مبحث خاص بتدليس ابن جريج
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: مبحث خاص بتدليس ابن جريج

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,534

    افتراضي مبحث خاص بتدليس ابن جريج

    هذا مبحث خاص بتدليس ابن جريج من أطروحة الدكتوراة لأم أحمد المكية وهي بعنوان " مرويات وأقوال ابن جريج في التفسير من سورة الفاتحة إلى سورة الحج

    المبحث الأول : تعريف التدليس وأقسامه


    التدليس لغة : مأخوذ من الدَّلَس، وهو السواد والظلمة. قال الليث : دلس في البيع، وفي كل شيء إذا لم يبين عيبه ([1]) .
    وقال الحافظ ابن حجر : " إنه مشتق من الدَّلس وهو الظلام، وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه " ([2]) .
    التدليس اصطلاحاً : هو ما أخفي عيبه إما في الإسناد، أو في الشيوخ ([3]) .
    والتدليس قسمان :
    تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ .

    أولاً : تدليس الإسناد :
    اختلفت عبارات علماء الحديث، في تعريفه على أقوال، ونستطيع أن نلخص هذه الأقوال في قولين أساسين .
    الأول عند المتقدمين، والثاني عند المتأخرين من علماء الحديث .
    فجمهور المتقدمين من علماء الحديث على أن تدليس الإسناد هو :
    " رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، فيتوهم أنه سمعه منه، أو عمن لقيه ما لم يسمعه منه " .
    وهو قول الخطيب البغدادي ( ت463هـ )([4])، والحافظ مجد الدين ابن الأثـير([5])
    ( ت606هـ )، وابن الصلاح ([6]) ( ت643هـ )، ومشى على هذا القول من جاء بعد ابن الصلاح، كالإمام النووي ([7]) ( ت676هـ )، والطيبي ([8]) ( ت743هـ )، وابن كثير ([9]) ( ت774هـ )، والعراقي ([10]) ( ت806هـ ) .
    وهو صنيع عدد من أئمة الحديث المتقدمين كالإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والعجلي، والفسوي، وابن حبان، وابن عدي، والخليلي، وغيرهم. وعرف ذلك عنهم من خلال أقوالهم في المدلسين .
    وسيتبين عند عرض أقوال العلماء في تدليس ابن جريج، أنهم كانوا يطلقون هذا المعنى على تدليس ابن جريج؛ حيث يطلقون على المدلس أنه لم يسمع من فلان ويدلس عنه، وبذلك أدخلوا في تعريف التدليس رواية الراوي عمن عاصره أيضاً .
    بينما نجد التعريف الثاني للتدليس، خص التدليس برواية الراوي عمن لقيه فقط. وعلى هذا جمهور المتأخرين، حيث قالوا في تدليس الإسناد :
    " هو أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، موهماً السماع، من غير أن يذكر أنه سمعه منه " .
    وهكذا عرفه الحافظ ابن حجر العسقلاني ([11]) ( ت852هـ )، ومن جاء بعده كالسخاوي ([12]) ( 209هـ )، و شيخ الإسلام الأنصاري([13]) ( ت926هـ )، و محمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبـلي ([14]) ( ت971هـ )، ومحمد بن عبدالرؤوف المنـاوي ([15]) ( ت1032هـ ) .
    وقد استفاد ابن حجر هذا التعريف، من كلام أبي بكر البزار ([16]) ( ت292هـ )، وأبي الحسن بن القطـان ([17]) ( ت 628هـ )، وابن عبدالبر ([18])، والحافظ العـلائي ([19]) ( ت761هـ ) .
    ومن خلال النظر في التعريفين، نجد أن التعريف الأول، دخل فيه رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بصيغة موهمة للسماع، وهذا ما يعرف بالمرسل الخفي، عند الحافظ ابن حجر ([20]) .
    وهو قسم من أقسام التدليس عند المتقدمين .
    أما التعريف الثاني فقد مَيَّز الحافظ ابن حجر، بين تدليس الإسناد، وبين المرسل الخفي، وهو فرق دقيق جداً، يدل على دقة علماء الحديث، في تحديد مصطلحاتهم .
    وعلى هذا، نجد أن هناك عدداً من الرواة، وصفهم المتقدمون بالتدليس، بناءً على تعريفهم السابق، بينما نجد المتأخرين، لا يعدونهم من المدلسين، بل يعدون فعلهم من باب الإرسال لا التدليس .
    قال ابن حجر : " من ذكر بالتدليس أو الإرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه، فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق إرسال " ([21]) .
    بهذا التفريق الدقيق بين المصطلحات الثلاثة : الإرسال، والتدليس، والمرسل الخفي، نستطيع أن نحدد فعل ابن جريج، ونبين منه ما هو من باب الإرسال، أو من باب التدليس، أو المرسل الخفي، وذلك عند دراسة أقول المتقدمين والمتأخرين، في تدليس ابن جريج، وتحديد نوعه .
    ويلحق بهذا النوع – وهو تدليس الإسناد – أنواع وهي :
    1- تدليس التسوية :
    " وهو رواية الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر " ([22]) .
    2- تدليس العطف :
    " وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه، ما سمعاه من شيـخ اشتركا فيـه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأول بالسماع، ويعطف الثاني عليه " ([23]) .
    3- تدليس القطع :
    وهو " أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله : فلان عن فلان " ([24]) .
    4- تدليس السكوت :
    " وهو أن يذكر صيغة التحمل، ثم يسكت قليلاً، ثم يقول : فلان " ([25]) .
    5- تدليس الصيغ :
    وهو أن يذكر الراوي، صيغة التحمل من شيخه، على غير ما اصطلح عليه أهل
    الحديث، كأن يصرح بالإخبار في الإجازة، أو بالتحديث في الوجادة، أوفيما لم يسمعه ([26]) .

    ثانياً : تدليس الشيوخ :
    " وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفة بما لا يعرف به كي لا يُعرف " ([27]) .
    ويلحق بهذا النوع تدليس البلدان وهي :
    أن يذكر الراوي لفظاً مشتركاً، يطلق في المشهور، على غير الموضع الذي أراده([28]).
    وصورته : أن يقول الراوي المصري: حدثني فلان بالأندلس، أراد موضعاً بالقرافة، أو قال بزقاق حلب، وأراد موضعاً بالقاهرة .
    أو يقول البغدادي : حدثني فلان بما وراء النهر وأراد نهر دجلة .
    وفيه إيهام الرحلة في طلب الحديث ([29]) .



    المبحث الثاني : حكم التدليس ودرجة المدلس


    حكم التدليس:
    لقد ذم علماء الحديث التدليس، وكرهوه لما فيه من الإيهام، وكان شعبة من أشدهم ذماً له، وتختلف درجة كراهته باختلاف الغرض الحامل على التدليس .
    وذكروا عدة أقوال، في قبول رواية المدلس ، حسب نوع تدليسه، ولعل من أصحها التفصيل كما قال ابن الصلاح، أن مارواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال، فحكمه حكم المرسل .
    وما رواه بلفظ مبين للاتصال كسمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وشبههما، فمقبول محتج به ([30]) .
    وقال ابن حجر : " وحكم من ثبت عنه التدليس، إذا كان عدلاً، أن لا يقبل منه، إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح " ([31]).
    ومما ينبغي التنبيه إليه، معرفة الصيغة التي يروي بها المدلس الحديث، حتى يحكم عليها، ولا نحكم بمجرد العنعنة في السند؛ لأن العنعنة من تصرف الرواة، لا من تصرف المحدث، قال الشيخ المعلمي اليماني عند حديثه عن المعنعن : " اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة " عن " ليست من لفظ الراوي الذي يُذكر اسمه قبلها، بل هي من لفظ من دونه " ([32]) .
    ولعل معرفة هذا الأمر مما يصعب، فلا نستطيع أن نحكم على الراوي بالتدليس في هذا الحديث من خلال الصيغة، بل نعرف ذلك بتصريح العلماء بسماعه من فلان أو عدم سماعه ، وبتدليسه في هذا الحديث خاصة، أو أحاديث فلان، بنـاء على معرفتهم التامـة
    برواياته وصيغها، وخصوصاً عند المتقدمين من علماء الحديث .
    قال الحافظ الذهبي رحمه الله عند كلامه على تدليس ( الوليد بن مسلم ) : " وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث فإن أولئك الأئمة كالبخاري، وأبي حاتم، وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتقنة " ([33]) .
    وهذا الحكم بالنسبة لتدليس الإسناد، حيث لا يقبل إلا ما صرح فيه الراوي بالسماع .
    أما بالنسبة لتدليس الشيوخ، فيتوقف الحكم عليه بالكراهة، على حسب الغرض الحامل عليه، ويختلف باختلاف المقاصد .
    قال السيوطي : " وتختلف الحال في كراهته بحسب غرضه، فإن كان لكون المغيّر اسمه ضعيفاً، فيدلسه حتى لا يظهر روايته عن الضعفاء، فهو شر قسم " ([34]) .
    وفي هذا النوع، ينبغي تحديد اسم الراوي، والتأكد من ذلك، حتى يحكم على السند بحسب ضعفه أو ثقته .

