شَهْقَةُ النادم!
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: شَهْقَةُ النادم!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي شَهْقَةُ النادم!


    شَهْقَةُ النَّادِم


    أخرج ابن الشجري في ( أماليه الحديثية ) بإسناده المتصل إلى إبراهيم بن عبد الله [بن] الجنيد [الختَّلي] قال: سمعت رجلاً من البكَّائين النوَّاحين يقول:
    ( واموتاه ... ليس من الموت مَنْجَى، كأني بالموت قد غاداني أو ماساناي-أي أتاني بالمساء- وكأني عن قليل لا أُزَارُ ولا أُوتَى، وكأني عن قليل أُودِّع الدين والدنيا، وكأني عن قليل أتخذ القبر بيتا، واللحد مُتَّكَأ، وكأني عن قليل أُوَسَّدُ بِلَبِنةٍ وأُسْتَرُ بأخْرَى، وكأني عن قليل أُجاور أهل البِلَى، وكأني عن قليل أُجاور قوما جُفاة، واغفلتاه ... وَاهَوْلاه ... أيُّ الأهوال أتذكَّر؟ وأيها أنْسَى؟ لو لم يكن إلا الموت وغُصَصُه، وما بعد الموت أعظم [وأدهى] إسرافيل لو قد نادى فأسمع النِّدَا، لأزعجني غدا من ضيق لحدي وحيدا منفردا، مُتَغيِّر اللون شاخصا بصري، مُقَلَّدًا عملي، قد ألجمني عَرَقي، وتَبرَّأ الخليقة مني، نعم: وأُمِّي وأبي، نعم: ومَنْ كان له كَدِّي وسَعْيي، فبقيتُ في ظُلَم القيامة مُتَحيِّرًا؟ فمنْ يقبل ندائي، ومَنْ يُؤَمِّن رَوْعَتي؟ ومَنْ يُطْلِقُ لساني إذا غَيَّبني في التراب، ثم سألني عما أنتَ أعلم به مني، فإنْ قلتُ: لم أفعل! [قال]: ألم أكن شاهداً أرى؟ وإنْ قلتُ: قد فعلتُ؟ فأين المهرب مِنْ عَدْلِك؟ فمِنْ عَدْلِك مَنْ يُجِيرُني؟ ومِنْ عذابك من يُنْجيني؟ يا ذخري وذخيرتي، وإن سألتُ غيرك لم يعطني، فرضاك قبل لقائك، ورضاك قبل نزول النار، يا لها من فظاعة ليلةٍ بِتُّها بين أهلي قد استوحشوا لمكاني عندهم، وقد كانوا قبلُ يأنسون بِقُرْبِي، خَمَدْتُ فما أجبتُ داعيا، ولا باكيا، حين يبكون ميتا، بين أظهرهم مُسَجَّى، ما كان همتهم حين أصبحوا إلا غاسلا، نزعوا خاتمي، وجرَّدوا عني ثيابي، ووضَّؤني لغير صلاة، حتى إذا فرغوا قالوا: جَفِّفُوه، وقرَّبوا أكفانا فأدرجوني، وأنا سطيح على أعواد المنايا إلى عسكر الموتَى ينقلوني، مرُّوا بي على الناس: فَكَمْ ناظر متفَكِّر؟ وآخرَ عن ذلك لاهٍ؟ بكَى أهلي وأيقنوا أنها غيْبَتي لا يرجون لقائي، نادوا باسمي فأسمعوا مَنْ حولي ولم يسمعوني، ولقد عَظمَ الذي إليه يحملوني، نزل قبري ثلاثة كأنهم [بذنوبي يطلبوني]، فَدُلِّيتُ في أضيقَ مَضْجَعٍ، وصار الرأس تحته الثَّرَى وبه وسَّدوني، فيا رب: ارحم غُرْبتي، وآنِسْ وَحْشتي، وبَرِّدْ مَضْجَعي، ونَوِّر في القبور قبري).
    قلت: كلما تبصَّرتُ حروف هذا الكلام، وقلَّبْتُ في تأمل معانيه البصائر والأفهام، شَهَقْتُ شهقةَ النادم، وتأسَّفْتُ تأسُّف المذنب الآثم! ولقد خلوتُ به ليلا والناس نيام، وجعلت أُرَدِّده تحت دَيَاجِي دَيَاجِير الظلام، فشعرتُ أن روحي وكأنها تخرج من جسمي، وأحْسَسْتُ بِوَهِيج حرارة الأنفاس ما بين لحمي وعَظْمي.
    فيا ويل نفسي حين يحين رمْسي، ويا ويح روحي حين خروج روحي!
    فبالله : كم في غياهب القبور من عيونٍ كَحيلةٍ قد أذابتْها غارباتُ الليالي والأزمان
    وكم : في حُفَر الأقفار من خُدُودٍ أسيلةٍ قد أكَلتْهَا حشراتُ الأرض وهَوامُ المكان ؟!
    وكم هناك : من قُدودٍ جميلة قد صارت ترابًا يطَأَهُ كلُّ غادٍ ورائح
    بالله كم : من خُصُورٍ رشيقةٍ صارت رمادًا بعد أنْ بكَتْ عليها العيونُ وصاح الصائح !
    فاللهم قد ساءتْ الظنون إلا منك ، وانقطعتِ الآمال بالبعد عنك ! وليس لدينا من الأعذار ، ما يحجب عنا أبواب النار !
    فوا حسْرتاه على أيامٍ خلتْ بمعصيتكِ ، ووا طُولَ حُزْناه عل أوقاتٍ مضتْ في مخالفتك ! ووا فضيحتُنا منك يوم نلقاك ، ووا خِذْلاننا مِنْ سواد صحيفتنا يوم النشور !
    ومَا لنا لا نَنُوحُ على أنفسنا وليس لنا مَنْ ينوح عليها سوانا ؟! وما لنا لا نَنْدُب قبيح فعالنا وهي الجانية علينا بما يُفْسِدُ دنيانا وأُخْرَانا؟
    فاللهم : إن كنا قد عصيناك سهوًا فقد غرَّنا عفوك ! وإن كنا قد خالفناك جهلا فقد خَدَعَنا حِلْمُك وكرمُك !
    أيُّ عيشٍ يطيب وأنت علينا غاضب يا مولانا ؟
    وأيُّ لذَّة تُسْتَساغ وأنت علينا ساخطٌ يا سيدنا ؟
    فاللهم : توبةً نتخلَّصُ بها من تلك الأقذر ! وطاعةً مقبولةً نتقرَّبُ بها من منازل الأبرار ، ورحمة عاجلة نهرب ببركتها من لهيب لفحات نيران دار البوار، وقد أتيناك ونحن في قيود الذِّلة وسلاسل الإِسَار ! وليس لدينا ما نتشفَّع به إليك - ونحن منه على يقين- سوى توحيدك ، والإقرار بشرائعك ، والإيمان بنبيِّك ، فهل أنت براضٍ يا مولانا ؟
    فنسألك بك ألاَّ عذَّبت لسانًا ذَكَرَك ، أو قلبًا شَكَرك ، أو وجهًا سَجَدَ لك ، أو جسدًا خرَّ لعظمتك ، أو عينًا بكتْ - ولو دمعة - من خشيتك.
    ثم متى عهدناك لا تقبل التوبة ؟ ومتى شاهدناك لا تغفر الحَوْبة ؟
    فنحن على الباب وإنْ طَرَدتَّنا ! ولسنا نغادر رحابك وإنْ أبعدتَّنا ! ولن نرضى منك بدون العفو عنا يا خالقنا وملاذنا.
    وختامًا : نسأل الله حُسْنها ... إذا بلغتْ الروح المنتهى .
    فإنه بكل جميل كفيل ... وهو حسبنا ونعم الوكيل .
    وكتبه : العبد الفقير ، والجاني على نفسه بِويْلات الأمور : أبو المظفَّر سعيد بن محمد السِّنَّاري القاهري ... ذلك الأثيم العاثر .. سامحه الله .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    513

    افتراضي رد: شَهْقَةُ النادم!

