(معاملةالعالم إذا أخطأ)
معاملةالعالم إذا أخطأ:


اعلموا رحمكم الله أنه لا يحكم على أحد من علماء أهل السنة ونظارهم أو حكامهم بأنه مبتدع أو خارج عن أهل السنة والجماعة، بسبب خطئه في الاجتهاد سواء كان ذلك الاجتهاد في مسألة من مسائل العقيدة والتوحيد، أو في مسائل الحلال والحرام مما كثر فيه الاختلاف بين علماء الأمة؛ لأنه إنما قصد الحق وطلبه، وهذا الذي أداه إليه اجتهاده، فهو معذور في ذلك بل مأجور على اجتهاده، فكيف يقال بتبديعه أو تفسيقه.


وهذه المسألة من المسائل العظيمة التي يقررها أهل السنة ولم يخالف فيها أحد من علماء المسلمين المعتد بأقوالهم، وإنما خالف فيها أهل البدع، من الخوارج، والمعتزلة، ومن تأثر أو انخدع بأقوالهم من عوام المسلمين.


وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة على هذه المسألة وأن المسلم يعذر بجهله وخطئه ونسيانه، وأنه غير مؤاخذ بكل ذلك، إذا قصد الخير وطلب الحق.


فمن الكتاب قوله تعالى: ((لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ..)) [البقرة:286].


وقد ثبت في صحيح مسلم أن الله قال: " قد فعلت " (حاشية صحيح مسلم {كتاب الإيمان - باب بيان أن الله سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق} ج1 ص116 ح:125).


وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)) [الأعراف:42].


وقال: ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا)) [الطلاق:7].
وقد أمر الله بتقواه بقدر الاستطاعة فقال: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) [التغابن:16].


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفساً ما تعجز عنه، خلافاً للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافاً للقدرية والمعتزلة.
وهذا فصل الخطاب في الموضوع، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك؛ إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة خلافاً للجهمية المجبرة " (حاشية مجموع الفتاوى [19/216-217]).


ومن السنة: حديث حذيفة رضي الله عنه فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن رجلاً حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطباً كثيراً ثم أوروا ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يوم حار - أو راح - فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال خشيتك، فغفر له " (حاشية رواه البخاري {كتاب أحاديث الأنبياء} فتح الباري [6/514] ح:3479).
قال الخطابي: " قد يستشكل هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟
والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فُعل به ذلك لا يُعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله " (حاشية فتح الباري [6/522]).


ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض حديثه عن قصة هذا الرجل: " فهذا رجل شك في قدرة الله تعالى، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك " (حاشية مجموع الفتاوى [3/231]).


ومما يدل على العذر بالجهل والخطأ من السنة أيضاً: حديث خال بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنهما أنها قالت: " جاء النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حين بُني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين " (حاشية رواه البخاري في {كتاب النكاح - باب: ضرب الدف في النكاح والوليمة} فتح الباري ج9 ص202 ح:5147).


وحديث ابن عباس أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: " جعلت لله نداً، ما شاء الله وحده " (حاشية رواه البخاري في الأدب المفرد ص253 ح:783، وأحمد في المسند ج1 ص283، 214 وقد حسن الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1/2 ص56 ح:139).
فدلت هذه الآيات والأحاديث على أن الله لا يكلف العبد ما لا يطيق وأنه لا يؤاخذه بالجهل والخطأ، إذا قصد الخير واتقى الله مهما كان الخطأ كبيراً ويتعلق بمسائل التوحيد والعقيدة، ومن باب أولى العذر بالخطأ في مسائل الحلال والحرام، فقد عذر الله تعالى من جهل عظيم قدرة الله تعالى على البعث وغفر له، وعذر النبي صلى الله عليه وسلم الجارية التي نسبت له علم الغيب، وعذر من ساوى بينه وبين الله في المشيئة واكتفى بنهيهما عن ذلك.


فإذا عذر الله ورسوله هؤلاء بخطئهم في هذه المسائل الكبيرة فعلماء المسلمين أولى بالعذر منهم، إذا أخطأوا في الاجتهاد، إذ الباعث لهم على ذلك معرفة الحكم الشرعي وقد استفرغوا جهدهم ووسعهم في طلبه، فهم معذورون في كل ذلك، ولا يلحقهم فيه أي إثم بل لهم أجر اجتهادهم في حالة خطئهم، وخطؤهم مغفور إن شاء الله، وللمصيب منهم أجران، أجر اجتهاده، وأجر إصابته.


فحكمهم دائر بين الأجر والأجرين، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " (حاشية رواه البخاري في كتاب الاعتصام - فتح الباري [13/318] ح:7352، ورواه مسلم في كتاب الأقضية [3/1342] ح:1716).


وكذلك أقوال السلف وأفعالهم: دلت على عذر بعضهم بعضاً في اجتهاداتهم، ولم يبدع أو يفسق بعضهم بعضاً مع اختلافهم في مسائل عظيمة فكانوا لا يذكرون بعضهم إلا بخير مع استغفار كل واحد منهم لأخيه، وهذا من عظيم فقههم رضوان الله عليهم أجمعين.
روى الخلال: عن سعيد بن مسيب قال: " شهدت علياً وعثمان وكان بينهما نزغ من الشيطان، فما ترك واحد منهما لصاحبه شيئاً إلا قاله، فلو شئت أن أقص عليكم ما قالا لفعلت، ثم لم يبرحا حتى اصطلحا واستغفر كل واحد منهما لصاحبه " (حاشية السنة لأبي بكر الخلل ص461 رقم 715).
وروي أن الإمام أحمد سئل: " ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟ فقال: ما أقول فيهما إلا الحسنى رحمهم الله أجمعين " (حاشية نفس المصدر ص 460 رقم 713).


ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بحوث حافلة في تقرير هذه المسألة ومن أهم بحوثه فيها: رسالته العظيمة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) قال في مطلعها:
" وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة - المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً - يعتمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه.
وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.


والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ، وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة " (حاشية رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص4-5).


ثم شرع رحمه الله في ذكر الأسباب المتفرعة عن هذه الأصناف من الأعذار - وهي عشرة أسباب - مع التمثيل لكل سبب بعدة أمثلة من واقع اجتهادات العلماء وأقوالهم (حاشية نفس المصدر ص5-46).
وفي ذلك توجيه حسن لكثير مما يقع فيه العلماء من أخطاء في اجتهاداتهم والتماس الأعذار لهم بما نرجو الله أن يثيب شيخ الإسلام عليه أعظم مثوبة.
وليت كل من وجد قولاً لأحد العلماء يخالف فيه النصوص عرضه على تلك الأسباب العشرة التي ذكرها شيخ الإسلام فإنه لا يعدم أن يجد لمخالفته سبباً من تلك الأسباب، وبهذا نسلم من كثير مما يقع فيه الناس اليوم من الطعن في العلماء وسوء الظن بهم.


يقول شيخ الإسلام أيضاً في موضع آخر من كتبه بصدد هذا الموضوع:
" ولا يرب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله يغفر لمن يجهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذ بما أخطأ تحقيقاً لقوله: ((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة:286] " (حاشية مجموع الفتاوى [20/165]).


ويقول أيضاً داحضاَ لشبهة التفريق في الاجتهاد بين مسائل الأصول ومسائل الفروع وأن المخطئ في مسائل الفروع معذور بخلاف المخطئ في مسائل الأصول فإنه لا يعذر: " هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وقالوا هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين أنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم " (حاشية مجموع الفتاوى [19/207]).


ويقول في هذا المعنى في موضع آخر: " وإذا ثبت بالكتاب المفسر أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان فهذا عام عموماً محفوظاً وليس في الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئاً على خطئه... وأيضاً فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة " (حاشية مجموع الفتاوى [12/490-492]).


فإذا تقرر هذا الأصل العظيم بما تقدم ذكره من الأدلة، وأقوال سلف الأمة: وهو أن العالم إذا اجتهد فأخطأ أنه معذور في خطئه مأجور على اجتهاده، سواء كان ذلك الاجتهاد في مسألة علمية كمسائل التوحيد والاعتقاد أو مسألة عملية كمسائل الحلال والحرام وجب الوقوف عنده والالتزام به وتطبيقه في حياتنا اليوم وعدم التعرض لأحد من العلماء أو طلاب العلم المعروفين بسلامة العقيدة والمتابعة لهدى سلف الأمة الصالح بشيء من التأثيم أو التفسيق أو التبديع بمجرد قول أداهم إليه اجتهادهم في مسألة شرعية ما دام أن الخلاف في تلك المسألة سائغ والاجتهاد فيها مقبول.


فمن خالف هذا المنهج بتأثيم أحد من العلماء بسبب خطئهم في مثل هذه المسائل فقد خرج عن منهج أهل السنة في هذا الباب، ووافق أهل البدع - من حيث يدري أو لا يدري - فإن أهل البدع هم الذين يؤثمون المخالف لهم بل قد يكفرونه بمجرد المخالفة .


وهذا لا يعني عدم التنبية على أخطاء العلماء ومناصحتهم في ذلك وبيان الحق للناس فإن هذا من أعظم واجبات أهل العلم الذين استحفظهم الله عليه كما قال تعالى: ((وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ)) [آل عمران:187].
لكن هذا مقيد أيضا بقيود بأن يكون التنبيه والتوضيح من عالم متمكن في العلم وأن يقصد بذلك وجه الله وبيان الحق مع احترام المخالف وعدم انتقاصه أو غمزه بجهل أو هوى بل يكون الكلام منصباً على القول دون القائل فإنه لا يتعرض له بشيء إلا إذا دعت الحاجة لذلك.
وعموماً فينبغي التفريق بين هذا الأمر الذي هو ميثاق الله على أهل العلم، وبين انتقاص العلماء وتأثيمهم في المسائل الاجتهادية، فالبون بين الأمرين شاسع والفرق بينهما واضح بحيث لا يخفى على طالب علم وإنما الأمر في التسليم والانقياد لشرع الله في ذلك.


فإن المتابعة في هذا الباب وتوظيفه على ما أراد الله ورسوله عزيزة. ولذلك لكثرة الصوارف النفسية المصاحبة لتحقيقه وعظم تلبس الشيطان على كثير من أهل العلم فيه والمعصوم في ذلك من عصمه الله ووقاه شر نفسه وشر الشيطان وشركه. ووفقه للإخلاص وحسن المتابعة في كل ما يأتي ويذر.
والله أعلم وصلى الله وبارك على نبينا محمد وسلم تسليماً كثيراً.
نقلاً من كتاب موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للشيخ إبراهيم الرحيلي حفظه الله [1/64-72].