    درجة حديث المدلس :
    حديث المدلس قابل للاعتضاد، ويصل إلى درجة الحسن لغيره .
    قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - : " ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، كذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه، صار حديثهم حسناً لا لذاته بل بالمجموع " ([35]) .
    وإلى هـذا ذهب السيوطي أيضـاً حيث قال : " وكذا إذا كان ضعفها لإرسال،
    أو تدليس، أو جهالة حال، زال بمجيئه من وجه آخر، وكان دون الحسن لذاته " ([36]) .
    ويشترط في تقوية حديث المدلس، أن لا يعرف المحذوف، فإذا عرف المحذوف، فإنه يحكم له بالحكم المناسب حسب قواعد المحدثين .


    حكم رواية المدلس بالعنعنة في الصحيحين :
    ذكرت فيما سبق، أن المدلس إذا صرح بالسماع ممن لقيه، فروايته متصلة، أما إذا روى بلفظ محتمل موهم للسماع، فلا يقبل منه ذلك .
    ولو نظرنا إلى الصحيحين، لوجـدنا جملة من أحاديث المدلسـين، لم يصرح فيها
    بالسماع، فالذي عليه جمهور العلماء، أن أحاديث المدلسين في الصحيحين خاصة، حكمها الصحة والاتصال، قال النووي : " وما كان في الصحيحين , وشبههما عن المدلسين ( بعن ) , محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى " ([37]) .

    وقال السخاوي : " وأكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين منـزّلة منـزلة السماع " ([38]).
    وقد قبل العلماء معنعنـات الصحيحين للإجماع على تلقيهما بالقبول, ولأنه عُرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث, إلا ما لا علة له, أو له علة إلا أنهما غير مؤثرة عندهما ([39]) .
    وقد ذكر الدكتور الدميني في سبب إيراد صاحبا الصحيح لتلك الطرق المعنعنة , عدة أمور([40]) .



    المبحث الثالث : من وصف ابن جريج بالتدليس في كتب خاصة بالتدليس


    وصف عدد من النقاد ابن جريج بالتدليس سواء في مؤلف خاص بالتدليس, أو رويت أقوالهم في بعض كتب الرجال والضعفاء, وفيما يلي سرد لأسماء العلماء الذين وصفوا ابن جريج بالتدليس :
    أولاً : من وصفه بالتدليس في مصنف خاص بالتدليس :
    1- أحمد بن شعيب النسائي ( ت 303 هـ ) :
    وقد ألف جزءاً في المدلسين, وقد أشار إليه الحافظ ابن حجر, فيمن صنف في المدلسين([41]), وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ([42]), حيث قال :
    " قال النسائي : ذكر المدلسين, ثم سرد أسماءهم, وهم سبعة عشر راويا, وذكر منهم : ابن جريج " .
    2- خليل بن كيكلدي العلائي ( 761 هـ ) :
    وله كتاب ( جامع التحصيل في أحكام المراسيل ) ذكر فيه عدداً كبيراً ممن وصف بالتدليس , بلغ عددهم ( 68 ) راويا , وذكر منهم ابن جريج فقال :
    " عبد الملك بن جريج, الإمام المشهور, يكثر من التدليس " ([43]) .
    وكتابه هذا وإن كان في المرسل, إلا أنه تطرق إلى التدليس, وحكمه , وأقسامه, ثم ذكر أسماء المدلسين .
    3- أحمد بن محمد المقدسي ( ت 765 هـ ) :
    وله منظومة في المدلسين تقع في (23) بيتا, وعدد الذين ذكرهم فيها (57) راوياً, وقد قام بتحقيها وشرحها د. عاصم بن عبد الله القريوتي .
    وقد ذكرها الشيخ حماد الأنصاري, في آخر كتابه ( إتحاف ذوي الرسوخ ممن رُمي بالتدليس من الشيوخ ) وذكر فيه ابن جريح ضمن المدلسين فقال :


    " والقارئ الأعمش والزهري وابن جريج الجابر الجعفي" ([44])


    4- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( 874 هـ ) :
    وله منظومة أيضاً في اثني عشر بيتا, وبلغ عدد الرواة المدلسين فيها ( 30 ) راوياً . وقد نقلها السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ([45]), وذكرها أيضا الشيخ حماد الأنصاري في آخر كتابه السابق, وشرحها عبد العزيز الغماري وسمّي شرحه ( التأنيس بشرح منظومة الذهبي في التدليس ).

    5- أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي ( ت 826 هـ ) :
    وله كتاب ( المدلسين ) وقد بلغ عدد الرواة المدلسين ( 80 ) راوياً, وهو ذيل على كتاب العلائي السابق ذكر ابن جريج منهم فقال :
    "عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج, الإمام المشهور, مكثر من التدليس " ([46]) .

    6- برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي (ت841هـ):
    وله كتاب (التبيين لأسماء المدلسين) وبلغ عدد الرواة المدلسين فيه (95) راوياً. وقد استفاد من كتاب العلائي والمقدسي, وزاد عليهم قليلاً. وقد ذكر ابن جريج في عداد المدلسين فقال :
    "عبد الملك بن جريج, الإمام المشهور, مكثر منه " ([47]) .

    7- الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت852هـ) :
    وكتابه ( تعـريف أهل التقديس بمراتب الموصوفـين بالتدليس ) وبلغ عدد الرواة المدلسين فيه ( 152 ) راوياً. وقد قسم المدلسين إلى خمس مراتب, ذكر في كل مرتبة من رآه من أهلها . وذكر ابن جريج من المرتبة الثالثة من المدلسين ([48]) .

    8- عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي (ت911هـ)
    وله رسالة في المدلسين, رتبها على حروف المعجم, واشتملت على (69) راوياً. وهي بعنوان (أسماء المدلسين) وقد ذكر ابن جريج فيها فقال :
    "عبد الملك بن جريج, مكثر من التدليس " ([49]) .

    9- الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (ت 14هـ).
    وكتابه ( إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ ).
    وجمع فيه ثلاث رسائل في أسماء المدلسين وهي: للحافظ ابن حجر, وبرهان الدين الحلبي, وأبو بكر السيوطي. وقد بلغ عدد الرواة فيها (160) راوياً. وذكر منهم ابن جريج ([50]) .

    10- محمد بن الشيخ على بن آدم الأثيوبي الولوي,مدرس بدار الحديث الخيرية .
    له رسالة بعنوان: ( الجليس الأنيس في شرح الجوهر النفيس في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس ).
    تقع في ( 118 ) بيتاً, وقد بلغ عدد الرواة الموصوفين بالتدليس فيها (152)راوياً, وقد عدّ ابن جريج منهم فقال :


    "عبد المجيد قل وعبد الملك وابنــا عمير وعطاء تسلك " ([51])

    11- الدكتور: مسفر بن غرم الله الدميني :
    له كتاب بعنوان ( التدليس في الحديث ) وقد ذكر أسماء الموصوفين بالتدليس, وقسمهم على مراتب, وقد بلغ عددهم (231) راوياً, وقد ذكر ابن جريج في المرتبة الرابعة ([52]) .



    المبحث الرابع


    ثانياً : من وصفه بالتدليس أو تكلم فيه , من علماء الحديث في كتب الرجال :
    1- سفيان بن سعد الثوري ( ت161هـ ) :
    روى الخطيب بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي ( ت198هـ) قال: قال سفيان: " أعياني حديث ابن جريج أن أحفظه, فنظرت إلى شيء بجمع فيه المعنى فحفظته, وتركت ما سوى ذلك" ([53]) .
    2- مالك بن أنس الأصبحي ( ت179هـ ) :
    روى الخطيب أيضاً, بسنده إلى إسماعيل بن داود المخارقي, قال : سمعت مالك بن أنس يقول : " كان ابن جريج حاطب ليل " ([54]) .
    3- يزيد بن زُريع البصري ( ت182هـ ) :
    روى الخطيب أيضاً, بسنده إلى محمد بن المنهـال([55])، قال: كان يزيد بن زريع يقول: " كان ابن جريج صاحب غثاء " ([56]) .
    4- إبراهيم بن محمد بن أبي يحيي الأسلمي (ت 184هـ ) :
    روى عنه الخطيب بسنده إليه قال : " حكم الله بيني وبين مالك بن أنس هو سماني قدرياً, وأما ابن جريج فإني حدثته "من مات مرابطاً مات شهيداً" فحدث عني " من مات مريضاً مات شهيداً " ونسبني إلى جدي من قبل أمي إبراهيم بن أبي عطاء" ([57])
    5- يحيى بن سعيد القطان ( ت198هـ ) :
    روى أبو بكر بن أبي خيثمة فقال : " زعم علي، أنه سأل يحيى بن سعيد، عن حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، قال : ضعيف. قلت ليحيى : إنه يقول: أخبرني، قال : لا شيء كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه " ([58]) .
    ونقل الرامهرمزي ([59])، بسنده إلى يحيى بن سعيد قال :
    " كان ابن جريج صدوقاً، فإذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أنبأنا أو أخبرني، فهو قراءة، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح " .
    6- عبدالله بن نمير الهمداني ( ت199هـ ) :
    روى ابن أبي حاتم، عن علي بن المديني قال : سمعت عبدالله بن نمير الهمـداني ( ت199هـ ) يقول : " هذه الأحاديث التي قال ابن جريج ( زعموا ) أنها سمعها، من داود العطار " ([60]) .
    7- محمد بن عمر الواقدي ( ت207هـ ) :
    روى ابن سعد في الطبقات ([61])، فقال : " أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة قال : قال ابن جريج: اكتب لي أحاديث سنن. قال : فكتبت له ألف حديث ثم بعثت بها إليه ما قرأها على ولا قرأتها عليه .
    قال محمد بن عمر : فسمعت ابن جريج بعد ذلك يحدث يقول : " حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة في أحاديث كثيرة " .
    وقال أيضاً : " أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبدالرحمن بن أبي الزناد، قال: شهدت ابن جريج جاء إلى هشام بن عروة قال : يا أبا المنذر، الصحيفة التي أعطيتها فلاناً
    هي حديثك؟ فقال : نعم .
    قال محمد بن عمر : فسمعت ابن جريج بعد ذلك يقول : حدثنا هشام بن عروة ما لا أحصي " .
    8- عبدالرزاق بن همام الصنعاني ( ت211هـ ) :
    روى الخطيب([62])، بسنده إلى عبدالرزاق، قال: " قدم أبو جعفر – يعني الخليفة – مكة فقال : اعرضوا عليّ حديث ابن جريج، قال: فعرضوا عليه حديث ابن جريج فقال: ما أحسنها لولا هذا الحشو الذي فيها – يعني بلغني، وحدثت - " .
    9- يحيى بن معين الغطفاني ( ت233هـ ) :
    روى الحافظ عثمان الدارمي في تاريخه ([63])، قال : قلت – أي لابن معين -: فابن جريج ؟ فقال : ليس بشيء في الزهري " .
    قال الإمام إبراهيم بن عبدالله ابن الجنيد ( ت260هـ ) : " سمعت يحيى بن معين يقول : " لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حرفاً أو حرفين " ([64]) .
    وقال الدوري : قال يحيى معين : " الذي سمع ابن جريج، من حبيب بن ثابت سماع حديثين، وما روى عنه سوى ذلك، يظنه بلغه عنه ولم يسمعها، الذي سمع حديث أم سلمـة ( ما أكذب الغرائب ) وحديث ( الراقي ) ... " ([65]) .
    وقال أيضاً ([66]) : " سمعت يحيى يقول : حديث " من مات مريضاً مات شهيداً " كان ابن جريج يقول فيه : إبراهيم بن أبي عطاء، يكنى عن اسمه، وهو إبراهيم بن أبي يحيى، وكان رافضياً قدرياً " .
    وقال يحيى بن معـين: " لم يسمع ابن جريج من صفيـة بنت شيبة، وقال : لم يدركها " ([67]) .
    10- علي بن المديني (234هـ ) :
    قال في العلل ([68]): " فسمع ابن جريج من طاوس ومجاهد، ولم يلق منهم جابر بن زيد، ولا عكرمة، ولا سعيد بن جبير " .
    وروى الخطيب([69])، بسنده إلى علي بن المديني، أنه سئل عن حديث، من طريق ابن جريج، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب ([70])، فقال : " ابن جريج لم يسمع من المطلب بن عبدالله بن حنطب، كان يأخذ أحاديثه عن ابن أبي يحيى عنه " .
    وروى الحاكم([71])، بسنده إلى عبدالله ابن المديني، قال : حدثني أبي، قال : " كل ما في كتاب ابن جريج، أخبرت عن داود بن الحصين، وأخبرت عن صالح مولى التوأمة، فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى " .
    وجاء في المعرفة والتاريخ ([72])، عن علي بن المديني قال :
    " لم يسمع من ابن شهاب شيئاً، إنما عرض له عليه، وقال يحيى: قال لي سفيان بن حبيب: بلى، قد سمع منه كذا وكذا. قال : فأتيته فسألته عنه فقال : ما أدري سمعته أو قرأته " .
    11- أحمد بن حنبل الشيباني ( ت241هـ ) :
    جاء في العلل ومعرفة الرجال ([73]): " قال أبي : رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد،
    وهو يسمع منه كتاب الجامع- يعني لابن جريج – فكان في الكتاب : ابن جريج قال : أخبرت عن يحيى بن سعيد، وأخبرت عن الزهري، وأخبرت عن صفوان بن سليم، فجعل سنيد يقول لحجاج : قل يا أبا محمد ابن جريج، عن الزهري، وابن جريج عن يحيى بن سعيد، وابن جريج، عن صفوان بن سليم، فكان يقول له هكذا. ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع لحجاج، وذمه على ذلك. قال أبي : وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها. يعني قوله " أخبرت وحدثت عن فلان " .
    وقال الحافظ ابن عبدالهادي ([74]): " قال أحمد : لم يسمع من عمرو بن شعيب، ولا من أبي الزناد " .
    وقال الذهبي : " قال أحمد : لم يسمع من عمرو بن شعيب زكاة مال اليتيم ولا من أبي الزناد " ([75]).
    وقال الأثرم عن أحمد : إذا قال ابن جريج : قال فلان وقال فلان، وأخبرت، جاء بمناكير، وإذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به " ([76]) .
    وقال أحمد أيضاً: " لم يسمع من عثيم بن كليب " ([77]) .
    وقال أحمد : " ابن جريج لم يسمع من طـاووس ولا حرفـاً، ويقول : رأيت طاووساً " ([78]) .
    وقال في رواية ابن إبراهيم أيضاً: كل شيء يقول ابن جريج : قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء " ([79]) .
    ونقل الخطيب ([80])، عن أحمد بن حنبل، أنه ذكر ابن جريج عنده، فقال: " إذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به " .
    وقال أيضاً: قال أحمد بن حنبل : " كان ابن جريج الذي يحدث من كتاب أصح، وكان في بعض حفظه إذا حدث حفظاً سيء " .
    وقال الذهبي ([81]): " قال أحمد : وإذا قال : ابن جريج ( قال ) فاحذره، وإذا قال : سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء " .
    12- أحمد بن صالح المصري ( ت248هـ ) :
    قال عثمان الدارمي في تاريخه ([82]) : " سمعت أحمد بن صالح يقول : ابن جريج إذا أخبر الخبر فهو جيد وإذا لم يخبر فلا يعبأ به " .
    13- محمد بن إسماعيل البخاري ( ت256هـ ) :
    قال الترمذي : " قال محمد بن إسماعيل : لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب، ولا من عمران بن أبي أنس ([83])، ولا من أبي سفيان طلحة بن نافع ([84]) " ([85]).
    وقال الترمذي : " سألت محمداً، عن هذا الحديث ( وفي الإبل صدقتها ) فقال : ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، يقول : حُدثت عن عمران بن أبي أنس"([86]) .
    وقال العلائي : " قال البخاري: لم يسمع ابن جريج، من عمرو بن شعيب شيئاً ".
    ثم قال : " قلت : وقد روى عنه عدة أحاديث، وهي عن جماعة ممن تقدم ذكرهم، ولكنه مدلس كما سبق ذكره فيهم " ([87]).
    وقال البخاري : " لا أعرف لابن جريج، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، غير هذا الحديث – يعني حديث الدعاء عند الخروج من البيت – ولا أعرف له سماعاً منه " ([88]) .
    14- محمد بن يحيى الذهلي ( ت258هـ ) :
    قال الذهلي : " وابن جريج إذا قال : حدثني وسمعت، فهو محتج بحديثه داخل في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري " ([89]) ومفهوم كلامه، أنه إذا لم يصرح بالتحديث والسماع، فلا يحتج بحديثه .
    15- أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي ( ت258هـ ) :
    قال الحافظ أبو عثمان البرذعي : " سمعت أبا مسعود أحمد بن الفرات يقول : " رأيت عند عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم ([90])، أحاديث حساناً، فسألته عنها . فقال : أي شيء تصنع بها ؟ هي من أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى . فقال أبو مسعود : كان ابن جريج يدلسها، عن إبراهيم بن أبي يحى. قال أبو مسعود : فتركتها ولم أسمعها " ([91]) .

