الإطار و أسلوب التفكير و الرياضيات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الإطار و أسلوب التفكير و الرياضيات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    9

    افتراضي الإطار و أسلوب التفكير و الرياضيات

    بسم الله الرحمان الرحيم و الصلاة و السلام على إمام المرسلين و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    سأحاول معكم, أحبّتي في الله, إعطاء أمثلة, كيف أن الإطار الحضاري و أسلوب التفكير يؤثر في البحث الرياضي, سأبدأ بأمثلة طريفة من التاريخ غير معروفة ثمّ أقدّم أمثلة موضوعية.
    هل تعلم
    أنّ ستالين في بعض أحلك أوقات الإتحاد السوفياتي ظلامية و قهرا إعتبر "نظرية الزمر" نظرية برجوازية و منعها من التدوال. و لكن تطبيقات النظرية فرضت على السوفيات إعادة تدريسها بعد مدّة.
    هل تعلم أنّه كان هنالك تجمع سياسي في اليونان القديمة قائم على الأرقام الطبيعية و أنّه تمّ كسر هذا التجمع ب جذر2
    هل تعلم أنّ الولايات المتحدّة الأمريكية ألزمت بعض البحوث في المعادلات و الهندسة التفاضلية بطابع السرّية في الستّينات من القرن الماضي و ذلك خوفا من وقوعها في يد الإتحاد السفياتي.
    تأثير الإطار الحضاري و الرؤية للوجود
    أقدّم لكم أقتباس من كتابة لي سابقة.
    " وكمثال لنأخذ المعادلات التفاضلية.
    المعادلات التفاضلية هيّ أداة دراسة كلّ ماهوّ حتمي. بمعنى لنأخذ مثلا قارورة (بلاستيكية و فارغة لتطمإنوا) و أقذفها على رأس هذا الطفل المشاكس الذي لا يكفّ عن الصياح أمام منزلي. تقع على أمّ رأسه. لو أعدت التجربة بنفس المعطيات من حجم و وزن القارورة إلى مقاومة الهواء إلى زاوية قذف القارورة... ستقع حتما على أمّ رأسه في نفس النقطة. هذه الحتمية تدار رياضيا و رمزيا بالمعادلات التفاضلية. المعادلات التفاضلية من إنتاج نيوتن (وهو معروف بأنّه مسيحي متطرّف, و لا أقول هذا للحطّ من المعادلات التفاضلية و لكنّها معلومة قد لا يعرفها الكثير). و تمّ إستغلال, و توجيه النظرية الحتمية خارج الرياضيات في أمور خطيرة أثّرت بشكل راديكالي في التاريخ البشري, كالماركسية و الداروينية و كثير غيرها... إلى أن جاء علماء فيزياء الكمّ في أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين, فطعنوا في إطلاقية هذه النظيرية وأعترفوا بأثرها في الفيزياء الكلاسكية فقط. و آستعملوا التفاضل في إحتمالية حدوث الوقائع لا في الحدوث ذاته. و للتوضيح خذ مثلا جهاز تلفازك و شغله دون البث, ستجد الشاشة بيضاء و الإلكترونات تصطدم بالشاشة. فالنأخذ الإلكترون الأوّل, إنطلق وآصطدم بالشاشة. الإلكترون الثاني إنطلق بنفس المعطيات و لكنّه لم يقع في نفس نقطة الإلكترون الأول. فيزياء الكمّ تقول بحتمية وقوعه ضمن قرص دائرة مركزها موقع الإلكترون الأول. يعني الألكتروني الثاني يحتمل أن يقع في أيّ مكان من هذا القرص. هذا الإحتمال هوّ المحدّد بحتمية المعادلة التفاضلية. و ليست نقطة وقوع الإلكترون الثاني هيّ المحدّدة بالمعادلة."
    نرى هنا كيف أنّ فهمك للوجود و الكون (الحتمية مثلا) هوّ الأساس الأول للإنتاج الفكري و الرياضي (المعادلات التفاضلية)
    لن أطيل عليكم أمرّ إلى أسلوب التفكير
    سأقارن مثالين من أمثلة التفكير الإسلامي في الرياضيات بمثالين خارج هذا التفكير الأول منها قديم و الآخر حديث
    المثال الأول
    قم بعمليّة الجمع بين رقميّ 16 و 14 بشكل عمودي مثلما كنّا نفعل في الإبتدائي.
    16
    +
    14
    -------
    30
    طيّب الآن إستعمل الأرقام الرومانية عوض الأرقام العربية (وهي عربية رغم أنف المستشرقين و المؤرخين المعاصرون الذين يلصقونها بالهند. واليموتوا بغيضهم)
    بالأرقام الرومانية يكون شكل العملية
    XVI
    +
    XIV
    ---------
    ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    لا جواب
    لا يمكن القيام بأبسط عمليّة بهذه الأرقام. سؤالان:
    1) لماذا لا يمكن الحصول على جواب؟
    2) ما دخل أسلوب التفكير في هذا؟
    الجواب
    1) لا يمكن الحصول على جواب بالأرقام الرومانية لغياب العنصر المحايد في عملّية الجمع ألا وهو الصفر.
    2) ما دخل أسلوب التفكير في هذا؟
    من خاصيات التفكير الإسلامي في الرياضيات أنّه تفكير مفاهيم و بنى.
    المفاهيم: إسمحوا لي إخوتي بالإطالة قليلا في هذه النقطة لأنّها خطيرة جدّا. المفاهيم في الإسلام معرّفة و واضحة إلى أبعد الحدود بل و تجد في وضوحها بعض الغرابة و أقتبس لكم مثال كتبته في مواضيع أخرى:
    "و من الرقائق التي خطرت ببالي هوّ, أنّه في كثير من الأحيان, تعريف ما هوّ "معنوي" أو "أدبي" في اللغة العربية, أوثق و أوضح ممّا هوّ مادي. و ذلك لتبيان أنّنا لسنا بحاجة إلى التوهان في البحث عن التعريفات و المفاهيم. فلغتنا تغنينا عن ذلك. تذكروا معي حديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم في الإسلام و الإيمان و الإحسان
    الإسلام: أن تـشـهـد أن لا إلـه إلا الله وأن محـمـداً رسـول الله، وتـقـيـم الصلاة، وتـؤتي الـزكاة، وتـصوم رمضان، وتـحـج البيت إن اسـتـطـعت إليه سبيلاً
    الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره
    الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك
    هذه المفاهيم هيّ مفاهيم غير مادية و يعرفّها رسول الله صلّى الله عليه و سلّم, بأبلغ ما يكون, بحيث أنّ المعنى لا يمكن له أن يتزحزح قيد أنملة عن التعريف.
    وآلنأخذ الآن كلمة "حديد"
    , هوّ معدن: الحديد.
    الكلّ يعرفه. نعرفه بترقيمه الكيميائي أيضا, إن أردتم.
    المسمّى و التعريف واضحين هنا.
    ليس تماما..
    " فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ " ق22. هنا, كلمة "حديد" يمكن توجيهها إلى أمر آخر غير المعنى المتعارف عليه.
    هل يمكن توجيه كلمة إسلام إلى أمر آخر؟
    الجواب: لا."
    أعود إذا و أقول أنّ المفاهيم معرّفة بشكل دقيق في لغة العرب و في الفقه الإسلامي.
    طيّب ! أين تكمن الخطورة في عدم التأكّد من وضوح المفاهيم؟
    أعطيكم مثالا من الحياة و التاريخ الإنساني.
    قد يضنّ البعض أن المثال بسيطا و لكن يعلم الله كم إنجرت عنه من المآسي و الإبتلاءات و الحروب.
    في اللغة الأرامية القديمة كانت كلمة "أب" تعني ممّا تعنيه التعظيم و ليس فقط الإشارة إلى الأب البيوليوجي. فيقال لزعيم القبيل "أب" و يقال لعظيم من العظماء "أب" حتّى أنّهم وصفوا الله, جلّ و على علوا كبيرا, بهذه الكلمة للتعظيم. و عندما ترجمت التورات من الأرامية إلى لغات أخرى, بقيت الكلمة على حالها و غاب معناها, فتوّجه الناس إلى إستعمال الكلمة بمفهومها البيوليوجي. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وتعلمون ماإنجرّ عن هذا المفهوم من قول النصارى و المشركين في أنّ عيسى المسيح, عليه و على نبينا السلام, من أنّه إبن الله, وقدّ كفروا بذلك," مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبً"
