معاني الإيمان في شهر رمضان

السيد سليمان نور الله


يقبل علينا شهر رمضان حاملا إلينا معاني الإيمان التي تتجدد في قلوبنا فتزيدنا قربا من الله، وإذا أردنا حصر هذه المعاني فلن نستطيع فهي أكبرمن أن تحصر؛ بل كل معنى منها ينمو ويعلو حتى يستوعب النفس، فلا تجد إلا لذة الإيمان بين الصيام والقيام وصلة الأرحام، كما تجد الذكر قرين الصبر والشكر، وتأنس بتلاوة القرآن ومداومة الإحسان، وتنهل من العلم ومجالس العلماء، وترفع أكف الضراعة بالدعاء إلى الله تعالى وأنت موقن بالإجابة.

ومن معاني هذا الشهر العظيم:
أولا: أنه شهر البركة كما جاء في الحديث:" أتاكم رمضان شهر مبارك "[1] ومن بركته أن " كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي "[2] و " فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا كل محروم "[3] ومن بركته أنه " إذا دخل شهر رمضان أُطلق كل أسير وأُعطي كل سائل "[4] وفيه يغفر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر ليلة منه، قيل يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يُوفى أجره إذا قضى عمله "[5] وفي رواية " فقال: يا ملائكتي! ما جزاء أجير وفَّى عمله؟ قالوا ربنا جزاؤه أن يوفى أجره. قال: ملائكتي! عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يعجون إلي بالدعاء – وذلك يوم العيد – وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم، فيقول: ارجعوا فقد غُفر لكم، وبدلتُ سيئاتكم حسنات. قال: فيرجعون مغفورا لهم "[6].

ثانيا: أنه دعوة من الله تعالى للرجوع إليه؛ والإحساس برحمته، والأنس بنعيم جنته حيث: " تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه مردة الشياطين "[7] وفي رواية " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين ومردة الجن، وغلًّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب "[8] و " من صام يوما ابتغاء وجه الله، بعَّده الله من جهنم كبعد غُراب طائر وهو فََرْخٌ حتى مات هَرِما "[9] و " من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا، كما بين السماء والأرض "[10] وهو شهر " أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار "[11] فكل الأبواب مفتوحة للمغفرة والرحمة " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمنا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه "[12] فصيام رمضان من أعظم الطاعات، وثوابه لا حدود له كما جاء في الحديث القدسي " إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به "[13] لذا " من أفطر يوما من رمضان من غير رُخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه "[14]، و " إن الجنة تُزخرف لرمضان من رأس الحول إلى حول قابل، فإذا كان أول يوم من رمضان هبَّت ريحٌ تحت العرش من ورق الجنة على الحور العين، فيقلن: يا رب! اجعل لنا من عبادك أزواجا تقر بهم أعيننا، وتقر أعينهم بنا "[15].

ثالثا: يربي في نفوسنا تمام الانقياد وكمال الطاعة لله ولرسوله؛ صلى الله عليه وسلم؛ فقد أمرنا بصيامه { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون }[16] وقال صلى الله عليه وسلم: " أتاكم شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه "[17] وحدد مدة صيامه بلا زيادة أو نقصان { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه }[18] وأمرنا صلى الله عليه وسلم: " لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإذا غم عليكم فاقدروا له "[19] وقال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين "[20] وقال صلى الله عليه وسلم: " أحصوا هلال شعبان لرمضان "[21] ومن تمام الانقياد لأوامره صلى الله عليه وسلم ألا نسبق صيام رمضان بصيام يوم الشك " من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم "[22].

رابعا: وجوب مخالفة أهل الكتاب؛ وهو من وجوه التميز لأمتنا عن غيرها من الأمم، وقبل آيات الصيام في سورة البقرة كان الحديث عن تحويل القبلة ومخالفة اليهود في قبلتهم، وقوله تعالى { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات }[23] وقوله تعالى { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره }[24] وقد كان صلى الله عليه وسلم دائم الإشارة إلى وجوب مخالفتهم فيما هو من شعائر دينهم؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر "[25] وجعل ذلك من علامات ظهور الدين " لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون "[26].

خامسا: تهذيب النفس والرقي بها؛ فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان ... ينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر "[27] فـ " الصيام جُنَّة – وقاية – وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث – يتكلم بقبيح – ولا يصخب – يرفع صوته بالهذيان – فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم "[28] فالمعاصي قد تفسد الصيام ولا ترفعه إلى السماء " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه "[29].

سادسا: الهدف التصبر وليس الجوع والعطش؛ { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما }[30] فـ " كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر "[31] لذا رُخص للمريض والمسافر بالفطر { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين }[32] { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }[33] فكان من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم فلا يؤثر ذلك في صومه " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه "[34] ولو كان الهدف الإحساس بالجوع والعطش لما كان الأمر بتعجيل الإفطار وتأخير السحور " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر "[35] ولما رأى صلى الله عليه وسلم رجلا كاد يهلكه الصوم وكان على سفر قال: " ليس من البر الصيام في السفر "[36] وعن أنس رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، فنزلنا منزلا في يوم حار، فسقط الصوامون، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذهب المفطرون اليوم بالأجر "[37] ولكان النبي صلى الله عليه وسلم سمح للناس بوصال الصيام إمعانا في الإحساس بالجوع؛ بل نهى عن الوصال في الصوم، فقال له رجل: إنك تُواصل يا رسول الله! قال: " وأيكم مثلي! إني أبِيتُ يطعمني ربي ويسقيني "[38] بل على الصائم أن يتم شربته إذا سمع أذان الفجر والإناء في يده " إذا سمع النداء أحدكم والإناء في يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه "[39]

سابعا: التواصل بين أفراد المجتمع؛ حتى أن الصائم يناله الخير الكثير عندما يفطر الناس عنده " أشعرت يا بلال أن الصائم تسبح عظامه، وتستغفر له الملائكة ما أُكل عنده ؟! "[40] وقال: " إن الصائم إذا أُكل عنده، صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا "[41] وأنزل إفطار الصائم منزلة تجهيز الغازي " من فطر صائما أو جهز غازيا؛ فله مثل أجره "[42]، ويجب أن يسود الحب والود والألفة بين المسلمين في رمضان حتى لا يحرموا خير هذا الشهر؛ فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ليخبرهم بليلة القدر، فتلاحى – تشادا في الكلام - رجلان من المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: " قد خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرا لكم "[43] كما كان صلى الله عليه وسلم " يعود المريض وهو معتكف "[44].

ثامنا: الاعتكاف؛ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخلو فيه العبد للعبادة والتبتل لله تعالى، لا يشغله شيء عن طاعته وذكره، اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم " يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده "[45] وكان " يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبِض "[46] وقال صلى الله عليه وسلم في المعتكف: " هو يعتكف الذنوب – أي: يحتبس عن الذنوب – ويُجرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها "[47].

تاسعا: ليلة القدر، { وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر }[48] فـ " إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة، يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل "[49] وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم بتحري ليلة القدر " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان "[50] وفي رواية " فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر "[51] فإذا وفق الله عبده إلى ليلة القدر فليقل: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "[52]

عاشرا: ويبقى أثر الصيام في الآخرة، كما جاء في الحديث: " الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أي رب! إني منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: ُأمنعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان "[53] فإذا أُذِن له بدخول الجنة فثَمَّةَ احتفاء خاص بالصائمين " إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون منه، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد "[54].

هذا والله تعالى أعلى وأعلم
وكتب السيد سليمان نور الله


[1] - رواه أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] - متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] - رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه.

[4] - رواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس.

[5] - رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] - رواه البهقي في شعب الإيمان.

[7] - رواه أحمد والنسائي عن أبي هريرة.

[8] - رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] - رواه أحمد عن أبي هريرة والبيهقي في الشعب عن سلمة بن قيصر رضي الله عنهما.

[10] - رواه الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه.

[11] - رواه البيهقي في الشعب عن سلمان رضي الله عنه.

[12] - متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[13] - متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[14] - رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[15] - رواه البيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله عنه.

[16] - سورة البقرة الآية: 183.

[17] - رواه أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[18] - سورة البقرة الآية: 184.

[19] - متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

[20] - متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[21] - رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[22] - رواه أصحاب السنن عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

[23] - سورة البقرة الآية: 148.

[24] - سورة البقرة الآية: 150.

[25] - رواه مسلم عن عمرو بن العاص.

[26] - رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[27] - رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[28] - متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[29] - رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[30] - سورة النساء الآية: 147.

[31] - رواه الدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[32] - سورة البقرة الآية: 184.

[33] - سورة البقرة الآية: 185.

[34] - متفق عليه عن أبي هريرةرضي الله عنه.

[35] - متفق عليه من حديث سهل رضي الله عنه.

[36] - متفق عليه من حديث جابر رضي الله عنه.

[37] - متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه.

[38] - متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[39] - رواه بو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[40] - رواه البيهقي في شعب الإيمان عن بريدة.

[41] - رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أم عمارة بنت كعب.

[42] - رواه البيهقي في الشعب والبغوي في شرح السنة وصححه.

[43] - رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

[44] - رواه أبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها.

[45] - متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها.

[46] - رواه البخاري عن أبي هريرة.

[47] - رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[48] - سورة القدر الآية: 2 : 5.

[49] - رواه البيهقي في شعب الإيمان.

[50] - رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها.

[51] - متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

[52] - رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.

[53] - رواه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

[54] - متفق عليه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.