    16- أبو زرعة الرازي ( ت264هـ ) :
    قال ابن أبي حاتم: " سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن أبي سعيد مولى ابن عامر([92])، عن أبي هريرة،عن النبيe: " أفطر الحاجم والمحجوم " فقالا : أسقط من الإسناد إبراهيم بن أبي يحيى، بين ابن جريج وبين صفوان .
    قال أبو زرعة : لم يسمع ابن جريج من صفوان شيئاً ([93]) .
    قال العراقي : " في العلل لابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أن ابن جريج، لم يسمع من صفوان بن سليم، وروايته عنه في سنن أبي داود والنسائي " ([94]) .
    17- أبو حاتم الرازي ( ت277هـ ) :
    قال ابن أبي حاتم : " سمعت أبي يسأل، عن ابن جريج سمع من أبي سفيان طلحة بن نافع. قال : ما أراه، رأيت في موضع بينه وبين أبي سفيان أبا خالد شيخه " ([95]) .
    وقال أبو حاتم في حديث سئل عنه : " ليس هو من حديث صفوان بن سليم، ويحتمل أن يكون من حديث ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم، أن ابن جريج يدلس عن ابن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم غير شيء، وهو لا يحتمل أن يكون منه " ([96]) .
    وقال أبو حاتم عندما سئل عن حديث " مس الذكر " : أخشى أن يكون ابن جريج أخذ هذا الحديث من إبراهيم بن أبي يحيى؛ لأن أبا جعفر حدثنا قال : سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول : جاءني ابن جريج بكتب مثل هذا – خفض يده اليسرى ورفع يده اليمنى مقدار بضعة عشر جزءاً – فقال : أروي هذا عنك ؟ فقال : نعم " ([97]) .
    وقال ابن أبي حاتم : " سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه ابن جريج، عن جابر، فذكره. فقالا : لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، يقال : إنه سمعه من ياسين ([98]): أنا حدثت به ابن جريج، عن أبي الزبير .
    فقلت لهما : ما حال ياسين، فقالا : ليس بالقوي " ([99]) .
    18- أحمد بن عمرو البزار ( ت292هـ ) :
    قال البزار: " لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت " ([100]) .
    19- محمد بن حبان البستي ( ت354هـ ) :
    قال ابن حبان في كتاب ( المجروحين ) ([101]) : " كل ما وقع في نسخة ابن جريج، عن أبي الزبير من المناكير، كان ذلك مما سمعه ابن جريج، عن ياسين الزيات، عن أبي الزبير، فدلس عنه " .
    وقال في ( مشاهير علماء الأمصار ) ([102]): " نظر الحكم بن عتيبة، وليث بن أبي سليم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وابن عيينة في كتاب القاسم ونسخوه، ثم دلسوه عن مجاهد " .
    20- علي بن عمر الدارقطني ( ت385هـ ) :
    قال الدارقطني : " شر التدليس تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح مثل : إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة([103]) وغيرهما " ([104]) .
    وقال : " ثقة حافظ، وربما حدّث عن الضعفاء، ودلس أسماءهم، مثل أبي بكر بن أبي سبرة، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهما " ([105]) .
    وقال أيضاً: " لم يسمع ابن جريج، من المطلب بن عبدالله بن حنطب شيئاً، ويقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة، أو غيره من الضعفاء " ([106]) .
    وقال : " لم يسمع من الزهري حديث ( إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ) إنما سمعه من النعمان بن راشد " ([107]) .
    وقال : " لم يسمع من أبي إسحاق ([108]) حديث ( بسم الله توكلت على الله ) " ([109]).
    وقال : " لم يسمع من أبي الزناد " ([110]).
    وقال أيضاً : " لم يسمع من عكرمة بن خالد حديث ( اعتمر رسول e ) قبل أن يحج " ([111]) .
    وقال أيضاً : " لم يسمع من يحيى حديث ( كانوا في الجاهلية ) " ([112]) .
    21- محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري ( ت405هـ ) :
    ذكر أجناس المدلسين فقال : " الجنس الرابع من المدلسين : قوم دلسوا أحاديث، رووها عن المجروحين، فغيّروا أساميهم وكناهم، كي لا يعرفوا " ([113]) . وذكر تحته خبرين، عن تدليس ابن جريج. ثم قال : " ومن هذه الطبقـة جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين فخرج حديثهم في الصحيح، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وما دلسوه " ([114]).
    22- أبو يعلى الخليل بن عبدالله الخليلي ( ت446هـ ) :
    ذكر حديثاً رواه ابن جريج، عن أبي الزبير ثم قال :
    " ويقال : إن هذا لم يسمعه من أبي الزبير، لكنه أخـذه عن ياسـين الزيات، وهو ضعيف جداً، عن أبي الزبير وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ " ([115]) .
    23- أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي ( ت463هـ ) :
    تكلم عن التدليس وأنواعه، ثم ذكر شيئاً من أخبار المدلسين، ثم روى أخباراً، عن تدليس ابن جريج، وذكر حديث ابن جريج، عن ابن أبي يحيى ( من مات مريضاً ) ثم قال: " ويقال : إن ابن جريج أيضاً روى عنه فقال : ثنا أبو الذئب " ([116]) .
    24- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت748هـ ) :
    قال الذهبي عن ابن جريج : " أحد الأعلام الثقات، يدلس، وهو في نفسه مجمع على ثقته " ([117]) .
    وقال في السير : " الرجل في نفسه ثقة حافظ، لكنه كان يدلس بلفظ ( عن ) و ( قال ) " ([118]) .
    وقال أيضاً : " وكان ابن جريج، يرى الرواية بالإجازة، والمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في رواياته، عن الزهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط بعد شكل ولا نقط " ([119]) .
    25- عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي ( ت795هـ ) :
    ذكر حديثاً من طريق ابن جريج، عن عكرمة، عن ابن عباس، ثم قال : " ولعل ابن جريج دلسه عن غير ثقة " ([120]) .
    وقال في موضع آخر : " ويقال : إن ابن جريج، كان يدلس أحاديث صفوان، عن ابن أبي يحيى، وكذلك أحاديث ابن جريج، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب " ([121]) .



    المبحث الخامس : مناقشة الأقوال في تدليس ابن جريج


    من خلال استعراض أقوال العلماء السابقة في ابن جريج تبين لي عدة أمور :

    1- أن غالب ما أخذ على ابن جريج، هو الإرسال وليس التدليس بمعناه الاصطلاحي، ويظهر ذلك جلياً في قول ابن جريج " أخبرت عن " و " حدثت عن " . وهذه الصيغة صريحة في وجود الواسطة، وظاهر فيها عدم الإيهام بالسماع، وعلة التدليس هي إيهام الراوي السماع، بصيغة تحتمل ذلك .
    ومما يدل على أن هذه الصيغة، وهي " حدثت " و " أخبرت "، كانت غالبة في حديث ابن جريج، ما قاله الإمام أحمد : " بعض هذه الأحاديث، التي كان يرسلها ابن جريج، أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه " يعني قوله: " أخبرت وحدثت عن فلان " ([122]) .
    ومن ذلك أيضاً، ما ذكره عبدالرزاق، قال : " قدم أبو جعفر – يعني الخليفة – مكة فقال : أعرضوا عليّ حديث ابن جريج، قال : فعرضوا عليه حديث ابن جريج فقال: ما أحسنها لولا هذا الحشو الذي فيها – يعني قوله : بلغني، وحدثت – " ([123]) .
    وهذا يدل، على إكثار ابن جريج، من هذه الصيغة الصريحة في عدم السماع، وفي وجود الواسطة .
    2- عند النظر في قوله، " لم يسمع عن فلان "، نجد أن هؤلاء الرواة، الذين قيل عنهم ذلك على أقسام :
    أ ) رواة لم يدركهم أصلاً، كقولهم: لم يلق منهم جابر بن زيد، ولا عكرمة، ولا سعيد بن جبير، وهؤلاء روايته عنهم مرسلة .
    ب) رواه عاصرهم ولم يلقهم، أو لقيهم ولم يسمع منهم، كقولهم: " لم يسمع من صفوان بن سليم شيئاً "، وَ " لم يسمع من عمرو بن شعيب "، وَ " لم يسمع من المطلب بن عبدالله "، " لم يسمع من أبي الزناد شيئاً "، " لم يلق وهب بن منبه "، " لم يسمع من عمـران بن أبي أنس "، " لم يسمـع من عثيـم بن كليب "، " لم يسمع من عطاء بن ميسرة شيئاً " .

    ج) رواة لقيهم وسمع منهم، ولكن لم يسمع منهم إلا حديثاً أو حديثين كقولهم : " لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت إلا حديثين ... " وقولهم : " لم يسمع من مجاهد إلا حرفاً " وقولهم : " لم يسمع من طاووس إلا حرفاً أو مسألة " .

    د ) رواة لقيهم وسمع منهم كثيراً، لكن لم يسمع منهم حديث كذا بعينه، كقولهم: " لم يسمع من أبي الزبير، حديث ( ليس على مختلس قطع .. ) وقولهم : " لم يسمع من عكرمة بن خالد حديث ( اعتمر رسول الله e قبل أن يحج ) " .

