سنة التداول


د. محمد عمارة : بتاريخ 13 - 8 - 2007

لقد عملنا القرآن الكريم أن "التداول" سنة من سنن الله في الاجتماع الإنساني وعبر تاريخ الأمم والحضارات :{وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} آل عمران : 140 { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد :38 ..
كذلك علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سنة التداول هذه هي التي جعلت وتجعل خط سير التاريخ يأخذ شكل "الدورات" فكما يتم التداول بين الليل والنهار كذلك يتم التداول بين العدل والجور ..وبين الصعود والهبوط ...وبين التقدم والتخلف ...وبين النهوض والانحطاط ...وصدق رسول الله إذ يقول :"لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله،حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره ، ثم يأتي الله تبارك وتعالي بالعدل ، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله ، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيرة " رواه الإمام أحمد .
وإذا كان الحال كذلك مع سنة التداول فإن الهزيمة النفسية لا يجوز لها أن تعرف مكانا لها بين الأمة التي تؤمن بهذه السنة مهما اشتدت المحن وطال الليل وتكاثفت الظلمات خصوصا مع تصديق التاريخ على صدق سنة التداول في مراحل هذا التاريخ ...ومع البشائر التي تؤكد عليها الأحاديث النبوية من مثل :"الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة " ...وان هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة
.."لا تجتمع أمتي على ضلالة " ....إن الأمة الإسلامية تمتلك وطنا متكامل أقطاره وتبلغ مساحته خمسة وثلاثين مليونا من الكيلومترات المربعة أي أربعة أضعاف مساحة الصين ...ويبلغ تعداد هذه الأمة مليارا ونصف المليار من السكان ...أي ربع البشرية ...وأغلبية المتدينين بالديانات السماوية ....والتي تمتلك من الثروات المادية ما يجعلها العالم الأول على ظهر هذا الكوكب ...إن هذه الأمة رغم المأزق الحضاري الذي يمسك منها الخناق ...لا زالت تمتلك الجوامع الخمسة ...وحدة العقيدة ووحدة الشريعة ...ووحدة الحضارة ووحدة الأمة ...وتكامل دار الإسلام ...وذلك فضلا عن الرصيد الحضاري الذي تعلمت منه الدنيا والذي جعل هذه الأمة "العالم الأول" على ظهر هذا الكوكب لأكثر من عشرة قرون بينما عمر الغرب كعالم أول لم يتجاوز قرنين من الزمان ...
فإذا دعت هذه الأمة تاريخها في ظل سنة التداول وإذا أدركت أرصدتها الحضارية والمادية في ظل هذه السنة فإن الهزيمة النفسية التي هي أخطر تحديات واقعنا المعاصر لن تجد لها طريقا مفتوحا إلى عقول هذه الأمة وقلوبها ...
صحيح أن سفينة هذه الأمة الإسلامية تناوشتها الأمواج العاصفة في محيط عالي أعلنت الفرعونية والقارونية الغربية فيه الحرب الصليبية على الإسلام وأمته وحضارته وعالمه ...وأن التحديات المعاصرة تريد تحويل "نعمة التعددية" إلى "نقمة التشرذم المذهبي" ...لكن الوعي بعمل سنة التداول في التغيير والنهوض عبر التاريخ.. تاريخنا وتاريخ الأمم الأخرى يقول لنا :
لقد كانت الفتوحات الإسلامية التي فتح فيها المسلمون في ثمانين عاما أوسع مما فتح الرومان في ثمانية قرون والتي هزم المسلمون فبها قوى الهيمنة العظمى الروم والفرس التي قهرت الشرق عشرة قرون ...تجديدا لسنة التداول بين الأمم والحضارات ...
وكذلك كان التحرير الإسلامي الذي قادته دول الفروسية الإسلامية الأيوبية والمملوكية ـ ضد التيار والحملات الصليبية التي دامت قرنين من الزمان ...وكذلك كانت حركات التحرر الوطني في تاريخنا الحديث تلك التي دفعت الإمبراطوريات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والسوفيتية في النصف قرن الأخير .

http://www.almesryoon.com/ShowDetail...&Page=1&Part=2