تعقيب على كتاب الاختلاط بين الجنسين، لشيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: تعقيب على كتاب الاختلاط بين الجنسين، لشيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    6

    افتراضي تعقيب على كتاب الاختلاط بين الجنسين، لشيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    كثر قبل أشهر الكلام حول الاختلاط بين الجنسين الرجال والنساء، وروج لذلك كثير من أفراد المدرسة الليبرالية، ولا عجب في ذلك إذ إن هذا من أهم أهدافهم في جزيرة العرب، وساندهم في ذلك كثير من العلمانيين، وأهل الصحافة، وكان من تلبيسهم التظاهر بالاعتماد على النصوص، والصدور من مواردها، والخبير بمداخلهم الواقف على حقيقتهم يدرك أنهم من النص أجانب، وعن الوحي في جانب، كيف لا يكونون كذلك ؟، وكثير منهم يصرح برد النصوص الواضحة لأجل أنها لا تتوافق مع متطلبات العصر ومستجداته، مرة تحت شعار المصلحة، وأخرى تحت شعار عدم تشريعية النص، وثالثة بلا شعار معتمد، وما هي إلا محادة الله ورسوله، هذا وقد حصل عند كثير من العامة، بل وبعض الخاصة الخلطُ في تقرير هذه المسألة، وذلك يرجع إلى أمرين اثنين: الأول: عدم التصور الصحيح لحقيقة الاختلاط المحرم، فليس المراد بالاختلاط مطلق الاجتماع، بل الاجتماع الذي يفضي إلى عدم أطهرية القلوب، وتطلع أصحاب القلوب المريضة إلى الحرام، وهذا هو الحال في اجتماع الجنسين في العمل والتعليم النظامي واللقاءات الأسرية الخاصة ونحوها، وشواهد الواقع قاضية بذلك، ولا يخالف في ذلك إلا مكابر أو مغرض، وأما اللقاءات العارضة وغير المقصودة والتي تكون في الحج والطواف والصلاة والأسواق والطرقات فهذه لا تدخل في الاختلاط المحرم، وجميع النصوص التي تظاهر المخالف بأنه ينزع بها إنما هي من هذا الباب، وبرهان تحريم الصورة الأولى من الاجتماع مجموعة من النصوص منها: قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ َ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} وتقرير التحريم من هذه الآية: أن الله عز شأنه أمر الصحابة رضي الله عنهم بسؤال نساء النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب، والقاعدة في الأصول: [ أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ]، والقاعدة في الأصول: [ أن النهي المطلق للتحريم ]، وقد علل سبحانه وتعالى هذا الحكم بأطهرية القلوب من الطرفين، والعلة هنا مستفادة بمسلك الإيماء والتنبيه، فقد اقترن الحكم المستفاد من قوله: (فاسألوهن) بالوصف المستفاد من قوله: (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة باعثة لذلك الحكم لكان معيباً عند العارفين بالعربية، والقاعدة في الأصول: [ أن مسلك الإيماء والتنبيه معتبر في إثبات العلة الشرعية ]، ويلحق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم غيرهن من النساء من باب الإلحاق الأولوي، فحاجتهن لمثل هذا آكد، والقاعدة في الأصول: [ أن الإلحاق الأولوي حجة في إثبات الأحكام ]، إذا تقرر هذا، وتقرر أن القاعدة في الأصول: [ أن العلة تعمم معلولها (أي الحكم) ]، فإنه يحرم الاختلاط الذي لا تتحقق فيه أطهرية القلوب.
    ومنها أيضا: قوله تعالى: { فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ }، وتقرير التحريم من هذه الآية: أن الله عز شأنه نهى أزوج النبي صلى الله عليه وسلم عن الخضوع بالقول (أي: ترخيم الكلام وتليينه)، والقاعدة في الأصول: [ أن النهي المطلق للتحريم ]، وليس هذا الحكم خاصا بهن فالقاعدة في الأصول: [ أن ما ثبت في حق بعض الأمة يثبت في حق جميعها ما لم يرد دليل بالتخصيص ]، ولا دليل، وقد علل الله سبحانه وتعالى هذا الحكم بدفع طمع أصحاب القلوب المريضة بالشهوة المحرمة، والعلة هنا مستفادة بمسلك الإيماء والتنبيه، وتقريره على نظير ما سبق، إذا تقرر هذا وتقرر أن القاعدة في الأصول: [ أن العلة تعمم معلولها ]، فيحرم الاختلاط الذي يحصل فيه طمع أصحاب القلوب المريضة، وما أكثرهم في هذا الزمان.
    الأمر الثاني (أي من الأمرين الذين يرجع لهما سبب الخلط في تقرير المسألة): عدم العناية بالصناعة الأصولية في تفهم النصوص ودرك معانيها، ومن المعلوم أن علم أصول الفقه ميزان للشريعة، ومعيار للنصوص، ولا يتسنى للمرء أن يخرج بفهم رجيح واستنباط صحيح إلا إذا اعتمد عليه في تقرير المسائل ونصب الدلائل....
    هذا وقد ظهرت كتابات كثيرة في هذا الموضوع، وكان منها الكتاب الموسوم بـ (الاختلاط بين الجنسين في ضوء الكتاب والسنة من خلال أصول الفقه ومقاصد الشريعة، إعداد / عامر بن محمد فداء بهجت)، وقد أهدى إلي الأخ الكاتب مسودته (أي قبل طبعه)، وطلب مني بيان الملاحظات عليه، ولما كان عنوان الكتاب يفهم العناية بالقواعد الأصولية في تقرير المسألة قرأت الكتاب كاملا، وكتبت عليه بعض الملاحظات، ودفعتها إليها، ثم لما طبع الكتاب اطلعت على المطبوع فوجدته غير شيئا، وترك أشياء، ومن الأشياء ما هو واضح الخطأ، ولهذا أردت أن أوقف القارئ على هذه الملاحظات، وما عمله الكاتب تجاهها، في ملاحظات أخر لم أذكرها له فيما سبق، والغرض من هذا كله البيان والفائدة، والله من وراء القصد، وسيكون الكلام في هذا - إن شاء الله - من خلال ثلاث وقفات:
    الوقفة الأولى: (مع مقدمة الكتاب):
    - قال الأخ الكاتب في المقدمة في سياق بيان مقصده من الكتابة : (وهل الشريعة تبيح الاختلاط أو تمنعه ؟).
    وقد علقت له على هذا بأن بعض الأدلة التي ذكرها لا يستقيم أن يستدل بها على التحريم، وأن غاية مفادها الكراهة، وعليه فلا بد من حذفها، فأرسل إلي بأن مراده من المنع ما يشمل منع الكراهة، فأجبت عن ذلك: بأن الأصل في إطلاق لفظ المنع التحريم، فالمنع لغة أن تحول بين الرجل والشيء الذي يريده، وهو على خلاف الإعطاء، والمحرم في اللغة الممنوع، وما جاء عن بعض الفقهاء من استعمال هذا اللفظ في الكراهة جاء مقيداً في الغالب (منع كراهة)، فلا يصح استعماله مطلقا على أنه اصطلاح، ولا سيما أنه قابله بالإباحة (تبيح الاختلاط أو تمنعه)، وفي استعماله شيء من الإيهام لبعض القراء، وهم كثير.
    .............................. .............................. ............
    الوقفة الثانية: (مع الاستدلال بالقرآن على المسألة):
    أولاً: الكلام على قوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ َ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}.
    - في مسودة الكتاب قال الأخ الكاتب: " فإن قيل: الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولهن من الخصوصية ما لهن.
    فالجواب من وجهين:
    الأول: أن القاعدة في الأصول: (إذا توجه الحكم إلى بعض الأمة شمل جميع الأمة)، إلا إذ دليل على اختصاص الحكم بالمخاطب.
    الثاني: أنه لما ثبت ذلك الحكم في حق أمهات المؤمنين مع أنهن طاهرات مطهرات فغيرهن من باب أولى لأن الحكم معلل بقوله: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ".
    علقت له على هذا فيما معناه بأن الوجه الأول لا يصح من جهة أن الخطاب هنا لم يتوجه لأمهات المؤمنين بل للصحابة الرجال، وأن هذا التقرير إنما يستقيم إذا وجه لهن بأن قيل: افعلن كذا، وعلاقتهن بالخطاب أنهن محل .
    وفي الوجه الثاني ملاحظة، وهي: أنه قال: (ثبت ذلك الحكم في حق أمهات المؤمنين...)، قلت: هو ثابت في حق الصحابة الرجال مع أمهات المؤمنين، وعليه فيعدل.
    وذكرت له أن قوله في تعليل الأولوية: (لأن الحكم معلل بقوله....)، لا يكفي بل لا بد من إثبات أن غيرهن من النساء أشد حاجة لتحقيق هذا الوصف ،وقد حذف الأخ الكاتب الوجه الأول في المطبوع، وعدل الوجه الثاني وفق ما ذكرت، ولم يشر إلى ذلك.
    .............................. .............................. ............
    ثانياً: الكلام على قوله تعالى:{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ }.
    - قال الأخ الكاتب: " قال الشوكاني - رحمه الله في تفسيره: (قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء) أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء وينصرفوا منه حذرا من مخالطتهم ".
    قلت: لم يتقيد الكاتب بالأمانة العلمية في النقل عن الإمام الشوكاني - رحمه الله - حيث إن لكلامه تتمة، ومع ذلك أغفلها، وهذا نص كلامه كاملاً (...) : " قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاءأي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء وينصرفوا منه حذرا من مخالطتهم أو عجزا عن السقي معهم ".