    وعند تحقيق القول في هذه الأقوال نجد أن :
    1- قولهم " لم يلق فلان وفلان "، فهذا واضح أنه من باب الإرسال، وليس التدليس، وله حكم المرسل، فرواية ابن جريج عن الصحابة، وكبار التابعين منقطعة، وتأخذ حكم المرسل .
    قال الخطيب : " لا خلاف بين أهل العلم، أن إرسال الحديث، الذي ليس بمدلس، هو رواية الراوي عمن لم يعاصره، أو لم يلقه نحو رواية سعيد .
    وبمثابته في غير التابعين، نحو رواية ابن جريج، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة" ([124]).
    2- أما قولهم : " لم يسمع من فلان " وهؤلاء الرواة ممن عاصرهم ابن جريج، ولم يلقهم، وروى عنهم بصيغة موهمة للسماع كـ " قال " و " ذكر " فروايته عن هؤلاء من قبيل المرسل الخفي، وليس التدليس .
    قال ابن رشيد : " وأما المعاصر غير الملاقي، إذا أطلق " عن " فالظاهـر أنه لا يعد مُدّلساَ، بل هو أبعد عن التدليس؛ لأنه لم يُعرف له لقاء ولا سماع، بخلاف من عُلم له لقاء أو سماع " ([125]) .
    والإرسال الخفي ليس تدليساً؛ إذ لا إيهام فيه مع عدم اللقاء .
    وعند تحقيق القول في هؤلاء الرواة، الذين قيل فيهم : " لم يسمع منهم " نجد أن ذلك قليل جداً، وقد يتحقق في واحد أو اثنين فقط، أما باقي الرواة بالتتبع والاستقراء، نجد أن لابن جريج رواية عنهم، مع التصريح في بعض المواطن بالسماع، مما يدل على لقائه بهم، وسماعه منهم، ولكن لا يثبت له سماع بعض الأحاديث، أو لم يسمع من الراوي حديثاً بعينه، وإنما سمعه بواسطة وأسقط هذه الواسطة .
    أما القول بأن ذلك قليل، فلأن ابن جريج عاش في مكة، التي كان يرتادها العلماء من كل مكان للحج أو العمرة، أو لطلب العلم .
    " ولم يكن يوجد منهم إلا نادراً من لم يزر الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه، إذا كانا متعاصرين، وإذا ثبت أن أحد المتعاصرين، روى عن الآخر بلا تصريح بسماع ولا عدمه، كان المتبادر السماع، فكيف إذا لا حظنا أن كثيراً من السلف كان يزور الحرمين كل عام، فكيف إذا كان أحدهما ساكناً أحد الحرمين ! وكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما ! إذا كانا ساكنين بلداً واحداً، فإنه يكاد يقطع اللقاء " ([126]) .
    وبالنسبة لرواية ابن جريج، عن هؤلاء الرواة المعاصرين له بالعنعنة، فإما أن تثبت عنه هذه الصيغة " عن " أو لا تثبت .
    أما إذا ثبتت رواية ابن جريج، عنهم بالعنعنة فجوابه :
    أن ابن جريج لم يسمع من الراوي مباشرة، بل سمعه منه بواسطة، وهذه الواسطة ثقة عنده، ولكنه أسقطها لسبب أو لآخر لديه .
    قال عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ( ت1386هـ ) – رحمه الله - : " وأما عنعنة ابن جريج، فإنها وإن كانت قادحة في الصحة، فإنها لا تقتضي شدة الضعف؛ لأنها تحتمل الوصل وعدمه، فإن كان الأول فالحديث صحيح، وإن كان الثاني فالحديث حسن، عند ابن جريج؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده على الأقل، ولذلك جعلوا ما عنعنه المدلس، مما يصلح أن يبلغ درجة الحسن لغيره، إذا اعتضد ... " ([127]) .
    وأما إذا لم تثبت عنعنة ابن جريج، وتحقيق ذلك يكون بجمع طرق الحديث، فنجد أن ابن جريج قال في بعضها " حُدثت عن فلان " أو " بلغني عن فلان " . أو غير ذلك من الصيغ الصريحة في عدم السماع، والتي لا تحتمل الإيهام، وجواب ذلك أن العنعنة من تصرف الرواة، ممن دون ابن جريج غالباً، وإنما فعلوا ذلك تخففاً كما ورد ذلك عن الوليد بن مسلم قال : " كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول : ثنا يحيى، قال ثنا فلان، قال ثنا فلان، حتى ينتهي . قال الوليد : فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت " عن " " عن " تخففاً من الإخبار " ([128]) .
    وقال الخطيب : " وإنما استجاز كتبـة الحديث، الاقتصار على العنعنة، لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة، بإسناد واحد. فتكرار القول من المحدث: ثنا فلان عن سماعه من فلان، يشق ويصعب؛ لأنه لو قال: أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان وفلان، عن سماعه من فلان، حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر، إلى أن يرفع إلى النبي e لطال وأضجر ... إلخ " ([129]) .
    وقال الخطيب أيضاً : " وممن كان لا يذكر الخبر في أكثر حديثه، حجاج بن محمد
    الأعور، فإنه كان يروي، عن ابن جريج كتبه، ويقول فيها : قال ابن جريج، فحملها الناس عنه، واحتجوا برواياته؛ لأنه قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه " ([130]) .
    ولو نظرنا إلى كتب المتقدمين، لوجدنا أنهم غالباً يروون السند، بدون العنعنة، بل نجدهم يثبتون كلمة قال في أثناء السند، قبل صيغة التحديث، مثل قولهم، قال البخاري: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد. وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يستعملون كلمة " عن " في أثناء السند، ولكن عندما طالت الأسانيد، وكثرت صيغ التحديث في السند، أصبح الرواة يختصرون، ويتخففون فيقولون: حدثنا فلان، عن فلان، عن فلان، وهذا الاختصار، لا يبين لنا طريقة تحمل الحديث، هل قال الراوي أصلاً: حدثني فلان، أو قال فلان، أو ذكر فلان .
    قال المعلمي : " اشتهر في هذا الباب ( العنعنة )، مع أن كلمة ( عن ) ليست من لفظ الراوي، الذي يذكر اسمه قبلها، بل هي من لفظ من دونه، وذلك كما لو قال همام ( حدثنا قتادة عن أنس ) فكلمة ( عن ) من لفظ ( همام )، لأنها متعلقة بكلمة ( حدثنا )، وهي من قول ( همام )، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول ( عن فلان ) وإنما يقول : حدثنا أو أخبرنا أو قال أو ذكر أو نحو ذلك ... " ([131]) .
    ومما يدل على أن العنعنة، ليست من ابن جريج، وإنما من تصرف الرواة، ممن دونه ما يلي :
    1- لقد ذكرت فيما سبق، الألفاظ المردودة، التي لا تقبل من ابن جريج، وهي : قال، وذكر. وقد صرح العلماء، أن ابن جريج، إذا روى ما لم يسمع، فإنه يقول ( قال، وذكر ). ولم يذكروا لفظ ( عن ) ضمن الألفاظ التي يستعملها ابن جريج في تحديثه، مما يدل أن ذلك من تصرف الرواة، وليست من قول ابن جريج والله أعلم .
    2- ما رواه عبدالله بن أحمد ( ت290هـ )، عن أبيه قال : " رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتاب ( الجامع ) – يعني لابن جريج -، فكان في الكتاب ابن جريج، قال : أخبرت عن يحيى بن سعيد، وأخبرت عن الزهري، وأخبرت عن صفوان بن سليم، فجعل سنيد يقول لحجاج: قل أبا محمد، ابن جريج عن الزهري، وابن جريج عن يحيى بن سعيـد، وابن جريج
    عن صفوان بن سليم ... إلخ " ([132]) .
    وهذا دليل واضح على تصرف سنيد، حيث أن ابن جريج قال : " أخبرت عن " وهي صيغة واضحة في عدم السماع، وصريحة في وجود الواسطة، بينما سنيد كان يقول " عن فلان " " عن فلان " مما يوهم سماع ابن جريج، وسيأتي تفصيل القول في سنيد .
    3- قال الحافظ عمرو الفلاس ( ت249هـ ) : " سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول : أحاديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة كلها صحاح، وجعل يحدثني بها، ويقول : ثنا ابن جريج قال : حدثني ابن أبي مليكة. فقال في واحد منها : عن ابن أبي مليكة. فقلت: قل حدثني . قال : كلها صحاح " ([133]) .
    4- روى الدارقطني ( ت385هـ ) حديث ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس، وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا، فقال : " ابن جريج لم يسمع، من عمران بن أبي أنس، يقول : حدثت عن عمران بن أبي أنس " ([134]) .
    قال ابن القطان: " فالحديث على هذا منقطع، وابن جريج لم يقل حدثنا عمران، وهو مدلس " ([135]) .
    ورواية الدارقطني بالعنعنة، مما يوهم سماع ابن جريج من عمران، ولكننـا نجد في
    رواية أخرى عند الإمام أحمد، صرح فيها بالانقطاع، فعنده: ابن جريج بلغه، عن عمران بن أبي أنس ([136]) .
    وهذا دليل واضح، على أن العنعنة في رواية الداقطني، من تصرف الرواة، وليست من قول ابن جريج .
    5- قال الإمام أحمد بن حنبل ( ت241هـ ) : " كان ابن أبي زائدة إذا قال : قال ابن جريج، عن فلان، فلم يسمعه، وكان يحدث عن ابن جريج، فلا يجيء بالألفاظ والأخبار " ([137]) .
    بناء على ما سبق، فإننا لا نستطيع، أن نحكم على أحاديث ابن جريج المعنعنة، بالتدليس مطلقاً، لأن العنعنة كما أثبتنا، من تصرف الرواة، بل لا بد من جمع الطرق، ومن خلال القرائن المحتفة بالإسناد، نستطيع أن نحكم على الحديث، من خلال ما يظهر لنا. ولا نستطيع أن نحكم عليه بحكم كلي مطرد في جميع الحالات .
    من هنا يتبين لناخطأ الحكم، الذي يجري دائماً على حديث المدلس، فيقال: " فيه فلان مدلس وقد عنعن " .
    ولو نظرنا إلى حكم المتقدمين، على أحاديث المدلس، نجدهم لا يحكمون عليها بمجرد العنعنة، بل يقولون: فلان دلس هذا الحديث، ومن ذلك ما رواه الحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي ( ت262هـ ) قال : " سألت يحيى بن معين، عن التدليس، فكرهه وعابه. قلت له : أفيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلس " ([138]) .
    فنجد أن الإمام يحيى بن معين، لم يعلق الحكم على العنعنة، بل على ثبوت التدليس من الراوي، ويعرف ذلك باعتبار الحديث وسبر الروايات .
    وقال الإمام أحمد، عن هشيم بن بشير ([139]) ( ثقة إذا لم يدلس ) ([140])، ولم يقل أنه ثقة فيما لم يعنعن فيه. بل علق الحكم على التدليس وعدمه .
    وقال الدارقطني في ابن جريج : " يتجنب تدليسه فإنه وحش التدليس... إلخ " ([141]).
    فنجد الدارقطني قال : " يتجنب تدليسه ولم يقل " عنعنته " وإنما يعرف تدليسه بالاعتبار والقرائن .
    3- أخذ على ابن جريج، أنه حدث بالإجازة والمناولة، وتوسع في ذلك، وهذا ما يسمى بـ " تدليس الصيغ " .
    قال الحافظ الذهبي ( ت748هـ ) : " وكان ابن جريج، يرى الرواية بالإجازة والمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في روايته عن الزهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط بعد شكل ولا نقط " ([142]) .
    ولقد سبق بيان، أن هذا ليس مذهباً خاصاً بابن جريج، بل ذهب إليه جماعة من المحدثين .
    وقد كانت الإجازة المتعارف عليها عند التابعين وتابعيهم، كانت في الشيء المعيّن يعرفه المجيز والمجاز له، أو مع حضور الشيء المجاز فيه. أما الإجازة المطلقة فقد حدثت بعد زمن أتباع التابعين، حيث اشتهرت التصانيف وفهرست الفهارس ([143]) .
    ورواية ابن جريج عن الزهري، وعن هشام بن عروة، إجازة إنما هي من هذا الباب كما سيأتي بيانه .
    والذي صح عن الزهري، أنه كان يسوغ الإجازة في المعيّن، كما روى عنه ذلك عبيدالله بن عمر العمري بسند صحيح قال : " أشهد على ابن شهاب، لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له : يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول : نعم، فيَجَتزيءُ بذلك. وتحمل عنه، ما قرئ عليه " ([144]) .
    قال ابن عبدالبر : " هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه، ويعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة، وفي معناها الإجازة إذا صح تناول ذلك " ([145]) .
    وقد علق ابن حجر، على قول يحيى بن سعيد، في حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال : " ضعيف " وقال: " لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه " قال ابن حجر: " قلت : ففيه نوع اتصال، ولذلك استجاز ابن جريج أن يقول فيه أخبرنا " ([146]).
    أما رواية الواقدي، عن أبي الزناد، أنه قال : شهدت ابن جريج، جاء إلى هشام بن عروة، فقال : يا أبا المنذر، الصحيفة التي أعطيتها فلان هي حديثك؟ فقال : نعم .
    قال الواقدي : فسمعت ابن جريج بعد ذلك يقول : حدثنا هشام بن عروة ما لا أحصي " ([147]) .
    فهذه الرواية سندها ضعيف، محمد بن عمر الواقدي، متروك مع سعة علمه، كما قال ابن حجر ([148]) .
    ومقتضى هذه الراوية، أن هشام لم يأذن لابن جريج بالراوية، حيث سأله فقط: هل هي من حديثك؟ فقال : نعم .
    ثم استجاز ابن جريج روايتها بصيغة التحديث .
    وهذا لا يصح من ابن جريج، إنما الصحيح ما رواه الفسوي بسنده، إلى هشام بن عروة، قال : جاء ابن جريج بصحيفة مكتوبة فقال لي : يا أبا المنذر، هذه أحاديث أرويها عنك؟ قلت : نعم. فذهب فما سألني عن شيء غيرها ([149]) .
    وروى الترمذي ([150])، بسنده إلى يحيى بن سعيد، قال : جاء ابن جريج، إلى هشام بن عروة بكتاب فقال : هذا حديثك أرويه عنك؟ فقال : نعم .
    وفي كلا الروايتين، التصريح بإذن هشام بن عروة لابن جريج بالرواية عنه، وهذه إجازة لمعين، وهي مما صححها العلماء وأجازها .
    4- أُخِذَ على ابن جريج، أنه يدلس تدليس الشيوخ، فقد دلس اسم شيخه، إبراهيم بن أبي يحيى، إلى إبراهيم بن أبي عطاء، ولم يثبت عنه ذلك النوع، إلا في شيخه هذا فقط، وهذا يعني أنه لم يكن مكثراً منه .
    وتدليس الشيوخ، ليس قدحاً في الراوي؛ لأن له أسباباً كثيرة يحمل عليها، ولا نستطيع أن نجزم بقصد الراوي في هذا التدليس، وأقل ما فيه أنه يُوعر الطريق إلى معرفة الشيخ، الذي روى عنه، ولا يميَّز شيخه الذي روى عنه، وبالنسبة لابن جريج مع شيخه إبراهيم، مما ميّزه النقاد وعرفوه، ولم يخفَ ذلك عليهم .
    وقد وقع في هذا التدليس، كثير من الأئمة بعضهم من الذين ذموه وحذروا منه، لكن يحمل ذلك منهم، على عدم قصدهم له .
    وقد وقع في ذلك الخطيب البغدادي، وهو الحافظ المكثر من الشيوخ، والمسموع؛ حيث كان ينوع في الشيخ الواحد ([151]) .