    الله
    إذا استفدت من مشاركتي أو لم تستفد منها فادع الله أن يغفر لي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: شَهْقَةُ النادم!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوبكر الذيب مشاهدة المشاركة
    الله
    واتقِ اللّه فتقوى اللّه ما *** جاوزَتْ قلبَ امرئٍ إِلا وصلْ
    ليس من يقطعُ طرقاً بطلاً *** إنما من يتقي اللّه البطلْ


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    1,695

    افتراضي رد: شَهْقَةُ النادم!

    بعيداً عن البيان الحسن،وحال الرقة التي أزت له = فإن هذا التوهم والتخييل بدعة ابتدعها الصوفية في أوائل القرن الثالث الهجري،لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ولا عرفته صحابته ولا القرون المفضلة،ومن أراد وعظ النفس وتذكيرها ففي كلام الله وكلام نبيه غنية عن هذه التخييلات الصوفية وليدة المواعظ النصرانية..
    اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وأصلح لنا شأننا كله ..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: شَهْقَةُ النادم!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فهر السلفي مشاهدة المشاركة
    بعيداً عن البيان الحسن،وحال الرقة التي أزت له = فإن هذا التوهم والتخييل بدعة ابتدعها الصوفية في أوائل القرن الثالث الهجري،لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ولا عرفته صحابته ولا القرون المفضلة،ومن أراد وعظ النفس وتذكيرها ففي كلام الله وكلام نبيه غنية عن هذه التخييلات الصوفية وليدة المواعظ النصرانية..


    كنتُ أرغب عن التحاور في حاشية هذا الموضوع؛ تخوفًا من إفساده بسيف الأخذ والرد! لكن عبارة المعترض تنتفخ منها الـمَساحِر! وتتفنَّج لها لغاديد أهل التغضُّب لأئمة المسلمين! وكيف لا وصاحبها يجعل من استحضار توبيخ النفس في مقام التقريع، والوقوف بها موقفَ أهل الذلة في ساحة الإدانة = من قبيل التخييلات الصوفية، التي هي وليدة المواعظ النصرانية!
    ثم استولد من قيثارة اعتراضه نغمة أخرى؟ زاعمًا أن هذا الطراز من تقريع الذات في مقام الملام لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ولا عرفته صحابته ولا القرون المفضلة! كذا يقول؟ كأنه وقف على فم القرون الأولى، واستقرأ رجالاتها من السلف الصالح، ثم اصطحب أنفاسهم في مناجاتهم لمولاهم، فلم يسمع لهذا الطراز في دعواتهم دبيبًا؟ ولا استرق سمعه ولو من ذَلاذِل توبيخهم لأنفسهم حظًا ولا نصيبًا!
    والحقيقة: أن تلك دعوى هي أكبر من عمامة قائلها! وكلماتها تتنافر حروف مبناها عن استقامة ألفاظ معناها من جراء غوائل غوائلها!
    ونحن نُوقِفُ المعترض وغيره من كلام السلف الصالح على ما أنكره، ونُوجِده من هذا الطراز ما يُقرُّ به المنصف ولا يدحره!
    وقد كان يكفي المقْنِع عما ننهض به إليه في هذا المقام = تلك الآيات المنثورات، والأحاديث المأثورات، التي تموج معانيها باستحضار أهوال القبور، ومشاهد يوم القيامة، مع تصوير النفس في مقام مناقشة الحساب، كيما ينظر الخائف حاله بم يرجع إليه قبل موته؟ فيرعوي عن استزاف الموبقات، ويحجم عن استقطاب صنوف المهلكات، فضلا عن كون هذا الاعتراض يعدُ برهانًا على أن صاحبه ليس بالمستكثر من التَّجْوال في أحوال السلف المبثوثة في كتب الزهد والرقائق لمتقدمي أئمة المسلمين -ومنها أقيم الحجة عليه! - فحرم نفسه من لذة دونها مَذْقةٌ الشهد، ومن شربة هي العسل المحض! ثم أنكر على من ذاق فانتشى، وانتهض إلى التعرض لتباريح رهبان الليل وأسود الشَّرَى! ولو أنه ذاق لكان عرف، ومن أنهار مناجاة أهل الله اغترف، لكن الأمر كما قال الأوَّل:

    ولو يذوق عاذلي صبابتي *** صَبَا معي .. لكنه ما ذاقها !