    والقارئ للنقل يتوهم أن الإمام الشوكاني - رحمه الله - يرى أن العلة في عدم سقيهم مع الناس هي الحذر من مخالطتهم، وليس الأمر كذلك، فالاحتمال وارد، وقد استغربت منه - رحمه الله - أن يجزم بهذا الاحتمال تحكماً، أي: من غير دليل !، ولهذا رجعت إلى تفسيره، فوقفت على هذه الحقيقة، ويظهر من صنيع الكاتب أنه أراد أن يجعل هذا النقل المبتور مقدمةً صغرى يعتمدُ عليها في إثبات الأمر بعدم الاختلاط، فلسان حاله يقول: تركتا السقي مع الناس حذرا من الاختلاط، والترك إما لكونه مأموراً به في شريعتهما , وإما بدافع الحياء، وعلى كلا التقديرين هو مأمور به في شرعنا.
    - سبب ترك المرأتين للسقي يحتمل أمرين اثنين: الحذر من مخالطة الرجال، والعجز عن السقي معهم، والقاعدة في الأصول: [ لا يجوز تعيين أحد الاحتمالين من غير دليل ]، وكان المتعين على الأخ الكاتب أن يبين وجه تعيين أحد الاحتمالين بدلًا من محاولة إخفاء الاحتمال الثاني، مع العلم بأنني أوقفته على ذلك الاحتمال في الرسالة التي بعثتها إليه، وقررت هناك عدم صحة الاحتجاج بالآية.
    ((فائدة)):
    أكثر المفسرين على تفسير الآية بالاحتمال الذي أغفله الكاتب، وهذا أمر يزيد عليه التبعة فيما فعل، وأكتفي هنا بالنقل عن الإمام الطبري - رحمه الله تعالى -، والذين نقل عنه الكاتب في تقريره الاحتجاج بالآية الأولى.
    قال - رحمه الله في تفسيره (...):" وقوله: ﴿قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء﴾يقول جل ثناؤه: قالت المرأتان لموسى: لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء مواشيهم، لأنا لا نطيق أن نسقي، وإنما نسقي مواشينا ما أفضلت مواشي الرعاء في الحوض، والرعاء: جمع راع، والراعي جمعه رعاء ورعاة ورعيان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
    ذكر من قال ذلك:
    حدثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال: ثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قال موسى للمرأتين: ما خطبكما ؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير: أي لا نستطيع أن نسقي حتى يسقي الناس، ثم نتبع فضلاتهم.
    حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج،عن ابن جريج، قوله: حتى يصدر الرعاء قال: تنتظران تسقيان من فضول ما في الحياض حياض الرعاء.
    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة،عن ابن إسحاق قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبونا شيخ كبير لا يقدر أن يمس ذلك من نفسه، ولا يسقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا ".
    - قال الأخ الكاتب: " والداعي لتركهما أحد أمرين...".
    قلت: استعمل (التقسيم) هنا، وهذا الفعل في طياته التسليم بعدم التحكم عند نصب الدليل الفعلي المكتنف لشيء من الاحتمال، وهذه الجادة لم يسر عليها فيما سبق أي في باعث التأخر عن السقي إلى صدور الرعاة -، وهو ضرب من التناقض يذم في هذا الباب.
    - التقسيم الذي ذكره الكاتب ليس حاصراً، فقد يكون الداعي لترك الاختلاط - على فرض أنه السبب في التأخر- أن أباهما منعهما من ذلك،
    وقد لا يكون دافعه كونه مأموراً به في شريعتهم، بل لأمر يتعلق بالغيرة، أو خشيةً على ماشيتهم من أولئك الناس، أو غير ذلك، وبناء عليه فلا يصح أن يستدل بها على المشروعية.
    - قال الأخ الكاتب: " فإن كان مأموراً به في شريعتهم فإن القاعدة في الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا... ".
    * يحتاج إلى إثبات كونهم متشرعة.
    * إثبات كون الفعل شرعا لمن قبلنا لا يصح استفادته من أفعال أتباع الشرائع، كما لا يصح استفادة شرعنا عن أفعال أحد من العلماء في زماننا، بل الاستفادة قاصرة على أقوال الأنبياء وأفعالهم الثابتة بالوحي، وإخبار الله عز وجل عن ذلك.
    * لا دليل على أن أباهما هو نبي الله شعيب عليه السلام، قال الإمام الطبري - رحمه الله -: " وأما أبوهما ففي اسمه اختلاف، فقال بعضهم: كان اسمه يثرون.
    ذكر من قال ذلك:
    حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمر بن مرة، عن أبي عبيدة، قال: كان الذي استأجر موسى ابن أخي شعيب يثرون. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، قال: الذي استأجر موسى يثرون ابن أخي شعيب عليه السلام.
    وقال آخرون: بل اسمه: يثرى.
    ذكر من قال ذلك:
    حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى: يثرى صاحب مدين.
    حدثني أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: الذي استأجرموسى: يثرى صاحب مدين.
    حدثني أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: اسم أبي المرأة: يثرى.
    وقال آخرون: بل اسمه شعيب، وقالوا: هو شعيب النبي.
    ذكر من قال ذلك:
    حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: سمعت الحسن يقول: يقولون شعيب صاحب موسى، ولكنه سيد أهل الماء يومئذ.
    قال أبو جعفر: وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب ".
    قلت: يغلب على الظن أنها من أخبار بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقله والتحدث به، ودليل ذلك ما جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج... ومع هذا فإنه يحرم تصديقها (لظاهر الحديث)، والاستدلال بها (لأنه لازم عن تحريم التصديق)، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية.
    * الآية التي ذكرها لتثبيت القاعدة ليست عامة في سائر الأنبياء، بل هي خاصة بالمذكورين في الآيات الورادة قبلها، والمشار إليهم بقوله: ﴿أولئك﴾ ، وليس منهم شعيب عليه السلام.
    - وقد أشرت إلى هذه المآخذ في الرسالة التي بعثتها إليه.
    - قال الأخ الكاتب: " والحياء مأمور به في شرعنا... ".
    قلت: ذكر في الحاشية مثالين على ذلك، وليس فيهما الأمر بالحياء كما ادّعى، فغاية ما في الحديثين أن الحياء مشروع، وأن المرء مثاب عليه، وليس كل الحياء كذلك، فمن الحياء الواجب والمندوب والمحرم والمكروه (فالحياء المانع من واجب الإنكار مثلا محرم ، والمانع من المندوب مكروه، وهكذا...إلخ)، وعليه فلفظ الحياء في الحديثين من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص...
    - لم يبين الأخ الكاتب الحكم التكليفي المستفاد من الآية (من وجوب أو ندب) بل اكتفى في الفرض الأول أي فرض كونه مأموراً به في شريعتهم بإثبات كونه شرعاً لنا، وهذا نقص في الاستدلال، وإسقاط لبعض خطواته، وتوهيم لبعض القراء، إذ ذكر في مقدمة رسالته أن المراد إثبات المنع ونفي الإباحة، وهم لا يفهمون من المنع إلا التحريم كما سبق، وعليه فعدم الاختلاط واجب، وعلى الفرض الثاني - أي فرض كون عدم اختلاطهما بسبب الحياء استعمل لفظ: " والحياء مأمور به "، مع أنه لم يرد بذلك أمر كما سبق، ولم يبين دلالة الأمر هل هي الوجوب أم الندب ؟ كما فعل في الآية الأولى، وهذه مبالغة في الإيهام، مع العلم بأنني ذكرت له في الملاحظات : أن الحديثين ليس فيهما الأمر، ولا يلزم من كونه من الإيمان أن يكون واجباً، فالعمل داخل في مسمى الإيمان، ومنه الواجب والمندوب، ولا يلزم من كونه يأتي بالخير أن يكون واجباً، وقوله تعالى: " وافعلوا الخير الأمر للوجوب، لكن الألف واللام في الخير للجنس، وذلك لعدم تصور إرادة العموم.
    .............................. .............................. ............
    الوقفة الثالثة: (مع الاستدلال بالسنة على المسألة):
    أولا: الكلام على حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها ".
    - لم يقرر الأخ الكاتب الاستدلال بهذا الحديث تقريراً أصولياً، ولم يعمل على إبراز القاعدة كما جرت عادته فيما سبق، وقد بينت له ذلك في الرسالة التي بعثتها إليه، ولا أظنه يستطيع ذلك، فالاختلاط في الصلاة حاصل سواء كانت المرأة في الصف الأخير، أو المتقدم، إذ (حقيقة الاختلاط: الاجتماع في مكان واحد)، وعليه فالحديث متعلق بالقرب من الرجال لا مطلق الاختلاط بهم،وبين الأمرين فرق(الدليل أخص من الدعوى).
    - لو فرضنا جدلاً أن الأخ الكاتب يرى أن حقيقة الاختلاط قاصرة على القرب ، فهنا سؤال مهم: لماذا لم يتمم الاستدلال بعد تحقيق مناط كون الاختلاط شراً ؟ !، وهل سيقول: والاختلاط يشرع اجتنابه على سبيل التعمية أو الإبهام ، أو: والاختلاط يجب اجتنابه، أو الاختلاط يندب اجتنابه ؟ !، وما هو رأيه في الصفوف الأول للنساء هل يجب تركها أم يندب ؟ !، ولا ينسى مقصود الرسالة: هل شريعة تمنع الاختلاط أم تبيحه ؟، وتقدم التنبيه على المراد بالمنع والإباحة.
    - الاستدلال بالحديث متوقف على المراد بالشر، وقد أوقفت الكاتب على ذلك، والأصل في الشر لغة: السوء كذا في اللسان وغيره، وعليه فحيث أطلق على شيء اسم الشر فهو محرم، ويطلق الشر على الأنقص أيضا، ففي كتاب سيبويه:مررت برجل شر منك، فهو نعت على أنه نقُصَ أن يكون مثله، ولا يحمل على هذا إلا إذا وجدت قرينة، وقد وجدت القرينة هنا وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر النساء اللاتي صلين في الصفوف الأول، والقاعدة في الأصول: [ أن إقراره صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز ]، والقاعدة في الأصول: [ أن الجواز يقتضي الصحة ]، وعليه فالمعنى أنقص أجرا، وبهذا قال السندي في حاشية النسائي كما نقل الكاتب، وللإطلاق الشر على الأنقص في الشريعة نظائر منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (شر الطعام طعام الوليمة) خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا.