    ووقع ذلك أيضاً، للإمام البخـاري في شيخـه الذهلي، فإنه تارة يقول محمـد، ولا ينسبه، وتارة : محمد بن عبدالله فينسبـه إلى جده، وتارة : محمد بن خالـد، وينسبه إلى والد جده ([152]) .
    ومن خلال استعراض الأقوال السابقة في ابن جريج، نجد أن أكثر ما اتهم ابن جريج بتدليسه، ما كان عن طريق شيخه إبراهيم، مع أنه لم يرو عنه كثيراً، كما صرح بذلك أبو حاتم، حيث قال : " إبراهيم بن أبي يحى، روى عنه ابن جريج والشافعي، فأما ابن جريج فإنه يكني عنه ويسميه إبراهيم بن محمد بن أبي عامر، وإبراهيم بن أبي عطاء، وإبراهيم بن محمد بن أبي عطاء، ولم يرو عنه إلا الشيء اليسير " ([153]) .
    وهذا الشيء اليسير عرفه العلماء، وميزوا رواياته عنه، ولم يكن خفياً، ولا كثيراً، بحيث يصعب حصره، وعلى ذلك فالروايات المُدلَسة، عن ابن جريج، من طريق شيخه إبراهيم، ليست كثيرة حتى يكون الحكم الغالب لها، بل أن ابن جريج ليس كثير التدليس كما سيأتي بيانه .
    وقد أجاب ابن القطان، عن هذه التهمة، التي وجهت إلى ابن جريج، فقال عند حديثه، عن إبراهيم بن أبي يحيى : " وقد كان من الناس، من كان حسن الرأي فيه، منهم الشافعي وابن جريج، وقد روى ابن جريج أحاديث قالوا : إنه إنما أخذها عن إبراهيم بن أبي يحيى فأسقطه وأرسلها " .
    ثم قال معقباً على ذلك : " وعندي أن هذا لا يصح على ابن جريج، فإنه من أهل العلم والدين، وإن كان يدلس، فلا ينتهي في التدليس، إلى مثل هذا الفعل القبيح، ولو قدرناه حسن الرأي في إبراهيم " ([154]) .
    وقد سبق قول المعلمي، عن ابن جريج، أنه لا يدلس إلا عمن كان ثقة عنده، أي لا يعتقد ضعفه أو كذبه، فيدلس عنه أو يكنيه ، أو يلقبه، حتى لا يعرف .
    وقد اعتذر الحافظ علاء الدين مغلطاي ( ت762هـ )، لرواية الشافعي وابن جريج عنه، فقـال نقلاً عن الإمام زكريا بن يحيى الساجي ( ت307هـ ) : " والشافعي لم يخرج عن إبراهيم حديثاً في فرض، إنما جعله شاهداً في فضائل الأعمال، وظن به الشافعي ما ظن به ابن جريج " ([155]) .
    وهذا يدل، على أن ابن جريج، كان حسن الظن في شيخه إبراهيم، لذلك كان يكنيه ويلقبه .
    وكذلك كان الشافعي حسن الرأي فيه، حيث قال عنه : " لأن يخر إبراهيم من بُعد، أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث " ([156]) وكان إذا روى عنه قال : " حدثني من لا أتهم " .
    وقد اعتذر الذهبي، عن رواية الضعفاء، عندما نقل تدليس أبي الحسن القطان، عن الضعفاء فقال : " نعم والله صح هذا عنه أنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعةٍ كبارٍ فِعْله، وهذه بلية منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جوزوا على ذلك الشخص، الذي يسقطون ذكره بالتدليس، أنه تعمد الكذب، وهذا أمثل ما يعتذر به عنهم " ([157]) .
    أما عن اتهام ابن أبي يحيى، لابن جريج حيث قال عنه :
    " إني حدثته ( من مات مرابطاً مات شهيداً ) فحدث عني ( من مات مريضاً ... ) " فقد رد على ذلك ابن الجوزي حيث قال :
    " ابن جريج هو الصادق " ([158]) وقال في اللآلئ ([159]): " لا يصح، ومداره على إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك " .
    وهذا يدل على أن ابن جريج أحفظ من إبراهيم،وما حدَّث إلا ما حدثه به،فالخطأ أساساً في الحديث من جهة إبراهيم، لا من جهة ابن جريج الحافظ الأمين، والله أعلم .
    5- أخذ عليه أيضاً: روايته عن أبي بكر السبري، وهو من جملة الضعفاء، وممن اتهم بوضع الحديث .
    وقد ذكر الواقدي، أنه سمع أبا بكر بن أبي سبرة يقول: " قال لي ابن جريج : أكتب لي أحاديث من أحاديثك جياداً، فكتبت له ألف حديث ودفعتها إليه، ما قرأها عليّ ولا قرأتها عليه .
    قال الواقدي: ثم رأيت ابن جريج قد أدخل في كتبه أحاديث كثيرة من حديثه، يقول : حدثني أبو بكر بن عبدالله، وحدثني أبو بكر بن عبدالله – يعني ابن أبي سبرة – وكان كثير الحديث وليس بحجة " ([160]) .
    وهذه راوية ضعيفة جداً لا تثبت، فالواقدي متروك كما سبق، فلا يقبل قوله في ابن جريج الثقة الحافظ .
    وأبو بكر السبري رموه بالوضع، وكان عالماً ([161]) .
    فلا يقبل قول أبي بكر، في ابن جريج، أنه حدثه بهذه الكمية الكبيرة من الأحاديث، ولا قول الواقدي، أنه أدخل في كتبه أحاديث كثيرة .
    نعم، قد ثبت أن ابن جريج روى عنه، كما قال يحيى بن معين :

    " يروي ابن جريج، عن أبي بكر السبري، وكتبه منه إملاء " ([162]) .
    ولكن ابن عدي قال : " روى عنه ابن جريج أحاديث، وهو في جملة من يضع الحديث " ([163]) وهذا يبين أنها كانت أحاديث قليلة، وقد ذكرها ابن عدي .
    وجاءت رواية أخرى، عن يحيى بن معين، أنه سئل عن أبي بكر السبري، فقال : ليس حديثه بشيء، قَدِم هاهنا فاجتمع الناس عليه، فقال : عندي سبعون ألف حديث، إن أخذتم عني كما أخذ ابن جريج، وإلا فلا .
    قيل ليحيى : عرض؟ قال : نعم ([164]) .
    وهذه الرواية، توضح طريقة تحمل ابن جريج، من أبي بكر السبري، وأنه تحمل عنه مناولة، لكن لا يلزم من ذلك، أنه روى عنه، كل تلك الأحاديث التي تحملها، فربما اختار منها ما رآه حسناً .
    6- أن أشد من تكلم في ابن جريج، هو الدارقطني، ثم كل من جاء بعده تأثر بكلامه، ونقل نفس عبارته، ومن المعروف، أن الدارقطني من المتشددين في التجريح .
    قال الإمام محمد بن عبدالله الزركشي ( ت794هـ ) : " وما سبق عند الدارقطني، عن ابن جريج، فيه تشديد " ([165]) .
    وقد وصفه ابن حجر ([166]) بالتعنت .
    7- وصف الحافظ العلائي ([167]) ابن جريج، بقوله : " يكثر من التدليس " ثم صنفه من المرتبة الثانية من مراتب التدليس وهي : " من احتمل الأئمة تدليسه، وخرجوا له في الصحيح، وإن لم يصرح بالسماع،وذلك إما لإمامته، أو لقلة تدليسـه في جنب ما روى،
    أو لأنه لا يدلس إلاّ عن ثقة " .
    فالعلائي هو أول من وصف ابن جريج بكثرة التدليس، ثم تتابع على ذلك من جاء بعده، كالعراقي، وسبط ابن العجمي، وابن حجر، والسيوطي .
    لكن العجيب، أنه يضعه بعد ذلك في المرتبة الثانية، الذين احتمل الأئمة تدليسهم، للأسباب السابق ذكرها .
    وابن جريج ممن تنطبق عليه هذه الأوصاف، فهو قليل التدليس كما سيأتي بيانه، وممن أخرج له البخاري ومسلم في الصحيحين، وفي مواضع منهما، لم يصرح فيها ابن جريج بالسماع، ومما لا شك فيه أنه إمام ثقة حافظ، بل مجمع على إمامته وثقته، كما سبق من أقوال العلماء فيه .
    ثم جاء ابن حجر، واستفاد من كتاب العلائي، كما بين ذلك في مقدمة كتابه : " تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس " فقال :
    فهذه معرفة مراتب الموصوفين بالتدليس، في أسانيد الحديث النبوي، لخصتها في هذه الأوراق لتحفظ، وهي مستمدة من جامع التحصيل، للإمام صلاح الدين العلائي شيخ شيوخنا، تغمدهم الله بواسع رحمته، مع زيادات كثيرة في الأسماء ... " ([168]) .
    ثم نجد أن ابن حجر، خالف العلائي في مرتبة ابن جريج، ووضعه في المرتبة الثالثة وهم : " من أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم، إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبله " ([169]) .
    والعجيب بعد ذلك، نجد أن ابن حجر، يصف ابن جريج بقلة التدليس، كما سيأتي بيانه .
    8- لقد وصف ابن جريج بكثرة تدليسه، وعند التحقيق، وجدت أنه كثير الإرسال لا التدليس؛ لأن غالب صيغ تحديثه ظاهرها الانقطاع، وليس إيهام التدليس، كما أن تدليس ابن جريج واضح وظاهر، مما جعل العلماء يميزون بين ما سمعه من فلان، وما لم يسمع. كما قال الخليلي عنه : " يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ " ([170]) .
    كما أنه عند البحث، ترجح لي أن ابن جريج، قليل التدليس، وليس كما اشتهر عنه بأنه يكثر من التدليس، والدليل على قلة تدليسه عدة أمور :
    أولاً : أن الغالب في ذلك العصر هو الإرسال وليس التدليس، ولم يكن يعرف فيهم التدليس بعد .
    قال الشافعي : " ولم نعرف بالتدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا إلا حديثاً " ([171]) .
    كما أن التدليس، لم يكن معروفاً، عند أهل الحرمين، كما قال الخطيب : " أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين، مكة والمدينة، فإن التدليس عنهم قليل، والكذب ووضع الحديث فيهم عزيز " ([172]) .
    وقال الحاكم : " إن أهل الحجاز، والحرمين، ومصر، والعوالي، ليس التدليس من مذهبهم " ([173]) .
    ثانياً : لقد أورد ابن حجر، عدة نصوص، تدل على قلة تدليس ابن جريج، ومن ذلك ما يلي :
    - روى الإمام البخاري في صحيحه ([174])، عن أبي عاصـم قال: أخبرنا ابن جريج،
    قال: أخبرني صالح بن كيسان ([175])، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : " أهلّ النبي e حين استوت به راحلته قائمة " .
    قال ابن حجر : " وقد سمع ابن جريج من نافع كثيراً، وروى هذا عنه بواسطة، وهو دال على قلة تدليسه، والله أعلم " ([176]) .
    - وقال ابن حجر في رواية لابن جريج عن موسى بن عقبة، عن نافع :
    " فيه إدخال الواسطة بين ابن جريج ونافع، وابن جريج قد سمع الكثير، ففيه دلالة على قلة تدليس ابن جريج، وروايته عن موسى من نوع رواية الأقران " ([177]) .
    - وقال في موضع آخر :
    " وفي الحديث ما يدل على قلة تدليس ابن جريج فإنه كثير الرواية عن نافع، ومع ذلك أفصح بأن بينهما في هذا الحديث واسطة " ([178]) .
    - كما روى الإمام البخاري في صحيحه ([179])، عن ابن جريج قال : أخبرني عبيدالله بن حفص ([180])، أن عمر بن نافع ([181]) أخبره، عن نافع مولى عبدالله، أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول ... الحديث " .
    قال ابن حجر : " أقران متقاربون في السن واللقاء والوفاة، واشترك الثلاثة في الرواية عن نافع، فقد نزل ابن جريج في هذا الإسناد درجتين، وفيه دلالة على قلة تدليسه " ([182]) .
    ومن العجيب أن ابن حجر يصفه هنا بقلة التدليس، ثم يضعه في المرتبة الثالثة ممن أكثروا من التدليس .
    ومن المعروف أن فتح الباري من الكتب التي حررها ابن حجر في آخر حياته .
    ثالثاً : هناك بعض المواضع التي وجدتها، وتدل على قلة تدليس ابن جريج، ومن ذلك ما يلي :
    1- ما رواه الإمام مسلم ([183])، عن طريق ابن جريج ، قال : أخبرني زياد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة " أن النبي e كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات " .
    وابن جريج يروي عن ابن شهاب، وقد لقيه وسمع منه –كما سيأتي تحقيق ذلك– ونجد ابن جريج هنا يروي عنه بواسطة، مما يدل على قلة تدليسه .
    2- ما رواه الإمام النسائي ([184])، من طريق ابن جريج قال : " أخبرني عمرو بن دينار، قال أخبرني عطاء، ثم ساق الحديث .
    وابن جريج مكثر عن عطاء، وقد استوعب حديثه كله، ولكنه هنا يروي عنه بواسطة، وهذا يدل على قلة تدليسه؛ إذ لو كان مكثراً من التدليس لرواه عن عطاء مباشرة .
    3- ما رواه الطبري([185])، من طريق ابن جريج قال : سمعت رجلاً يحدث، عن عطاء بن أبي رباح، عن علي بن أبي طالب ... الخ .
    وابن جريج مكثر عن عطاء، وهنا صرح بوجود الواسطة بينه وبين ابن جريج، مما يدل على قلة تدليسه .
    خلاصة القول :
    من خلال ما سبق يتضح لي عدة أمور :
    أولاً : أن روايات ابن جريج، لا يحكم فيها بحكم كلي من القبول أو الرد، وليست هناك قاعدة مطّردة، وإنما يرجع في ذلك إلى القرائن، فكل حديث له حكم خاص
    به، وكل شيخ له حكم خاص، وقد تبين لي من دراسة شيوخ ابن جريج، أن بعض شيوخه تحمل روايته عنهم، على السماع حتى وإن لم يصرح بالسماع، كعطاء، وعمرو بن دينار؛ لملازمته لهما، وكنافع، وابن أبي مليكة، كما سيأتي بيانه .
    والحكم على رواية ابن جريج، يكون بالقرينة وهو ثبوت تدليسه، لا بالصيغة؛ لأن الصيغ يتصرف فيها الرواة كما سبق بيانه .
    فإذا ثبت لقاء ابن جريج بشيخه، وروى عنه بصيغة محتملة للسماع، فإنها تحمل على السماع .
    قال ابن حجر: " ومن يوصف بالتدليس من الثقات، إذا روى عمن لقيه، بصيغة محتملة حملت على السماع، وإذا روى عمن عاصره بالصيغة المحتملة، لم يحمل على السماع في الصحيح المختار " ([186]) .
    ثانياً : الأصل في روايات ابن جريج الثقة الحافظ السماعَ، إلا ما قام الدليل على أن هذا الحديث مدلَّس، ويعرف ذلك بأمور :
    1- ما صرح فيه الأئمة، بأن ابن جريج لم يسمع من فلان أصلاً، كقولهم: لم يسمع من عمرو بن شعيب، لم يسمع من صفوان بن سليم، لم يسمع من عمران بن أبي أنس، لم يسمع من المطلب، وهكذا .
    فإذا روى ابن جريج، من طريق هؤلاء، وغيرهم، ممن ثبت عدم سماعه منهم، فإنه لا يقبل إلا إذا صرح بالسماع .
    2- أن يُروى الحديث عن ابن جريج مدلساً، ويأتي من وجه آخر، مصرحاً فيه بالواسطة بينه وبين شيخه .
    مثال ذلك : قال الدارقطني : " وأخرجا – أي الشيخـين -، حديث ابن جريج، عن الزهري، عن سليمان بن يسار([187])، عن ابن عباس، عن الفضل ([188]).
    وقال الحجـاج: عن ابن جريج، حُدثت عن الزهـري، فإن كان ضبط فقد أفسد " ([189]) .
    وهنا استدل الدارقطني، على تدليس ابن جريج، بوجود الواسطة المجهولة بقوله " حُدثت " .
    3- أن ينص أحد العلماء، على أن هذا الحديث أو الحديثين، لم يسمعه ابن جريج ممن فوقه .
    مثال ذلك : ما رواه الإمام أبو داود ([190])، من طريق ابن جريج، قال : قال أبو الزبير، قال جابر بن عبدالله، قال رسول الله e : وذكر الحديث .
    وروي من وجه آخر، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي e بمثله، وزاد عليه بزيادة .
    قال أبو داود : هذان الحديثان، لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير، وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال : إنما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات، قال أبو داود : وقد رواهما المغيرة بن مسلم ([191])، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي e .
    وقال ابن أبي حاتم ( ت327هـ ) : " سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله، عن النبي e : ثم ذكر الحديث .
    " فقالا : لم يسمع ابن جريج، هذا الحديث من أبي الزبير، فقلت لهما: ما حال ياسين؟ فقالا : ليس بقوي " ([192]) .
    وقال الحافظ ابن حبان ( ت354هـ ) : " وكل ما وقع في نسخة ابن جريج، عن أبي الزبير، من المناكير، كان ذلك مما سمعه ابن جريج، عن ياسين الزيات، عن أبي الزبير فدلس عنه " ([193]).
    من خلال ما سبق، يتبين أن العلماء نصوا على حديث : " ليس على مختلس قطع " بأن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير وذكروا الواسطة بينهما وهو ياسين الزيات، وقال : " أنا حدثت به ابن جريج " .
    قال الألباني : " ياسين الزيات متهم، فلا يصدق في قوله، أنه هو الذي حدث ابن جريج، على أنه لو صدق في ذلك، فهو لا ينافي هذا سماع ابن جريج بعد ذلك من أبي الزبير، ولولا أن ابن جريج معروف بالتدليس، لم نتقبل هذا الجزم بعدم سماعه من أبي الزبير، لكن القطع برد هذا، يحتاج إلى رواية فيها التصريح بسماعه من أبي الزبير، وقد وجدتها، ولله الحمد ... إلخ " ([194]) .
    كما أننا نجد في الصحيحين، جملة من أحاديث ابن جريج، عن أبي الزبير بعضها مصرح فيه بالتحديث أو الإخبار، وبعضها بالعنعنة .
    ويدل على سماع ابن جريج من أبي الزبير، ونفي سماعه لهذا الحديث فقط .
    وقول ابن حبان، أن ما رواه ابن جريج عن أبي الزبير وكان منكراً، فهو مما سمعه من ياسين الزيات، ومفهوم ذلك أنه إذا روى عنه حديثاً مستقيماً فيقبل، فليس كل ما سمعه من أبي الزبير منكر، بل المنكر ما سمعه من ياسين، وهذا له حكم خاص حسب القرائن .
    4- أن ينص أحد الأئمة، أن هذا الحديث أو الحديثين فقط، سماع ابن جريج من شيخه فلان، وما عداهما فلا .
    مثال ذلك : قال الدوري : سمعت يحيى يقول : الذي سمع ابن جريج، من حبيب بن أبي ثابت ([195])، سماع حديثين، وما روى عنه سوى ذلك أظنه بلغه عنه ولم يسمعها، الذي سمع حديث أم سلمة ( ما أكذب الغرائب ) والحديث الآخر ( حديث الرقى )، حدث به ابن جريج قال : حدثني عطـاء، عن حبيب بن أبي ثابت، فلقيت حبيباً فحدثني " ([196]) .
    ثالثاً : ما رواه ابن جريج بلفظ " حدثت " و " أخبرت "، فله حكم المرسل لا المدلس؛ لأن الانقطاع فيه ظاهر، ولأن صيغة " حدثت وأخبرت " لا توهم السماع، بينما صيغة التدليس " قال وذكر " توهم السماع .
    والمرسل ضعيف عند المحدثين، ولا يقبل إلا إذا جاء متصلاً من طريق آخر، فيقبل ويتعضد به .
    وهنا نصل إلى أن الأحاديث التي ثبت فيها تدليس ابن جريج، وروايته فيها عن الضعفاء، فإنها تُسقط ولا يحتج بها، ولا يضر ذلك في باقي حديثه، وخصوصاً إذا روى عن شيوخه الذين أكثر عنهم .
    قال الحافظ الحميدي ( ت488هـ ) : " وإن كان رجل معروفاً بصحبة رجل، والسماع منه، مثل ابن جريج عن عطاء، أو هشام بن عروة عن أبيه، وعمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم، ممن يكون الغالب عليه السماع، ممن حدث عنه، فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبين من حدث رجلاً مسمى، أو أسقطه، ترك ذلك الحديث الذي أدرك عليه فيه أنه لم يسمعه، ولم يضره ذلك في غيره، حتى يدرك عليه فيه مثل ما أدرك عليه في هذا، فيكون مثل المقطوع " ([197]) .
    ولقد حاولت التوسع في هذا المبحث لأهميته، ولعلاقته المباشرة بالحكم على الأسانيد، فتدليس ابن جريج قضية تحتاج إلى بحث خاص موسع، تجمع فيها أحاديثه عن الرواة التي قيل فيهم ( لم يسمع منهم ) فبجمع الطرق ودراسة صيغ التحمل نصل إلى حكم نهائي؛ لأنني من خلال اطلاعي، على أحاديث بعض الرواة، الذين قيل فيهم ( لم يسمع منهم )، وجدت في بعض الطرق، تصريح ابن جريج بالسماع، مما يدل على أهمية جمع أحاديث ابن جريج، ودراستها دراسة حديثية نقدية، وهذا يؤكد ما توصلت إليه بأننا لا نستطيع أن نحكم على روايات ابن جريج بحكم كلي بل نحكم بالقرائن .
    وقد سئل الشيخ الألباني رحمه الله عن عنعنة ابن جريج، فلم يحكم عليها بحكم كلي وقال : " لا يمكن أن نُعطي لها قاعدة مضبوطة مجسدة تماماً، إنما هذا يعود إلى الدراسة الموضوعية للحديث ذاته، فقد يحتج به وقد لا يحتج به " إلى أن قال : " ما أستطيع أن أقول – هنا – طرداً يستشهد بعنعنة ابن جريج، أو لا يستشهد " ([198]) .

    http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=104308
    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  2. #2
    ابن رجب غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    2,107

    افتراضي رد: تدليس ابن جريج

    بارك الله فيكم واجزل لكم المثوبة .

    قل للذي لايخلص لايُتعب نفسهُ


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    51

    افتراضي رد: تدليس ابن جريج

    جزاكم الله خيرا أخي الفاضل على هذا الحرص على نشر العلم بين أهله ، جعله الله في ميزان حسناتك ، وإليكم البحث على ملف ورد ، نفعني الله وإياكم به .
    التحميل من هنا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,265

    افتراضي

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    المشاركات
    933

    افتراضي


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •