مدارس اللغات تبيع لك الوهم

كتب (ألفارو) مُطْران قرطبة عام أربع وخمسين وثمانمائة للميلاد إلى أحد أصدقائه رسالة يقول فيها ( إنّنا لا نرى غير شباب مسيحيين هاموا بحبِّ اللغة العربيّة يبحثون عن كُتُبها ويُتقنونها ويدرسونها فى شغف ويُعلِّقون عليها ويتحدَّثون بها فى طلاقة ويكتبون بها فى جمال وبلاغة ويقولون عليها الشعر فى رقَّة وأناقة يا للحزن !! مسيحيون يجهلون من كتابهم وقانونهم ولاتِيْنِيَّتِه م وينسون لغتهم نفسها ، ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولة لأخيه يُسَلِّمُ عليه ، وتستطيع أن تُجَسِّدَ جمعًا لا يُحْصَى يُظهر تفوقه وقدرته وتمكُّنِه من اللغة العربيّة)
ذلك لمّا كان العصر عصر قوّة للمسلمين تبعتهم الأمم حتّى فى لغتهم ، أمّا الآن فرُوح الهزيمة قد سيطرت على الكثير من ضِعاف الهمّة فالتمسوا العزّة فى تقليد غير المسلمين أصحاب الحضارة الماديّة ، والسطوة العسكريّة ، والنفوذ السياسىّ ، بصرف النظر عن معتقدهم الفاسد فى ربّهم ، وتكذيبهم لقرآننا ونبيّنا ، ومعاقرة الزنى ، وشرب الخمر ، وأكل الخنزير ، وتبنّى الكلاب ، والشذوذ الجنسىّ ، وبُغْضِهم للإسلام ، ومذابحهم للمسلمين وحروبهم الصليبيّة ( قديمًا بالسلاح وحديثًا بالغزو الفكريّ).

لماذا نركع لمن أذلّنا ونتباهى بتعلّم لغته ؟ ماذا فعلت إيطاليا بليبيا ؟ وفعلت إنجلترا بمصر والعراق وفلسطين ؟ وفرنسا بالجزائر وتونس وسوريا ؟ وأمريكا بالمجتمع الإسلامى جُملة من تدخل سافر ومحاولة تحويل القادة لموظفين لديها وإقامة قواعد عسكرية فى أنحاء كثيرة من وطنك الكبير ؟
فكفانا انكفاءً ، وحسبنا حبسُنا عن ركب العزّة والكرامة والقيادة.
وتجد الواحد منّا إذا حدثت بينه وبين صاحب مَتْجَرٍ مُشادة كلاميّة ؛ يقاطعه ولا يشترى منه ، وربّما حَرَّمه على أولاده ، وهو بعدُ ليس عدوًّا محاربًا لم يقتل أخاك ولم يغتصب أرضك ولم يُرِدْ نزع حجاب ابنتك ولم ... ولم ...
أنا أعى تمامًا ضرورة تعلُّم الإنجليزيّة لمن يحتاجها فى عمله ، لا أن تدرسها لذاتها ، لا أن تُقام مدارس للغات تُخَرِّجُ الآلاف ، أفنوا طفولتهم ومراهقتهم فى حفظ واستيعاب واستظهار تراكيب وقواعد ومفردات الإنجليزيّة.
أرجو أن تذكر لى أسبابًا واضحة معقولة لتعلّم الإنجليزية!!!
حتّى الاستخدام المعتاد للكمبيوتر والإنترنت لا يحتاج لتعلّم الإنجليزيّة ، بل تحتاج أنت فقط لمعرفة التعامل مع جهاز الكمبيوتر ؛ لا تحتاج التعامل مع الإنجليزيّة ، إذ هى عمليّة فنيّة مهاريّة ، مثل فتح الجهاز وكيفيّة البحث عن الموضوع الذى تريده ، وقد انتشر الآن كتابة الملفات بالعربيّة ، وترى ابنك صاحب الخمس سنوات يُجيد التعامل مع الكمبيوتر ، واختيار الألعاب التى يريدها ، وفتح أفلام الكارتون التى يُفضّلها وهكذا.