    أكتفي بهذا المثال لتبيان أهمّية تحديد المفهوم على أمل كتابة خاطرة لي في هذا الموضوع لاحقا, إن شاء الله.
    نعود. ما علاقة هذا بالرياضيات؟
    إنّ إضافة الصفر في الأرقام ليست لضرورة عملية فقط كي لا تكتب الأرقام بشكل طويل كما يضنّ البعض. بل إنّ إضافة الصفر هيّ إضافة لرقم محايد يمكّن من تشكيل بنية رياضية تسمح بعمليات مبدأية كالجمع و الطرح و الضرب و القسمة و تسمح أيضا بالتوسع في النشاط حتّى الحصول على بنى جبرية لم يكن بالإمكان الحصول عليها دون هذا العنصر المحايد كبنية الزمرة.
    يعني أنّ الفقه الإسلامي في الرياضيات تفكير من ركائزه البنى.
    ونفهم من هنا لماذا لا نستطيع القيام بعمليّة الجمع بالأرقام الرومانية لأنّ الأساس من أرقامهم كان العدّ فحسب. فوقعوا في مطبّين أولّهما أنّه لا يستقيم العدّ عمليّا بهذه الأعداد مع الأرقام الكبيرة و ثانيهما أنّهم لا يستطيعون القيام بأبسط العمليّات. أمّا النتيجة الأخطر فهي تقييد هذه الأرقام للتفكير الرياضي كما يقيّد الفقر اللّغوي التفكير الإنساني. و هذا موضوع آخر نتناوله, إن كتب الله لنا ذلك, لاحقا.
    هذا إذا مثال مقارنة بين أسلوب التفكير الرياضي في الفقه الإسلامي و أسلوب التفكير الرياضي القديم.
    هل تريدون مثالا من الرياضيات الحديثة؟
    بما أنّي وحدي الآن في الغرفة أعتبر أنّ الجواب نعم.
    لنأخذ طريقة تحليل الدالّة ب متسلسلة قوى (développement en série entière) مثل متسلسة تيلور. لا أدري إن كانت ترجمتي للمصطلح صحيحة.
    هذه الطريقة تقول, إذا كانت لديك دالّة معقّدة و لم تستطع دراستها كليّا. إختر نقطة من نقاط رسم الدّالة و في جوار مناسب لهذه النقطة يمكن تشبيه رسم الدالة المعّقدة برسم كثيرة حدود Polynôme (إعذروا ترجمتي) مع ترك هامش خطأ. على إعتبار أنّ دراسة كثير الحدود سهلة.
    يعني أنّ طبيعة المادة المدروسة (الدّالة المعّقدة) ليست خطّية مثلا (على إعتبار أنّ أسهل كثيرات الحدود هيّ التّي يكون رسمها خطّ مستقيم), هيّ دالة معقدة.
    مالعمل؟
    نقّطعها نقاطا نقاطا. نجاور كلّ نقطة. نحاول إيجاد كثير حدود مناسب في كلّ جوار. نترك هامشا يمكننا "التضحية به".
    يوم كان المسلمون روّادا و يوم يعودون, إن شاء الله, لم يكن, و لن يكون, هذا أسلوب تفكيرهم. وآلنأخذ مثالا.
    حساب المثلثي Trigonométrie أنتجها علماء الإسلام, هيّ دراسة من جوانبها المنحنيات و هيّ إلى الآن من أهمّ منابع البحث في الرياضيات (على سبيل المثال les ondelettes ). الدوال هنا منحنية (تفهمون قصدي آسف للترجمة) و ليست خطّية. لم يقل علماء الإسلام نجعلها خطّية بالقوّة و لو في جوار. بل قالوا طبيعتها كذلك, علينا أقلمة عقولنا مع الطبيعة و ليس التقوى على الطبيعة لأقلمتها مع ما هوّ ممكن لعقولنا. فأنتجوا الحساب ألمثلثي.
    شكرا لكم.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    53

    افتراضي رد: الإطار و أسلوب التفكير و الرياضيات

    طرح جميل،بارك الله فيك
    من تعلم القرآن عظمت قيمته،و من تعلم الحديث قويت حجته،و من تعلم الفقه نبل قدره،و من تعلم اللغه رقّ طبعه،و من تعلم الحساب زجل رأيه،و من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    تونس/الدوحة
    المشاركات
    363

    افتراضي رد: الإطار و أسلوب التفكير و الرياضيات

    بارك الله فيك

    انتظر تواصلك مع : منتديات تونيزيا واب
    ياسين بن بلقاسم مصدق التونسي المالكي

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •