بسم الله الرحمن الرحيم
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري


يقول المولى تبارك وتعالى في سورة الحج 11 يصف لنا حال الأشقياء من عباده يوم القيامة



‏‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ



اجمع العلماء على انّ هذه الاية الكريمة نزلت في المنافق الذيان وجد أن دنياه صلحت له اقام على العبادة, وان وجدها فسدت عليه دنباه وتغّيرت انقلب وارتد, فلا يقيم على العبادة الا ما صلح من دنياه, فان أصابته فتنة وابتلاء أو شدة واختبار او ضيق وامتحان من الله عزوجل تجده يترك دينه ويعود الى الكفر اي يرتد عن دينه, وكما نعلم أن من مات وهو مرتد عن دينه يمت كافرا كما في قوله تعالى في سورة البقرة 56


ومن يرتدد منكم عن دينه قيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون


وقوله تعالى: خسر الدنيا والآخرة, أي فلا هو حصل من الدنيا على شيء, واما في الآخرة فقد كفر بالله العظيم, فهو فيها في غاية الشقاء والاهانة


فلا يخفى على أحدٍ أنَّ الحياة الدنيا مليئة بالمصائب والبلاء، وأنَّ كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ عرضة لكثيرٍ منها: فمرة يُبتلى بنفسه، ومرة يبتلى بماله، ومرة يبتلى بأبناءه وأهله، وهكذا تُقلَّب عليه الأقدار من لدن حكيم عليم. وإذا لم يحمل المؤمن النظرة الصحيحة للبلاء فسوف يكون زلـلُه أكبر من صوابه، ولا سيما أن بعض المصائب تطيش منها العقول لضخامتها وفُجاءَتها – عياذاً بالله.



ومن هنا كانت كتابة هذا البحث لتسلية كل مصاب مهما بلغ مصابه، نبيِّن لكم من خلالها بعض حِكم البلاء العظيمة التي ربما غفل عنها بعض الناس هداهم الله, ونسوا أو تناسوا أن الله لا يبتلينا ليعذبنا، بل ليرحمنا. وأن على المؤمن أن ينظر إلى البلاء, سواءً كان فقداناً للمال أو الصحة أو الأحبة, من خلال نصوص الكتاب والسنة على أنه امتحان من الله عزوجل وابتلاء لنا أنشكر أم نكفر, فالمريض مبتلى وفاقد المال مبتلى وفاقد الأحبة مبتلى وهكذا, ورحم الله الفضيل بن عياض حين قال: الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه



والابتلاء دائما من الله تعالى وهو مقسوم ومقدّر بتقدير الله تبارك وتعالى , ومهما تعددت صور وأشكال الابتلاء فهي في النتيجة واحدة ليتخبر الله عباده في مدى تحملهم وصبرهم على البلاء , فقد يبتلي الله عباده بالرزق فيضيق عليهم رزقهم أو أو يكرمهم فيه, وكذلك الابتلاء بالصحة من عافية أو مرض, والابتلاء قد يكون في الأهل والمال والولد والعمل, وكل شيء في هذه الحياة مقسوم. فارضَ بما قسم الله لك يا عبد الله، ولا تجزع للمرض، ولا تكره القدر، ولا تسب الدهر، فإن الدقائق والثوانـي والأنفاس كلها بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء، فيُمرِض من يشاء، ويعافي من يشاء، ويبتلي منيشاء, وفي ذلك يؤكد الله لنا هذا الأمر كما في قوله تعالى في سورة الزخرف 32


نَحنُ قَسَمنَا بَينَهُم معِيشَتَهُم في الحَياةِ الدنيَا


أهم شيء ألا ننسى أنّ أمورنا وشؤوننا ونواصينا نحن العباد كلها بيد الله واليه سبحانه وتعالى يرجع الأمر كله يقول الله عزوجل في سورة الأعراف 54: أَلاَ لَهُ الخَلقُ وَالأمرُ