    فترك المعترض أُولاها! فأمكنَ القارَة من راماها!
    تابع البقية: ...

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: شَهْقَةُ النادم!

    ولن نرضى منك بدون العفو عنا يا خالقنا وملاذنا
    في النفس من هذي العبارة شيء يشي بأنها جانبت حد الأدب مع الله عز وجل,
    وشكر الله للشيخ الفاضل أبي المظفر..وفقه الله وسدده
    على سعايته في بث معاني الرقاق التي تهذب النفوس وتداوي القلوب
    قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله تعالى:
    والفقرُ لي وصف ذاتٍ لازمٌ أبداً..كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: شَهْقَةُ النادم!


    وقبل الشروع في تسطير المراد، أذكر شذارت من كلام السلف الصالح في الحث على محاسبة النفس، وتذكيرها بأحوال الدار الأخرة، وتصوُّر مشاهد النفس في مقام العذاب والنعيم، لتتخلص في تلك الحياة من وخزات ألم الآثام المقيم.
    فرُوِّينا عن أبي بكر الصديق -بإسناد ليِّن - أنه قال: (من مقت نفسه في ذات الله ؛ آمنه الله من مقته).
    وروينا بالإسناد الصحيح عن ثابت بن الحجاج أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ..)
    وروينا بالإسناد الثابت عن أبي الدرداء أنه قال: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا ).
    وروينا بأصح إسناد عن راشد بن سعد ، قال : ( جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال : أوصني فقال أبو الدرداء : اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء ، وإذا ذكرت الموتى فاجعل نفسك كأحدهم ، وإذا أشرفت نفسك على شيء من أمور الدنيا فانظر إلى ما تصير إليه) .
    وروينا بالإسناد الصحيح عن الحسن البصري أنه قال: ( لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والعاجز يمضي قدما لا يعاتب نفسه).
    وصح عنه أنه قال: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته ).
    وصح عنه أنه قال: (المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة).
    وصح عن مالك بن دينار قال: (رحم الله عبدا قال لنفسه النفيسة : ألَسْتِ صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمها ثم خطمها ).
    ودونك طرفًا من طراز تلك التخيُّلات في تقريع الذات، الواقعة في كلام السلف أصحاب الهمم العاليات: فمن ذلك:
    ما رُوِّيناه بالأسانيد الصحيحة والمقبولة عن الحسن البصري وزبيد اليامي وجعفر بن برقان وصالح بن مسمار وغيرهم من أئمة السلف الصالح أنهم ذكروا: -واللفظ لجعفر وصالح- في سياق قصة حارثة بن مالك المشهورة قوله للنبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله عن حقيقة إيمانه؟ قال : ( عزَفَتْ نفسي من الدنيا ، وأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي حين يجاء به ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أسمع عواء أهل النار).
    قلت: وقد ورد هذا الحديث موصولا ومرسلا، والمرسل أصح كما قاله ابن رجب وغيره.
    فانظر: إلى استحضار حارثة نفسه في موقف الحساب، حتى كأنه لينظر إلى عرش ربه حين يجي، ويسمع صرخات أهل النار، وتلك الحال من أعلى منازل اليقين بالله، الباعثة على صلاح النفس بتذكيرها تلك المشاهد التي تشيب لهولها ولدان أهل الدنيا!
    قال الشمس ابن القيم في كتابه : ( الروح ) : (فهذه الطمأنينة أصل أصول الإيمان التي قام عليه بناؤه ثم يطمئن إلى خبره عما بعد الموت من أمور البرزخ وما بعدها من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كله عيانا...). ثم ساق حديث حارثة الماضي.
    وروينا من طرق يقوي بعضها بعضًا عن سليمان الفارسي أنه قال: ( ثَلَاثٌ أَعْجَبَتْنِي حَتَّى أَضْحَكَتْنِي، وَثَلَاثٌ أَحْزَنَتْنِي حَتَّى أَبْكَتْنِي ...) فذكر التي أضحكته ثم قال: ( وَأَمَّا الَّتِي أَبْكَتْنِي فَفُرَاقُ الْأَحِبَّةِ يَعْنِي مَوْتَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَالثَّانِي هَوْلُ الْمَطْلَعِ يَعْنِي نُزُولَ الْمَوْتِ، وَالثَّالِثُ الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، لَا أَدْرِي إِلَى أَيْنَ يَأْمُرُ بِي رَبِّي؟ إِلَى الْجَنَّةِ أَمْ إِلَى النَّارِ؟ ).
    فتأمل تخيُّله الوقوف بين يدي الجبار مع وجَلِه من عاقبة أمره؟
    وروينا بالإسناد الصالح عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ قَالَ : ( بَاتَ هَرِمٌ الْعَبْدِيُّ عِنْدَ حُمَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فبات حممة يَبْكِي لَيْلَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ، قَالَ لَهُ هَرِمٌ : يَا حُمَمَةُ ، مَا أَبْكَاكَ ؟ قَالَ : ذَكَرْتُ لَيْلَةً صَبِيحَتُهَا تُبَعْثَرُ الْقُبُورُ فَيَخْرُجُ مَنْ فِيهَا، قَالَ : وَبَاتَ حُمَمَةُ عِنْدَ هَرِمٍ فَبَاتَ لَيْلَتَهُ يَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ، فَسَأَلَهُ حِينَ أَصْبَحَ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ ؟ قَالَ : ذَكَرْتُ لَيْلَةً صَبِيحَتُهَا تَنَاثَرُ نُجُومُ السَّمَاءِ فَأَبْكَانِي ذَلِكَ ...).
    تابع البقية: ...

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: شَهْقَةُ النادم!


    وروينا بالإسناد الصحيح عن السيد الجليل عون بن عبد الله بن عتبة مسعود الهذلي أحد أئمة التابعين زهدًا وورعًا وفقهًا وعملا، أنه كان يقول في بكائه وذِكْرِ خطيئته: ( وَيْحِي بأي شئ لم أعص ربي؟ ويحي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي، في كتاب كتبه كتاب لم يغيبوا عني، واسوأتاه لم أستحيهم ولم أراقب ربي، واسوأتاه، وَيْحي حفظوا ما ضيعت مني، ويحي طاوعت نفسي وهي لا تطاوعني، ويحي طاوعتها فيما يضرها ويضرني، ويحها ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني؟ أريد إصلاحها وتريد أن تفسدني، ويحها إني لأنصفها وما تنصفني! أدعوها لأرشدها وتدعوني لتغويني! ويحها إنها لعدو لو أنزلتها تلك المنزلة مني، ويحها تريد اليوم أن ترديني وغدا تخاصمني، رب لا تسلطها على ذلك مني، رب إن نفسي لم ترحمني فارحمني، رب إني أعذرها ولا عذرتْني، إنه إنْ يك خيرا أخذلها وتخذلني، وإنْ يك شرا أحبها وتحبني، رب فعافني منها وعافها مني حتى لا أظلمها ولا تظلمني، وأصلحني لها وأصلحها لي فلا أهلكها ولا تهلكني، ولا تكلني إليها ولا تكلها إليَّ، ويحي كيف أفر من الموت وقد وكِّلَ بي، ويحي كيف أنساه ولا ينساني، ويحي إنه يقص أثري فان فررت لقيني وإنْ أقمت أدركني، ويحي هل عسى أن يكون قد أظلني فمسَّاني وصبَّحني، أو طرقني فبغتني، ويحي أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني ولا تسهر لي، ويحي كيف أنام على مثلها ليلي، ويحي هل ينام على مثلها مثلي، ويحي لقد خشيت أن لا يكون هذا الصدق مني، بل ويلي إنْ لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا توهن قوتي ولا تعطش هامتي، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا أنشط فيما يطفئها عني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف تنكأ قرحتي ما تكسب يدي، ويح نفسي بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى، فويلي ثم ويلي إن لم يتم عفو ربي، ويحي لقد كان لي فيما استوعبت من لساني وسمعي وقلبي وبصري اشتغال فويل لي إن لم يرحمني ربي، ويحي إن حُجِبْتُ يوم القيامة عن ربي فلم يزكِّني ولم ينظر إلَّي ولم يكلمني، فاعوذ بنور وجه ربي من خطيئتي،وأعوذ به أن أعطى كتابي بشمالي أو وراء ظهري فيسود به وجهي، وتزْرَقَّ به مع العمى عيني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي بأي شيء أستقبل ربي؟ بلساني أم بيدي؟ أم بسمعي؟ أم بقلبي؟ أم ببصري؟ ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي، فويل لي إن لم يرحمني ربي، كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما لا يعنيني، ويحك يا نفسي مالك لا تنسين ما لا يُنْسى وقد أتيت ما لا يُؤتى، وكل ذلك عند ربك يحصى، في كتاب لا يبيد ولا يبلى، ويحك لا تخافين أن تجزى فيمن يجزى يوم تجزى كل نفس بما تسعى، وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى، يا نفس ويحك ألا تستفيقين مما أنت فيه؟ إنْ سقمتِ تندمين، وإن صَحِحْتِ تأثمين، مالك إن افتقرت تحزنين؟ وإن استغنيت تُفْتنين، مالك إن نشطتِ تزهدين، فلم إنْ دٌعيت تكسلين؟ أراكِ ترغبين قبل أن تنصبي فلم لا تنصبين فيما ترغبين؟ يا نفس ويحك لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين وتعملين فيها عمل الراغبين؟ ويحك لم تكرهين الموت؟ لم لا تذعنين وتحبين الحياة؟لم لا تصنعين؟ يا نفس ويحك أترجين أن ترضي ولا تراضين؟ وتجانبين وتعصين؟ مالكِ إنْ سألت تكثرين؟ فلم إن أنفقت تقترين؟ أتريدين الحياة ولم تحذرين بتغير الزيادة ولم تشكرين، تعظمين في الرهبة حين تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين، تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل، لا تكوني كمن يقال هو في القول مُدِلٌّ، ويستصعب عليه الفعل، بعض بني آدم إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن إفتقر حزن، وإن استغنى فُتِن، وإن نشط زهد، وإن رغب كسل، يرغب قبل أن ينصب ولا ينصب فيما يرغب، يقول قول الزاهد ولا يعمل عمل الراغب، يكره الموت لما لا يدع ويحب الحياة لما لا يصنع، إن سأل أكثر، وإن أنفق قَتَر، يرجو الحياة ولم يحذر، ويبغي الزيادة ولم يشكر، يبلغ في الرغبة حين يسأل ويقصر في الرغبة حين يعمل، يرجو الأجر بغير عمل، ويح لنا ما أغرنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا، ويح لنا لأي شئ خلقنا للجنة أم للنار؟ ويح لنا أي خطر خطرنا؟ ويح لنا من أعمال قد أخطرتنا، ويح لنا مما يراد بنا، ويح لنا كأنما يُعْنَى غيرنا، ويح لنا إن ختم على أفواهنا وتكلمت أيدينا وشهدت أرجلنا، ويح لنا حين تفتش سرائرنا، ويح لنا حين تشهد أجسادنا، ويح لنا مما قصرنا، لا براءة لنا ولا عذر عندنا، ويح لنا ما أطول أملنا، ويح لنا حيث نمضي إلى خالقنا، ويح لنا ولنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ربنا، فارحمنا يا ربنا، رب ما أحكمك وأمجدك وأجودك وأرأفك وأرحمك وأعلاك وأقربك وأقدرك وأقهرك وأوسعك وأقضاك وأبينك وأنورك وألطفك وأخبرك وأعلمك وأشكرك وأحلمك وأحكمك وأعطفك وأكرمك، رب ما أرفع حجتك وأكثر مدحتك، رب ما أبين كتابك وأشد عقابك، رب ما أكرم مآءبك وأحسن ثوابك، رب ما أجزل عطاؤكواجل ثناؤك، رب ما أحسن بلاءك وأسبغ نعماءك، رب ما أعلى مكانك وأعظم سلطانك، رب ما أمتن كيدك وأغلب مكرك، رب ما أعز ملكك وأتم أمرك، رب ما أعظم عرشك وأشد بطشك، رب ما أوسع كرسيك وأهدى مهديك، رب ما أوسع رحمتك وأعرض جنتك، رب ما أعز نصرك وأقرب فتحك، رب ما أعمر بلادك وأكثر عبادك، رب ما أوسع رزقك وأزيد شكرك، رب ما أسرع فرجك وأحكم صنعك، رب ما ألطف خيرك وأقوى أمرك، رب ما أنور عفوك وأجل ذكرك، رب ما أعدل حكمك وأصدق قولك، رب ما أوفى عهدك وأنجز وعدك، رب ما أحضر نفعك وأتقن صنعك، ويحي كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورآئي؟ أم كيف لا يطول حزني ولا أدري ما يفعل بي؟ أم كيف تهنئني الحياة ولا أدري ما أجلي؟ أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل فيها يكفيني؟ أم كيف آمن ولا يدوم فيها حالي؟ أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟ أم كيف أجمع لها وفي غيرها قراري! أم كيف يشتد عليها حرصي ولا ينفعني ما تركت فيها بعدي؟ أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟ أم كيف لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي؟ أم كيف يشتد إعجابي بما يزايلني وينقطع عني؟ أم كيف أغفل عن أمر حسابي وقد أظلني واقترب مني؟ أم كيف أجعل شغلي فيما قد تكفل به لي؟ أم كيف أعاود ذنوبي وأنا معروض على عملي؟ أم كيف لا أعمل بطاعة ربي وفيها النجاة مما أحذر على نفسي؟ أم كيف لا يكثر بكائي ولا أدري ما يراد بي؟ أم كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني؟ أم كيف أعرض نفسي لما لا يقوى له هوائي؟ أم كيف لا يشتد هولي مما يشتد منه جزعي؟ أم كيف تطيب نفسي مع ذكر ما هو أمامي؟ أم كيف يطول أملي والموت في أثري؟ أم كيف لا أراقب ربي وقد أحسن طلبي؟ ويحي فهل ضرت غفلتي أحدا سوائي؟ أم هل يعمل لي غيري إن ضيعت حظي؟ أم هل يكون عملي إلا لنفسي؟ فلم أدخر عن نفسي ما يكون [لي] نفعه، ويحي كأنه قد تصرم أجلي ثم أعاد ربي خلْقي كما بدأني، ثم أوقفني وسألني، وسأل عني وهو أعلم بي، ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني عن أحبابي وأهلي، وشغلت بنفسي عن غيري، وبُدِّلتِ السموات والأرض، وكانتا تطيعان وكنت أعصي، وسُيِّرت الجبال وليس لها مثل خطيئتي، وجُمِع الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابي، وانكدرت النجوم وليست تُطلب بما عندي، وحشرت الوحوش ولم تعمل بمثل عملي، وشاب الوليد وهو أقل ذنبا مني، ويحي ما أشد حالي وأعظم خطري، فاغفر لي واجعل طاعتك همي، وقَوِّ عليها جسدي، وسُخْ نفسي عن الدنيا واشغلني فيما ينفعني، وبارك لي في قواها حتى ينقض مني حالي، وامْنُنْ علي وارحمني حين تعيد بعد اللقاء خلْقي، ومن سوء الحساب فعافني يوم تبعثني فتحاسبني، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي، وآمِنِّي يوم الفزع الاكبر يوم لا تهمني إلا نفسي، وارزقني نفع عملي يوم لا ينفعني عمل غيري، إلهي أنت الذي خلقتني، وفي الرحم صورتني، ومن أصلاب المشركين نقلتني قرنا فقرنا حتى أخرجتني في الأمة المرحومة، إلهي فارحمني، إلهي فكما مَنَنْتَ علي بالإسلام فامْنُنْ علي بطاعتك، وبترك معاصيك أبدا ما أبقيتني، ولا تفضحني بسرائري، ولا تخذلني بكثرة فضائحي، سبحانك خالقي، أنا الذي لم أزل لك عاصيا، فمن أجل خطيئتي لا تقر عيني، وهلكت إن لم تعف عني، سبحانك خالقي بأي وجه ألقاك؟ وبأي قدم أقف بين يديك؟ وبأي لسان أناطقك؟ وبأي عين أنظر إليك؟ وأنت قد علمت سرائر أمري، وكيف أعتذر إليك إذا ختمت على لساني، ونطقت جوارحي بكل الذي قد كان مني، سبحانك خالقي فأنا تائب إليك متبصبص، فاقبل توبتي واستجب دعائي، وارحم شبابي وأقلني عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني سبحانك خالقي، أنت غياث المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين، فإليك مستغاثي ومنقطعي، فارحم شبابي واقبل توبتي، واستجب دعوتي ولا تخذلني بالمعاصي التي كانت مني، إلهي علمتني كتابك الذي أنزلته على رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم وقعت علي معاصيك وأنت تراني، فمن أشقى مني إذا عصيتك وأنت تراني؟ وفي كتابك المنزل قد نهيتني إلهي، أنا إذا ذكرت ذنوبي ومعاصي لم تقر عيني للذي كان مني، فأنا تائب إليك، فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودا بعد توحيدي وإيماني بك، فاغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، برحمتك آمين ربَّ العالمين).
    قلت: فهذا - والله - هو السحر الحلال الذي يلعب بالعقول، ويدع الإعجاب بحسنه يقوم ويقول، فيا لها من موعظة لامست شغاف القلوب فَفُتِّحتْ لها الأبواب، وكأنها لو قُرِئَتْ على إبليس لخرج من عباءة شره وقد تاب إلى ربه وأناب! وسأفرد لها موضوعًا خاصًّا بعون الملك الوهاب.
    وأنا أذكر إسنادي إلى قائلها من باب التماس بركات تلك الأنوار الربانية، وأنصب سُلَّم ارتقائي إليها لأفوز بنفحات تلك الأنفاس السُنيَّة السلفية، فأقول:
    أخبرنا شيخ تطوان أبو إدريس محمد الأمين المغربي، وعبد الرحمن بن عبد الحي الكتاني، وإدريس بن محمد الكتاني وجماعة غيرهم - إجازة - كلهم عن محمد عبد الحي الكتاني عن شيخه عبد الله بن درويش السكري عن شيخه عبد الرحمن بن محمد الكزبري عن شيخه محمد مرتضى الزبيدي عن شيخه حسن بن عليّ العجيمي عن شيخه البرهان إبراهيم الميموني عن شيخه الشمس الرملي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ ابن حجر عن شيخه إبراهيم بن علي القطبي وجماعة آخرين عن النجيب أبي الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم بن علي الحراني بإجازته من أبي المكارم أحمد بن محمد اللبان ومن مسعود بن أبي منصور الجمال كلاهما عن أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد أنبأنا أبو نعيم قال: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن الحسين ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني يحيى بن معين ثنا الحجاج بن محمد أنبأنا عبد الرحمن المسعودي عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود به ...
    تابع البقية: ...

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •