الله فيكما أخوين طيبين حبيبين وشكر لكما وجزاكما خيرا عميما

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,101

    افتراضي رد: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    اللهم باركْ في أبي مالك العوضي وزدْه علما.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    23

    افتراضي رد: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

  5. #5
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,594

    افتراضي رد: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    قال أبو العباس ابن تيمية:
    "..فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب لا في الإثبات لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه".
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    27

    افتراضي رد: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    ولكن أين هذا العالم الذي وصفه ما ذكرت ؟
    فضيلتكم تتكلم عن أناس قد مضوا ، وكل من اعتلى مكانا يُسمع فيه قوله يحتج بما قلت ، وهو ليس من أهل هذا الشأن ، فليتك ذكرت لنا سمات أهل العلم الذين يستحقون ما ذكرت فلهم نسمع ، وأرجوا أن يكون وصفا لأناس أحياء أراهم بعيني وليس أناس أقرأ عنهم في السير .
    وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    السلفيه يحتجون بالنصوص
    لا باجتهادات العلماء
    فإن كان المجتهد عالما حقا فلن يعدم النص أبدا
    إن أخطأ اجتهاده أهلك الأمة و إن أصاب فما أتى إلا بسنة السلف
    على ما انتشر كما أسلف أخى من مرتدوا عبائة العلم ، فلو تجرأ أحد و ناقشهم صار مبتدعا فاسقا فاجرا جاهلا ، كان عليه حتما مقضيا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,101

    افتراضي رد: اكتملت الصورة.. فلماذا تمزقها ؟! بقلم أبي مالك العوضي.

    قال الشاطبي -رحمه الله-:
    [ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد . وهو الجهل بمقاصد الشرع ، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض . فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها ، وعامها المرتب على خاصها ، ومطلقها المحمول على مقيدها ، ومجملها المفسر بينهما ، إلى ما سوى ذلك من مناحيها ، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فلذلك الذي نظمت به حين استنبطت .

    وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي ، فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده ، بل بجملته التي سمي بها إنسانا . كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها ، لا من دليل منها أي كان نطق ذلك الدليل . فإنما هو توهمي لا حقيقي...
    فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة .
    وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما -أي كان- عفوا وأخذا أوليا ، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي . فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا . فمتبعه متبع متشابه ، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به : "ومن أصدق من الله قيلا".
    وعند ذلك نقول :

    من اتباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها ، وبالعمومات من غير تأمل هل لها مخصصات أم لا ؟ وكذلك العكس ، بأن يكون النص مقيدا فيطلق، أو خاصا فيعم بالرأي من غير دليل سواه، فإن هذا المسلك رمي في عماية ، واتباع للهوى في الدليل] الاعتصام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •