هكذا يُقبض العلم

عبدالله بن عمر البكري

رئيس لجنة إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي



في الصحيحين وغيرهما من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )، هكذا يكون قبض العلم من الأرض ، فكل عالم محقق يموت فهو في الحقيقة قبض لشيء من العلم ،وقديما قال بعض السلف إن موت العالِم ثلمة في الدين ، والعلماء منارات الناس في الأرض كما أن النجوم مناراتهم في السماء ، والناس بدون العلماء كالتائه في الصحراء لايدري أين يتجه .
وبالأمس فقدنا عالما نبيلا وعَلما جليلا من أعلام الأمة هو العلامة أ.د. عمر بن عبد العزيز بن محمد الشيلخاني رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء وأوفاه ، والشيخ رحمه الله من أهل مدينة كركوك بالعراق من بيت علم وفضل فوالده من العلماء المعروفين و صاحب مدرسة علمية مشهورة بكركوك شرح فيها جمع الجوامع نحو أربعين مرة وعلى يده تلقى فقيدنا تعليمه المبكر .
ولد الشيخ عمر رحمه الله عام 1944م وتلقى دراسته الأولى على الطريقة التي تخرج بها علماء الإسلام على امتداد التاريخ ، وهي طريقة التأصيل العلمي من خلال دراسة وحفظ متون مختصرة في كل علم من علوم الشريعة ، وبعدها سافر إلى مصر للدراسة في الأزهر وتمت معادلة مستواه بما يتناسب مع الدراسة النظامية وواصل دراسته هناك فدرس مرحلة الجامعة ثم الدراسات العليا إلى أن حصل على الدكتوراه في أصول الفقه من الأزهر ، وبالرغم من تدهور الأزهر في العقود الأخيرة إلا أنه لاتزال فيه بقايا من أهل العلم في كل عصر ، ومن هؤلاء الشيخ مصطفى عبد الخالق رحمه الله الذي كان من أقرب العلماء وأجلهم عند فقيدنا رحمه الله ، وكذلك أخوه الشيخ عبد الغني عبد الخالق .
وبعد حصوله على الدكتوراة عاد إلى العراق وعين رئيسا لقسم الشريعة في كلية الآداب بجامعة بغداد لعدة سنوات ، انتقل بعدها إلى الجامعة الإسلامية في الوقت الذي كانت تزخر فيه بثلة مباركة من خيرة علماء الأمة في شتى العلوم ، فدرس وأشرف على الرسائل وشارك في مناقشتها وكان من أوائل أساتذة قسم الدراسات العليا المؤسسين له ، حيث كان أول رئيس له الدكتور محمد أمين المصري رحمه الله وكان الشيخ عمر وكيلا للقسم مدة ثمان سنوات مع زميله ورفيق دربه أ.د أكرم العمري حفظه الله وأمتع به ، والذي كان رئيسا للقسم لسنوات طوال ، ثم جمعتهما جامعة قطر ولعلهما أدركا الرمق الأخير لكلية الشريعة فيها ، وأخيرا اجتمعا للمرة الرابعة ليسهما إسهاما علميا كبيرا في نشر وإحياء التراث الإسلامي من خلال لجنة إحياء التراث الإسلامي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر التي أخرجت نفائس من كتب التراث تُنشر لأول مرة .
ومع كثرة مهام الشيخ رحمه الله وانشغاله بالتدريس بطريقتيه الأكاديمية والتقليدية فإن له مؤلفات غاية في الدقة والرصانة لاسيما في المباحث الأصولية تدل على مكانته وفضله وتمكنه ، فمن ذلك: (مباحث التخصيص عند الأصوليين) و (الزيادة على النص) و(النقص من النص) و(المعدول به عن سَنن القياس) ، وقليله كثير ، وللشيخ فضل سابق وأثر مشهود على جميع منسوبي قسم أصول الفقه ـ أو أكثرهم ـ في الجامعة الإسلامية بالمدينة، ثم جامعة أم القرى ثم جامعة قطر التي خسرته ضمن ثلة متميزة من العلماء . وكان رحمه الله خبيراً بمجمع الفقه الإسلامي الدولي وعضوا بمجمع فقهاء الشريعة بأميركا وعضوا في اللجنة الاستشارية لمجلة الأصول والنوازل .
والدكتور عمر رحمه الله له عناية بالغة ودراية كبيرة بمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومؤلفاتهما ، بل بمنهج السلف وأئمتهم عامة ، وله في ذلك محاضرة مطبوعة بعنوان : (مقتضى النواهي عند السلف) ، وتميز رحمه الله بدقته العلمية وعمقه في البحث والنظر، وغوصه في دقائق المسائل الأصولية ، وله طريقة حسنة في التدريس ، وقدرة عجيبة على تقريب المتون الأصولية وفك رموزها، وتقريب المسألة لذهن المتعلم ، وهو متقن للمنطق وعلوم اللغة ، وصاحب قلم رصين ومنهجية دقيقة في البحث العلمي ، والشيخ رحمه الله معروف بتواضعه الجم وأخلاقه الكريمة العالية ، يحرجك بتواضعه وبساطته مع عمقه وتمكنه وذكائه ، وقد شُغل بالتدريس عن كثرة التأليف فتخرج على يده عدد من طلاب العلم البارزين في الساحة اليوم ، كما أشرف على عدد كبير من الرسائل العلمية في عدة جامعات ، وتخرج به عدد من الأساتذة في الفقه والأصول ، وقد ذكر لي مرة رحمه الله أن العلامة الأصولي عبدالله بن غديان رحمه الله وإياه كان يبدي له رغبته الشديدة في المشاركة معه في مناقشة الرسائل التي يشرف عليها الشيخ أو يشارك في مناقشتها ، وهو يذكر لي هذا في مناقب الشيخ ابن غديان والواقع أنها من مناقبهما معا ففيها تواضع أهل العلم ومعرفة بعضهم لفضل الآخر ولا يعر فالفضل لأهل الفضل إلا الفضلاء .

وقد عرفت الشيخ رحمه الله دمث الخلق طيب المعشر حسن المفاكهة ، بسيطا جدا حتى يخال لمن لا يعرفه أنه ليس من فحول العلماء ، وإن فاتني شرف التتلمذ عليه فلم يفتني مجالسته ومباحثته في بعض المسائل وقد فتح لي أبوابا من العلم ودلني على كتب وأفادني بنصحه كثيرا سواء فيما يتعلق بعملنا في مشروع إحياء التراث افسلامي والنشر العلمي أو فيما يخصني كطالب علم أحوج مايكون لتوجيه هؤلاء الأكابر.
والشيخ رحمه الله كان زاهدا في الشهرة والظهور ولو سلك هذا الطريق للمع نجمه ولنال من الشهرة ما يوازي سعة علمه ، فقد لمعت في سماء العلم قناديل ضئيلة وصارت كأنها شموس في زمن صار الإعلام فيه حَكما على أهل العلم ومعيارا لمقاديرهم ومنازلهم . إلا أن التربية التي ترباها الشيخ رحمه الله نأت به عن التطلع للشهرة والجاه العلمي . حتى أن الباحث في ترجمته لايجد الكثير من الكلام ، وقد استقيت بعض ماكتبت هنا مما كتبه تلميذه الدكتور محمد الجيزاني ومما شافهني به زميله الدكتور مساعد آل جعفر ومما أعرفه عنه من مجالسته رحمه الله ، ووجدت كلاما للشيخ وليد المنيسي يقول فيه : "كان رحمه الله عضوا بمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا وكنت ألتقي به في مؤتمرات المجمع وأستمتع بالاستماع إلى مداخلاته في الحوارات الفقهية وفي قراءة أبحاثه المقدمة إلى المجمع وكان كما ذكرتم من أغزر الناس علما ومن أكثرهم تواضعا وكنت ترى في وجهه سيما الصالحين " . وأقول نعم فقد كان الشيخ رحمه الله ظاهر الصلاح كريم الخلق دائم البِشر والملاطفة متواضع جدا نحسبه كذلك والله حسيبه ولانزكي على الله أحدا، ونسأل الله بعزته وقدرته أن يرحم شيخنا رحمة واسعة وأن يجعل ما أصابه من المرض في أخريات حياته كفارة له ورفعة في درجاته وأن يخلف على أمة محمد خلفا صالحا إنه ولي ذلك والقادر عليه .