اقتراح مشروع مهم / " المؤسسة العالمية لزكاة الفِطر "

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
لا يشك أحد أن ما جاءت به الشريعة من الأحكام فيه الحكمة البالغة ، والمتأمل في أنواع الزكوات يجد تنوعها بين زكاة النقد ، والزرع ، والحيوان ، وعروض التجارة ، والخلاف فيما يُخرج في " زكاة الفطر " لا ننكره ، لكن لا يشك أحد أن قول الجمهور والذين أوجبوا إخراجها من غالب " قوت " البلد موافق لما جاء في السنة الصحيحة وليس اجتهاداً كما هو حال الأقوال الأخرى .
وبالتأمل اليسير نجد أن ما جاء في السنَّة وما قال به الجمهور : فيه مصلحة عظيمة للمسلمين ، وهذا الذي جعلني أتقدم بهذا المشروع فلعلَّ الله أن يشرح له قلب أحد – أو مجموعة – تقوم بهذا الحِمل ، ويكون له – أو لها – الأجور العظيمة إلى قيام الساعة .
وهذا الاقتراح هو تأسيس مؤسسة عالمية تنوء بحمل جمع وتوزيع زكاة الفطر من المسلمين في العالَم ، وتوزيعها على المسلمين المحتاجين من أهل الضرورات من الدول التي تحدث فيها فيضانات ونكبات ومجاعات تكون اللقمة أهم عندهم من قناطير مقنطرة من الذهب والفضة .
والذي يميِّز زكاة الفطر أمور :
1. أن عدد باذليها ومخرجيها مئات الملايين .
2. أنها في مقدور أكثر الناس ، ويكفي أن يكون عنده ما يزيد على قوت يومه حتى تكون واجبة عليه ، فهي ليست زكاة على الأغنياء ولا لها نصاب أكثر من ملك قوت يوم العيد .
3. أنها تُخرج طعاماً .
4. أنها يُمكن التوكيل فيها إما بالطعام أو بالمال لمن يُخرجها طعاماً .
5. أن وقت إخراجها للوكيل فيه متسع ، فيمكن إخراجها للوكيل في أول رمضان ، ولا يجوز للوكيل توزيعها على مستحقيها إلا في آخر يومين من رمضان إلى صلاة العيد .
ولما نظرتُ فيما أصاب المسلمين في " النيجر " و " الباكستان " ، ولما أعلمه من وجود من لا يجد الطعام له ولا لأهل بيته في كثير من دول الإسلام : انقدح في ذهني اقتراح هذا المشروع ، وعسى به أن نطبِّق وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج زكاة الفطر طعاماً ، وعسى به أن لا يبقى مسلم جائع ! لا في أول شوال فحسب بل نرجو أن يكون الأمر كذلك في عامه كاملاً بل في حياته كلها ، ونثبت للعالَم كيف أنه يمكن للإسلام أن يقضي على مشكلات العالَم المستعصية كلها بأحكامه وتشريعاته .
وأنا على يقين أن زكاة المال تحل مشكلة فقر المسلمين في العالَم لكن للأسف ليس هناك من يُخرج زكاة ماله من أولئك الأباطرة ، ومن أخرجها منهم أو من الأغنياء صُرفت في غير مستحقيها – غالباً - .
ولذا أحجمت عن جعل المشروع في زكاة المال ، وجعلتُه في زكاة الفطر ؛ لأن الغني والفقير ما يُطلب منهم هو شيء واحد يسير ، وليست هي مما يمكن أن يبخل بها الناس المخرجون لها – إن شاء الله - .
ودعونا نذهب إلى الشيء العملي بمثال :
هب أن عدد من يُخرج زكاة الفطر في بلد كـ " الأردن " – مثلاً – ( 4 ) ملايين ، ولو فُرض أن نصاب زكاة الفرد الواحد ( 2.5 ) كيلو : فمعنى هذا أنه سيتجمع معنا ( 10 ) مليون كيلو ! من الطعام المتنوع مما يقتات الناس ، وتجميع ( 10 ) آلاف طن من بلد صغير فقير مثل الأردن سيكون أمراً يسيراً وعظيماً ، فكيف لو حسبنا زكاة أهل " مصر " أو " السعودية " ؟! لا شك أنه سيكون بأيدي تلك المؤسسة العالمية عشرات الملايين من الأطنان من الطعام بين أيديها لتقوم بتوزيعها على الفقراء والمتضررين في العالَم الإسلامي .
فإذا قال قائل : هذا من الصعوبة بمكان أن يتم استلام هذه الأطنان في مكان واحد ، ومن الصعوبة بمكان إرسالها للمتضررين ، وأيضاً فإن فيها تكاليف باهظة لا نجدها بين أيدينا ، ولا نستطيع الطلب من الناس أن يوصلوها هم ولا أن نأخذ منهم أجرة توصيلها ؟ فأقول : كلامكم صحيح ، وهذا له حل في اقتراحي لهذا العمل الجليل ، ويتلخص بـ :
1. الاتفاق مع تجار في كل بقعة فيها مأساة ، أو من هم قريبون منها على تأمين إيصال هذه المواد للبلاد المنكوبة ، فيكون الأمر أننا نشتري من تاجر " باكستاني " – مثلاً – في العاصمة ( 5 ) مليون طن من المواد الغذائية ويكون مكان التسليم أقرب نقطة من البلد الذي أصابته المأساة ، والكمية قابلة للزيادة جدّاً وإنما هو مثال ، وفي ظني أن لعاب أكبر تاجر سيسيل لهذه الصفقة ، وسيستخدم كل إمكاناته لإيصال الشحنة إلى المكان الذي تريده المؤسسة العالمية .