وما دام الأمر كذلك فلنسلِّم أمرنا كله لله تبارك وتعالى, ولنعلم أنّ ما أصابنا لم يكن ليخطئنا, وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا, وأنّ من يريد في حياته أن تكون كلها على وتيرة واحدة ونمط واحد , كأن يريد أن يكون قضاء الله عزوجل موافقا لهواه أو كما يشتهي , يكون بارادته تلك ورغبته تعطيلا لسنة الله في خلقه القائل في هذا المعنى في سورة البقرة 155


وَلَنَبلُوَنكُم بِشَيء منَ الخَوف وَالجُوعِ وَنَقصٍ منَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثمَراتِ وَبَشرِ الصابِرِينَ


فعلى الانسان دوما أن يكون في حالة تأهب قصوى, يستقبل ما قدّره الله له بالثبر والجلد, والحمد على قضاء الله عزوجل وقدره, فالله تبارك وتعالى دوما يريد لعباده الخير, ويبقى الابتلاء منه سبحانه وتعالى رحمة لمن استسلم له, ونقمة لمن جحد وكفر, ليميز الخبيث من الطيّب, وليعلم المفسد فينا من المصلح, وليعلمنّ منا الصداقين من الكاذبين, وعلينا دائما شكر الله على النعماء, وحمده على السراء والصبر على الضراء, وحذار حذار أن يكون حالنا كمّن ضرب الله عزوجل بهم مثلا في سورة الفجر 15- 16 كما في قوله تعالى


فَأَمَّا ٱلۡإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَٮٰهُ رَبُّهُ ۥ فَأَكۡرَمَهُ ۥ وَنَعَّمَهُ ۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكۡرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَٮٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُ ۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ


بل علينا أن نصبر للنال رضا الله عزوجل, وننال درجة الصبر التي بشّر الله عزوجل بها عباده الصابرين في محكم كتابه الكريم في سورة البقرة 155- 157


وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِين * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٌ۬ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٲجِعُونَ * أُوْلَـٰٓٮِٕكَ عَلَيۡ?ِمۡ صَلَوَٲتٌ۬ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٌ۬*ۖ وَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ


واذا بحثنا في كتاب الله الكريم عن آيات تشبه هذه الآية الكريمة لوجدنا أنّ القرآن الكريم تناول هذه المسألة باسهاب, وهذا يدلنا على أنّ البعض من عباد الله عزوجل يعبدون الله تعالى حسب الظروف التي تمر , فلننظر الى الآية 12 في سورة يونس يقول الله عزوجل فيها واصفا لنا حال هذا الانسان


واذا مسّ الانسانَ الضُرُّ دعانا لجنبِ÷ش , أوقاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنهُ ضُرَّهُ مرَّ كأنْ لم يدعنا الى ضُرِّ مسّهُ , كذلكَ زُيِّنَ للمسرفينَ ما كانوا يعملون


يخبرنا الله تبترك وتعالى عن فئة من الناس قلية الصبر على المصائب والأذى , بمجرد أن يمحن الله صبرها بضر أو أذى أو مرض مسها نجدها وقد أصابتها شدة , نراها قلقة لما تعرضت له وجزعا منه, ونجده الى جانب ذلك تلجأ الى الله تعالى ليكشف عنها ضرّها وتلَِحُ اليه تعالى بالدعاء في جميع أحوالها, قاعدة وقائمة ومضطجعة, وبمجرّد أن يُفرّجُ الله عزوجل عنها ضررها أوآذاها او ضائقتها وعافاها مما ابتلاها الله بها وكشف عنها كربتها ونفّسها عنهم برحمته تعالى ,ليصير معنى الآية الكريمة أنذ هناك فئة من الناس اذا أصابتها شدة من بعد ضراء مستها كالعافية بعد المرض, والغنى بعد الفقر, والنجاح بعد الفشل, واليسر بعد العسر نجدها وقد تكاسلت عن الدعاء وأعرضت عنه وعن الالحاح فيه , وربما عن العبادة برمتها, واتخذت لنفسها جانبا وذهبت وتناست كأنها لم تدعُ الله بضرٍّ أصابها , وقد ذمّ الله تبارك وتعالى هذا السلوك وهذه الصفة السلبية من هذه الفئة من العباد, لأنها ليست الطريقة المثلى للعيادة, فنحن نعبدُ ربا واحدا يُجيبُ دعوةَ المضطر , يجيب دعوة الداعٍ اذا دعاهُ, ودوما الطريقة المتعارف عليها: اذا قدّم الينا أحدا معروفا نشكره على صنيعه, فكيف بنا ونحن نتعامل مع الخلال العظيم الذي خلقنا فأحسن الينا وبنا وسيّر لنا معاشنا وأمورنا كلها؟ فكيف بنا ونحن نتعامل مع خالق كل شيء نواصينا بيده وقادر على أن يهلكنا بغتة دون أن نشعر؟ ويُستثنى من هذه الفئة الظالمة نفسها الفئة التي رزقها الله عزوجل الهداية والسداد والتوفيق والرشاد , فهذه الفئة بريئة من أعمال الأولى ومًستثناة وفيها يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح


عجباً للمؤمن لايقضي الله له قضاءً الا كان خيراً, فان أصابته ضراء فصبرً كان خيراً له, وان أصابته سرّاءَ فشكر كان خيراً له , وليس ذلك لأحدٍ الا للمؤمن


وأيضا مثل آخر من نفس السورة الكريمة سورة يونس 21 يضرب الله تبارك وتعالى لنا مثلا آخرا في الفئة الظالمة نفسها القليلة الشكر لله تعالى فيقول عز وجل


واذا أذقنا الناس رحمةً من بعدِ ضرّاءَ مسَّتهُمْ اذا لهُمْ مكرٌ في آياتنا, قل اللهُ أسرعُ مكراً, انّ رسلنا يكتبونَ ما تمكرون


وهذه الآية الكريمة لا تختلف في معناها ومضومنها عن الآية التي سبقتها, فالرحمة هنا كناية عن الرخاء, والضراء كناية عن الشدة, ليصير معنى الآية الكريمة أنّ الناس اذا أصابتها شدة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة, والخصب بعد الجدب, والمطر بعد القحط, , ونحو ذلك, يجدهم الله عزوجل وقد تولوا وأعرضوا, كما في قوله تعالى - اذا لهم مكرٌ في آياتنا - , وقال مجاهد رحمه الله في معنى قوله تعالى: أي استهزاء وتكذيب,


وان كان الله عزوجل قد أخّر عنهم العذاب فيقول المفسرون: فانما هو استدراج منه سبحانه وتعالى وامهال حتى يظنّ الظانّ من المجرمين أنه ليس بمعذَب, وانما هو في مهلةٍ ثم يؤخذُ على غرّةٍ منه, والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويُحصوه عليه, ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة الأعلم منهم, فيجازيه على النقير والقطمير.


وهناك الكثير من آيات الله تبارك وتعالى تدُّ على نفس المعنى, لم يذكرها الله تبارك وتعالى لنا تكراراً وانما لحكمة جليلة لا يعلمها الا هو ليذكرنا بها على الدوام ونحن نتلو كتابه الكريم آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يُرضيه عنا, ومن هذه الآيات الكريمات الآية الآيتين الكريمتين من سورة هود 9- 10


وَلَٮِٕنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحۡمَةً۬ ثُمَّ نَزَعۡنَـٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُ ۥ لَيَـُٔوسٌ۬ ڪَفُورٌ۬ * وَلَٮِٕنۡ أَذَقۡنَـٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔات عَنِّىٓ*ۚ إِنَّهُ ۥ لَفَرِحٌ۬ فَخُورٌ


وفي الاية 11 يستثني الله عزوجل الفئة الايجابية الصابرة ويعدها بمغفرة وأجر كبير كما في قوله تعالى


إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰت ِ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٌ۬ وَأَجۡرٌ۬ ڪَبِيرٌ۬


وأيضا قوله تعالى في سورة النحل53- 54
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٍ۬ فَمِنَ ٱللَّهِ*ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٌ۬ مِّنكُم بِرَبِّ?ِمۡ يُشۡرِكُونَ



هذه الفئة السلبية من الناس,انظروا بماذا يصفها لنا الله عزوجل

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَـٰهُمۡ* ۚ فَتَمَتَّعُواْ ۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ


وقوله تعالى في سورة الاسراء 11
وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ ۥ بِٱلۡخَيۡرِ*ۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ عَجُولاً۬