ولو احتجنا لتعلّم بعض الكلمات والمصطلحات ؛ فلا يُعَدُّ هذا مُبَرِّرًا للدعوة إلى ضرورة تعلّم المجتمع الإنجليزيّة وإتقانها كاملة.
قال الأديب مصطفى صادق الرافعىّ رحمه الله ( هل أعجب من أنّ المجمع العلمىّ الفرنسىّ يُؤذّن فى قومه بإبطال كلمة إنجليزيّة كانت فى الألسنة من أثر الحرب الكبرى ويُوجب إسقاطها من اللغة جملة ... رأى المجمع العلمىّ أنّ الكلمة وحدها نكبة على اللغة ).
والفرنسىّ لا يتكلّم معك بالإنجليزيّة يعتبره غزوًا ثقافيًّا ، أمّا المثل الشهير فى ذلك فهو ألمانيا وأَنَفَتُها ، فالألمانىّ يرفض أن يكلّمك بالإنجليزيّة ولو كان يعرفها !! يفرض عليك أن تتكلّم بالألمانيّة ، لائحات الشوارع ولافتات المحلات كلّها بالألمانيّة ، لا مجال للغة دخيلة ، حتىّ الأفلام الأمريكيّة وغيرها كلّها مدبلجة بالألمانيّة.
فى كوريا (آكلى الكلاب) تُوجد عمارة ثمانون طابقًا لنقل المصطلحات العِلْمِيَّةِ أولا بأوّل إلى اللغة الكوريّة.
اليهود ... اليهود لم يكن أحد منهم فى مجتمع يتحدَّث العِبْرِيَّةَ ، ولكنّهم أَحْيَوْهَا بعد طول ممات ، نبشوها من القبور وأقاموا دولتهم بها ، وتناسوا لغاتهم التى أنفتق لسانهم عليها.
هذا ... ومازلنا نُصرّ على ترديد : O My God !! , Sorry , Ok
ولو سلّمنا – جدلا وفرضًا – أنّه تُوجد بعض فائدة للإنجليزيّة ؛ فما جدوى دراسة الفرنسيّة أو الألمانيّة ؟ لماذا يبتهج البعض ويكاد يطير فرحًا عندما ينطق ابنه كلمة غير عربيّة ؟ هل هذه اللغات هى التى ستفتح له أسرار الواقع وآفاق المستقبل ؟
إنّ مدارس اللغات تبيع لك الوهم ...
هل دراسة الرياضيّات والكيمياء والفيزياء وغيرها باللغات أفضل عِلميًا وعمليًّا ؟ بالطبع لا.. لأن المادّة العلميّة واحدة .. المعادلات واحدة ، هم أخذوا عُلومنا قديمًا وترجموها للغاتهم وتقدّموا وأنتجوا ورفضوا التبعيّة لنا.
لم يقولوا وقتئذ : إذا كنّا نريد أن نتقدم كالعرب فعلينا أن نتعلّم لغتهم حتّى نتقدّم ونتحضّر ونرتقى ونُصَنِّعَ.
الرازىّ (864 – 923م) من أكبر وأشهر أطباء الدنيا ، هو مسلم وعربىّ له 230 مُؤَلَّفًا فى العلوم المختلفة – مع التحفّظ على جانبه الفلسفىّ – له كتاب (الحاوى فى الطبّ) هو من أشهر كُتُبِ الطبّ ، وقد طُبِعَتْ مؤلفاته عشرات المرّات ، ودُرِّسَتْ فى كلّ المدارس الطِبِّيَّةِ فى الشرق والغرب ، وقد أطلقت جامعة بريستون الأمريكيّة اسمه على أكبر أجنحتها ، ونحوها جامعة باريس ، ولُقِّبَ فى الغرب بأمير الأطباء ، تقول المستشرقة الألمانيّة (زيجريد هونكه) : ( قبل 600 سنة من الآن كان لكلّيّة الطبّ الباريسيّة أصغر مكتبة فى العالم ، فلا تحتوى إلا على مُؤَلَّفٍ واحد ؛ وهذا المؤلّف كان لعربىّ كبير هو الرازى ).
وجابر بن حيّان (ت 815م) يتفق العلماء على أنّه أبو الكيمياء حيث ترك موسوعة علميّة ضخمة ، وهو أوّل من استحضر حامض الكبريتيك وكربونات البوتاسيوم والصوديوم والصودا الكاوية وماء الذهب وغير ذلك.
وأيضًا الخوارزمىّ هو أوّل من أطلق على (الجبر) هذا الاسم ، وأيضًا ابن الياسمين
(ت 1204م) عالم الرياضيّات والهندسة .

وأفادت اللاتينيّة من بصريّات ابن الهيثم ، وكذلك ابن النفيس الطبيب ، وابن زهر الطبيب ، والبيرونىّ عالم الفيزياء الفذّ و... وغيرهم كثير كثير.
وأوّل ما ينبغى للمرءِ أن يشغل به نفسَه ؛ إصلاحُ نفسِه ، وإصلاحُ بيتِه ( وأنذر عشيرتك الأقربين) (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) أخرجه البخارىّ (2278) ومسلم (1829) عن ابن عمر مرفوعًا. يجب عليك أن تُراجع مواقفك نحو تلك المدارس.
يا أيّها المُربّى الفاضل / حَصِّنْ أبوابَ قلعتِك ... بيتِك ؛ بالدين .

ودع عنك ما سواه ، نحن فى زمان أصبح فيه كلّ شىء قابل للشكّ ؛ ثمّ للنقاش ؛ ثمّ للهدم ، الأخلاق ... الدين ... بل الله عزّ وجلّ وتعالى وتسامى.
وما كانت الأجيال السابقة – منذ نزل آدم عليه السلام إلى الأرض – إلى ما قبل هذا العصر تعتبره مُسَلَّمَاتٍ ؛ هو الآن محلّ نظر ، بل محلّ ريبة.
اعتبرت الخليقة – قاطبة – وفى كلّ بقعة من الأرض كافّة ؛ نكاح الرجل للرجل شُذوذًا ، وقلبًا للفطرة السويّة ، ومرضًا نفسيًّا عُضالا ، ولمّا استشرى هذا الداء وعزّ الدواء فى قوم لوط عليه السلام كان علاجهم ... إهلاك قريتهم بما فيها ومن فيها.
أما الآن فيرفضون جَعْلَ ذلك جريمة أخلاقيّة ، بل يرفضون حتّى التسمية (شُذوذًا) ويقولون : (مِثْلِيَّةٌ) !! فكيف تردّ وبماذا تردّ أخى الحبيب ؟
يقولون لا دين فى السياسة ، لا دين فى الفنّ ، لا دين فى الأدب ، لا دين فى الدين ، ليكتب الأديب ما يشاء ... يسبّ القدر ، يسبّ الدين ، يسبّ الله ، ولا يُعاقب ؛ بل يُكَرَّمُ لأنّه عَبَّرَ عن رأيه بِحُرِّيَّةٍ وديمقراطيّة ولِيبْرَالِيَّة ٍ فى اشتراكيّة ، ولم يخش لومة لائم من البُرجوازيّة والرجعيّة والتعبويّة !!!
هم الفئة المُثقّفة التنويريّة ... هم صفوة المجتمع وقادة الفكر وربّما الكفر.
هذه المرأة التى صرخوا بضياع حقّها ليل نهار ( وأنّها المظلومة المقهورة المهضومة رغم أنّها مثل الرجل فى كلّ شىء فى كلّ شىء ).
وكذبوا .. كم رئيسة فى دول الغرب ؟ كم وزيرة ؟ كم عالمة ؟
كم مُخترِعة فى علوم الطبّ والفضاء والعلوم النوويّة ؟
وتأكد العقلاء من قصدهم الخبيث ؛ هم ساووا الرجل بالمرأة ولم يساووا المرأة بالرجل ، حيث استنوق الجمل ، انظر إلى أين وصلوا وبأى الأودية هلكوا ، أصبحت المرأة فى الشارع عارية ، وفى المحلات بائعة ، وفى الإعلانات سلعةٌ تُرَوِّجُ سلعةً ، أما مهنة الوزراء والرؤساء فما تزال حِكْرًا على الرجال ، وذلك لِمَا فضّلَ الله به الرجل على المرأة ، وبما أعطاه من مَلَكَاْتٍ تُؤَهِّلُهُ للقيادة ، والسعىِ فى الأرض ، والقتال ، وغيره.
نعم .. وقعت مظالم كثيرة للمرأة عبر التاريخ حمل الأوربّيّون لواءها لذا قامت دعوات فى الشرق المُلحد والغرب الكافر لتحرير المرأة من القيود التى وضعوها عليها .
وبلا مُبرّر وبلا داعٍ ردد ببغاوات من بنى جِلْدَتِنَا مقولاتهم وأرادوا تطبيقها فى مجتمعنا المسلم ، رغم أنّ الإسلام هو الذى أعزّ المرأة بعد المذلّة ، وأنصفها بعد الغبن ، بيد أنّ غير المسلمين قهروا المرأة سابِقًا ثمّ لمّا أرادوا رفع المظالم عنها ؛ ظلموها من حيث أرادوا إكرامَها كالمستجير بالنار من الرمضاء.
وقد آن لنا أن نضع النِّقاط التائِهة على الحروف المتأهِّبة لنرى الحقيقة الغائبة ، فمسئوليّة تربية ولدك عليك وحدك ... ليس صحيحًا أن يتفرّقَ دَمُ إهمالِك بين القبائل ، ولا أن ترمى بمسئوليّة الانحراف على ولدِك ؛
إذ كيف يمكن توزيع الجريمة بين الجانى والضحيّة ؟
يا أخى فَتِّشْ متاعك وتدارك الشرر قبل أن يصير حريقًا.
انظر إلى كثير من أبناء المسلمين وهم بين كُسَير وعُوَير وثالثٍ ما فيه خير ، وترى الشابّ غير قادر على قِيَادِ نفسه وقت الأزمات ... وقت الفتن – وهى كثيرة – وقت الشُّبُهات والشهوات ، وترى البنت ترتدى حِجابًا بينه وبين الحجاب حجاب ، وهم لحم جمل غثٍّ على جبل وَعْرٍ لا سهل فيُرتقى ولا سمين فيُنتقى ، لو اطّلعتَ عليهم لوليت منهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ منهم رُعبًا.
وانظر إلى أبناء السلف وما هم عليه من الخير والصلاح .....
أولئك إلى السماء سموا وهؤلاء بالأرض رضوا فردوا.
فعليك بالحرص والمتابعة والحَيْطَةِ ، فالحَيطةُ تمنع من الداء وتُغنى عن الدواء ، وكذلك الحزم – وهو لا يعنى القسوة والغِلظة – فالحزم سياج التربية القويمة ، والحزم مركب الصادقين.

ونجد أنفسنا مطالبين أن نَزِيْدَ الجهد لِنُزِيْلَ الجهل عن الأهل ، وإن لم نفعل فكلّ ذلك مُخَزَّنٌ فى عُقولهم فى القُرْصِ الصلب ، سيذكرون بوضوح أنّ أباهم لم يُعلمهم آيةً من كتاب الله ، ولا حديثًا من أحاديث النبىّ r ، كلُّ حِرْصِهِ كان على مواد مدارس اللغات ، والدرجات العُلا فيها ، وعند الحصول على درجة مُتَسَفِّلَةٍ ؛ ربّما يضربهم ضرب غرائب الإبل ويقرعهم قرع المروة ، فعجبًا على من باع دينه بدنياه فكانت النار مثواه ، وبطبيعة الحال هى جرائم لا تسقط بالتقادم.
وبالنظر الثاقِب ترى أنّ هناك خللاً ... وهذا الخللُ حادٌّ ... وتلك الحدّة مُتزايدة .
ولست فارس ذلك الميدان ولا بَزَزْتُ فيه الأقران ... بل سبقنى إليه سادةٌ أجِلاء ، وعلماء فضلاء ، ومُرَبُّوْنَ أوفياء.
أبو مالك سامح عبد الحميد حمودة