2. وأمر آخر مهم ، وهو الاتفاق مع المزارعين في البلاد الفقيرة والمنكوبة على شراء كافة محاصيلهم الزراعية مهما بلغت كميتها ، ويتم – بالفعل – شراء نلك الكميات ، وتخزين ما يمكن تخزينه ، وتأجيل ما يمكن تأجيله – ونلاحظ الحكمة العظيمة في زكاة الفطر وأنها شرعت من القوت الذي يمكن أن يُدَّخر - ، ولننظر كم من المساحات الزراعية سيحيي ، وكم من الأيدي العاملة سيكون له مصدر رزق ، وفي هذا مساهمة جزئية في إحياء الأرض الموات والمساهمة في إيجاد فرص عمل لكثيرين ، وفي ظني أن تسويق الثمرة هو العقبة الكبيرة أمام كثيرين ، فإذا علموا أن الكمية كلها ستُشترى ، وأنه لن يكون أمام المزارع أي تفكير في التسويق : أن ذلك من شأنه أن يشجعه على المضي قدما في الزراعة والإنتاج .
وفي هذا الاقتراح الثاني فوائد متعددة :
1. توفير أجرة النقل من بلد إلى آخر .
2. الحصول على أسعار ممتازة لأن البضاعة لن تكون مستوردة ولا بالعملة الأجنبية .
3. سرعة وصول البضاعة – الطعام – لمستحقيه دون تأخير .
4. توفير فرص عمل لكثيرين .
5. إحياء الأرض بيعاً وشراء وتأجيراً .
وغير ذلك مما سيكون مع العمل الجاد والمثمر بإذن الله تعالى .
وبالطبع لتحقيق الأمور السابقة سيكون ثمة توكيل من أهل الزكاة للمؤسسة العالمية بإخراج زكاة الفطر عنهم ، فيسهل على المزكي الأمر فيدفع " المال " ويكون من وظيفة المؤسسة تطبيق السنَّة وتوفير " الطعام " للمستحقين .
وأنبه هنا إلى بعض البلاد قد تحتاج هي لأن تُعطى من زكاة الفطر ، وهنا سيكون للمؤسسة العالمية دراسة ذلك ، ومعرفة ما يؤخذ منها وما يُدفع لها ، ولكن في كوارث المجاعات والنكبات العظيمة لن يكون توفير الطعام لهم مشكلة ، وفي حال البلدان الفقيرة فسيكون توفير الطعام لهم إما لعام كامل أو لأكثر العام .
ولنرجع إلى المثال المضروب سابقاً وهو " الأردن " فإن من شأن الاتفاق مع مزارعين على توفير كمية من المزروعات الصالحة لأن تكون زكاة فطر أن يعينهم على حياتهم ، وأن يجدوا ويجتهدوا في العمل ، وقد ترى المؤسسة أن تكون الزراعة والتوزيع في البلد نفسه ، وفي بعض البلدان – كقطر – مثلاً – قد لا يكون ثمة قدرة على الزراعة ولا حاجة لإعطائهم من زكاة الفطر ، فيكون أخذ الزكاة منهم " مالاً " ويتم الاتفاق مع التجار أو المزارعين في الدول الفقيرة والمنكوبة لتوصيل الزكاة لهم .
وفي حال السعة أرى أن تتجه الأنظار إلى البلدان الإسلامية التي يتوفر فيها الماء والتربة ليتم الاتفاق المسبق مع المزارعين على توفير كميات زكاة الفطر في رمضان ليتم توزيعها حسب حاجة المسلمين .
وفي النهاية :
1. المشروع عالمي ومهم وفيه فوائد ومصالح عظيمة ورائعة – سبق ذكر بعضها - .
2. المشروع يحتاج لمشاركة في الاقتراحات والأفكار .
3. المشروع يحتاج للابتعاد عن العنصرية والحزبية والإقليمية .
4. المشروع يحتاج للتعاون مع الحكومات لتسهيل الزراعة وعدم أخذ جمارك أو ضرائب على البضاعة الداخلة إليهم أو الخارجة من عندهم .
5. المشروع بحاجة لخبراء في العمل الخيري ومستشارين مزارعين وعقاريين .
6. المشروع بحاجة لمتطوعين كُثر للتوزيع والمتابعة .
7. المشروع يحتاج لسرعة في التبني والقيام بأول خطوة .
8. المشروع يحتاج لأهل البذل للإنفاق على المؤسسة وعلى دراساتها ونشاطاتها ، ويساهمون في تكاليف نقل الزكاة أو ما شابه من أمور تحتاج للمال .
9. مشروع المؤسسة خاص بزكاة الفطر ، ولا نحبذ أن يجمع معها شيء آخر .
10. المشروع يحتاج لرجال ، مخلصين ، صادقين ، تألمت قلوبهم وبكت عيونهم لما رأوا الفقر والضنك الذي أصاب إخوانهم المسلمين ، يحتاج المشروع لهم ليقولوا :
نحن أول من يسعى لإنجاح هذا المشروع وقيام المؤسسة العالمية ، وأما ما سأفعله فسيكون : .... .
والله الموفق
كتبه :
أبو طارق إحسان محمد عايش العتيـبي
الأردن ، إربد
18 رمضان 1431 هـ