تفسير سورة الفاتحة

(هذا اللون) للدلالة على كلام الإمام ابن القيم
(هذا اللون) للدلالة على كلام الإمام ابن تيمية



بسم الله الرحمن الرحيم
الفاتحة سبع آيات بالاتفاق.. وقد كان كثير من السلف يقول البسملة آية منها، وكثير من السلف لا يجعلها منها وكلا القولين حق :فهي منها من وجه وليست منها من وجه .. الفاتحة سبع آيات من وجه تكون البسملة منها فتكون آية ومن وجه لا تكون منها فالآية السابعة (أنعمت عليهم)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ


الحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له، فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه
"الله " هو الإله المعبود.. ولهذا كان القول الصحيح: أن" الله " أصله الإله ، وأن اسم " الله " تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى.. " الرب "هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي.. والعالم كل ما سواه



الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد.. و"الرحمن"هو الموصوف بالرحمة..( فبناء فعلان للسعة ألا ترى أنهم يقولون غضبان للممتليء غضبا؟ ).. و"الرحيم"هو الراحم برحمته..


ملك يَوْمِ الدِّينِ


وهو يوم الجزاء.. يَوْم يدين الله الْعباد بأعمالهموَذَلِكَ يتَضَمَّن جزاءهم وحسابهم..
والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك..وخصهبيوم الدينلتفرده بالحكم فيه..


إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ


لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك.. العبادة اسم جامع لغاية الحب لله وغاية الذل له..والعبادةتجمع أصلين غاية الحب بغاية الذل والخضوع.. والعرب تقول طريق معبد أي مذلل.. والإستعانةتجمع أصلين الثقة بالله والإعتماد عليه..


اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ


"الصراط المستقيم " أن تفعل في كل وقت ما أمرت به ولا تفعل ما نهيت عنه.. وهذا "الصراط المستقيم" هو دين الإسلام المحض .. فسمى سبحانه طريقه صراطا.. الصراط في لغة العرب هو الطريق..


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ


ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون)وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه والنصارى عبدوا الله بغير علم..فمن لم يعرف الحق كان ضالا، ومن عرفه ولم يتبعه كان مغضوبا عليه، ومن عرفه واتبعه فقد هدي إلى الصراط المستقيمفهو منعم عليه.
انتهى بحمد الله.

وبعد،

قال الإمام المؤرخ عماد الدين بن كثير صاحب التفسير المشهور:
"في يوم الاثنين ثاني المحرم درس الشيخ الامام تقي الدين بن تيميةالحراني بدارالحديث وكان درسا هائلا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون.
وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين،
ثم جلس الشيخ تقي الدين يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الاموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره".
وفي هذاقال مؤرخ الإسلام الذهبي رحمه الله:"وخضع العلماء لحسن درسه،وحضره قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدين،ووكيل بيت المال زين الدين،وزين الدين المنجا، وجماعة، وجلس بجامع دمشق على كرسي أبيه، يوم الجمعة عاشر صفر، وشرع في تفسير القرآن من الفاتحة".
قال ابن كثير:"وكان يجتمع عنده الخلق الكثير، والجم الغفير،من كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعةالمحررة ، مع الديانة والزهادة والعبادة،سارت بذكره الركبان في سائرالأقاليم والبلدان،واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة!".
ولقد قال
ابن رجب رحمه الله:" فكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسر في سورة نوح عدة سنين"..
لقد كان الشيخ الجليل بحق، آية من آيات الله في التفسير. قال
ابن سيد الناس رحمه الله:" لم تر عين من رآ مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير،فيحضر مجلسه الجم الغفير،ويردون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير".
ولقد كان هذا هو
الهدف المنشود بإذن الله تبارك وتعالى،من هذا التفسير المبارك: وهو أن أرتوي منه ويرتوي معي كل ظامىء إلى علم هذا الحبر البحر؛ وإلى علم تلميذه العلامة المفيد ابن القيم، الذي كان أيضا بحق مفسرا فذا، قل نظيره..
ولذلك عزمت،مستعينا بالله، وعليه توكلت،أن أجمع ما تفرق في ثنايا كتبهما من التفاسير القيمة، مع العلم أن هذا العمل يحتاج، ولا شك،الى جهد ووقت كبيرين، ولكن يهونه عليناإن شاءالله تبارك وتعالى،أن أحب العمل الى الله أدومه وإن قل..
ولذلك فلن يفت في عضدنا ضخامة هذا العمل،مادمنا في ما يحبه الله،وسنقوم مرة بعد مرة،بإذن الله تعالى،بعرض مايسره الله عز وجل من تفاسيرهما،ولواس تمر الأمر على ذلك مدة سنين متطاولة!.
وقد رأيت أن يكون أول ما أخطه في هذا العمل هو تفسير فاتحة الكتاب وأم القرآن تبركا بهذه السورة المباركة مع العلم أن ذلك مسبوق بحديث الإمامين عن فضائلها
كما لهما مباحث قيمة حول هذه السورة سندرجه بإذن الله في الوقت المناسب كما أنه لابد أن نتعرف على مكانة هذين المفسرين في هذا العلم،كما بينها العارفون المعتمد على كلامهم، والمرجوع الى أقوالهم في هذاالشأن،وهو نقد الرجال،سواء منهم من كان معاصرا لهما، أو قريبا من عصرهما،أوكان بعيدا.
والله أسأل أن يعين على إخراجه على الوجه الأكمل ويجعله خالصا لوجه

(ملحوظة:من طبيعة هذا الموضوع أنه متجدد باستمرار وستنضاف اليه المزيد من المباحث والتفسيرات كلما يسر الله ذلك)