وفي الاية 67 من نفس السورة الكريمة قوله تعالى


وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ*ۖ فَلَمَّا نَجَّٮٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡ*ۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ كَفُورًا



وفي الآية 83 من نفس السورة الكريمة يقول الله تعالى


وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ*ۖ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسً۬ا


فيأتي الجواب الالهي في الآية التي تليها 84


قل ڪُلٌّ۬ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلاً۬


يقول ابن كثير رحمه في تفسيره لهذه الآية: أي منا ومنكم, وسيجزي الله كل عاملٍ بعمله, فانه لا تخفى على الله خافية لا في الأرض ولا في السماء


انّ تكرار مثل هذه الآيات الكريمات في كتاب الله عزوجل ليخبرنا الله تبارك وتعالى عن نقص الانسان من حيث هو في حالتي السراء والضراء, الا من عصمه الله عزوجل في حالتي السراء والضراء, فاذا أنعم الله تعالى على الانسان بمال وعافية ورزق وفير ونصر, ونال من دنياه كل ما يريد ويتمنى, بجده مولاه تعالى يُعرضُ عن طاعة الله عزوجل وعبادته, واذا مسّه الضر أو الشر وما هناك من مصائب ومحن وبلايا يجده الله عزوجل يجأرُ اليه بالدعاء , وهذا السلوك والتصرف كما سبق وقلنا ممنوع حتى مع الانسان مثله فكيف بنا وهناك فئة من الناس تتعامل بها مع خالقها تبارك وتعالى, هذا الاله الفرد الصمد خالقها ورزاقها وميّسر لها أمورها كلها, اليس يستحق الله عزوجل منا كل الاخلاص في عبادته الها واحدا لا شريك له؟ أليس هذا الجحود وهذا النكران للجميل جحود بالنعمة وكفر بها؟


الآن دعونا نعود الى الآيتين الكريمتين التي سبقت قوله تعالى في الآية 11 من سورة الحجوالتي بدانا بها حديثنا الطيّب هذا, يقول تعالى في الآية 3 من سورة الحج


ومِنَ الناسِ مَن يُجادلُ في اللِه بغيرِ عِلمٍ ويتبّعُ كل شيطانٍ مَريد * كُتب عليهِ أنهُ مَنْ تولاهُ فانهُ يُضلَّهُ , ويَهديهِ الى عذابِ السعيرِ


في الآية الكريمة الأولى يخبرنا الله عزوجل عن المكذبين في البعث المنكرين قدرة الله عزوجل على احياء الموتى من الانس والجن من أهل الضلال والبدع ، المعرضين عن الحق ، المتبعين للباطل ، الذين يتركون ما أنزله الله على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من الحق المبين ، ويتبعون أقوال رءوس الضلالة ، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء ، القائل في شأنهم في سورة الأعراف


انهم اتخذوا الشياطبنَ أولياءَ من دونٍ الله ويحسبونَ أنهُمْ مُهتدين


وكما في قوله في خواتيم الكهف عن الأخسرين أعمالا يوم القيامة


الذين ضلّ سعيُهُمْ في الحياة الدنيا وهم يَحسبونَ أنهُمْ يُحسنونَ صُنعاً


فالذي الذي ينكر البعث ويكذب به يضله الله عزوجل في الدنيا ويقوده في الآخرة الى عذاب السعير الحار المؤلم المزعج, وان كانت هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث, الا أنها عامة على كل من يكذب بالبعث


ويقول المولى عزوجل في نفس السورة الكريمة


ومِن الناسِ مَن يُجادلُ في اللهِ بغيرِ عِلمٍ ولا هدىً ولا كتابٍ منير


يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره أنه لما ذكر الله عزوجل حال الضلال والجُهّال المقلدين في قوله تعالى: ومِنَ الناسِ مَن يُجادلُ في اللِه بغيرِ عِلمٍ ويتبّعُ كل شيطانٍ مَريد, ذكر الله عزوجل في هذه الآية: ومِن الناسِ مَن يُجادلُ في اللهِ بغيرِ عِلمٍ ولا هدىً ولا كتابٍ منير, ليشير الى الدعاة الى الضلالة من رؤوس الكفر والبدع,أي بلا عقل صحيح, ونقل صريح, بل يجادلون بمجرد الرأي والهوى

وهناك آيات كثيرة في كتاب الله الكريم تناولت هؤلاء المعاندين المكذبين للبعث المتكلمين في أصول الدين وفي غيرها بغير علم, نذكر منها ما تيسر لنا على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى في سورة الاسراء 36


ولا تقْفُ ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ انَّ السمْعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ اؤلئكَ كانَ عنهُ مسئولا


وقوله تعالى في سورة القصص 50 : ومن أضلّ ممّنْ اتَّبَعَ هواهُ بغيرِ هدىً من الله, انّ الله لا يهدي القوم الظالمين


وقوله تعالى في سورة النجم 23: انْ يتبّعونَ الا الظَنَّ وما تَهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدىَ


روى الامام الترمذي رحمه الله من حديث أبي امامة الباهلي رضي الله عنه قال: أنذ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
ما ضلّ قومٌ بعد هدى كانوا عليه الاأُتوا الجدل


ثم تلا قوله تعالى في سورة الزخرف 58:ما ضربوه لك الا جدلا


وكما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال
انّ أبغضَ الرجالِ الى الله الألدِّ الخص



الفرق بين الابتلاء والبلاء


يقول فضيلة الشيخ عمر عبد الكافى جزاه الله عنا خيرا حيث يقول اولا البلاء يكون للكافر ياتيه فيمحقه محقاً, وذلك لأنذ الله عزوجل يُملي للظالم, حتى اذا أخذه لم يفلته, ومن أسماء الله تعالى: الصبور, والانسان عندما يصبر على امتحان معيّن , فهو صابر , أما صبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يثعجلُ الفاسق أو الفاجر أو الظالم أو الكافر بالعقوبة , ونحن كبشر قد نتعجّب كيف يمهل الله عزوجل هذا الانسان الظالم وهو يعيث في الأرض الفساد, ولو حُكمنا نحن في في رقاب البشر لطحنا فيها, والله سبحانه وتعالى حين قال في سورة الانعام 75


وَكَذَٲلِكَ نُرِىٓ إِبۡرَٲهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ


فعندما رأى ابراهيم عليه السلام,أراه الله سبحانه وتعالى الملكوت, وكشف له الحجب, فرأى الخليل عليه السلام ما لم يراه في حياته البشريه, رأى انسانا ظالما يضرب يتيما, فقال له: يا ظالم ! أما في قلبك رحمة؟ أتضرب اليتيم الذي لا ناصر له الا الله؟ اللهم أنزل عليه صاعقة من السماء, فنزات عليه صاعقة


ورأى عليه السلام لصا يسرق مال أرملة, أما لليتامى, فقال: يا رجل! أما تجد الا هذا؟ اللهم أنزل عليه صاعقة, وتكررهذا. فقال الله سبحانه وتعالى لخليله عليه السلام:يا ابراهيم أأنت خلقتهم؟
فأجابه عليه السلام : لا يا رب
فقال الله عزوجل: لو خلقتهم لرحمتهم , دعني وعبادي, ان تابوا اليَّ فأنا حبيبهم, وان لم يتوبوا فأنا طبيبهم, وأنا أرحم من الأم على وليدها.


فالله عزوجل الصبور لا يعجل بالعقوبة ولا يعاجل بها, فلو عدنا الى فرعون مثلا, متى جاء عقاب الله تعالى له؟ لقد جاء بعد سنوات طويلة وهو الذي طغى وطغى وتجبر وعاند وتكبر , ولكن لما وصل بتجبره وكفره الى ذروته أخذه الله أخذ عزيز مقتدر, فالله سبحانه وتعالى يأتي بالبلاء للكافر فيمحقه محقا لأنه يعلم عزوجل أنه لا خير فيه ولن يكون


وعندما قال الكليم موسى عليه السلام: يا رب ! انت الرحمن الرحيم , فكيف تعذب عبادك في النار؟ فيأمره الله عزوجل قائلا: يا كليمي ازرع زرعاً , فزرع موسى عليه السلام زرعا فنبت الزرع, فقال تعالى: أما تركت في الأرض شيئا يا موسى؟ فقال: ربّ ما تركت الا مالا فائدة به, فقال الله تعالى: وأنا أُعذّبُ في النار مالا فائدة فيه


هذا هو البلاء الذي يسلطه الله عزوجل على الكافرين كما في قوله تعالى في سورة البقرة 49


وَإِذۡ نَجَّيۡنَـٰڪُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡ*ۚ وَفِى ذَٲلِكُم بَلَآءٌ۬ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٌ۬


اما الابتلاء فهو نعمة وهو للمؤمن الطائع ربه سبحانه وتعالى ليختبره أيشكر أم يكفر, ليصبر أم يثور, وهو درجات وأنواع, وبالتالي هناك آداب الابتلاء, فيسأل سائل ويقول: هناك انسان مريض, ومصاب بماله وجسده وأهله, فهل يكون هناك أدب مع كل هذا؟


نحن كلنا عباد الله تعالى , والعبد دوما يتصرف في حدود ما أوكل اليه سيده من مهام, وهو يعلم أنذ سيده سبحانه وتعالى: رحمن رحيم, لا يريد به الا خيرا, فاذا أمرضه أو ابتلاه فهذا الابتلاء حتما يكون في مصلحته, كيف يكون هذا؟


كان أبو ذر رضي الله عنه جالسا بين أصحابه و ويسألون بعضهم: ماذا تحب؟ فقال رضي الله عنه: أحب المرض والجوع والموت, لقد ذكر ثلاثة أشياء لا يحبها أحد من خلق الله, وقيل له هذه أشياء لا يحبها أحد, فقال رضي الله عنه: ان أنا جُعت رقّ قلبي, وان أنا مرضت خفّ ذنبي, وان متُّ لقيت ربي


انه رضي الله عنه بذلك نظر الى حقيقة الابتلاء, وهذا من أدبه رضي الله عنه, ويقال في سيرته رضي الله تعالى أنّ صديقا له دعاه الى بستانه وفي كل مرة يقدّم لع عنقودا من العنب, وكان على أبو ذر أن يأكله كله, فكان يأكله ويشكر الله, وهكذا ولعدة أيام حتى جاء يوما أراد أبو ذر أن يمتحن صاحبه فناوله حبة من العنقود واذ صاحبه لم يتحمل طعمه لحموضته, فقال له: يا ابا ذر ! أتأكل من هذا كل يوم؟ أجابه بنعم, فقال: لم لم تخبرني؟


أجاب رضي الله عنه: أردت ان ادخل عليك السرور, فما رأيت منك سوءاً حتى أردّ عليك بسوء.


هذا انسان مثلنا مثله, ولكنه يعلمنا الأدب في التعامل مع الآخرين, يعلمنا درسا في الأمانة, يعلمنا درسا بألا نخون بعضنا بعضا, ونحن نرى في عالمنا المعاصر اناس متخصصة في ادخال الحزن على الآخرين, بل على أمم بأكملها.


وكان في أول عهد أبي ذر رضي الله عنه بالاسلام, أذ تعثّر به بلال رضي الله عنه فما كان من أبو ذر رضي الله عنه الا أن قال له: يا ابن السوداء, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر! طفّ الصاعُ ما لابن البيضاء فضل على ابن السوداء الا بالتقوى والعمل الصالح, فاذا بأبي ذر يضع خده على الأرض ويقول: يا بلال! طأ بقدمك على خدي كي تكون قد عفوت عني! فأجابه بللال رضي الله عنه: عفا الله عنك يا أخي.


هذه هي الأخوة التي تحتاجها المة اليوم, فمع الابتلاء لا بدّ وأن يكون هناك أدب مع العبد, لعلمه اليقيني بأنّه انما الابتلاء من الله سبحانه وتعالى, فاذا ابتلاه الله عزوجل فهو بعين الله ورعايته, فيتعلم الأدب مع الله عزوجل فيما ابتلاه الله فيه.


وبقوله تعالى الكريم نأتي على مسك الختام


سبحانك ربّ العزة عما يصفون * وسلامٌ على المرسلين * والحمد لله ربّ العالمين