ليلة النِّصف من شعبان

كتبها: علي أبو هنيّة

الحمد لله حق حمده, والصلاة والسلام على نبيه وعبده, أما بعد:
فسبحان ربي كيف يصطفي من خلقه ما يشاء: من الأزمنة, والأمكنة, والأشخاص ولا يعترضه المعترضون, ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
ومن هذه الأزمنة والأوقات العظيمة: (شهر شعبان), الذي بين رجب ورمضان, شهر فضَّله الله بفضائل عدة, وخصَّه نبيُّنا بعبادات جليلة, وبيَّن لأمته عظم هذا الشهر, ولكن بعض المسلمين لم يكتفِ بما ورد في الشرع حتى ذهب يبتدع عباداتٍ لم يأذن بها الله, ومن ذلك ما أحدث في ليلة النصف من شعبان ويومها من بدع, وما روي فيها من أحاديث ضعيفة وموضوعة, وفيما صحَّ غنية ومقنع لطالب الحق والهدى.
وقد صرَّح جمع من أهل العلم بأنه لم يثبت في ليلة النصف من شعبان إلا حديث واحد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما ذكر ذلك: ابن القيم, والقرطبي, وأبو شامة المقدسي, وابن الجوزي -رحمهم الله-, ولا يصحُّ قول جمال الدين القاسمي إلى أنه لم يصحَّ فيها حديث.
ونصُّ الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يطلع الله -تبارك وتعالى- إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». «السلسلة الصحيحة» (1144).
قال الألباني عقبه: «حديث صحيح، روي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشدُّ بعضها بعضاً؛ وهم: معاذ بن جبل, وأبي ثعلبة الخشني, وعبد الله بن عمرو, وأبي موسى الأشعري, وأبي هريرة, وأبي بكر الصديق, وعوف ابن مالك, وعائشة».
ثم ساق الشيخ هذه الأحاديث بطرقها ورواياتها ثم قال: «وجملة القول: أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب, والصحة تثبت بأقل منها عدداً ما دامت سالمة من الضعف الشديد كما هو الشأن في هذا الحديث، فما نقله الشيخ القاسمي -رحمه الله تعالى- في «إصلاح المساجد» (ص 107) عن أهل التعديل والتجريح أنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح، فليس مما ينبغي الاعتماد عليه، ولئن كان أحد منهم أطلق مثل هذا القول فإنما أوتي من قبل التسرع وعدم وسع الجهد لتتبع الطرق على هذا النحو الذي بين يديك. والله -تعالى- هو الموفق». «السلسلة الصحيحة» (3/138)
ثم أورد الألباني هذا الحديث في «الصحيحة»مرة أخرى برقم (1563) وبلفظ: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن».
شـرح الحديث:
«يطَّلع الله»: جاء في رواية للحديث عن عائشة عند أحمد والترمذي بلفظ: «إن الله -تعالى- ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا..». الحديث كما في «الصحيحة» (3/218)
فيكون اطِّلاعه-سبحانه- وقت نزوله الإلهي في كل ليلة إلى السماء الدنيا, كما جاء في السنة المتواترة.
«مشرك»: هو الكافر بالله العظيم, وهو كل من أشرك مع الله شيئاً في ذاته، أو صفاته، أو عبادته.
ولا شك أن هذا الصنف لا تنالهم رحمة الله ومغفرته بالدرجة الأولى لبعدهم عن أسبابها, وتركهم موجباتها.
«مشاحن»: قال ابن الأثير: «المشاحن: المعادي، والشحناء: العداوة، والتشاحن: تفاعل منه، وقال الأوزاعي: أراد بالمشاحن ها هنا صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة». «النهاية» (2/1111).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري في «شرح المشكاة»: ««إلا لمشرك»: أي كافر بأي نوع من الكفر، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. «أو»: للتنويع. «مشاحن»: أي مباغض ومعادٍ لمسلم من غير سبب ديني, من الشحناء: وهي العداوة والبغضاء. قال الأوزاعي: أراد به صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة. وقال الطيبي: لعل المراد ذم البغضة التي تقع بين المسلمين من قبل النفس الأمارة بالسوء لا للدين، فلا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه؛ لأن ذلك يؤدي إلى القتل، وربما ينتهي إلى الكفر إذ كثيراً ما يحمل على استباحة دم العدو وماله، ومن ثم قرن المشاحن في الرواية الأخرى بقاتل النفس (1)». «مرعاة المفاتيح» (4/677)
قلت: ولا شكَّ أن كلا التفسيرين لكلمة (مشاحن) يفسر بعضه بعضاً؛ إذ لا فرق بين من يعادي ويخاصم أخاه المسلم لدنيا, وبين من يخاصم المسلمين بابتداعه وتحزبه ومفارقته لجماعتهم, بل إن من يعادي خيار عباد الله من هؤلاء المبتدعين أولى أن ينطبق عليه الحديث من عوام المسلمين, ولا شك أن الشيعة يدخلون في هذا الحديث دخولاً أوليًّا لعدائهم الصحابة وأولياء الله من الصالحين.
تخصيص هذه الليلة ويومها ببعض العبادات واختلاف المروي عن السلف في ذلك:
القول الأول: استحباب إحيائها جماعة في المساجد.
جاء ذلك عن مكحول, وخالد بن معدان, ولقمان بن عامر وغيرهم، ووافقهم إسحاق بن راهويه.
قال الشافعي -رحمه الله- في الأم: «وبلغنا أنه كان يقال إن الدعاء يستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة, وليلة الأضحى, وليلة الفطر, وأول ليلة من رجب, وليلة النصف من شعبان. قال الشافعي: وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال: رأيت مشيخة من خيار أهل المدينة يظهرون على مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة العيد؛ فيدعون ويذكرون الله حتى تمضي ساعة من الليل, وبلغنا أن ابن عمر كان يحيى ليلة جمع, وليلة جمع هي ليلة العيد لأن صبيحتها النحر». «الأم» (1/231).
القول الثاني: استحباب إحيائها فرادى, وكراهة ذلك جماعة في المساجد.
وهو قول الإمام الأوزاعي, واختيار الحافظ ابن رجب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: « وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل, وكان من السلف من يصليها, لكن اجتماع الناس فيها لإحيائها في المساجد بدعة، والله أعلم.
وصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان والاجتماع على صلاة راتبة فيها بدعة, وإنما كانوا يصلون في بيوتهم كقيام الليل. وإن قام معه بعض الناس من غير مداومة على الجماعة فيها وفي غيرها فلا بأس كما صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة بابن عباس وليلة بحذيفة». «المستدرك على مجموع الفتاوى» (3/112(.
القول الثالث: عدم جواز تخصيص يومها بصيام دون سائر الأيام, ولا ليلتها بقيام دون سائر الليالي, لعدم ورود شيء صحيح من ذلك في السنة المطهرة, ولا من فعل الصحابة, وأن فعل ذلك بدعة منكرة حدثت في الإسلام بعد عصر الصحابة -رضي الله عنهم-.
قال عبد الرزاق في مصنفه: «أخبرنا معمر عن أيوب قال: قيل لابن أبي مليكة: إن زياداً المنقري -وكان قاصًّا- يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان مثل أجر ليلة القدر! فقال ابن أبي مليكة: لو سمعته يقول ذلك وفي يدي عصا لضربته بها». «المصنف» (4/317) برقم: (7928).
عن زيد بن أسلم -رحمه الله- قال: «ما أدركنا أحداً من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان, ولم ندرك أحداً منهم يذكر حديث مكحول, ولا يرون لها فضلاً على ما سواها من الليالي». أخرجه ابن وضاح في «البدع» رقم(119).
وقال المباركفوري -رحمه الله تعالى-: «لم أجد في صوم يوم ليلة النصف من شعبان حديثاً مرفوعاً صحيحاً». «تحفة الأحوذي» (3/368).
وقال شيخنا مشهور -حفظه الله-: «إن ليلة النصف من شعبان لم يكن في ليلها قيام, ولم يثبت في نهارها صيام». «حسن البيان فيما ورد في ليلة النصف من شعبان» (ص6).
قلت: وحديث: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها». حديث موضوع كما في «السلسة الضعيفة» (5/154).
القول الفصل في هذه المسألة:
قال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: «...من البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، أما ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم -إن شاء الله- وورد فيها أيضا آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم، والذي أجمع عليه جمهور العلماء أن الاحتفال بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، وبعضها موضوع، وممن نبه على ذلك الحافظ ابن رجب، في كتابه: «لطائف المعارف» وغيره، والأحاديث الضعيفة إنما يعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة. وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام: أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-».
ثم قال: «قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في كتابه: «لطائف المعارف» في هذه المسألة بعد كلام سبق ما نصه: «وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر, وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك فمنهم من قبله منهم، ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة, واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد. كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون ويتكحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة, ليس ذلك ببدعة، نقله حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب -إن شاء الله تعالى-، إلى أن قال: ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان: من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه (في رواية) لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، واستحبها (في رواية)، لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف، لم يثبت فيها شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام».
انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب -رحمه الله-، وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه -رضي الله عنهم- شيء في ليلة النصف من شعبان، وأما ما اختاره الأوزاعي -رحمه الله- من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول؛ فهو غريب وضعيف. لأن كلَّ شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعاً، لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفرداً أو في جماعة، وسواء أسرَّه أو أعلنه.
لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد», وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها، وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي -رحمه الله- في كتابه: «الحوادث والبدع» ما نصه: «وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم، قال: ما أدركنا أحداً من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلاً على ما سواها». وقيل لابن أبي مليكة: إن زياداً النميري يقول: «إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر»، فقال: «لو سمعته وبيدي عصا لضربته» وكان زياد قاصًّا، انتهى المقصود.
وقال العلامة الشوكاني -رحمه الله- في: «الفوائد المجموعة» ما نصه: «حديث: يا علي من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات قضى الله له كل حاجة... إلخ وهو موضوع، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وقال في: «المختصر»: حديث صلاة نصف شعبان باطل، ولابن حبان من حديث علي : «إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها»، ضعيف وقال في: «اللآليء»: مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات مع طول فضله، للديلمي وغيره موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء قال: واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة موضوع وأربع عشرة ركعة موضوع. وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء كصاحب «الإحياء) وغيره وكذا من المفسرين، وقد رويت صلاة هذه الليلة أعني: ليلة النصف من شعبان على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة لذهابه -صلى الله عليه وسلم- إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلي سماء الدنيا، وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم بني كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة، على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع، كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها، لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة، على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه» انتهى المقصود.
وقال الحافظ العراقي: «حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكذب عليه، وقال الإمام النووي في كتاب: «المجموع»: «الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب: «قوت القلوب»، و«إحياء علوم الدين»، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك».
وقد صنف الشيخ الإمام: أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابا نفيساً في إبطالهما, فأحسن فيه وأجاد, وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير جدًّا, ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلام في هذه المسألة, لطال بنا الكلام, ولعل فيما ذكرنا كفايةً ومقنعاً لطالب الحق.
ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم, يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها, وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم, وليس له أصل في الشرع المطهر, بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة -رضي الله عنهم-, ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله -عز وجل-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وما جاء في معناها من الآيات, وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وما جاء في معناه من الأحاديث, وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يومها بالصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» فلو كان تخصيص شيء من الليالي, بشيء من العبادة جائزاً, لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها؛ لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس, بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فلما حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من تخصيصها بقيام من بين الليالي, دلَّ ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى, لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة, إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص.
ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها, نبه النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك, وحث الأمة على قيامها, وفعل ذلك بنفسه, كما في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» فلو كانت ليلة النصف من شعبان, أو ليلة أول جمعة من رجب, أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة, لأرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمة إليه, أو فعله بنفسه, ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة -رضي الله عنهم- إلى الأمة, ولم يكتموه عنهم, وهم خير الناس, وأنصح الناس بعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-, ورضي الله عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأرضاهم, وقد عرفت آنفاً من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, ولا عن أصحابه -رضي الله عنهم- شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب, ولا في ليلة النصف من شعبان, فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام, وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة, بدعة منكرة, وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب, التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج, لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة, كما لا يجوز الاحتفال بها, للأدلة السابقة, هذا لو علمت, فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تعرف, وقول من قال: أنها ليلة سبع وعشرين من رجب, قول باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة, ولقد أحسن من قال:
وخير الأمور السالفات على الهدى *** وشر الأمور المحدثات البدائع
والله المسؤل أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسنة والثبات عليها, والحذر مما خالفها, إنه جواد كريم, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين».«فتاوى ابن باز» (1/186-192).
[color="rgb(139, 0, 0)"]الصلاة الألفية:[/color]
ومن البدع التي أحدثت في هذه الليلة صلاة مبتدعة تسمى: (الصلاة الألفية), قال أبو شامة: «وأصلها ما حكاه الطرطوشي في كتابه, وأخبرني به أبو محمد المقدسي قال: لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان, وأول ما حدثت عندنا في سنة 448 هـ ثمان وأربعين وأربعمائة قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابلس يعرف بابن أبي الحمراء, وكان حسن التلاوة, فقام يصلي في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان, فأحرم خلفه رجل, ثم انضاف إليهما ثالث, ورابع, فما ختمها إلا وهم جماعة كثيرة, ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير, وشاعت في المسجد, وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس ومنازلهم, ثم استقرت كأنها سنة إلى يومنا هذا».انظر: «الحوادث والبدع» (ص132) و«الباعث»(ص35).
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «وهذه الصلاة وضعت في الإسلام بعد الأربعمائة, ونشأت من بيت المقدس, فَوُضع لها عدة أحاديث». «المنار المنيف»(ص98).
وقال أبو شامة -رحمه الله تعالى-: «وللعوام فيها افتتان عظيم ... وزين لهم الشيطان جعلها من أصل شعائر المسلمين...وهي صلاة طويلة مستثقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر إلا ضعيف أو موضوع». «الباعث على إنكار البدع» (ص34) وانظر: «الأمر بالاتباع» (ص139).
وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «إن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث». «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/632).
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «ومن الأحاديث الموضوعة: أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان.. –إلى قوله- والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها». «المنار المنيف» (ص99).
«وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية -رحمه الله تعالى-: وقد روى الناس الأغفال في صلاة ليلة النصف من شعبان أحاديث موضوعه وواحد مقطوع وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم من صلاة مائة ركعة في كل ركعة الحمد لله مرة وقل هو الله أحد عشر مرات فينصرفون وقد غلبهم النوم فتفوتهم صلاة الصبح التي ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- أنه قال «من صلى الصبح فهو في ذمة الله»».«الباعث» (ص35).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: «وقد رأينا كثيراً ممن يصلى عدة الصلاة ويتفق قصر الليل فيفوتهم صلاة الفجر ويصبحون كسالى».«الموضوع ت» (2/127).
وقال السيوطي -رحمه الله تعالى-: «والعجب من حرص الناس على هاتين الليلتين -الألفية والرغائب– وتقصيرهم في الأمور المؤكدات الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». «الأمر بالاتباع» (ص136).
«وقال الحافظ ابن دحية: قال أهل التعديل والتجريح: ليس في حديث النصف من شعبان حديثٌ يصح، فتحفّظوا عباد الله من مُفترٍ يروي لكم حديثًا يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإذا صح ّ أنه كذب خرج من المشروعية، وكان مستعمله من خدم الشيطان لاستعماله حديثًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يُنزل الله به من سلطان». «الباعث»(ص36).
والحمد لله رب العالمين
* * * * *
(1) رواه أحمد في مسنده برقم (6642) وصححه شعيب الأرناؤوط, ولفظه: «يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لاثنين مشاحن وقاتل نفس».