    - جاء في مسودة الكتاب التي دفعها الأخ الكاتب إلي: " أن تفضيل الصفوف الأخيرة مع بعدها عن سماع صوت الإمام يدل على مشروعية بعد المرأة عن الرجال.... ".
    وعلقت له على هذه الجزئية فيما معناه بأن القرب من سماع صوت الإمام لا مشروعية له (أي لا إيجاب ولا ندب)، وبينت له أن ثمة فرقا بين عدم السماع، والقرب من السماع، و الفرق هو أن السماع مشروع من حيث سماع قراءة القرآن في الصلاة الجهرية، ومن حيث توقف المتابعة عليه أحياناً، وأرشدت إلى التعويل على حديث أبي سعيد مرفوعا: "تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من خلفكم... من جهة أن أصحاب الصفوف الأولى أعظم أجراً، لمتابعة من خلفهم لهم، فقام الأخ الكاتب: بالتغيير في الأصل بقوله: " أن تفضيل الصفوف الأخيرة مع فوات أجر التقدم... وذكر في الحاشية الاستدلال بحديث أبي سعيد المتقدم، على الوجه الذي ذكرت، ولم يشر إلى ذلك .
    .............................. .............................. ............
    ثانيا: الكلام على حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ".
    - لم يبين الأخ الكاتب وجه الاستدلال بالحديث على الحكم من خلال القواعد الأصولية، بل اكتفى بالنقول عن بعض العلماء، وعمل على تسويد لفظ الاختلاط في النقول، وهذا يتنافى مع مقصود الكتاب، وجميع النقول التي ذكرها لا علاقة لها بالحديث، وقد نبهته على شيء من ذلك في التعليق على المسودة، ثم رأيت في المطبوع، أنه زاد النقل عن عون المعبود لتعلقه بالحديث، واكتفى في تقرير الاستدلال بقوله: (وبه تعلم وجه الدلالة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل صلاة المرأة تزداد فضلا كلما كانت عن مخالطة الرجال أبعد، وكانت بداخل بيتها أقرب).
    .............................. .............................. ............
    ثالثا: الكلام على حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ".
    - قال الأخ الكاتب: " واتقاء الفتنة - عموما واجب شرعي لأدلة كثيرة ... ".
    قلت: بينت له أن عليه إيراد بعض الأدلة الدالة على ذلك.
    * وحديث: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم....) لا يدل على وجوب اتقاء الفتن، بل غاية ما فيه الحث على ذلك، ومفاده المشروعية القدر المشترك بين الإيجاب والندب.
    * وحديث: (تعوذوا بالله من الفتن...) لا يدل على وجوب مطلق اتقاء الفتن، بل غاية ما فيه، وجوب نوع من الاتقاء وهو التعوذ، وعليه فالدليل أخص من الدعوى.
    * مما يمكن أن يستدل به على وجوب اتقاء الفتن عموما، وفتنة النساء خصوصاً حديث أبي سعيد مرفوعا: (اتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، تقرير الثاني من قوله: (اتقوا النساء)، فهو أمر و: [ أن الأمر المطلق للوجوب ]، وتقرير الأول: من قوله: (فإن أول فتنة...)، والقاعدة في الأصول: [ أن العلة تعمم معلولها ].
    * يلاحظ على الأخ الكاتب هنا عدم العناية بإبراز القاعدة الأصولية في تقرير الوجوب، وهذا يتنافى مع عنون الكتاب، إذ جاء فيه (من خلال أصول الفقه).
    - قال الأخ الكاتب كما في المسودة: فإذا ثبت أن النساء فتنة للرجال، وأن اتقاء الفتنة واجب ثبت أن مخالطة الرجال للنساء (مناقضة لمقصود الشرع من الابتعاد عن الفتن).
    علقت له على ذلك بأن هذا التعبير مقاصدي، والمقام إثبات الحكم بواسطة القواعد الأصولية، وأن عليك تحقيق مناط كون الاختلاط فتنة، ومن ثم يجب تركه، وقد عدل الأخ الكاتب العبارة في المطبوع بقوله: فإذا ثبت أن النساء فتنة للرجال، وأن اتقاء الفتنة واجب ثبت أن مخالطة الرجال للنساء محرمة لتضمنها ترك الواجب.
    - قال الأخ الكاتب: وجه آخر: أنه بين أن فتنتهن ضارة بالرجال بل هي أضر الفتن عليهم، والقاعدة في الشريعة: (تحريم كل ما فيه ضرر)، لحديث: (لا ضرر ولا ضرار).
    * هذه القاعدة التي ذكرها ليست أصولية، والمقصود من البحث تقرير المنع بواسطة أصول الفقه أي القواعد الأصولية، فكان عليه أن يقول: (لا ضرر)، نفي بمعنى النهي، والقاعدة في الأصول: [ أن النهي المطلق للتحريم ]، وضرر نكرة في سياق النفي، والقاعدة في الأصول: [ أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ]، وعليه فيشمل كل ضرر، وفي المسألة بحث المراد بحقيقة الضرر هل تشمل الإثم وحصوله أم لا ؟.
    .............................. .............................. ............
    رابعا: الكلام على حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إياكم والدخول على النساء " فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو ؟ قال: " الحمو الموت ".
    - جاء في عنوان الرسالة أن المراد بحث المسألة من خلال أصول الفقه، ومع ذلك فالأخ الكاتب لم يعن بإبراز ذلك، فتجده مرة يقول: القاعدة الاستدلالية، ومرة يقول: القاعدة في علم الاستدلال، ومرة يقول: القاعدة في علم الأصول، ومرة يقول: القاعدة، ومرة يقول: والأصل، ومرة يقول: والقاعدة في أصول الفقه، وهذا يوهم التعدد عند القارئ البسيط، إذ من المعلوم أن الترادف على خلاف الأصل.
    - لم يتكلم الأخ الكاتب عن حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان" خرجه مسلم ، و من المعلوم أنه لا يصح توظيف القواعد الأصولية في استنباط الأحكام من كل نص بمفرده، فالشريعة كلها عبارة عن جملة واحدة، ومن المتقرر في الأصول أنه يشترط لصحة الاستدلال بالدليل النقلي أربعة شروط: الثبوت، ووضوح الدلالة، واستمرارية الحكم (أي: عدم النسخ)، ورجحانه على ما يعارضه، [انظر مفتاح الوصول]، وهنا المعارضةُ حاصلةٌ فلا بد من دفعها ليتم الاستدلال، ولاسيما أن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وارد في ذات الباب الذي ورد فيه هذا الحديث عند الإمام مسلم في الصحيح [ انظر الصحيح:ص: 1038 ].
    - وفي كلام الشيخ الأمين الشنقيطي الذي نقله الأخ الكاتب نظر من جهتين:
    * أن الإمام مسلما رحمه الله لم يضع الأبواب.
    * أن الحجة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا في تراجم المحدثين.
    وكان الأولى بالكاتب الاستغناء عن هذه التتمة، ولا حاجة للمرء أن يعمل على تأييد ما يعتقد بواسطة الخطأ، والذي يظهر من صنيعه أن المقصود من النقل ما خصه بالتسويد، وليس هذا منه.
    .............................. .............................. ............
    خامسا: الكلام على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ".
    - جاء في مسودة الكتاب: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتقاء النساء، و(الأمر يفيد وجوب المأمور به) فيجب على الرجال اتقاء النساء، ولا يتحقق هذا إلا بترك الاختلاط بهن، ومن وجه آخر فإن (الأمر بالشيء نهي عن أضداده) فيكون نهيا عن الاختلاط.....).
    وعلقت له على هذا في الرسالة بأن هذا والذي قبله وجه واحد، إذا أردت أن تثبت وجوب ترك الاختلاط اعتمدت على الأول، وإذا أردت أن تثبت تحريم الاختلاط اعتمدت على الثاني.
    ومع ذلك أبقاه كما هو في المطبوع، وعليه فهو من التكثر المذموم.
    .............................. .............................. ............
    سادسا: الكلام على حديث أم سلمة رضي الله عنها، قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيرا قبل أن يقوم ".
    - علقت للأخ الكاتب على هذا بأن فعله صلى الله عليه وسلم ليس كله للمشروعية، بل غاية ما في الإقرار رفع الحرج عن المُقّر، وأقل درجاته الإباحة، وأقول هنا: بأن مراد من قال من الأصوليين: إقراره صلى الله عليه وسلم على الفعل كفعله أي في رفع الحرج لا في كل شيء، ومن المعلوم أن التشبيه لا يقتضي المشابهة من كل وجه، فالعرب تقول زيد كالأسد، والمراد في الشجاعة، لا في كل شيء.
    - عول الكاتب في إثبات قصد النبي صلى الله عليه وسلم على كلام ابن شهاب الزهري، وفي هذا نظر، إذ القصد غيب عنا، ولا يتسنى دركه إلا بواسطة اللفظ، ولم يبن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بلفظه.
    - لم يبين وجه دلالته على المنع وعدم الإباحة، ولعله سيتذرع بما سبق، وتقدم الجواب عن ذلك.
    .............................. .............................. ............
    سابعا: الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصبح بغلس، فينصرفن نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس - أو لا يعرف بعضهن بعضا - ".
    - لم يقرر الأخ الكاتب الاستدلال بهذا الحديث تقريراً أصولياً، بل اكتفى بالنقل عن ابن بطال، وتسويد التأثيم بالاختلاط الوارد في كلامه، وكأن العنوان (الاختلاط في ضوء الكتاب والسنة من خلال كلام العلماء)، وعليه فهي مناقضة لمقصود التأليف.
    .............................. .............................. ............
    ثامنا: الكلام على حديث أم سلمة رضي الله عنها، قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي قال: " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور ".
    - مما لاحظته على الكاتب في المسودة أنه لم يذكر شيئا من التقرير الأصولي على هذا الحديث، بل اكتفى بتبويب البخاري حيث قال هناك: (وجه الدلالة: يتبين من تبويب البخاري حيث بوب عليه....)، ومن المعلوم أن الحجة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا في تراجم المحدثين، فالتراجم مجرد اجتهاد، قد يكون صوابا، وقد يكون خطأ، وقد عدل هذا في المطبوع.
    - مما بينته له أيضا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة بالطواف من وراء الناس يحتمل أن يكون الباعث له لئلا يتأذى الناس بدابتها فقط، ولفظ الناس صادق على الرجال والنساء، وعليه فيكون في الاستدلال تحكم (تعيين لأحد الاحتمالات من غير دليل)، وهو ممنوع.
    - قال الأخ الكاتب: (وأمرها بالطواف من وراء الناس ووقت صلاتهم مع أن الأصل أن الاقتراب من الكعبة حال الطواف أفضل...).
    وقال في الحاشية: (نص على أفضلية القرب من الكعبة جماعة من الفقهاء بل قال النووي في المجموع 8/39: (يستحب القرب من الكعبة بلا خلاف).
    * بينت له في التعليق على المسودة بأنه لا دليل على مشروعية القرب من الكعبة لذاتها بل لقصد تحصيل ما لا يحصل إلا به من المشروع (استلام الحجر، أو تقبيله، واستلام الركن)، ومن المعلوم أن المقام مقام استدلال، لا مقام نقل عن العلماء، إلا إذ كان يرى أن نفي الخلاف حجة، فهذا أمر آخر.
    * تبين لي بعد بعث التعليق أن في قوله بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالطواف وقت صلاتهم فيه نظر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلق في الوقت، ولعل هذا الفعل صدر منها هي، وكون النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك لا يعني أنه حثها وأمرها.
    .............................. .............................. ............تاسعا: الكلام على حديث أبي أسيد الأنصاري - رضي الله عنه -أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: " استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق " فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.
    * هذا الحديث ضعيف جدا في إسناده علل:
    - عبد العزيز بن محمد الداروردي سيء الحفظ قاله أبو زرعة، والقاعدة في الأصول: [ أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره ].
    - أبو اليمان الرحال المديني، وشداد بن أبي عمرو بن حماس الليثي، وأبوه: أبو عمرو بن حماس الليثي، وحمزة بن أبي أسيد الأنصاري كلهم مجاهيل، والقاعدة في الأصول: [ أن جهالة الراوي تقتضي رد خبره ].
    وعليه فهو حديث ضعيف جدا، فلا يصلح لأن يعول عليه، فالقاعدة في الأصول: [ أن الحديث الضعيف ليس بحجة في إثبات الأحكام ]، وفي معناها القاعدة في الأصول: [ الدلالة فرع الثبوت ]، ومن قال بقبول الحديث الضعيف إذا لم يكن ضعفه شديداً فهذا الحديث لا أظنه يستقيم على مذهبه ! .
    - في حاشية الكتاب قال الأخ الكاتب: (وجود القعنبي إسناده).
    قلت: المراد بالتجويد هنا جعل إسناد الحديث جيداً في مقابل رواية أخرى معلولة، وهو يكون بزيادة راوٍ أو حذفه، وليس المراد به الحكم على الحديث بالجودة (أي القبول) كما يفهم من صنيع الأخ الكاتب، وفي تتمة كلام صاحب التهذيب بيان لما سبق، حيث قال: (وقد جود القعنبي إسناده، ورواه إسحاق بن أَبي إسرائيل، عن عبد العزيز مختصرا، ونقص من إسناده رجلين. وقد وقع لنا بعلو عنه أيضا)، ثم ساق إسناده وفيه إسقاط أبي عمرو بن حماس، وحمزة بن أبي أسيد.
    - قال الأخ الكاتب: (ذلك أن قول الصحابي رضي الله عنه فاختلط الرجال مع النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء...) يدل على أن علة هذا الأمر النبوي هو حصول الاختلاط، لأن القاعدة في علم أصول الفقه أن: (ترتيب الحكم على الوصف بالفاء في لفظ الشارع أو في لفظ الراوي يفيد التعليل)، فيختص الحكم بصورة الاختلاط، أما لو كان الطريق خاليا من الرجال فلهن أن يحققن الطريق لما سبق).
    علقت على هذا في المسودة بأن هذا خطأ في التطبيق، وذلك أن الذي رُتِبَ على الوصف بالفاء هو القول لا الحكم، فقال رسول الله...، والحكم إنما هو في قوله: (استأخرن) وهو مجرد عن الفاء، وعليه فلا يصح إثبات العلة بواسطة الإيماء على هذا الوجه.
    .............................. .............................. ............عاشرا: الكلام على حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تركنا هذا الباب للنساء "، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر، حتى مات.
    وفي رواية:....
    - قال الأخ الكاتب: (قال في شرح الكوكب: (وَ تَأْتِي لَوْ أَيْضًا لِـعَرْضٍ نَحْوُ: "لَوْ تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَتُصِيبُ خَيْرًا"، وَ تَأْتِي أَيْضًا لِتَحْضِيضٍ نَحْوُ "لَوْ فَعَلْت كَذَا"، أَيْ: افْعَلْ كَذَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعَرْضَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَرِفْقٍ، وَالتَّحْضِيضُ: طَلَبٌ بِحَثٍّ)، وعلى كلا المعنيين تدل على طلب، والقاعدة في الأصول: (أن الطالب الجازم يدل على الوجوب، والطلب غير الجازم يدل على الاستحباب) ].
    قلت: الأصل أن لو في اللغة لا تفيد الأمر، بل غاية ما تفيده الطلب غير الجازم، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه عند النسائي وغيره بسند صحيح شاهدٌ على ذلك، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (" لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك " قالت: يا رسول الله، أتأمرني ؟ قال: " إنما أنا شفيع " قالت: فلا حاجة لي فيه)، ففسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: لو بغير الأمر، وإنما حسن استفهامها لمعنى إزالة اللبس وما عسى أن يراد باللفظ.
    - لم يبين الأخ الكاتب هل الحث من الطلب الجازم أو من غير الجازم ؟، والذي يظهر لي أن الحث ليس فيه معنى الجزم، إذ هم يقصدون بالجزم الإلزام ، والحث ضرب من التأكيد غير الملزم.
    انتهى.

    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,
    كتبه / جلال بن علي حمدان السلمي

    مكة المكرمة



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    60

    افتراضي رد: تعقيب على كتاب الاختلاط بين الجنسين، لشيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي

    السلام عليكم و رحمة الله
    وجدت احدهم يستدل بفول الله تعالى ( خلفناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ) على شرعية الاختلاط
    فهل لذلك من توجيه ؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    17

    افتراضي رد: تعقيب على كتاب الاختلاط بين الجنسين، لشيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي

    جزى الله الشيخ جلال السلمي كل خير على ما كتب.
    قد قرأت كتاب الاختلاط بين الجنسين و قرأت تعقيب الشيخ حفظه الله و لي بعض التعليقات:
    1- من الخطأ أن تحشد الأدلة التي لا تستقيم في الدلالة على حكم معين و الأحاديث الضعيفة و أقوال الفقهاء مع الدليل الصحيح لتقرير حكم معين, فالحق أبلج و الحق قوي بذاته و لو كان دليلا واحد فقط فهو يكفي في بيان الحكم لأنه من الشارع وهو الله العزيز الحكيم. فالعبرة ليست بالكثرة و إنما بقوة الحق و بيانه.
    2- الأمانة العلمية في النقل تدل على صاحبها فعندما يُجتزئ ما يُوافق الرأي و يُغفل الباقي من كاتب يتكلم باسم الشريعة و يريد أن ينصر الشريعة فهذه مصيبة كبرى, فالإنسان صاحب الحجة و القوة العلمية ينقل كامل النص ثم يحتج و ينصر ما ذهب إليه بحجة البرهان لا بنقل ما يوافقه و إغفال الباقي لاسيما بأن الشيخ قد بين له ذلك في المسودة على ما ذكر.!!!
    3- أرى أن الشيخ حفظه الله قد أفاد الكاتب نفسه قبل القارئ بتقرير بعض القواعد الأصولية في الاستدلال للمرة الثانية بعد المسودة التي فاتت الكاتب فهذا تكرم منه وفيه زيادة إحسان.
    4- عدم إشارة الكاتب لمن استفاد منه و أسدى إليه معروفاً حولها أكثر من علامة استفهام؟؟؟
    و الله الموفق.



    الأخ مسافر وحدي
    هل التعارف يلزم منه الاختلاط؟ لا.
    فالتعارف يكون بين القبائل و القبائل الأخرى و بين الشعوب و الشعوب الأخرى فلا يلزم منه اختلاط الرجال بالنساء. والله أعلم.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    60

    افتراضي رد: تعقيب على كتاب الاختلاط بين الجنسين، لشيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الوبراني مشاهدة المشاركة
    الأخ مسافر وحدي
    هل التعارف يلزم منه الاختلاط؟ لا.
    فالتعارف يكون بين القبائل و القبائل الأخرى و بين الشعوب و الشعوب الأخرى فلا يلزم منه اختلاط الرجال بالنساء. والله أعلم.
    اخي الوبراني
    ما الذي خصص ( لتعارفوا ) في الاية بجعل الله ايانا شعوبا و قبائل دون خلقه لنا ( ذكرا و انثى ) ؟

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: تعقيب على كتاب الاختلاط بين الجنسين، لشيخنا الفاضل جلال بن علي السلمي

    لو فرضنا جدلاً أن الآية يدخل فيها الإختلاط لقلنا إنها مطلقة قيدتها الأدلة المحرمة للإختلاط
    والآية مجملة وهناك نصوص تبين تحريم الإختلاط والله أعلم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •