حتى لا نطعن في الخاصرة بأسباب المنع الصائب من الفتيا في أحكام القضايا المعاصرة


يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء:59) ، ويقول النبي: (اسمعوا وأطيعوا).
ومن عقائد أهل السنة والجماعة المتفق عليها في كتاب الاعتقاد: السمع والطاعة في المعروف، فسمعاً وطاعةً لما أمر به خادم الحرمين الشريفين من منع الإفتاء في قضايا الأمة العظام، وإحالة الأمة على هيئة كبار العلماء، وقد نصبهم الحاكم للفتوى، فمن عرف رهبة السلف من الفتوى، وخوفهم من التوقيع عن رب العالمين بغير علمٍ، يُعذر الآن من الفتوى في الأمور العامة لأمرين ظاهرين:
أولهما: وجود من حُمّل أمانة الفتوى، وقد تولوا قارها فعليهم حارّها، دلّهم الله إلى الرشد والصواب، كما قال عمر بن الخطاب والحسن بن علي رضي الله عنهما: ولِّ حارها من تولى قارها.
فهم قد انتصبوا لها، واستعدوا للقيام بمهمتها، فبهم تقوم الكفاية ما داموا على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
والثاني: المنع السلطاني، ولم تكن الفتوى في قضايا الأمة العظام من فروض الأعيان، وإنما من فروض الكفايات، وقد قام بها من تقوم به الأهلية فيما نحسبهم من أهل العلم والفضل، فيبقى الأمر للبقية محل الاستحباب، وطاعة السلطان واجبة، فتقدم اتباعاً للسنة ومراعاة للمصلحة العامة للأمة.
وقد تفرّح بهذا القرار بعض زنادقة الورى من الليبراليين وأشباههم، وتكالبوا على أمر الفتيا، والتلاعب بالفتيا عبر سخافاتهم الإعلامية، وراموا الاصطياد في الماء العكر، فاستشرفوا فرحاً بهذا القرار ظنّا منهم أنهم قد حجبوا نور الحق عن الخلق! (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ) (الصَّف:8) .
والحق غالبٌ لا غالب له، والله تعالى يقول: (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:21) ويقول: (وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء:81) ويقول: (بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء:18) .
وهم أول المعنيين بهذا الخطاب لأنهم هم الذين ظهروا بالفتاوى الشاذة للأمة، وراموا تشتيت وحدتها بما عليه هذه البلاد من أول قيامها أدامها الله من التمسك بالكتاب والسنة، ونهج السلف الصالح، واحترام العلماء وإجلالهم، وتقديم قولهم على رأي غيرهم.
والمنع إنما هو عن الإفتاء في القضايا العظام لا عن بيان دين الله تعالى، وتعليم الناس الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالله تعالى يقول: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187) ، وحذر من كتمان ما شرع الله تعالى، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة:159) .
ويقول تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ) (النحل:125).
وقال تعالى: (وَالمُؤْمِنُون وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71) .
وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78-79) .
وكلّ هذه الأمور تتحقق ولله الحمد والمنة في هذه البلاد بإقرار الجميع حكومة وشعباً، وذلك من خلال الخطب والمحاضرات والندوات والنشرات الصوتية والمقروءة.
ومساجدنا ومعاهدنا ودورنا التعليمية تقرر هذا الأصل وتدعو إليه.
بل فتاوى العلماء في هذه البلاد بداية من "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" و"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" و"فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم" و"فتاوى الشيخ عبدالله بن حميد" و"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" و"فتاوى هيئة كبار العلماء" و"مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة" لشيخنا ابن باز و"فتاوى الشيخ ابن عثيمين" و"فتاوى نور على الدرب" وسائر مؤلفات العلماء الثقات الأثبات المعروفين بصدق الولاء لهذه البلاد، والحرص عليها، ورفعة المكانة عند الولاة، كلها ولله الحمد والمنّة تقطع الطريق آمال الليبراليين الهزيلة، وظنون الزنادقة الضئيلة، فبإمكان الدعاة إلى الله تعالى وطلاب العلم والخطباء والمعلمين والطلاب والرجال والنساء الاستنارة بفتاوى العلماء، ونشرها، وإرشاد الأمة إليها.
والمأمول من أهل الفضل والإحسان: المبادرة بطباعة الفتاوى كاملة ومفرقة على الأبواب والقضايا، وخاصة القضايا التي تضطرب فيها أقوال الناس اليوم لكي يرجع الناس إلى قول العلماء الراسخين في العلم.
خاتمة مهمة

ولا يفوتني أن أنادي بوصية إلى إخواني الدعاة والوعاظ والخطباء بتحريك القلوب إلى ربّ القلوب بسوط الخوف من الله تعالى!
فوالله ما تجرأ الكثير على التمرد على خطاب الشارع، وانتهاك المحرمات إلا لأن الخوف من الله ضعف في قلوبهم، (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزُّمر:67) .
يقول أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلباً إلا خرب.
ويقول: أصل كلّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل.
فأي خيرٍ يبقى عند من لا يخاف الله تعالى، ولا يرقب الدار الآخرة؟
وقد استحب العلماء عند افتتان الناس بالرخص تغليب جانب الخوف في قلوبهم، والتشديد عليهم، فكيف بزمان افتتان الناس بالمحرمات، ومقارفة المنكرات؟
والخوف من الله لا يكون إلا من العارفين بالله، ولا يعرف الله تعالى بشيء إلا بعلم التوحيد، فالوصية بتعظيم جناب الله تعالى، وتقرير توحيده، ودعوة الناس إليه، وبيان أهمية وفضل التوحيد، وتقرير مسائله، وشرح رسائله، ثم صدع المنابر بصواعق الوعظ التي تدك القلوب، وتفجر ينابيع الدموع، وتسوق الناس إلى الله تعالى بسوط الخوف وداعي المحبة وقلب الرجاء.
فالدين جدٌّ ليس بالهزل.
وحق ليس بالباطل.
وثقيل قوي ليس بالخفيف الهزيل.
والله تعالى يقول: (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا) (البقرة:93) ويقول:(خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأعراف:171) ويقول: (يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم:12) ويقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل:5) .
فلا يُدعى لدين الله بالهزل والمجون، ولا باللعب والطرب، وإنما يدعى إليه بمثل ما دعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يقرر في كلّ خطبه التوحيد وتعظيم الله تعالى، والتذكير بالجنة والنار، وتعليم دين الله تعالى، وإنكار ما يصنعه المخالفون، بصوت المنذر الصادق، ويحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، حتى يطرق الصحابة رضي الله عنهم، وكأن على رؤوسهم الطير، ولهم خنين من البكاء.
كما روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال خطب رسول الله صلى الله عليه و سلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وجوههم لهم خنين.
أسأل الله تعالى أن يفتح على قلوبنا، وأن ينصرنا بالتوحيد والسنة، وأن ينصر التوحيد والسنة بنا، وأن يوفق ولاة أمرنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، وأن يُعلي رايتهم، ويثبت أركان دولتهم، وأن يمنحهم البطانة الصالحة الناصحة، وأن يصرف عنهم بطانة السوء، وأن يردنا إليه ردّاً جميلاً، ويعز الإسلام والمسلمين، ويذل الشرك والمشركين، والزنادقة والملحدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب

بدر بن علي بن طامي العتيبي

عضو الدعوة والإرشاد بمحافظة الطائف

صبيحة الجمعة 16 رمضان 1431هـ